2017/03/26

فاكية صباحي تبحث عن الإنسان عبر النوافذ الموجعة



فاكية صباحي تبحث عن الإنسان عبر النوافذ الموجعة(***)

حاورتها د. دليلة مكسح – بسكرة – الجزائر
الكتابة القصصية في فضاء التيمة / تيمة الإنسان:
       ما أصعب أن نبحث عن الإنسان في زمن اختلت فيه الموازين، وتداخلت القيم، وتراكمت العوائق، لكن في عمق هذا الانفلات يظل لبعض الأصوات الإبداعية، ذلك الحس، وتلك القوة التي تمنح للوجود البشري بعض خيوط الضوء، كي يسير بسلام نحو بر الأمان، وما أهون طريقه، حين تقف الإرادة سامقة.
فاكية صباحي القاصة والشاعرة والناقدة الجزائرية، تلك المرأة التي تصر على البحث عن الإنسان في زوايا العتمة، وتحت تجاعيد الغبار، وتفاصيل الأشياء المنسية، تفاجئ قارئها بالدخول إلى دهاليز يخالها لم توجد من قبل، كل ذلك لأن الإنسان يقبع فيها صامتا، فتطل عليه الكاتبة فاكية صباحي، لتلقي عليه التحية، وتعيد تأثيث وجوده، وغرسه في مسافات الحياة.
لأجل ذلك تأتي مجموعتها القصصية " نوافذ موجعة" منفذا نطل من خلاله على فضاء رحب، يحمل من الجمال والقبح الفنيين نصيبا كبيرا، فالجمال يرقص على حواف تفاصيل الواقع اليومي، وهو يحوله إلى تحف قابلة للتذوق والتأثير، والقبح يمتثل في تلك التفاصيل الملتقطة من مشاهد اليومي والمعيش، التي يغيب فيها الإنسان بإنسانيته، ولكن الكاتبة لا تحب أن تكون كتابتها مجرد مرآة عاكسة، إنها لا ترضى لنفسها ولحروفها هذا الموئل، بل تغوص وتتجشم معاناة اللقيا مع اليومي المبتذل، لتحيي الرميم وتصنع من أشكال الموت حياة جديدة.
    تؤسس الكاتبة فاكية صباحي مجموعتها القصصية (نوافذ موجعة) على خمس عشرة قصة، القاسم المشترك بينها هو تيمة الإنسان، التي تسعى من خلالها الكاتبة إلى رصد تفاصيل واقعية عديدة، تحيل كلها إلى مسألة تغييب الإنسان، وإعاقة حركته في الواقع المعيش، مستلهمة أحد العناصر الهامة، التي تجعلها قرينة للتيمة، وهي فكرة فوات الأوان، ففي كل قصة هناك صراع باطني مع سيرورة الزمن وصيرورته، خوفا من ضياع هذا الإنسان، الذي تروم الكاتبة إلى تحريره من حركة الزمن، محيلة في الآن نفسه إلى قيمة الذات في مواجهة الصعوبات، داعية إلى إعادة غرس روح الجماعة، التي بفضلها يعاد تشكيل المنظومة الإنسانية.
    إن الكاتبة لم تسع إلى تحرير الإنسان من قيد واحد، بل هي قيود عديدة، ولعل أهمها تحريره من الخوف الذي يحول دون وصوله إلى تحقيق الأفضل، وتحريره من قيوده الذاتية، ودعوته إلى احترام نفسه، وقد بدا ذلك بشكل أفضل في قصتها (مسحوق رمادي) حين كانت الشخصية الرئيسة تبحث عما يخفي تجاعيدها، ولكن الكاتبة تصدمها كما تصدم القارئ حين تستعين بعنصر المرآة الكاشفة، دلالة على ضرورة مواجهة الذات مهما كان الوضع.
لأجل كل ما ذكرنا كان هذا الحوار الشيق مع الكاتبة فاكية صباحي، وهي تفتح لنا نوافذها الموجعة:
س- نبدأ أولا بالعنوان لِمَ النوافذ موجعة ؟
ج- قبل البدء يطيب لي أن أبعثر بعض أزهار الشكر والامتنان بين يدي الأديبة الفاضلة، والأخت الغالية الدكتورة دليلة مكسح، راجية من المولى أن يجعلنا دائما على ما لا يبلى بالذاكرة، أما عن سؤالك..فهذه النوافذ التي تركتــُها طي الأوراق، هي سهام تلقيتها تباعا من كنانة الحياة، لتستقر بالصدر؛ وتبقى موجعة في صمت..ومن هنا أردت أن يشركني وجعها القارئ، إذا ما وجد بعض جراحاته بين قصة وأخرى..فقلمي كما تعلمين أيتها الكريمة قلما يجنح إلى الخيال، إذا ما أراد اقتناص مادته.
