2009/08/10

(الحوار بعد الأخير مع محمود درويش) قصيدة جديدة لعبد الله أبو شميس


الحوار بعد الأخير مع محمود درويش

شعر/عبد الله أبو شميس


قال لي: عم مساءً! فقلتُ لهُ: عِمْ سُهاداً! كمِ السّاعةُ الآنَ يا سيّدي؟ قال: لا وقتَ في الأبديّةِ، فانظرْ لساعتِكَ الدّنيويةِ. قلتُ: هي الثّانيةْ / بعد منتصفِ الليلِ. أطرقَ في خجلٍ، وأعادَ منامي إلَيّْ
وتنهّدَ في تعبٍ أزَلِيّْ:
عِمْ سُهادا!


_ لا أحبّكَ، يا سيّدي لا أحبُّكْ وتَخالَفَ دربي ودربُكْ فلماذا تُحاصرني في منامي ولستَ شهيداً؟!
_ لنحرسَ نومَ الّذين يحبّوننا.. ميّتَيْنِ!
_ وتسحبني من كلامي لأصبح بينكَ والعالمينَ بريداً؟
_ لأنّي سئمتُ الكلامَ المُعادا

_ هل لديكَ إذنْ ما تقولُ؟
_ لديّ الكثيرُ ولكنّني لا أحبُّ حديثَ الصّحافةْ فَدَعِ الكلماتِ تسيلُ كنهرٍ صغيرٍ يوزّعُ للشّوكِ مثل الزّهورِ ضِفافَهْ

" هوَ ضيفي، برَغْمي، إذنْ فلأقمْ بحقوقِ الضّيافةْ! "
قلتُ بيني وبيني.. ولكنّه قال لي: أنتَ ضيفي هنا. ودعاني لأجلسَ جانبَهُ، فانتبهتُ لكرسيِّهِ المتحرّكِ، كان يطلّ على جهتيْنِ: يميناً على جهةِ الخلدِ حيث يرى وحده ما يرى، ويساراً على جهةِ الوقتِ حيث جلستُ بجانبِهِ، فاستدارَ إلَيّْ
قالَ: عذراً، فلا شايَ في مطبخي البرزخيّْ! / قلتُ: لا بأسَ.. مَنْ يشربُ الشايَ في الفجرِ؟! قال: ولا قهوةٌ! فضحكتُ.

_ إذنْ قلتَ لي يا صديقي بأنّكَ لستَ تحبُّ طريقي
_ بلى، قلتُ يا سيّدي، لا أحبّكَ!
_ فيمَ تزيدُ عنادا؟

_ لا أحبّكَ، فِيمَ أحبُّكَ؟ هل يُعشقُ المرءُ من أجل خبرتِهِ في اصطيادِ الصّورْ وافتضاضِ الحجرْ ولأنّ الطّبيعةَ أهدتهُ أجنحةً ورمادا؟!

_ هوَ هذا إذنْ..
قال في لهجةِ القرويِّ إذا أبصرَ المدنيَّ، فوافقتُهُ:
_ هُوَ " هادا"!

وضحكنا معاً. قال: لولا أبو الأسودِ الدّؤلِيّْ / لتضاعفَ من يكتبونَ العموديَّ وانقرضَ النّثرُ. هذا كلامي ولكنّهُ ليس للنّشرِ. قلتُ لهُ: هل تخافُ وأنتَ هنا؟ فأجابَ: أخافُ أخافُ عليكَ، وأخشى علَيّْ!
قلتُ:
_ ماذا فعلتَ هنالكَ في عيدِ ميلادِكَ؟
_ اشتقتُ للإشتياقِ وللإشتهاءْ وتصفّحتُ بعض المجلاّتِ من عالَمِ الماوراءْ!
_ هل قرأتَ نشيدَكَ بعد الأخيرِ؟
_ قرأتُ.
_ وأخطأتَ في الوزنِ؟
_ والأصدقاءْ..!

