2008/12/09

مقطع من مخطوط رواية (نوافذ صاحب الدار) لأحمد طوسون

نوافذ صاحب الدار
حالة روائية
أحمد طوسون

1
- تعرف يا ولد
رغم كل شيء
أنا أحبك
.......................
أنا أحب البيت..
والوطن
....................
رغم كل شيء
أنا أحبها
.......................
قد تندهش
قد تظنها كلمات رجل يهذي
..............................
لِم على فاروق الونايسي وحده أن يظل عاقلا
طيلة الوقت ؟
العالم كله يهذى ..
ولا أحد يعترض !
.................................................
ربما كنت تشبهني يوما ما ..
رأسك الصغير يذكرني برائحة النعناع الأخضر
الذي كان يفوح من أحلامي
.........................
........................................
لكن ..
لا يهم
فاروق تزوج ! ..
لا تتعجب
تزوج وأنجب .
أنجب فاروق جديدا
..............
أسميته صابرا
.......................................
تعرف لماذا ؟
...................
ليأخذ نصيبا من اسمه
...........................................
تعرف يا ولد ؟
لم أقل لأحد إنني أنجبت ..
كثيرون في هذا العالم لو عرفوا سينتقمون من فاروق الونايسي في هذا الولد
.................................
...............
لكنك غيرهم
ستفرح لي.
....................
أنت ما زلت بريئا
يحمر وجهك لأتفه الأسباب
.........................
لا تداري هذا الخجل..
صابر أيضا بريء
...................
ضحكته البلهاء لا تريحني
............................................
لو استمر بهذه البراءة ستنتهز الحياة أول فرصة وتطعنه في ظهره.
لكن اطمئن..
فاروق لن يسمح لها
.........................
تعرف يا ولد..
هناك مقولة على لسان أحد أبطال هيمنجواي في
( العجوز والبحر ) لا أنساها أبدا..
الإنسان قد يتحطم لكنه لا يهزم
........................
الإنسان قد يتحطم
لكنه لا يهزم.
....................
فاروق الونايسي لم يستطع أحد هزيمته
................................
إذا لم تكن تصدق
ستعرف بنفسك
..............................
حتى الحياة لم تستطع هزيمته!.
***
(سأواصل العيش داخل بيتي الزجاجي حيث كل شيء يتدلى من السقف حيث أنام في الليل في فراش زجاجيوتحت أغطية زجاجية ..عاجلاً أو آجلاً سأظهر محفوراً فوق ماسة .)
أندريه بريتون

2
سيقول السفهاء من الناس ما بال فاروق الونايسي بعد كل هذه السنين يهبط في محطات الونايسة.
يبحث بين ترابها عن تبر مفقود أم عن أوجاع قديمة.
أم تراه يريد استرجاع ما لا يعود؟!
لم الآن يا فاروق تجر خطواتك بين حواريها الضيقة.. تشم رائحة بنسيانها بعد أن نشفت الأزهار وتساقطت وجرفتها الريح إلى السكك البعيدة.
لم تعد سماواتك رحيبة لأحد..
هجرتها العصافير والحمائم وسكنتها غمامات ثقيلة.
لم تعد تسمع إلا نعيقا لغربان كاسرة..
أين ذهبت فراشاتك الملونة وتغريد كروانك؟!
لم يعد للتراب رائحته القديمة.
لم تعد للسكك ونسها ولا فرشت سعفات النخيل ظلالها فوق رأسك.
منذ صغرك تسير في متاهة بلا انتهاء، لا تعرف معنى لكل ما يحدث حولك.. ماذا تفعل بين جدرانك التي تضيق وتضيق وتشد خناقها حول رأسك؟
ليالي طويلة تقضيها في تتبع شق بجدار..
يمتد ويتوغل بين الجدران والحوائط والسقف، رغم ذلك لا أحد ينتبه له، كوات حالكة الظلمة تختبئ داخلها كائنات مرعبة وبشعة، تتكاثر حتى تغطي وجه العالم، تنشغل عنها بمطاردة خيوط عنكبوتيه توحشت، تمتد وتمتد لتفرش عالمك وتكبت أعضاءك.
جيوش من الهوام والحشرات تطاردها وتطاردك.
كائنات ترعى على جسدك.
تتلمسها..
قطيع من الكائنات اللا مرئية البشعة تفر من بين أصابعك إلى الشقوق.. عشرات الأفكار الكئيبة تطاردك وتمسك بك ولا تستطيع الإفلات منها.