س‌-  يقول فرانسوا مورياك: إن قيمة أثرٍ ما هي بمقدار ما ينعكسُ فيه مصيرٌ ما؟ فإلى أي حد تؤمنين بذلك؟
ج- إن القيم –أيا كانت- لها فعل تغييري بشكل أو بآخر، لتترك أثرها على شخصية الإنسان ..فالذات كانت، وستبقى نقطة لقاء بين الفعل ورد الفعل، الذي أكيد سوف يبدو جليا في قابل الأيام ..فاختلاف الأشخاص من حيث أنماط السلوك، يعود بالدرجة الأولى إلى اختلاف المحيط، أو الدوائر التي يتحركون في مناخها، وبالتالي فكل ما يترتب من آثار داخل تلك الدوائر، سيبقى بمثابة الرواسب بمنطقة اللاشعور؛ لأن القيم الإيجابية تُنمي في الإنسان حب البناء، بينما تنمي القيم السلبية حب الهدم، الذي بدوره يبقى يشد ذلك الإنسان إلى الحضيض مهما تطور، ومن هنا ندرك جيدا قوة تأثير القيم وانعكاسها على المصير..
لذا يمكننا القول بأن قيمة أثر ما سوف تتغلغل في النفس، وتتجذر بها، لتصير مدماكا مُهمًّا يتغير على حده مصيرٌ ما، مما يترتب عنه تشكيل جديد، ونظرة أخرى وفقا لقوالب تلك القيمة، التي كانت اللبنة الأولى في بناء صرح شخصية الإنسان.
س- اشتغلتِ في نوافذ موجعة على موضوعة الإنسان المحاصَر، المحتَقر، المنسي، اليائس،...تلك الموضوعة التي ارتبطتْ غالبا بفكرة فوات الأوان، فما الذي تريد أن تقوله فاكية صباحي؟ هل الواقع بشع إلى هذا الحد؟
ج- فعلا ..لقد حاولتُ قدر المستطاع أن أطرق أبواب أولئك المنبوذين، الذين يعيشون على هامش الحياة، وهم يحملون ظمأهم على ظهورهم قرابا مطوية ما آن لها أن تمتلئ ..غير أنني ما أردت القول بأن الواقع بشعٌ إلى هذا الحد كما تفضلتِ ..بل أردت التنبيه إلى فئة لا تزال تتخبط في عتمتها، وهي تطرق أبواب النور -الموصدة دونها - بأيدٍ مثقلة بأرزائها ..
س- ولِمَ هذه المأساوية، هل قَدَرُ الكاتب أن يتتبع مواطن العتمة..؟
ج-هذه ليست مأساوية، وإنما هو واقع يعيشه غيرنا، ومن الخطأ التنكر له.. فالكاتب أو الشاعر هو المرآة التي تنقل واقعها بصدق دون تجميل أو مراء؛ لأنه شخصٌ شفافٌ تنعكس على صفحته كل الأشياء كما هي، ومن المؤكد أن أجمل النصوص هي تلك التي وقّعها حبر الألم؛ لأنها كثيرا ما تكون صادقة، لتستقر في قلب المتلقي مباشرة دون الاحتياج لدروب معبدة ..فالمآسي كثيرا ما تختصر المسافات لتوحد بين نبضات القلوب؛ لأن الجرح الذي يتفتق في صدر المتلقي، قد ينزف بصدر الكاتب، إذا ما اتحد النبض بالنبض ..والآهة بالآهة بعيدا عن محطات الزمان، وفواصل المكان.. ولأنني بالفعل مسكونة بأوجاع الناس -ولا أطل عليهم من الشرفات بل أعيش معهم أفراحهم وأحزانهم، وأخلدها بذات الوجع الذي أخلد به أحزاني وأفراحي، بعيدا عن الزيف والتنميق لأتحدث بلسانهم في أغلب الأحيان - حاولت أن أتحد مع كل ذرة من ذرات الواقع بعيدا عن الخيال الذي لا حاجة بي إليه، وأنا أحاول أن أمتشق قلمي مشرطا عساه يستأصل بعضا من تلك الأورام، التي رصدتها عن كثب ..لأن هدف الكاتب الجاد أولا وأخيرا هو محاولة تغيير بعض ما يُشوّه عالمه إلى الأجمل، وبالتالي هو يحاول جاهدا أن يتتبع مواطن العتمة، لعله يزرع بين جنباتها بعض النور..فوحدها قلوب الكتاب الصادقين من تظل معلقة من نبضها، وهي تئن مع أنين هذا، وتحلق مع أحلام ذاك.