واستدارَ إلى جهةِ الخلدِ منفعلاً، ولمحتُ رذاذاً من الضّوءِ في هُدبِهِ الذّهبيّْ
ثمّ عادَ، فقلتُ كأنّي أنا ضيفُهُ:
_ هل أَطلتُ عليكَ وأَثقلتُ؟
_ لا بأسَ، لا وقتَ في الأبديّةِ.. لكنّ أخبارَكمْ لا تسرُّ..
_ وكيف وجدتَ النّهايةَ؟
_ مثلَ البدايةِ: تحتاجُ بعضَ الشّجاعةِ والإنتباهِ وعكسَ البدايةِ: يكثُرُ فيها الْمُساعِدُ!
_ لو عدتَ هل ستعيدُ الحكايةَ؟
_ لا بدَّ..
_ لم يتّضحْ لك شيءٌ هنا فتغيّرَها؟!
_ كلُّ شيءٍ هنالكَ كان أشدَّ وضوحاً!
_ علامَ إذنْ كان يختلفُ الفرقاءُ؟
_ لكي يتواصل نهرُ الهباءْ

_ لم تزلْ تتعمّدُ نفسَ التّراكيبِ والمفرداتِ أليسَ لكم ههنا لغةٌ ثانيةْ تتحرّرُ من ربقةِ الوزنِ والقافيةْ؟
_ ربّما.. ربّما غير أنّي جديدٌ هنا


وأدار إلى جهةِ الْخُلدِ كُرسيَّه في هدوءٍ، وما عدتُ أبصرُهُ. ربّما طارَ بين التّهاويمِ، أو صار دندنةً في التّرانيمِ. حدّثتُ نفسي بأنّ الزّيارةَ قد كُسِرتْ مثل فنجانِ شايٍ على مرمرٍ فارسيّْ!
وضحكتُ من الخاطرِ الفَجِّ. قمتُ لأَخرجَ لكنّهُ عادَ في خفّةِ الطّيرِ، حطّتْ يداهُ على كتِفيّْ
وتبسّمَ لي.. ففهمتُ
_ رأيتَ إذنْ أحدَ الشّعراءِ القدامى؟
_ رأيتُ امرَأَ القيسِ أنشدتُهُ مقطعاً من ( خِلافي معهْ) فبكى زمناً ضيّعَهْ ثمّ أنشدتُهُ قطعةً في مديحِ الضّبابِ.. فناما!

_ وسِواهُ؟
_ رأيتُ ابنَ حَمْدانَ أنشدَ روميّةً عن بناتِ الهديلِ وأنشدتُ سوناتةً عن ورودِ الجليلِ وطِرْنا حَماما

_ وسِواهُ؟
_ التقيتُ أبا الطّيبِ المتنبّي دعاني لأقرأَ شيئاً لهُ فخجلتُ! فأسمعني مقطعاً من قصيدٍ بوصفِ القيامةِ يكتبُهُ منذ ألفٍ وسبعينَ عاما
_ وما زال يكتبُهُ؟!
_ قال لي: كلّما قلتُ أنهيتُهُ شبّتِ الحربُ في بلدٍ فتعلّمتُ شيئاً جديداً عن الموتِ
_ كم ألفَ بيتٍ تراهُ أَتَمَّ ومن يجدُ الوقتَ كي يقرأهْ؟
_ سألتُ سؤالَكَ لكنّهُ قال لي: يا أخا الشّعرِ لا وقتَ في الموتِ..
_ لكنْ، أما قلتَ لي قبل سطريْنِ " لا وقتَ في الأبديّةِ" ؟! هل كنتَ آخَرَهُ والصَّدى؟
_ مثلما كنتُ، يا صاحبي، أَبَدا!
_ ولهذا خجلتَ؟
_ أجلْ. ولهذا سيخجلُ غَيْري أمامي غدا!
_ وهُوَ، المتنبّي، أيُخجِلُهُ أحدٌ؟
_ ربّما.. ربّما لو رأى أحدا!

.. وساءَلني قبل أن يختفي:
_ كيفَ غزّةُ بعد الرّمادِ؟
فقلتُ لهُ:
_ أصبحتْ بَلَدا!
قال:
_ عمّا قليلٍ تصيرُ بلادا..


