2016/05/27

جائزة الشيخ زايد للكتاب تفتح باب الترشح في دورتها الحادية عشر / 2016-2017

جائزة الشيخ زايد للكتاب تفتح باب الترشح في دورتها الحادية عشر / 2016-2017

أبوظبي/ وام / أعلنت " جائزة الشيخ زايد للكتاب " فتح باب الترشح في دورتها الجديدة بدءا من شهر مايو الجاري وحتى الأول من أكتوبر 2016 .
جاء الإعلان عقب اختتام الجائزة حفلها السنوي لتكريم الفائزين في دورتها العاشرة تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
واستقبلت الجائزة في دورتها السابقة / 1169/ عملا من مختلف دول العالم حيث تصدر فيها فرع المؤلف الشاب بـ / 332 / عملا مرشحا وفرع الآداب بـ / 270/ عملا "قصة ورواية وشعر ومسرح".
وتقدم الجائزة فرصة كبيرة للمرشحين من خلال استقبالها للترشيحات الذاتية "المؤلف نفسه" إضافة إلى ترشيح دور النشر للمؤلفات.. ويحق للمرشح التقدم بعمل واحد لأحد فروع الجائزة فقط في الدورة نفسها .
ومن شروط الجائزة أن تكون المؤلفات المرشحة مكتوبة باللغة العربية باستثناء فرع جائزة الترجمة وفرع جائزة الثقافة العربية في اللغات الأخرى حيث يجوز منح الجائزة لمؤلفات مترجمة من اللغة العربية إلى غيرها أو مؤلفة في اللغات الأخرى.
يذكر أن الجائزة لا تمنح لعمل سبق له الفوز بجائزة عربية أو عالمية كما ويجوز إعادة الترشح للجائزة بالعمل ذاته في دورة أخرى مع ضرورة استيفائه لشرط المدة الزمنية والتقدم بطلب جديد.

المجلس المصري لكتب الأطفال eBbY يعلن عن مسابقة "أرضنا" للكتابة

Picture

مسابقة "أرضنا" للكتابة

:تنظيم وإدارة الجائزة
:المجلس المصرى لكتب الأطفال
يهدف المجلس المصرى لكتب الأطفال إلى تنمية حب القراءة وتحسين المنتج الأدبى المصرى الموجه للطفل، كما يسعى لتفعيل التعاون بين الأفراد والمؤسسات والجهات المعنية بأدب الطفل فى مصر والتعاون مع المنظمات العالمية العاملة فى مجال أدب الطفل والتعريف عالميًا بأدب الطفل الذى ينتج فى مصر
:الجهة الراعية للجائزة
:مؤسسة شورى للتنمية المجتمعية
يعمل المجلس المصرى لكتب الأطفال حاليًا تحت رعاية مؤسسة شورى للتنمية
تهدف مؤسسة شورى للتنمية إلى التنمية المجتمعية من خلال تنمية الموارد البشرية وربط أنظمة التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل ورفع مستوى المعارف والمهارات لدى الشباب ليتمكنوا من المنافسة على فرص العمل المتاحة أو بدء مشروع يكفل لهم حياة كريمة
تطلق مؤسسة شورى للتنمية بالتعاون مع المجلس المصرى لكتاب الطفل مسابقة لاختيار أفضل الكتب للأطفال لتنمية ثقافة الطفل المصرى فى المجال الزراعى وللتحفيز على الكتابة للطفل وتنمية مكتبات الطفل فى المكتبات والمدارس

فئات الجائزة

الفئة الأولى: الكتاب الموجه للطفل حتى 12 سنة. نص غير منشورالفئة الثانية: الكتاب الموجه للفئة العمرية من 13 حتى 18 سنة. نص غير منشور

اجراءات الترشيح

يجب تعبئة استمارة طلب المشاركة بالكامل
يجب ارفاق ملخص السيرة الذاتية للمؤلف
يجب ارفاق نسخة من بطاقة الرقم القومى سارية المفعول
يجب ارسال 3 نسخ مطبوعة من النص المقدم للجائزة وارفاق نسخة ترسل بالبريد المسجل للعنوان التالى
المجلس الصرى لكتب الأطفال
عناية مؤسسة شورى للتنمية المجتمعية
42 شارع ميشيل باخوم
   الدقى
مصر