     س-ألا يمكن للكاتب أن يقدم ما هو جميل ومشرق في هذا العالم..؟
ج-بلى هو قادر دون أدنى شك على تقديم ما هو جميل ومشرق، فوحده الشاعر أو الكاتب من يستطيع أن يجمِّل العالم بقلمه، ويرسم الحياة أزهارا منمقة برحب خياله، ولكن هذا إذا كان ممن يتجردون من واقعهم عن قناعة ورضا، ليتنكروا لقضايا مجتمعهم، ويصنعوا لهم عالما وهميا لا يريدون الصحو منه، متناسين نسغ الكتابة الحقيقي المتمثل في الصدق، الذي أراه دائما الحد الفاصل بين نص وآخر، فقد نقرأ لكاتب متمكن، ولا تصلنا صوره وتراكيبه مهما تجملتْ، بينما نقرأ لكاتب بسيط ونشعر أنه يكملنا، أو يتحدث عن جرح غائر بأعماقنا ما استطعنا الوصول إليه،  فمن السهل جدا أن نكتب نصا أدبيا، ولكنه من الصعب أن نبث الحياة ناطقة بين جنبات ذلك النص؛ لأن الصدق وحده من يبعثر الحرف ناطقا، ويوقع           الكلمة خالدة لا تحتاج إلى جواز عبور، كي تستقر بقلب المتلقي، ليشعر وكأنه يبحث عنها منذ سنين عددا، حتى تترقرق بصدره نبعا فياضا، يعبُّ منه كلما خاتله صفيرُ اليباب.                                      

    س-  قدمتِ في المجموعة القصصية رؤى ممكنة منحتِ من خلالها بدائل للواقع، مثل المقاومة، وبعث الذات من سباتها، والبحث عن الحرية؟ هل هذا كاف بالنسبة إليك لتشكيل منظومة إنسانية متماسكة؟
ج - نعم كما تفضلتِ لقد قدمت في مجموعة نوافذ موجعة بعض الرؤى، التي انفلتتْ منها بعض البدائل بطريقة ضمنية ..بينما تركتُ رؤىً أخرى مغلقة الأبواب، بهدف أن يشركني القارئ في البحث عن بدائل لها، ولكن هذا ليس كافيا بطبيعة الحال لتشكيل منظومة إنسانية متماسكة؛ لأنني عرضت الجرح فقط على المتلقي، ذلك الجرح الذي سيظل غائرا بين الضلوع..وأنّى لحرفي المتواضع أن يشفيه، وأنا أراه يزداد اتساعا يوما بعد يوم .
س-وما القيمة التي ترين أن لها الأثر الأكبر في بناء الإنسان إيجابيا؟
ج - أما القيمة التي لها الأثر في بناء الإنسان، والتي سوف نبقى نجري وراءها ظلا غافيا، فهي الإنسانية التي أتمثلها نورا، لو انبثق يوما من دواخلنا سوف يجرف جبال العتمة، التي ظلت جاثمة على صدورنا، فالحياة دربها طويل، ومذاقها مرير، ولا يجعل مرها حلوا سوى بسمة صادقة، تستقيم بين وجهين أشرقا معا في لحظة إنسانية محضة.  

س - ماذا تعني لك الكتابة القصصية؟ وهل ترينها قادرة على بناء مصير الإنسان؟
ج‌-   الكتابة القصصية هي المرفأ الذي ترسو به مراكبي بعد رحلة التطواف بهذا الكون الفسيح..وهي الهواء الذي أتنفسه؛ لأنها تُعبّد الطريق إلى التفكير الإيجابي..وتصقل الذات لتصير أكثر قوة وصمودا أمام تيار الحياة الجارف..ومن هنا يتغير سلوك الإنسان من الفعل إلى القول..فبالكتابة سواء أكانت قصصية أم شعرية يستطيع الإنسان إعادة هيكلة ذاته، أو برمجتها على أسس أقوى، ليمحو أي نقطة سوداء علّمت على دفتر الذات بأقلام الآخرين..وبالتالي سوف يصير للكتابة الدور الفعال في بناء مصير الإنسان، وتثبيت خطاه على كل الدروب مهما تشعب مسارها.
س- كيف ترين الكتابة القصصية اليوم؟ هل تبشر بخير؟
ج - الكتابة موجودة والحمد لله..والمواهب متعددة لكن الثابت منها، الذي يحاول المساهمة في بناء المجتمع، متكئا على ركائز مستقرة، قليل جدا، وقد صار كل من هب ودب يدعي الكتابة بحثا عن الأضواء، لنفقد الكثير من القيم التي كانت، وستبقى أساس الأدب الهادف الملتزم، غير أنني لا أستطيع أن أنكر كثيرا من التجارب الرائدة، والأقلام الجادة التي مازالت تناضل، وهي توقع على دروب التألق والإبداع بحروف من ضياء.