وأنا لا أحبّكَ لكنّني قد تعلّمتُ منكَ بأنّ المحبّةَ – مثلُ الحقيقةِ- نسبيّةٌ، وبوُسعِ النّقيضيْنِ إمّا أَراداأن يكونا شقيقيْ نِروحاً وخارطةً وبلادا والغيابُ يعلّمُنا كلَّ يومٍ بألاّ نكونَ أقلَّ حيادا

لا أحبّكَ،لكنّني لا أحبُّ النّهاياتِ حين تمزّقُ نهرَ الكمنجاتِ..طار الحمامُ.. وطارَ وصار السّلامُ أقلَّ عتادا

يا بلاداً على حبلها تتهادىبين مَنْ يلعبونَ بأطفالنا لعبةَ الإحتمالاتِ:قد تكبرون وقد تُقبرونَ بحسْبِ مزاجِ رياحِ الشّمالِ..ومَنْ يقبضونَ على موتنا أجْرَهم مرّتيْنِ فقد قتلونا اجتهادا!

سيّدي( آخرَ الشّعراء الّذينَ يؤرّقهم ما يؤرّقُ أعداءَهم)عِمْ سُهادا..


... وانتبهتُ لنفسي إلى جانبِ امرأتي. قالتِ امرأتي: هل تنامُ؟ فقلتُ: أنامُ.. وحاولتُ حاولتُ لكنّ أصواتَهم هطلتْ في خيالي، وجاؤوا جميعاً:
رأيتُ مراجيحَ أطفالِ غزّةَ ترقصُ في جانب اللهِ والشّهداءْ
وأبصرتُ كوفيّةً تتكوّنُ في شكل خارطةٍ تتكوّنُ في شكل زيتونةٍ وتضيءُ السّماءْ
ورأيتُ المدافعَ تَهرمُ كالسّنديانِ العتيقِ ويلعبُ فيها السّنونو
والصِّغارَ حفاةً عراةً من اللّهوِ، تلحقُهُمْ نسوةٌ بعصيٍّ مزيّفةٍ، وتخبّئهمُ في الهواءِ الغصونُ
رأيتُ.. رأيتُ.. رأيتُ
ولم أرَ درويشَ أو شاعراً آخراً
قلتُ: ما حاجةُ الأبديّةِ للشّعراءْ
أن يكونوا هنالك..
أو لا يكونوا!

أيّار 2009

2009/08/08

وزير الثقافة المصري يطلق مسابقة جديدة للمثقفين

وزير الثقافة المصري يطلق مسابقة جديدة للمثقفين

اسند وزير الثقافة المصري فاروق حسنى الي مجلة الثقافة الجديدة الصادرة عن هيئة قصور الثقافة مهمة تنظيم مسابقة أدبية تبلغ مجموع جوائزها 48 ألف جنيه، فى مجالات الرواية، القصة القصيرة، شعر العامية، وشعر الفصحى.
وأوضح حسنى وفقا لصحيفة "اليوم السابع" المصرية أن اطلاق المسابقة يأتى إسهاما منه فى دعم مجلة الثقافة الجديدة، بعد ما لمسه خلال الشهور الماضية من تطوير، جعلها محط ثقة ودعم المثقفين.
وشدد وزير الثقافة المصري أن ميزانية الجوائز ومكافآت لجان التحكيم سيتولاها صندوق التنمية الثقافية، حيث يحصد صاحب المركز الأول فى كل مجال على سبعة آلاف جنية، والثانى خمسة آلاف جنية.
ومن جانبه أعرب الدكتور أحمد مجاهد رئيس هيئة قصور الثقافة، عن سعادته باطلاق هذه المسابقة التى ستعلن شروطها التفصيلية فى سبتمبر المقبل علي أن توزع جوائزها فى احتفالية فى شهر يناير القادم، بمناسبة مرور عام على تطويرها.
وأشار مجاهد الي أن هناك أفكارا جديدة يعكف حاليا علي دراستها بالتنسيق مع رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة طارق الطاهر من أجل أن تحقق المجلة انتشارا أوسع.