قيمة الجوائز

للفئة الأولى
الجائزة الأولى 15000 جنيه
الجائزة الثانية 10000 جنيه

للفئة الثانية
الجائزة الأولى 15000 جنيه
الجائزة الثانية 10000 جنيه

أهداف المسابقة

تثقيف الطفل المصرى بأهمية الزراعة ومجالاتها
تثقيف الطفل المصرى بأهم مقومات المجال الزراعى فى مصر
تثقيف الطفل المصرى بالتحديات التى تواجه الزراعة
عرض بعض أساليب الزراعة المناسبة التى يمكن أن يقوم الطفل بتجريبها
تحفيز المؤلفين للإبداع فى مجال نشر كتب الأطفال المعنية بالزراعة

شروط الترشيح للجائزة

أن يكون النص المقدم مؤلفًا باللغة العربية وأن لا يكون مترجمًا
أن لا يكون النص نشر من قبل فى أى صورة سواء رقمية أو ورقية فى كتاب أو مجلة أو دورية
أن لا يكون النص نسخة من كتاب نشر من قبل
أن لا يكون العمل المقدم فاز من قبل بجائزة محلية أو عربية أو عالمية قبل آخر موعد لتقديم طلبات المشاركة
أن يكون النص عملًا أصيلًا للمؤلف
أن يكون النص مقدمًا بواسطة المؤلف مباشرة ولا يقدم من خلال دار نشر أو جهة أخرى
يحق للمؤلف التقدم بعملين فقط فى كل فئة عمرية
لا يحق الاعتراض على قرارات لجنة التحكيم

يحق للجنة التحكيم حجب الجائزة


الجدول الزمنى

الإعلان عن الجائزة فى 23 مايو 2016
آخر موعد لتسليم الأعمال يوم 23 أكتوبر 2016
الإعلان عن الفائزين وتسليم الجوائز يوم 20 ديسمبر 2016

التقييم

سوف يتم تقييم النصوص بواسطة لجنة تحكيم مكونة من ثلاثة أعضاء من ذوى النزاهة والخبرة العلمية والأدبية وسيكون التقييم من حيث بساطة اللغة المستخدمة وعمق الأفكار والابتكار الذى سيجعل الطفل أكثر استيعابًا وحماسًا للقراءة
http://www.ebby-egypt.com/ardena-writing-competition.html


استمارة الترشيح بيانات مقدم الطلب

Loading...