س - ما رأيك في التواصل الافتراضي من ناحية التأثير على العملية الإبداعية؟
التواصل الافتراضي هو سلاح ذو حدين..فالإيجابية لا توجد إلا حيث توجد السلبية..ولكن الإنسان الواعي المتزن لا يمكنه إنكار ما لهذا التواصل من فوائد جمة، تعود على الأديب بالمنافع، وتلاقح الأفكار، والاستفادة من خبرات الآخرين، وسرعة انتشار النصوص بين القراء..حيث قضى هذا التواصل على القيود، واختصر المسافات لتصلنا تجارب جادة، ما كنا لنصل إليها لولا هذا العالم الافتراضي..لكن في ذات الوقت هناك مساوئ لا يمكن أن نغفل عنها، ولا يسعني رصدها في هذا المقام ، وأظن أنه لا يزال الوقت مبكرا لتقييم مثل هذا العالم، ونحن مازلنا مشدوهين أمام أضوائه، التي نسأل الله تعالى ألا تثقل البصائر كما أثقلت الأبصار.
    أخيرا أكرر الشكر والامتنان أديبتنا الكريمة الفاضلة.

-         شكرا سيدتي الفاضلة على ما تفضلت به من حديث شيق في رحاب الكتابة القصصية، والإبداع عامة، ومصير الإنسان، وحاجاته، أتمنى لك التوفيق، ومزيد من الإبداع الأصيل الذي يترك بصمته في الحياة؛ لأن ديدنه الإنسان، والإنسان فقط .


***
- فاكية صباحي شاعرة وقاصة وفنانة تشكيلية.
  درست الحقوق واحترفت الفن التشكيلي.
*صدر لها سنة 2013 الجزء الأول من مجموعة قصصية (نوافذ موجعة) عن دار علي بن زيد للنشر والتوزيع، بسكرة، الجزائر.
*صدر لها سنة 2016 ديوان شعر نزيف على مقصلة الصمت عن دار ابن الشاطئ للنشر والتوزيع، الجزائر.
*لديها عدة مخطوطات تحت الطبع.
*متحصلة على الجائزة الأولى على مستوى مدينة بسكرة بالمرحلة الثانوية بقصيدة "درب الخلود".
*متحصلة على الجائزة الأولى للشعر الفصيح على مستوى القطر الجزائري "ملتقى الشعر النسوي قسنطينة " بنصها " نزيف على مقصلة الصمت" والذي أطلق عليه النقاد اسم الأوديسا، سنة 2011.
*متحصلة على الجائزة الثالثة عربيا ( جائزة الأرض) بقصيدة "نزيف على مقصلة الصمت" سنة 2011 ، مناصفة مع البروفيسور محمد إسحاق الريفي من فلسطين، والدكتور خليل عليوي من اليمن.

 *ترجم النص الفائز " نزيف على مقصلة الصمت" إلى الفرنسية من طرف الأديبة التونسية منيرة الفهري، وإلى الإنجليزية من طرف الدكتور فيصل كريم "الكويت"، وإلى لغة الأطياف السبعة من طرف الفنان التشكيلي سائد ريان "فلسطين ".
*متحصلة على الجائزة الأولى للقصة القصيرة في مسابقة جائزة القراء، التي أقامتها ولاية بسكرة سنة 2012  بقصة "وتهب أعاصير الندم "، وقد قدمت القصة آنذاك بالحصة الإذاعية "صحوة ضمير" للمخرج يوسف خليف بإذاعة بسكرة.
*فاز نصها عيد على طللي (شعر عمودي) بملتقى بلغراد الدولي سنة 2014 .
*فاز نصها ضفاف على النوى  (شعر عمودي) شهر جويلية 2016 بمهرجان الشعر الفصيح بعميرة الحجاج بتونس.

د.دليلة مكسح: لطيفة حرباوي حين تُفَصِّلُ العالم بمقاس الشعر



لطيفة حرباوي حين تُفَصِّلُ العالم بمقاس الشعر
 د.دليلة مكسح
لا العالم يستطيع أن يكون جميلا بغير الشعر، ولا الشعر يمكنه أن يتجمل بغير أوار الذات، هكذا يمكن أن نتذوق شعر المبدعة المميزة، والشاعرة الجزائرية المتألقة لطيفة حرباوي في ديوانها "شمس على مقاسي"([1])، حيث تركض الشموس والأقمار، وتتوالى النهارات والليالي وفق مقاس خاص، هو مقاس الشاعرة، التي تتطلع إلى العالم بمنظورها، ولا ترضى له بديلا، تغوص في ثنايا الوجود متسلحة برائحة الذات المعبقة بالتميز، والإرادة الحرة، والجرأة المتوثبة، بحثا عن الذات من جهة، وبحثا عن العالم من جهة، والشعر يقف بينهما كإبرة ميزان، مهمته تثبيت الاتزان، وربط خيوط الوصل بين الذات وعالمها.