نقلا عن محيط

2009/08/05

توزيع جوائز الوسطية للثقافة العربية غدا بمقر اتحاد الكتاب بالقلعة

توزيع جوائز الوسطية للثقافة العربية غدا بمقر اتحاد الكتاب بالقلعة
صرح الدكتور حسام الزمبيلي أن حفل توزيع جوائز الوسطية للثقافة العربية للدورة الثانية يقام الساعة السابعة مساء يوم الخميس المقبل بمبنى اتحاد كتاب مصر بالقلعة.
فاز بالجائزة الأدبية العامة د. حامد أبو أحمد ومن المنيا د. حسن إسماعيل، بالإضافة إلى جائزة الوسطية للشباب. ويقدم جلسة توزيع الجوائز الشاعر حزين عمر، بالإضافة إلى الجلسة العلمية والتى يقدمها مصطفى القاضى ويرأسها الدكتور يوسف نوفل، كما سيتم تكريم عدد من الأساتذة والإعلاميين، منهم ضيف الشرف الدكتور محمد عبد الرحمن الربيع من السعودية والإعلامى أسامة الألفى، وفى نهاية كل جلسة يقدم كل من الدكتور محمد أبو دومة و ياسر قطامش بعض من قصائدهم الشعرية.
يحضر الحفل الأستاذ محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب وضيف الشرف الدكتور محمد عبد الرحمن الربيع من المملكة العربية السعودية وبعض الشخصيات العامة والإعلاميين.
يذكر أن الجائزة أسسها الدكتور حسام الزمبيلى ابن الدكتور عبد الحميد إبراهيم، الذي أعلن هذا العام عن تخصيص جائزة للرواد وكبار الأدباء تحمل اسم د. عبد الحميد إبراهيم. وجائزة جديدة للشباب دون سن الأربعين، وثالثة للإعلاميين الذين يدعمون أفكار الوسطية، وهى مشتقة من مذهب فكرى وأدبي استلهمه الدكتور عبد الحميد إبراهيم من التراث وأطلق عليه "الوسطية".

2009/08/03

إعلان نتائج جائزة تيمور المسرحية

إعلان نتائج جائزة تيمور المسرحية
كاتبان شابان من سورية ومصر يفوزان بجائزة محمد تيمور للإبداع المسرحى
القاهرة زينة احمد - فاز الكاتب السوري الشاب عبدالله الكفري عبد الرؤف بالجائزة الاولى في مسابقة محمد تيمور للابداع المسرحي وذهبت الجائزة الثانية للكاتب المصري الشاب وائل قدور ورغم قيمة الجوائز المتواضعة فان جائزة تيمور التي أنشأتها حفيدة العائلة التيمورية رشيدة تفتح آفاقا واسعة للفائزين فيها
وقد أعلنت لجنة جائزة محمد تيمور للإبداع المسرحى نتيجة مسابقة 2008 -2009 برئاسة د.ناصر الانصارى رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب والسيدة رشيدة تيمور مانحة الجائزة وبحضور كل من د.رفيق الصبان ،د.احمد سخسوخ ،أ.محمد أبو العلا السلامونى ، أ.سعيد حجاج، وقد فاز بالجائزة الأولى وقدرها ثلاثة آلاف جنيه عبد الله الكفرى عبد الرءوف من سوريا عن مسرحية" دمشق حلب" والجائزة الثانية وقدرها ألفين جنيه لوائل قدور حسن"سوريا " عن مسرحية "الفيروس" والجائزة الثالثة وقدرها ألف وخمسمائة جنيه لعبد المؤمن احمد عبد العال من مصر عن مسرحية "الفئران لا تغادر السفن الغرقى".
وقد أعلنت السيدة رشيدة تيمور عن بدء فتح باب التقدم للمسابقة للعام العشرين وهى تدور حول "المجتمع " ولا يزيد سن المتقدم عن 35 سنة
وقد صرح د.ناصر الانصارى بان الهيئة سوف تقوم بطباعة الأعمال الفائزة وسوف تقام احتفالية بمعرض القاهرة الدولى للكتاب الثانى والاربعون للاحتفال بالاعمال الفائزة بجائزة تيمور الابداعية .
الجدير بالذكر ان العائلة التيمورية صاحبة الجائزة من عائلات مصر العريقة التي عزفت نشيدا طال لحنه بداية من الكاتبة عائشة التيمورية و مرورا بالكاتب أحمد تيمور ونهاية بولديه الأديبين محمد ومحمود تيمور و حفيدة الاخير رشيدة تيمور وشكلت كتابات محمد تيمور القصصية و المسرحية و الشعرية و الفكرية منظومة إبداعية متكاملة في مجال تحديث الأدب و الفكر العربي وتخليدا لذكراه اصدرت جائزة محمد تيمور للابداع المسرحي
نقلا عن صحيفة الهدهد الإلكترونية