هل كان البيت جنتك وجحيمك، سجنك وسجانك.. وباحة للفوضى التي ترتع داخلك؟
لن ينفعك السير بين حواري الونايسة الطينية وحيدا.
ذلك البراح البعيد حاصرته الجدران والبنايات المقبضة.
تلك البيوت الطيبة شاخت.. لم تعد مفاصلها قادرة على تحمل آلامها.. تستند إلى عكازين ينخر فيهما النمل والسوس.
ستجلس إلى حكايا عم خضر.. وسط جموع من ناس البلد والبلدان المجاورة.. تستمع لروايته عندما ينصتون له ولا يتحرك أحد، حتى و إن حفظت موضع الثقوب في جسده وحفظت حكاياه التي لا تنضب مثل نبع.
يعرفها أهل البلد حكاية حكاية وثقبا ثقبا.
ثقب زنده من عيار طائش أصابه في حرب فلسطين.. ساعتها كان ولدا أخضر يتندر الجنود من ملامحه التي تشبه ملامح طفل، وأمسى كهر أعمى ألقوا به بين الشراك ولم يعلمه أحد القفز من بين سياجها الشائكة بحثا عن نافذة للنجاة!
حين عاد لم يعرفه أحد ولم يعوا من أين نبتت تجاعيد الحزن على وجهه..
حارب باليمن وعاد بشق في بطنه وجرح غائر بشدقه الأيمن.
في 1967 بترت قذيفة ساقه وتناثرت الشظايا بجسده كله ونشبت مخالبها في قلبه.
ما أبعد سنوات خضر المثقوبة اللاتي مللت تكرار حكاياها.. ستتركها هناك معلقة كخبيئة مسحورة اعتادوا على رؤيتها دون أن يعرف أحد سرها وتتنفس الوحدة بين جلبة الرجال ومزحا تهم.
تلك الثقوب التي عاش خضر مفتونا بمراوغتها لملاك الموت لم تمنع الحمى أن تتسلل إلى فراشه المبلول وتقبض سنواته الطويلة بعيدا عن أعين الرجال.
تتخبطه الشهقات ويلون وجهه الفزع بفرشاته الشاحبة.
ما أقسى الموت وحيدا يا العم خضر دون أن تجد أحدا يتلقى مخاوفك المذعورة بين أحضانه..
هل ستلازمك الوحدة يا فاروق وتصير ملاذك أم تحملك القضبان بعيدا عن هواء الونايسة المسكون بالعذاب؟.
القطار تطير صفارته.. تحلق بجناحيها حتى تسكن حضن الجبل البعيد الواسع.
تحار بأي قدم تدخل إلى عتبات مجهولك البعيد.. بقدم الباحث عن حقيقة أو نجاة، أم بقدم الهارب من أغلال وأصفاد؟..
في المرة الأولى قادك حسن إلى هناك، قال أن الشيخ مهدي يدعوكما إلى معسكر مع طلبة الونايسة الذين سيلتحقون بالجامعة.
كنت تعد الأيام والساعات والدقائق لتنفلت من بين قضبان زنزانتك، ترسم جداول وحقولا من البراح وتفر من غربان رأسك التي تنعق بلا توقف، بينما حسن يثرثر عن الجبل والجماعة والشيخ مهدي.
كان السبيل الوحيد لإخراجك من جب وحدتك وعذابك الذي أسقطك فيه الونايسي دون جريرة.
لا شيء يمنعنا أن نترك المكان إن لم يعجبنا، الشيخ مهدي تعرفه جيدا، لا يكف ثغره عن التبسم، سنقضي وقتا ممتعا ونعود..
منذ اللحظة الأولى تكتشف إنها جدران أخرى تسور ما تبقى طليقا وتأسر طائرك الجريح، الحارس الذي اختاروه من بينكم وأوقفوه هناك عند أسوار الخيام ليرقب خطواتك ونظراتك إلى البراح البعيد، العصا التي وخزتك لتلحق بمؤذن الفجر، اللحية التي أمتكم للصلاة حتى شرقت الشمس، صحون الطعام التي تكدست أمامك بعد أن ألتهمتها الأيدي بقسوة، وملعقة وحيدة تنتقل من فم لفم، تصيب البدن بالقشعريرة وتصب المرارة بالحلق.
بينما الصغير الذي أمّروه عليك يرمقك بقسوة ويأمرك أن تذكر حديثا تحفظه قبل أن تمتد يدك إلى الطعام.