"الأحكام لا تسقط سهوا" بقلم: رولا حسينات

"الأحكام لا تسقط سهوا"
بقلم: رولا حسينات 
 
قالت بصوتها المبحوح:" إن الله لا يسمع من ساكت.."
قلت:" ولكنه سمع ممن ابتلوا من أنبياءه وفرج عنهم.."
قالت:" ولكننا لسنا في زمن الأنبياء.."
كانت تباشيرها ترسم عند كل منعرج للطريق، وابتسامتها تنير النواقيس المعلقة على أعمدة الصمت..هي من ترفق بي وتحنو عليّ، ألمي أول من يسمعه دون أنين، ودمعي قبل أن يذرف على الوجنتين تدنو لتطفئ جذوته، تنصت لهمسات قلبي، كما لو أني كنت أحبو على أحلامي الوئيدة، فتفزع من تلك الغصة التي قد تعيق مني المسير..أمي.
 لكن الحياة ليست حبوا ولا عدوا، إنها قتال وفصال، تلك البثور التي تغطي الوجه دامية تغطيها بألف لون، وتبقى هي ويسقط غيرها الواهن عندما تنهال الحقيقة، لتسكب وجعها، لتعدو قبيحا بلا معيل أو ود عن أناسي الطرقات والباحات، كما لو تمنيت أن تتقلص إلى حيث لا تُشعر أحدا بهدأتك، لو أنك لم تخلق بعد.
قد تفعل أمي أي شيء قبل هذا، قبل اعترافي :أني قد غدوت امرأة، تلك الصغيرة في المهد تخلت عن كل نفائسها، لتهبط وحيا من السماء بصيغة أخرى غير صيغة القديسة.. لن تصيخ السمع لي حينها، بل ستكون أول من يغرس أظافرها، كمبضع ظرٍّ ينهش جسدا، لطالما هبت لنجدته، وكيف لا؟؟ وهي من تعلقت بأستار الأمل، أحلت ضعفها وقوتها وبوارج النسيان لكل ما فاتها، لتلطم به الوجوه المعزية، بقدوم بنت.
وها هي البنت يا وجعي قد أجهضت أحلامك وهي في الأحشاء جنين. وقد غدوت بين اليوم وليلته امرأة. لم أقاومه أعترف دون أي ضغوط قد أرزخ تحتها، بأني لو قدر لي لأعدت الكرة، فلن أقاومه. كيف أفعل وهو حبيبي؟؟
 قالها بصوت واثق: أنت مجنونة.
 قلت: أيُّ معادلة هذه التي ستتحمل بين جنبيها عاقلين؟؟.
 قال: لم يحن الوقت بعد. قلت: كيف لي أن أتركك تذهب هكذا، دون وداع دون أن تجعلك فيّ في الرواح والمجيء.
تنهنه: يا صغيرة، اصبري، كلها بضع سنوات، وأعود حاملا شهادة، أعلقها على صدر مكتبي، وتكونين أول زبون. ..وهل سأكون مجرمة حينذاك، لتدافع عني.
 لا ربما تطالبين بيّ كزوج... امممممم ولما لا تطلبني زوجة أنت الآن، وتكون كمن سبق و أكل النبق؟؟
أتعرفين كلما نظرت إلى عينيك، شعرت أن الجنة كلها بين يديّ..أذكرك طفلة تحبين، جاهدا حاولت إبعادك عن مجال تفكيري فما استطعت، وقع سهم الحب في نفسي مذ رأيتك، أول مرة في بيت عمتي صفية، أتذكرين؟؟ كنت تقطرين عرقا كما لو نزفت تحت وهج الصيف، وتلك الحمرة على خديك لها نكهة بيارات البرتقال، كنت حينها اقرأ في كتاب الحب من أول ما أبصرتك كما لو أنك خرجت من أحلامي، أذكر ذلك كما الساعة التي أضمك فيها إلي، كنت حينها يا صغيرة في الثانية عشر، وأنا أسبقك من العمر بثمان. انسحبت من بين السطور والأذرع الممتدة من بحر العشق لألتقيك ثانية، كم من الزمن مر؟ كم من الجمال تربع عليك يا حسناء؟؟ تقدمت إليك بمنديل، حمرة اعتلت وجهك، الذي غدا كقرص الشمس، وذوائبك تتراكض خلفك كذيل فرس شهباء، باحثة عن فارسها على رمال الصحراء، سكنت إلى جانبك في المكتبة، وتربعت على كرسي العرش، وأبحرت فيك، وبدوت كما لو أنك تتلقفين الهزائم متتاليات وكذلك الأفراح، صدرك يعلو ويهبط، تنحنحت، لم ترفع نظرك..