2009/08/02

قربانه..


قربانه..
(قصة قصيرة)

أحمد طوسون


إهداء خاص:
إلى الكاتب المسرحي أحمد الأبلج


عند شجرة اللبخ الكبيرة بمحطة القطار، كنت أجمع زهرات ذقن الباشا عندما يهزها هواء مارس الدفيء فتتساقط ويفوح عطرها بالمكان.
أضعها في جيب بنطالي الصغير، وأحملها إلى أمي ..
تخلطها بالماء وترشها بأركان البيت، فيمسه الربيع بسحر خافت ويسكن بنوافذنا المفتوحة على مصاريعها.
حينها رأيتها تهبط من القطار الذي أطلق صفارة طويلة أفزعت العصافير فحلقت وطارت بعيدا وحط القطار بمحطتنا.
كانت بين زميلاتها بفيونكتها الحمراء وقميصها الأبيض ومريلتها الزرقاء، تضم كتبها إلى صدرها وتفرش ضحكتها على رصيف المحطة.
لحظتها شعرت بقبضة في قلبي وانغرست بذرة لكائن مجهول بصدري وذابت زهرات ذقن الباشا بين أصابعي، وسقطت على الأرض فجرفتها نسمة ربيعية بعيدا واختلطت بالتراب الناعم الذي غطى الرصيف.
أغمضت عينيّ لأحتفظ بصورتها لأطول فترة ممكنة، حتى علت صفارة القطار من جديد وارتج رصيف المحطة وصرت وحيدا بين جدران المحطة العجوز.
***
عندما أغمضت الشمس جفونها وفرش الليل ستارته، جاءت إلى سريري..
رفعت غطائي وجذبتني من يدي، فشعرت بسخونة فيهما وفتحت عيني على ابتسامة مدهشة.. حركت لساني بسؤال وجل وقلت:
- أنتِ....؟
منعتني من الكلام حين وضعت إبهامها فوق شفتي المرتعشتين..
رفعت يديها عاليا فظهرت لها أجنحة بيضاء صغيرة كأجنحة الملائكة، وطارت بي عاليا بين الغمامات البيض.
ظللنا نتأرجح ونلامس السماء بأكفنا الصغيرة ونلونها بألوان قوس قزح، حتى أيقظتني أمي وقالت:
- انهضْ
- ستتأخر على المدرسة!
في الطريق إلى المدرسة شاهدت البنات بقمصانهن البيض ومرايلهن الزرقاء فدق قلبي بعنف وفاحت حولي رائحة زهرات ذقن الباشا..
ولم أعرف لِمَ قادتني قدماي إلى رصيف المحطة..
صفر القطار صفارة طويلة موجعة ورحل بعيدا، وخلا رصيف المحطة من المرايل الزرقاء دون أن أجدها..
سحبت قدمي وجرجرتهما إلى طريق المدرسة، لكن العم رشيدي أغلق الباب في وجهي ولم يفتح.
***
أتى قطار ثم عاد..
وأتى قطار آخر فارتجف رصيف المحطة وزقزق كروان وحط فوق شجرة اللبخ وهز أوراقها فسقطت زهرة ذقن الباشا فوق وجهي..
رأيتها تهبط مع صويحباتها، فرش البستاني البذرة التي انغرست في قلبي ورواها بماء الحياة..
قادني الحنين، فسرت خلفهن، وظللت أتبعهن عن بعد حتى افترقنَّ عند ميدان البلدة وودعن بعضهن بالضحكات، وسلكت هي الطريق إلى درب النصارى.
تابعت خطواتها وهي تلمس الأرض بكل خفة.. أقلص الخطوات بيني وبينها، حتى دنوت فشعرت بحرارة القرب..
همست في أذنها :
- أنتِ جميلة جدا
استدارات ناحيتي..
وقبل أن تكمل عيناي الذاهلتان من وهج جمالها دورانهما حول محيطها شعرت باحمرار وجهي والحمى التي تستعر في جسدي، وقبضة في قلبي.