ترفع جفونك إلى سقف الخيمة فتمر على عيونهم التي تلتف حولك وتحدق بك في انتظار إجابة تسمح لملعقتك بالوصول إلى غيرك، ينبض قلبك وأنت تردد بين نفسك.. حب الوطن من الإيمان..
- حب الدار من الإيمان.
يضحكون فتستشعر الحرارة في جسدك، تهرب من تحديقهم إلى حسن بحثا عن مساعدة تعينك على فهم ما يدور.. حسن يردد خلفك :
- حب الوطن من الإيمان
- لا هذا ولا ذاك
- فهو حديث موضوع مكذوب كما ذكر الألباني
هكذا قال أميرهم وهو يمد ملعقته لتغرف من الصحون ..
أنت الهارب ممن اعتادوا أن يخطوا بحروفهم كتاب دربك، تسقط من فخ إلى فخ دون أن تحتاط لنفسك!
تمسح الصحون بالماء والصابون وتكور الرمل والماء واللعنات وتقذف صاحبك الذي انفجر بالضحك المخلوط بالبكاء وتسأل عن الشيخ مهدي الذي لم يظهر ولم يره أحد منذ دخولكما إلى المعسكر.
ولم يكن حسن يملك إجابة لسؤال لم يحن أوانه..
تزأر عجلات قطارك.. فتهز الأجساد والأيام مع دورانها.
قطار كهذا حمل طاهر معه إلى الجبهة و عاد وحيدا.. دوت زغاريد الفرحة في الشوارع والبيوت.. العمدة اخرج الراديو إلى المضيفة والتف أهل الونايسة حوله.
من كان يصدق إن السادات سيفعلها؟ .
في هذا اليوم لم تعرف من أين أتى العمدة بصورة كبيرة لطاهر ووضعها إلى جوار صورته وصورة عبد الناصر.
كل ما كان يشغلك هو متى يعود طاهر ويحكى ما يقوله الراديو في أخبار قصيرة.
كل يوم تنصت إلى ما يقوله الرجال الملتفين حول الراديو وتنتظر قدومه.
أيام طويلة مرت بين فرح و بكاء رابضين في عيني أمك.
لا يريدان أن يسقطا حتى دق باب الدوار جنديان، والتف النسوة يأخذن بيد أمك التي سقطت مغشيا عليها، ودمعت عينا العمدة أمام الناس، وضمك إلى صدره.
كنت تنظر إلى دموع عينيه و تسأل دون أن يجيبك أحد:
- متى سيعود طاهر؟
لِمَ تجرفك الريح بلا هوادة ؟!
وأنت الذي لم يجد أحدا يسأل بعدك: متى يعود فاروق الونايسي إلى داره؟
***
يومان كدهر مرا عليكِ يا حبيبة في سجنك الذي حبسك فيه الونايسي، حتى دق الباب دقات لاهثة متعجلة.
توكأ الجد على عصاه خطوات وسحب المزلاج.
لمحتْ طيف الشبح القادم من جوف البيت.. أنخطف قلبها..
البوم لم يتوقف عن النعيق منذ وطأت بقدميها عتبة البيت.
ظل المرسال واقفا بعتبة الباب ولم يذعن لرجاء الشيخ بالدخول ليأخذ واجب الضيافة.. ارتد الجد إلى جوف الدار وهمس في أذن ألام:
- العمدة يريدك.
استعادت بعضا من الحياة التي فارقتها.. دارت في البيت كقطة مذعورة تلملم أشياءها.. تتخبط بين الأشياء والجدران والهواجس.
ما الذي حدث يا ونايسي؟
ما كان عليها إلا أن تنظر إلى عينيه لتقرأ ما بهما.. تغوص في أعماق بحاره و تستخرج ما خفي عن العيون و الأبصار.. نظرة واحدة لتعرف موطن الهم والجرح.. كيف ينزف وكيف يضمد.. نظرة واحدة لتمسك بالفرح أو تلعق مرارة الانكسار..
إن عجزت كلماتها دفنت رأسه في صدرها كطفل صغير وتبقى صامتة.
لا يحتاج الونايسي إلا إلى هذا النبع الذي يغتسل فيه من هموم الدنيا مهما عظمت، فلِم هذه المرة يا ونايسي..
هل هو موت طاهر؟
كانت تراقبه بدقة.. كلما وقعت عيناها على عينيه رأت الشرر يتطاير منهما..
لم يعد زوجها الذي تعرفه.. كان فظا وهو يصرخ في وجهها دون سبب.. يتحاشى أن تخرج كلمة حلوة.. يتفادى ملامستها.