كما لو أنك لم تستحضريني في الصورة.. صرت أجول بين الصفحات تارة وبينك فما أجمل منك وجدت!! شعرت بنا منذ ألف عام ..لم يرنو لأذنينا دعوة الغداء..عمتي تصرخ بأعلى صوتها: مثقفين ها والطعام ألا تأكلانه؟؟ كانت تجمعنا في بيتها كما تجمع الكتب كما لو طفلها ترعاه.. حين سألتها يوماً: لما لم تتزوجي عمتي صفية؟؟ رمت بصرها إلى الأفق البعيد، وسحبت نفسا عميقا من كتاب أحلامها المعلق بين عينيها، وقالت بآهات مختنقة: ولما عليَّ أن أفعل؟؟ وقد فعلت أكثر من ذلك، فالزواج عقد والعقود قد تكون بين اثنين دون أن يوقعا أيّا منها؟؟ لم أكن لأدرك شيئا مما ترمي إليه.. الكلمات عناوين لمحطات كثيرة. تلك المقالات المقصوصة والجمل المبتورة التي تدونها، بقلمها الحبر الجاف، وتلك التأملات، وذلك الاسم الذي لا تخفي ذكره، وهي تطالعه كما سيمفونية الشتاء والربيع والفصول كلها.. كم هي باردة الذكرى! وكم هو دافئ الحب!... آه ما أجمل كلامك..!.. وأنت كنت حينها الأجمل وأنت تتنقلين بين الأساطير التي لم تخن يوما.. لم أكف عن تذكرك، كلما عنت على بالي كلمة الوجود، شعرت أنه أنت وأنت هو. لا يمكن بتركما عن بعض.. يضل من يظن أن الحياة بلا عشق سكون ورهبانية.. تراه لما قال الرب حينها: "الرب محبة." وأنت المحبة كلها، لا أدري ما سيصبرني كل هذي السنين، أو أطيق صبرا يا نجوى؟ بالكاد أستطيع الابتعاد عنك، وكلما تقاسمت عينانا: أن لا فراق يأتيني.. شبحه ينسيني ما ذكرت، فأطيل النظر إليك، وأنت ترقصين.. تثملين.. تقرأين.. تحتسين كل جنان الأرض في كوب ضحكاتك.. بين جنباتي ضحكاتك همساتك كلها جنون، والحب جنون.. مالك تنصتين وكأني أتلو كتابا إلهيا، فلا تقاطعين؟؟!.
 إن كنت كذلك فما عساي أقول؟؟ أتكفي كلمة.. حب.. عشق.. جنون لتقدسني في قلبك؟ لتعبر بها بحار العالم ومحيطاته، حينها لن تنساني، ولكني لا أطيق أن تقاطعني أمواج الصمت البهيم عند كل مفترق للطرق.. أمسك بك فتذوب كالهلام.. اقسم لك أني كائن له مشاعره.. ضمني إليك ليذوب جليدك وينصهر فوق حممي، ونطفئ البركان.. ها نحن معا في وسط بناية من أربع طوابق، كل طابق سكن بأهله، إلا شقتك فهي باردة باردة جدا، لنكن معا ولو مرة.. أريدك أن تقبلني مرة واحدة فقط، ولتذهب كل الدنيا بعدها فلا أريد إلا أنت..وهل في هذا عهر..؟ أرأيت وأنا أنهب الطرقات معك إني امرأة كاملة؟.. وأنا الآن في السادسة عشرة، وأنت تفوقني بعدد سنين، كلنا يفهم ما يريد، ويعرف أن الحب أقوى سلطان.. ألم يسموا له آلهة فكانت عشتار؟ ألم يبنوا له بيوتا للعبادة؟ فلما لا نترك أجسادنا لرحمته، ولنجعله من يكللنا ونقسم أمامه أنّا لن نفترق...
 ومضينا تلتهمنا الطرقات وكنا وحدنا يا حبيبي لأول مرة منذ سنوات.. لوحدنا دون ذكريات.. ولكنك كنت لا تريد سوى أن أبقى كما أنا، لأكون عروسك.. فقط قبلة واحدة طبعتها على جبيني. وقلت:"إنك امرأتي أنا، لا أطيق أن أراك محزونة مبتورة دوني، لا أطيق صبرا.. لأن أجعلك ملكة بيتي، كما أنت ملكة روحي.. فلا أجساد تبقينا، يا حبي معا.. بل أرواحنا، من تتبتل بحبنا إلى حيث تطامن من يعفو عنا في السماء، وأهديك كتابي دون صور، فقط سطور وأي سطور؟ تروي نشأة الصبر وحكاياه."