تفحصتني من أسفل إلى أعلى، وقالت:
- أنتَ ولد صغير..
وقليل الأدب.
شعرتُ بعرق غزير يغطي جسدي، وبقلبي يدق بعنف وبقدمي ترتعشان وتتخبطان في بعضهما.. فلم أنبس بحرف.
تركتني وواصلت طريقها على وقع خطواتها التي كانت تدهس على قلبي، حتى وصلت إلى باب الكنيسة ودخلت إلى هناك.
***
حين يشدني الحنين أغمض عيني وأستعيد صورتها وصوتها حتى أكاد ألمسهما في انتظار أن يأتي قطارها..
أتبعها عن بعد وهي تسير بين صويحباتها.. تغافلهن وتلتفت خلفها بين برهة وأخرى..
تراني فتبتسم وتمد خطواتها..
عند درب النصارى صارت وحيدة.
تباطأت خطواتها، فأبطأت خطواتي لتظل المسافة بيننا كما هي..
عندما توقفت في منتصف الشارع، توقفتُ..
لم أعرف ماذا أفعل، هل أستدير وأعود إلى بيتي أم أقف في مكاني كتمثال تجمد من الصقيع؟!
رأيتها تشير بكفها ناحيتي بما يعني تعال..
ألتفت حولي فلم أجد أحد غيري.. أسرعت إليها ووقفت بين يديها وقلت:
- أناااااااااااا ؟!
تلك المرة لم تكن ابتسامتها معها.. كانت غاضبة كطفلة كُسِّرَت لعبتها للتو وهي تقول:
- أنت عاوز أيه؟
لم أعرف بما أجيب، وماذا أريد منها، لكن وجدتني أقول:
- نتجوز..
ضحكت قبل أن تستعيد صرامتها ويتحول صوتها إلى عصا تلسع وهي تقول:
- أنت عبيط
لا تسير خلفي بعد اليوم.
ملت بنظراتي إلى الأرض وشعرت بجفاف حلقي ولم أستطع أن أقول لها شيئا.
حين أيقنت أنني لن أتكلم تركتني ورحلت بخطوات مسرعة حتى دخلت من باب الكنيسة..
بينما عدت إلى بيتي أرتجف من الحمى التي داهمتني .. وأصبح صدى صوتها الذي كان يملأ قلبي بالفرح يلسعه بالألم ،وأحسست بالدموع تحتبس في عيني فلم أستطع منعها..
وقلت في نفسي : لن أتبعها بعد اليوم!
***
ليومين لم أبرح فراشي بعد أن كومت أمي الأغطية فوقي، ولم أذهب إلى المدرسة.
في اليوم الثالث ارتديت أكثر من بلوفر وذهبت إليها..
في الفسحة أصحابي كانوا يلعبون بحوش المدرسة حين سمعتهم يقولون أن عامر يسكن بدرب النصارى.
من حينها صار صديقي..
قلت له: نذاكر معا.. يوما عندك، ويوما عندي، وأصريت أن أصحبه إلى بيته بعد المدرسة..
من خلف خصاص النافذة ظللت أتطلع إلى الشارع وأترقب وصولها.
تسحب عامر وجلس بجانبي وقال:
- أفتح الشباك؟
هززت رأسي بما يعني لا، وأشرت له أن يصمت وينظر معي من بين خصاص النافذة، حتى عبرت من أمامنا.
ضحك عامر وقال:
- يا ابني دي في ثانوي
هتبصلك أنت؟!
خفق قلبي وانقبض بعنف.. ألتفت إليه وقلت:
- أنت تعرفها؟
- طبعا..!!
- طيب اسمها أيه؟
لكنه رفض أن ينطق بحرف قبل أن أعطيه علبة الألوان الفلومستر التي اشتراها أبي لي بعد إلحاح.
ترددت لبرهة، ثم اشترطت عليه أن يقول كل ما عنده أولا.
قال إن اسمها زهرة..
ظللت أردد اسمها بين شفتي دون أن يسمعني عامر، ولا أعرف لِم اعتقدت أن من الطبيعي أن يكون اسمها زهرة!
أبوها عم بولس خادم الكنيسة..