حاولت بكل حنكة الأنثى التي تعلمتها منذ بدء الخليقة أن يبوح بكلمة، لكنها لم تجد إلا صدودا..
لأول مرة تخاف منك يا ونايسي.
هل تصدق يا حبيب القلب.. حبيبة تخاف منك.
ماذا فعلتْ لكل هذا الصدود وماذا أوغر صدرك نحوها؟!
دفنت وساوسها في قلبها وتشاغلت عنها بتنظيف الدوار.
في الدهليز الكبير حملت السلم الخشب وأسندته إلى الجدار وأنزلت الصور المعلقة على الحائط، أحضرت القطنه وغاصت بها في السبرتو الأحمر ثم أخرجتها وعصرت الألم في قلبها ومسحت صورة طاهر.
لم تقوَّ على مداومة النظر إليها.. كلما نظرت إلى صورته تقطع شيء في القلب ونزف.. تسمع صوت النشيج يعلو.. تفر إلى صورة الونايسي.. عصرت القطنه ومسحت إطار الصورة وزجاجها.. تفحصت ملامحه كأنها تراه لأول مرة.. عيناه عينا صقر لا يخاف الحمى.. يخشى نظراتهما الكبير والصغير.. لكنهما رحيبتان تتسعان لاحتضان العالم.
وحدها تعرف الحنان والحب الذي يسكنهما، فلماذا توارى حنانهما عن حبيبة؟!
ألست الونايسي الذي أعاد الشارد ولم شمل القطيع، وقال أن الونايسة قلب يتسع للجميع ومن أجلها يهون أي شيء، فلِمَ الآن تطرد حبيبتك من الونايسة التي تسكن قلبك؟!!
وقعت عيناها على الصورة الأخرى الممددة على الأرض.
منذ دخلت إلى الدوار وهى تراهما متجاورتين.. صورة الونايسي وصورة عبد الناصر.. لكنها لم تلحظ إن عيني زوجها تشبها عيني جمال إلا في هذه اللحظة.
تتذكره وهو يقف أمام الصورتين طويلا.. حين يقف تلك الوقفة تعلم إن أمرا يشغله، سألته مرة عن سبب وقوفه أمام صورة عبد الناصر كلما شغله أمر أو صادفته مشكلة.
قال إنه لا يعرف سببا محددا، مثل عبد الناصر من الصعب أن يتكرر، شيء مجهول يدفعني ناحية صورته كلما استعصى عليّ أمر، ربما استمد من عينيه شيئا خفيا.
شيء هادر كالثورات أو مشرق كالحلم، يهبك قوة ما.
بعد أن انتهت من الصورتين مسحتهما بورقة بيضاء ليلمع زجاجهما ثم حملت صورة طاهر ووضعتها مكانها وحملت صورة عبد الناصر ووضعتها مكانها.
حين هبطت لتمسك بصورة الونايسي وتصعد بها درجات السلم أخطأت إحدى قدميها درجة السلم الخشب وانزلقت.. كادت الصورة تسقط من بين يديها على الأرض.. ضمتها إلى صدرها بينما تمسك يدها الأخرى بالسلم وتدفعه ناحية الجدار حتى لا يسقط..
التقطت أنفاسها بعد إعادة الصورة إلى مكانها.. لم تكن لتسامح نفسها إن سقطت منها صورتك..
لملمت حزنها وأساها وتركتهما على الأرض وانهمكت في ترتيب الدهليز.. رفعت السجاد والوسائد وظلت تطارد بقايا الغبار بالمنافض، بينما غمامة سوداء تفرش ظلها على البيت وتطاردها أينما ذهبت...

قطنة السبرتو مرت على مساند الأرائك الخشبية والطاولات الصغيرة و الطفايات العاجية وحديد النوافذ و المسابح الكبيرة المعلقة على الجدران.
الوقت كان في خصام معها، يتعنت ولا يريد أن يتحرك خطوة إلى الأمام.
انتقلت من حجرة إلى حجرة.. إلا حجرة الونايسي.. تحاشت الاقتراب منها.. لم تلحظ في طوفانها بحجرات البيت فاروقا.. لم تفكر فيه.
زنزانة ضيقة حبسها فيها الونايسي وعزلها عن العالم كما أعتاد أن يحبس كل من يحبهم ليدوروا في فلك مجراته..
صعدت إلى الطابق الثاني ثم إلى السطح.