ولكن هل يمكننا حقا معايشة السلام في داخلنا، إذا ما نظرنا إلى العالم بمنظار ذواتنا؟ هل يمكننا مواجهة اليتم الوجودي برؤانا لا برؤى الآخرين؟ وما دور الآخرين في صناعة وجودنا؟ وهل العالم لا حراك له من غير ذواتنا؟
كي نجيب نحتاج للغوص العميق في تفاصيل الحروف، التي ترقص بين الشمس والشعر بمقاس الذات الشاعرة.
1/هذه سيدة تحفر حياتها بيديها:
هذه سيدة تحفر حياتها بيديها، فهل لنا نحن أيضا إلى ذلك سبيل ؟..
الشعر في جوهره مقاومة، وليست المقاومة هنا قرينة عدو خارجي فحسب، بل إن العدو الحقيقي لنا هو ذواتنا، التي تمثل العائق الأكبر، والحائل دون بلوغ الذات إلى مراقيها التي ترغب في الوصول إليها، والاغتسال فيها، والتعطر بعبقها، لذلك يجيء الشعر وسيلة خلاقة لمقاومة أشكال الاستسلام، والخذلان، واليأس، والفوضى؛ لأن "الكلمة تفعل أكثر من فعل النار، وتستطيع أن تخترق حصارها." ([2])
 ولتُنتشل الذاتُ من مستنقعات السقوط لا بد من فكرة وثابة، ورؤية ثاقبة، ولا أظن من قادر على ذلك الغوص العميق في ثنايا الذات البشرية غير الشعر، الذي تشهره الذات لتقطع به كل مظاهر الخذلان في داخلها، وإذا كان لابد من وجود الآخر الذي يتربص دوما بالذات في سكونها وحركتها، فإن مقاومته لا تتحقق بنتائجها المرجوة، قبل الإمساك بتلابيب الذات، ومقاومة عناصر الهدم فيها.
ويبدو جليا أن الشاعرة لطيفة حرباوي قد فهمت هذا المبدأ جيدا، وشكلت مقاومتها العنيدة ضد كل مظاهر الهدم في ذاتها، حتى وصلت إلى مرحلة خاصة، هي مرحلة الذات المكتفية بذاتها، القادرة على استنبات أدوات مقاومتها من داخلها، الماسكة بزمام الكلمة، والرؤية، وهي تتغلغل في ثنايا العالم، ذات ترى كل شيء بمقاسها؛ لأن حياتها الحقيقية هي التي تنبع من داخلها، فلا إحساس بالسلام خارجيا إن لم يكن شمعة تضيء داخل الإنسان، فهبْ أن الواقع سعيد ومستقر، فهل تستطيع تذوق ذلك إذا كانت ذاتك مقيدة في حزنها وفوضاها؟ وهل تستطيع الغوص في عالمك مهما كانت صفة ذلك العالم، إن لم تكن قادرا على الغوص في ذاتك ومعرفة تفاصيلها؟
تقول الشاعرة مفتتحة مجموعتها:
على متن قامتي
أمتطي عنق الريح..
أقطف الغيم
أستحم في منقوع الضوء
نعيما أيتها الشمس
فقد صرت على مقاسي... (شمس على مقاسي ص 07)
إن اكتشاف الضوء وملامسته في الحياة، هو رهن حركة الذات في عالميها الداخلي والخارجي، بفاعليتها ومواقفها ورؤيتها تجاه نفسها وتجاه واقعها، حيث لا تأتي الكلمة إلا لتشهر جبروتها وضوءها على كل زاوية مظلمة، وتجيء كلمات لطيفة حرباوي كاشفة سكونية الذات وحركتها، حضورها وغيابها، زيف الواقع، ومظاهر استسلامه، وتفاصيل أزماته، ذلك الكشف الذي يجعل الشمس على مقاس الشاعرة، ويجعل كلماتها شمسا مُظهرة لكل حقيقة تقبع في العتمة، تقول في خضم هذا الكشف:
تصطك الأرصفة
تترك جماجمها لهفوات الريح
لتنتظر الشمس بفارغ الوهم...(شمس على مقاسي ص 08)
هذا الوهم المتغلغل في تفاصيل اليوميات، لم يكن ليوجد لولا انفلات الذوات من ذواتها، واستسلامها لحركة الواقع، دون إبداء أي حركة لمقاومة مظاهر الاستلاب والانسلاخ، ولكن الذات حين تدرك ما يحيط بها، وتعرف أهمية وجودها، فإنها تستمر في مواجهة أشكال استلابها، عن طريق التشبث بما يبعث فيها الحياة، والذات المنتصرة هي التي تبعث الضوء من داخلها، ولو كان محيطها مظلما:
مدينتي موصدة المشاعر
أنتشل قلبي إربا إربا
لأقطع مسافات الحضور
كانت أمي هنا تصطاد لي شوارع زلقة
أسقط على مهلي
لأجلها كنت أكسر رجلي وأنا أسرق باب الجيران
(....)