وأمها تصنع القرابين.
- وأين تسكن؟
جذب علبة الألوان من بين يدي، وقال:
- في الكنيسة.
***
تكررت زيارتي لعامر حتى فاجأتنا أمه ونحن ننظر من بين خصاص النافذة على الشارع.. لسعتنا بعصاها القاسية وقالت:
- يا عديمي الأدب
بتعاكسوا البنات من ورا الشباك!
من بعدها لم أعد أراها إلا حين عودتها من المدرسة، أتوارى خلف شجرة اللبخ وألمحها تهبط من القطار فيرتجف قلبي ويرشح بالحنين.
أيام مرت بعد أجازة آخر العام ولم أرها..
فكرت أن أزور عامر لكن عصا والدته جعلتني أطرد الفكرة عن رأسي وأبحث عن أخرى.
قررت أن أسير في شارع الكنيسة وحولها ربما قابلتها أو رأيتها صدفة..
لا أعرف كيف قادتني قدماي إلى هناك وعبرتا من باب الكنيسة.. سرت مخدرا بلا وعي حتى أفقت على صوت أحدهم يشير ناحيتي ويصيح:
- ولد مسلم غريب
امسكوه قبل أن يسرق شيئا!
جريت بسرعة خوفا أن يمسكوا بي وتراني زهرة .
أيام طويلة مرت وأنا أسير كعادتي حول الكنيسة دون أن أراها.
حين رآني عامر قال:
- أنت مجنون
هل تحبها بجد؟!
ملت برأسي ونظرت إلى الأرض ولم أتكلم.
لكنه عاد وضحك قائلا:
- من تظن نفسك
بنت في ثانوي..
ومسيحية..
تفكر فيك؟!!!
هززت رأسي وقلت :
- بالطبع لا..
سكت لحظة أخذت فيها نفسا شجيا، وقلت :
- لكنني لم أرها منذ أخذنا الأجازة!
عامر قال:
- طبعا يا ابني
علشان بتساعد أمها في عمل القرابين.
***
احتفظت بالكرة الجديدة التي اشتراها أبي هدية لنجاحي كما هي ولم أمسها.
وحين زارني عامر أخرجتها من مخبئها وقلت:
- تشبه الكرة التي يلعبون بها في الساحة الشعبية
أمسك بها وقال:
- تمنيت لو كنا نمتلك واحدة
هيا لنلعب بها.
شدني من يدي لكنني تمنعت وقلت:
- أنا لا أحب لعب الكرة..
جذبت الكرة من بين يديه وحضنتها بين صدري وجلست على مقعدي.
عامر بدا غاضبا حين قال:
- لكنك كنت تلعب معنا بالمدرسة!
صمت لحظة ثم قلت:
- لم أعد أحبها!
مددت يدي بالكرة وناولتها له وقلت:
- يمكنك أن تأخذها..
- صحيح؟!!
قال عامر بلهفة واندهاش..
اقتربت منه وقلت:
- إن أردت..
طبعا ..
إذا استطعت أن تأتيني بقربانه مما تصنعها زهرة!
***
عامر غاب لأيام، ثم عاد متهللا، وقال بثقة:
- أين الكرة؟!
هرعت إليه، وقلت:
- هل فعلتها؟
- طبعا..
أين الكرة؟
قلت:
- هات القربانه أولا
واخرج وانتظرني عند أول الشارع حتى لا يلحظ أبي شيئا.
قبلت القربانه ووضعتها بين ملابسي وأغلقت ضلفة دولابي جيدا.. سحبت الكرة من تحت السرير وخرجت دون أن يشعر بي أحد، وعدت بدونها.
كل يوم أفتح دولابي وأُخرج القربانه وأضعها أمامي وأتخيل زهرة وهي تصنعها بيديها، فيهتز الشجر الذي نبت بقلبي وأسمع حفيف أوراقه.
مرت أيام..
صحوت على صوت أمي تصيح وتسأل بغضب عمن وضع القربانه في دولابي حتى تعفنت.. أزاحتها وألقتها على الأرض، ثم كنستها.
بينما كان شيء صغير يتحطم في قلبي..