 قبلته.. وأهديتني إياه.. نعم، وودعتني والطرقات..و كل حبة رمل دسناها بأقدامنا.. تشهد بأنا أقسمنا: أن نبقى معا.. حزنت يومها فقلت في نفسي: لعلي نصف امرأة!!. لكنك قرأت أفكاري، وناديت حزني، وأنت تضع يدك على روحي رافعا انكساري: أنت امرأتي وأجمل امرأة ..عندما وصلنا إلى آخر منعرج يفضي لساحة بيتي، ودعتني وودعت معك كل الذكريات وبت أطرق بخطواتي أذن الكون: أني امرأة اليوم.. من لون ونوع آخر..
 وهكذا كنت يا أمي، ابنتك غدت بين يوم وليلة امرأة ..
السنوات تمر وخريف العمر يمر وساعة الزمن قد سرقت عقاربها، مضت للآن أربع سنوات، وأخبارك من البعيد تأتي مشوهة مزفوفة بالطلاسم.. العمة صفية قد تغيرت، بدت أكثر وجوما واصفرارا..أشعر أنها تخفي الكثير، سحب من الدخان تلفها على الدوام، أعناق سجائرها قد سحقت أعناقها في المنفضة، رائحة البيت أكثر عفونة، السعال ونوباته تنتابها، أكثر وأكثر، لم أدرك حقيقة ما يجري!!..حسبتها غمامة فراقك وحسب، ولكنه كان أكثر من ذلك، أدري أن النهاية تأتي بطقوسها مبكرا، على حين غرة، لتسرق من نحب.... وتغيبهم إلى ما وراء الأفق دون وداع، خوفا أم تحسبا تراه، من أن تتعلق النظرات باقتباسات الأمس وأيام قد خلت، وخلت ورائها السراب..؟؟.
 وهاهي الدنيا قد ولت بصفية فقد ذهبت ريحها معك، وبقيت أسراب الحبارى تتطاير مذعورة، دون أن تعزف سيمفونية الصباح، رائحة الشواء تزكم الأنوف، الضجيج، الذعر، صور القتلى والجرحى، الأشلاء المبتورة تملئ الطرقات، وغابت الدنيا هذه المرة ومعها كل من أحب، من يسندني حين الوقوع، من يتلهف عليّ.
 كانت شظية هي من قسمتها قسمين، بين ذراعي خلت قلبها والى البعيد ذهبت قدماها، فلا أستطيع لملمة ما تبقى من أسرار.. أهو النحيب حينئذ؟ تلقفت البناية قنبلة على عجل والمارقون الأسود لحاف وجوههم، يتصيدون العذارى في الخدور، لحظات ويعلمون أن في البيت جثث تنبض بالحياة، ودون من تبقى من أحبة ألوذ بالفرار، إلى حيث سقطت  الدماء غزيرة لاستحم فيها ولأنفض عني رخاوة السنين، شاحبة بدوت وبحجارة كُسيت، فما تبقى غير أنفاسي لتموت ثم تبعث..
كان الأحياء هاهنا يمرون، ملوحين بأجسادهم المبتورة، بصورهم الناقصة، أسراب القطا والطير المغرد على الأدواح..بالأمس كانوا جميعا يجوبون الطرقات..
 مضت الدقائق كدهور ميتة، قذارتهم وحشيتهم وهم ينبشون ما تبقى من حطام، يتضاحكون هذي ملابس نسائية.." آه ليتهن كن أحياء..".. ولكن الموت صفقة مع الشرفاء..
 هم يحتفلون بالنصر وبهم حيرة لمن ينسبون زمن اللحظة لحظة الانتصار؟!! اللحظة تختلف في تعبيرها بين الخاسر والمنتصر بين القوي والضعيف وهذي اللحظات أسوءها.. أجر جسدي إلى البعيد، حيث أشباح القتلى تنهب الطرقات، صوت شج قلبي وانقض على مسامعي، بكاء أخرس لرضيع  دفن تحت الأنقاض..
 السماء تلبدت بغيمها الأسود لتنزف ما تبقى من صواريخ ومدافع وقنابل، كلها باتت من صنوف المطر.. غيره المطر الذي ألفناه، أشتم ريحه الرضيع واسمع الأنين ببطء.. نعم، هاهو تحت الركام، انبشه لتدمى يداي.. اقتلعه من تحت براثن الموت لاضمه، مازال كما هو ملفوفا بغطاء أزرق وخرزة من العين قد خيطت بالغطاء، رائحة الحليب والحفاظ النظيف، رائحة البراءة ورائحة الموت، تلفان المكان..