بعد كل هذا الوهم
ما زلت أنتظرك محملة بعمرك المحظور (شمس على مقاسي ص 13)
ولأن "القصيدة هي الوجه الناطق من ذات الشاعر، والذات الناطقة جزء من هذا الكل الذي نسميه مجتمعا"([3]) فإن ذات الشاعرة وهي تتفتق داخل واقع مرير ومظلم، لا ترضى فيه إلا بحضور مستميت وحافل، ومن هنا يصير الحضور الشعري بمثابة مواجهة عابرة للحدود، ضد كل أشكال الموت، وحين تكون أهداف الذات واضحة، يكون لفعلها الشعري وقعه الخاص؛ لأنه ليس مجرد توقيع في حركة الحياة، بل هو الحياة في حد ذاتها، وأي حياة يمكن أن نحققها بعيدا عن ذواتنا في أمالها وآلامها:
على سلامتك أيها الموت
كن حذرا قبل
أن تتملكني غفوة الحياة
قد أستفيق لأسلم عليك. (شمس على مقاسي ص 20)
ومهما كان شكل الحياة، ومهما كانت مواصفات الذات، إلا أن الجرأة في قول الحقيقة، هي ما يصنع للحياة معنى، حين يصير الأمل فيها مبدأ وجودٍ، والألم حكمةَ حضورٍ:
لا تيأس أيها الوقت
تعلمت منك
ألا أنتظر أحدا على قيد الحياة (شمس على مقاسي ص 61)
ولأن الكاتبة تحفل كثيرا بفعلها في حفر حياتها بيديها، فإن روحها التواقة لكل ما هو جميل، تقودها إلى رسم معالم الطريق لقارئها، حتى يتمكن هو أيضا من خط سبيله في الحياة، وأي قيمة للشعر إن لم يكن ترياقا للآخرين؟
2/إذا كنت تريد الحصول على شمس وفق مقاسك اتبعني:
الكتابة الحقيقية هي التي لا تنسلخ عن واقع كاتبها، ولا عن تفاصيل وجوده ومواقفه، ولكنها أيضا هي تلك الكتابة التي تمنح حق الحياة للآخرين، التائهين في صراعات الواقع، وأن تكون لك مقاساتك الخاصة التي تقاوم بها، يجب أن تمتلك الجرأة والعناد والثقة بالنفس التي تقودك إلى قول الحقيقة كما هي، أو على الأقل كما تراها أنت.
وترشدنا لطيفة حرباوي إلى أشكال كثيرة من أساليب المقاومة، بمواجهة الزيف بكشفه، والسخرية منه، وتسميته بمسمياته، ومحاصرته أينما كان، وتجاوز وضعيات التباكي منه، أو التباكي عليه، وتجيء ومضاتها ساطعة بأنواع عديدة من أشكال المقاومة، النابعة من حسها النقدي البناء، ذلك أن الشعر الحقيقي هو فعل نقدي، وأهمية هذا الفعل أنه يترك الباب "مفتوحا أمام شهوة الحياة"([4])؛ لأن الشعر "وجد كي يعيش ويتأصل في الحياة، ويتحول إلى رغيف خبز بين الناس"([5]).
تقول الشاعرة في إحدى ومضاتها معلنة عن مبدأ الاستمرارية، وحمل مشعل المواجهة دون تزييف:
ازرع ريشك على كتفي قبل الرحيل
لينبت لي جناح منك
واحد يكفي لأحلق من جديد (شمس على مقاسي ص 52)
إلا أن حمل المشعل لا يتحقق للذات التي لا تعرف موقعها من الوجود، ولا تدرك حقيقتها، أو تغفل عن معرفتها، أو تخفي ذلك عنوة، وأهمية المعرفة هنا أنها تمثل المنفذ الأولي الذي لابد للذات من الإقرار به، حتى تتمكن من تأسيس وعيها المقاوِم، تقول الشاعرة مبدية هذا الحس بحقيقة وضع الإنسان، وحقيقة وجوده في واقعه:
من بين أصابع الحضيض
أفر بجلد الورد
أحب أن أكون عطر اللون
والكون..