2009/07/29

الإعلان عن جائزة مؤسسة عبدالحميد شومان لأدب الأطفال

الإعلان عن جائزة مؤسسة عبدالحميد شومان لأدب الأطفال

أعلنت مؤسسة عبد الحميد شومان عن فتح باب الترشيح لجائزتها في مجال أدب الأطفال والذي سيكون هذا العام في موضوع النص المسرحي .
وتختار اللجنة الخاصة بالجائزة في كل عام موضوعا في مجال أدب الأطفال في كل من الفنون الأدبية المتعلقة بالقصة والرواية والشعر والنقد الأدبي والمسرح .
وحددت اللجنة أخر موعد لقبول الترشيحات في نهاية شهر كانون الثاني المقبل واشترطت في المتقدم ان يكون من الجنسيات العربية وان يكون عمله متصلاً بالأدب الموجه للأطفال دون السادسة عشرة من العمر وأن لا يكون قد مضى على نشره أكثر من ثلاث سنوات مشيرة إلى انه يجوز تقديم الأعمال غير المنشورة للجائزة.
وطلبت اللجنة من المؤلف أن يقدم عملا واحدا مكتوبا باللغة العربية الفصيحة مبينة انه يقبل الترشيح من المؤلفين أنفسهم أو من خلال المؤسسات التعليمية والتربوية والعلمية والثقافية بحيث يقدم المؤلف ست نسخ من العمل المرشح مع ملخص للسيرة الذاتية وترسل إلى رئيس الهيئة العلمية للجائزة .
وتتألف الجائزة من شهادة باسم الفائز والموضوع الذي فاز به وميدالية تحمل اسم الجائزة وشعار المؤسسة إضافة إلى مبلغ عشرة آلاف دولار وإذا استحق الجائزة الواحدة فائزان أو أكثر فيمنح كل منهم شهادة وميدالية بالإضافة إلى المكافأة التي تقسم بالتساوي بين الفائزين.
نقلا عن وكالة الأنباء الأردنية بترا

2009/07/28

هاي فستيفال" مددت طلبات الترشيح لـ "بيروت 39"

هاي فستيفال" مددت طلبات الترشيح لـ "بيروت 39"

أعلنت مؤسسة "هاي فستيفال" للأدب تمديد مهلة تقديم طلبات الترشح حتى 24 آب/ أغسطس المقبل إلى المسابقة الثقافية "بيروت 39"، "رغبة في فتح المجال أمام عدد أكبر من الكتاب الشباب في الوطن العربي ليتقدموا إلى مهرجان "بيروت 39".
وذكرت في بيان انه يجب "أن يكون الكاتب من أصل عربي، مولودا عام 1970 أو ما بعد، قد نشر كتابا واحدا على الأقل (أدب أو شعر) ويمكن أن يكتب بالعربية أو بأي لغةأخرى".
ودعت الراغبين في مزيد من المعلومات إلى زيارة موقعها الالكتروني www.beirut39.com