فتحت باب قن الدجاج وسمعت صريره الحزين.
نظفت القن وفرشت تبن الأرز على الأرض ورشته بالمياه ثم نزلت إلى المطبخ.
أعادت تنظيف الأواني والصواني ومسحت الأرضية والحوائط والسقف.
كل دقيقة تمر عليها بسنة.
غلبها التعب وتهاوت على الأرض، جرت خطواتها إلى حجرة بها سرير في آخر البيت وألقت نفسها عليه..
لم تلحظ العتمة الرابضة بالحجرة.
سيان العتمة والنور.
لم تعرف إن كانت غفت عيناها أم لا، انتفضت على صرير الباب وشعاع اللمبة الفلوريسنت الأبيض.
- أبو طاهر!
كانت عيناه على قسوتهما لا تزالان.
نهضت من رقدتها في انتظار كلمة تفك ألغاز ما يدور بعينيه.. شيء رهيب لا يتحمله بشر يسكن فيهما.. استعطفته بعينيها.
إن كانت فعلت شيئا فلينزل عليها ما يشاء من عقاب.
يسبها، يشتمها، يضربها.. أي شيء إلا هذا الصمت الظالم.
لم تتمالك نفسها وانخرطت في بكاء لا ينتهي.
سحب خطواته إلى حافة السرير وجلس معطيا ظهره لها.. ساد صمت حزين لبعض الوقت، امتلأت تصميما أن تقطعه.
ظلت تتمسح به كهرة تلفظ أنفاسها الأخيرة.. تقبل كل جزء فيـه برجاء وخوف.. تستحلفه أن ينطق.
زنزانة الصمت مقبرة يا ونايسي.
التفت عنها، أسند ظهره إلى السرير ومد قدميه على طولهما.
رأته يبتعد بنظراته عنها.. توقفت أنفاسها حين لمحت حركة شفتيه.
الكلام لا يريد أن يخرج:
- غدا تأخذي فاروق وتذهبي إلى بيت أبيك حتى أرسل لك.
هل ماتت للحظات..
أحست أنها مدفونة وسط تلال من أكوام الثلج التي جمدت كل شيء حولها.
غشاوة غطت حواسها فلم تعد ترى أو تسمع أو تدرى بما يدور حولها.. لم تدر كم بقى إلى جوارها أو متى تركها ورحل؟
مع أول غبشة ضوء جرت نفسها بهدوء وخلفها فاروق وانزلقت من عتبة الباب.
دقت باب أبيها بعنف.
لم تجد كلمات تقولها غير البكاء.
لم يشأ أبوها أن ينكأ الجرح.. تركها وتلقف فاروقا بين أحضانه.
بمجرد أن انتهت من لملمة أشيائها نادت على فاروق من جوف الدار.
الشيخ طبع قبلات صغيرة فوق جبين حفيده وهمس في أذنها بكلمات لم تسمع منها كلمة واحدة.
كل ما يشغلها الآن أن الونايسي طلبها.
المرسال قال إن العمدة يريد معهم الشيخ.
لم يستبشر خيرا.. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وتبعهم بخطوات وجلة.
كان السكون يغطى الشارع.
في الغيطان القريبة من الدوار شيء يشبه الريح التي تنوح من بعيد والدوار الكبير غطى واجهته غبار أشبه بالرماد.
ما إن دخلت من عتبة الباب أشتمت رائحة أنفاس غريبة.
لم يكن الونايسي وحده بالدوار.. منذ وعت حواسها الدار حفظت أنفاس أهله.
الشيخ استند إلى عصاه ووقف في منتصف الدهليز سأل المرسال عن العمدة.. المرسال قال:
- العمدة في حجرته مع أخوته..
تأكد الآن لديها إن الأمر أكبر مما تظن.. ربما لا يخصها وحدها.
المرسال تركهما بالدهليز ودلف إلى حجرة الونايسي في جوف الدار.
جالت عيناها بالجنبات وكأنهما تبحثان عن شيء مفقود.. لمحت بجانب الجدار النرجيلة وأكياس المعسل الذي يشربه سيد.. عرفت حينها إنه استدعى كل أخوته.
حتى سيد يا ونايسي؟!

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

الله عليك.. ايه الجمال ده .. وعذوبة المقطع ..وقد عرفت لما ينظرون الونيسى الى عيون عبد الناصر عند وجود المشكلات
واننا الونايسه نشبه عيوننا جميعا عينى عبد الناصر .كم جميله هى نوافذك ياطوسون
عماد