منذ متى كنت ميسور الحلم؟
وأنا أحمل جيف ما كان
قلت لا رحيق لما هو آت... (شمس على مقاسي ص 44)
إن الاعتراف جميل، وأهميته تكمن في بيان حقيقة الذات ووضعيتها، ومن خلاله يمكن تأسيس الفعل البناء الذي يعيد للحياة جمالها، فأن تكون قادرا على مواجهة ذاتك في تعرجاتها، هذا يعني أنك ستكون قادرا على مواجهة تعرجات الحياة، وقيمة الشعر هنا أنه لا يقودك إلى معرفة الحقيقة فقط، بل إنه يقيم لك حقائق جديدة نابعة مما كشفته، وواجهته، لأن "مهمة الشاعر إعادة تشكيل الواقع وفق منظور شعري مخيالي"([6]) والمخيال هنا لا يعني عبثيته تجاه الواقع الحقيقي، بل إنه مكمل له، منغرس في تمفصلاته، محرك لرواكده، ومن هنا يكون الشعر فعل خالق للحياة لا للموت، فعل يقول لك لا داعي لأن تخاف من الواقع.
3/ لا تخف من الواقع بل قاومه، ولا تخف من ذاتك بل أركض بها:
إن المقاومة هي مسألة صراع بين طرفين، أو عدة أطراف، صراع يحمل ملامح الهزيمة والانتصار، السكون والحركة ، الألم والأمل، ومن عمق هذا الصراع تجيء ومضات الشاعرة ممتلئة بالمشاهد الدرامية، التي هي انعكاس لمأساة الإنسان، وهو يكابد جراحه، وآلامه، وغربته ليقيم في داخله ترياق الخلود، عن طريق مقاومة أشكال الموت، تقول الشاعرة في إحدى ومضاتها:
نتأبط صغارنا
إلى آخر الموت
هناك حيث الحياة ما زالت قريبة (شمس على مقاسي ص 48)
وتقول أيضا:
لو كنت مارا من هنا
ورأيتهم يحملون نعشي
صدق أنك الميت وأنا حي أرزق (شمس على مقاسي ص 49)
وليست المأساة وليدة علاقة الإنسان بواقعه، وعالمه الخارجي، بل مأساته تكمن في علاقته بعالمه الداخلي، حين لا يستطيع التحرر من نفسه بخاصة من ذكرياته، لذلك تأتي المقاومة في عمقها مقاومة ضد حركة الزمن، وضد تفاصيل المكان، وهي مقاومة ليست بالضرورة مُلغِية، ولكنها مُتجاوِزة بانغراسها في  أفق أرحب، هو أفق التشبث بالمبدأ الحي القابل للتجدد باستمرار؛ لأن الرفض الذي يقيمه الشعر شعارا له، لابد أن لا يكون مجرد فعل تعبوي (من التعبئة)، بل لابد أن يحمل في داخله مبادئ وميكانيزمات "التأسيس لمرحلة أخرى، وهذا التأسيس لا يتحقق إلا بالإبداع، العنصر الذي يشترط قبل كل شيء الوعي بالفعل" ([7])
ولأن أشكال الحياة متعددة، فإننا نلتقي في مجموعة الكاتبة (شمس على مقاسي) بألف وجه، وبآلاف الملامح، ليس لأن الكاتبة حربائية، بل لأن المعاناة لها ألف صورة، صورة للضياع، صورة للرحيل، صورة للغربة، صورة للحزن، صورة للذكرى المبتورة، صورة للألم، صورة للعذاب،...وتتعدد الوجوه ولا تنتهي، حتى أننا مع كل ومضة نحس أننا ندخل عالما غير الذي مررنا به من قبل مع بقية الومضات، لكن يظل الخيط الرابط بينها هو وجع الإنسان، مهما تعددت صور ذلك الوجع في حضوره، ووجوده جسدا وفكرا وعاطفة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
تقول الشاعرة:
يطاردني الطريق
يدحرجني بعيدا عن خطاي
وعند منتصف الضياع
أسترجع ذاكرة الدروب...(شمس على مقاسي ص 32)
وتقول أيضا:
في مقتبل النهاية تخضر أكفاننا
أزهر في الغيب
أخطط للاحتمال
ربما أكلل بالبداية... (شمس على مقاسي ص 33)
ورغم هذه المشهدية المؤلمة، إلا أن إدراك الذات لأهمية وجودها ودورها في الحياة، يقودها إلى استغلال مراحل الموت والانهيار، لتخلق منها مراحل للحياة، كأنها تقيم بوجودها دورة الحياة في تقلباتها الفصلية، ففي لحظة النهاية، تسترجع تفاصيلها الغائبة لتقيم منها طوق نجاة، وفي لحظة الموت تزغرد لتعلن أنها ما زالت حية، وهي بذلك تقيم فلسفتها الخاصة في الوجود، فلسفة تأبى العزلة، وفي الآن ذاته تأبى السكون، وهذه الفلسفة وإن كانت مادتها مجتثة من جراحات كثيرة، فهي فعل تثويري عميق غايته " تقوية لعزيمة الذات على مواصلة الحياة" ([8])
4/ تعالوا لنقطف:
من الموت تأتي الحياة، وفي قلب الغياب يتأسس الحضور، ومن مرارة المشاهد وسوادها تأتي ومضات الشاعرة لطيفة حرباوي متدلية كقطوف دانية، ففي كل ومضة يمكن للقارئ قطف ثمار يانعة، قد يكون قطفها موجعا وطعمها مُرًّا، ولكنها كالدواء الذي يمنحك إكسير الحياة رغم مرارته، تشدك بلغتها النابضة حتى أنك تستلذ الوجع الموجود فيها؛ لأنك لا تحس بأنك وحيد، وأنت تتجول بين أسطرها، وإن بدت الكاتبة تكتب على مقاسها، ووفقا لرؤيتها، ولكنها في الحقيقة تمنحك فسحة لترى مقاسك، وتكتشف موقعك من ذاتك، ومن واقعك، لكأنها قائدة أوركسترا تمنحك سجل المعزوفة حتى لا تتوه، ثم تفسح لك المجال بعد تعلم معزوفتها، كي تعزف لذاتك ما يليق بها..إنها تدعوك ألا تسير مغمض العينين، لكنك قد تقع في ذلك إذا اكتفيت بالنظر إلى الحزن الظاهر في المجموعة، ولم تتعمق في ملامح المقاومة وأصدائها، لذلك كن يقظا لتقطف، وتستمتع بالقطوف، فإدراك الشعر في قيمته وخصائصه يتطلب "قبولا روحيا وليس جهدا عقليا" ([9]).
إن الكاتبة لطيفة حرباوي في الحقيقة لا تكشف لك قبحك، وقبح واقعك فقط، بل تقودك لتواجه ذلك القبح، ولتطرح الأسئلة، ولا تدعك تمر دون أن تمحص مقاساتها، وليس بالضرورة أن توافق على مواقفها، ولكنها على الأقل تريك موقفها واضحا لا شائبة فيه، ما يجعلك تسأل نفسك عديد المرات: هل علي أيضا أن أبعث مقاسي الخاص؟ وأحفر حياتي بيدي؟ والشاعرة تقول لك صراحة، لا تكتف بمقاساتي إنها لا تليق بك صراحة، ابحث عن مقاساتك الخاصة التي تلائمك وتلائم واقعك:
حزنك
ربيع طاعن في الكذب
لو كان صادقا كنت ستحزن أكثر
طاب حزنك
وإلى حزن
آخر    (شمس على مقاسي ص 54)    


[1] ) لطيفة حرباوي: شمس على مقاسي، (ومضات شعرية)، دار علي بن زيد للطباعة والنشر، بسكرة، الجزائر، ط1، 2013.
[2]) غسان كنفاني: أدب المقاومة في فلسطين (1948، 1966)، دار منشورات الرمال، قبرص، ط 2014، 2015، ص 19.
[3] ) عبد السلام المساوي: الشعر العربي المعاصر (أزمة التداول وإشكالية التلقي)، مجلة ذوات، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط، المغرب، العدد 29، 2016، ص 12.
[4] ) إبراهيم أحمد ملحم: منزلات الرؤيا (الشاعر العربي المعاصر وعالمه)، عالم الكتب الحديث، عمان، الأردن، 2010، ص 10.
[5] ) إبراهيم أحمد ملحم: منزلات الرؤيا (الشاعر العربي المعاصر وعالمه)، ص 13.
[6] ) إبراهيم أبو عواد: مدخل إلى علم اجتماع القصيدة، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 2009، ص07.
[7] ) عبد السلام شرماط: الشعر والواقع العربيين أية علاقة؟، مجلة ذوات، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط، المغرب، العدد 29، 2016، ص 65.
[8] ) إبراهيم أحمد ملحم: منزلات الرؤيا (الشاعر العربي المعاصر وعالمه)، ص 174.
[9] ) قيس مجيد المولى: مخيلة النص اشتغال آخر للمعنى، دار الينابيع، سوريا، ط1، 2009، ص 65.