 لا وقت للعاطفة عندما تغتال الإنسانية. ألوذ ببيت قد اكتاله القصف من القاع، الطفل يئن ويبحث عن ثدي ليرضعه.. كما قال الفيلسوف مرة: الخيال لعبة الأقوياء، ضع كل حواسك التركيز أول خطوة وأهمها.." أتخيل نفسي أما عاشت ثورة المخاض، نبضات متتالية من الألم تصرع جسدي كله، ألم في الصدر، ثدي أكثر قسوة، قنبلة موقوتة تعد الثواني للانفجار، أفتح الأزرار وألقمه إياه، يبكي بمرارة..شهقات وبكاء وسكون..إنها العواطف المختلطة التي تفزع العقل.. يلتقم ثم يبكي ويعيد مرارا وتكرارا..
 كم من الزمن مضى عليك يا صغيري دون طعام ..؟؟
الليل والنهار سواء فلا فارق بينهما، والشمس قد أقلعت عن عادتها في التمختر والغرور ولملمت جدائلها، وهجرت عشيقها، وغابت إلى حيث لا يتبعها أثر، رافقتها  النجوم والحدائق والعطور والهواء.. وبقيت السموم معشقة بغشاوة المكان، كم سيمضي علينا من الزمن لنخرج أنا وأنت أحياء؟؟ نم يا صغيري فهناك لا بد من نهار، إن كتبت لنا الحياة..
 وسار الموكب يقلب الأحياء بعد حرب الأيام الخمس، الموت يلف المكان، لا عويل ولا نواح، لا بوم وغربان تنعق بالديار، كلها قررت النزوح إلى حيث تُعرف تعرفة النوم والهناء.. ضريبة الحرب مريرة.. فهي لا تقبل الرهن ولا التقسيط، تريد الدفع مقدما بلا تفاوض ولا مقامرات، هي دوما تحب أن تكون أحكامها شرعية، كن فيكون فلا استجواب ولا استئناف، ولا أي تحقيق في فروضها، فلا شهود من أي من الأجناس، فقد قضوا نحبهم، فمن يكتب التاريخ حينئذ السفاح أم القتيل؟ المدفع أم القبر؟؟.
 كل النهايات باتت معلومة عندما عثروا عليّ، كنت قد وقعت مع الموت عقدا، بأن أصحو في أي مكان يجعل أحلامي في متناول يدي، بأن أراك.. أتظنني وفية بما يكفي كي ألقاك؟؟
 قلت لي يوما: أن الشرف لا يمكن أن يعود، إن ذهب، وأن من طبعك الوفاء، وأنك لا تمد يدك للجبناء، وأن أهم أهدافك إقامة العدل.. فأي عدل يمكن أن أتقاسمه مع صورتي هذه؟؟
 لاجئة إلى حيث اللامكان..
 الغرور يا صاحبي كمستنقع من الوحل يسحبك إلى الأسفل، كلما تحركت أكثر.. ولكنك حين تتوقف وتبقى هادئا، فإنك ببساطة قد تستطيع الخروج، ولكني لن أستطيع ذلك، فأنا مع قطعان من البشر، قد نجوا فجاءة من الموت، واقتيدوا سجناء القدر..
الوضع المزري، خيم متطايرة بلا أشجار ولا شرفات، و لا طيور غيرها الريح تزف البرد والمطر..المعاناة فقط وها أنا والرضيع.. كنت لأول مرة أريد أن أضحك. عندما قال لي أحدهم :ما اسم طفلك؟؟ قلت: أنه أنت سمير.. أرأيت أنه في زمن الحروب يختلف فيه كل شيء؟؟
..المواعيد والضوابط..لا تغني ولا تسمن من جوع، و لو أني لم أرك ثانية..فأنا وفية إلى أقصى حد.. سمير هو ابني..
 ما اسم الأب؟؟ فكرت مليا أن أقبض على ذكريات الأب، الذي غاب وأنا في الأحشاء..
نظر إليّ بتجهم..: أسالك يا امرأة، ما اسم الأب؟؟
 قلت: عمر... سمير عمر..
أعطاني الورقة وقصدت خدري المنضود من الحجارة، وكومة من المعلبات، وحليب للصغير وغاز بشعلة واحدة، وإبريق.. لكني ألقمته ثديي.. ما أجمل شعور المرأة، حين تلقم ثديها لمن تحب.. وهل هناك أجمل من الرضيع؟؟!
دفقات من الحنان لم تتوقف رغم الوهن.. أقيم وئدي ببضع لقيمات لأخلد إلى دفئه في كومة من الأجساد.. تلتصق بمن تحب تتكور ليدفئك! إنه الحب يا صديقي الذي لا يمكن للأهواء المستعرة أن تعرفه، وكيف تعرفه وهي تتلصص خلسة بين الوجوه النائية عن البشر..وكنت حينها فريسة بنظره قد استساغ مضغها ثم يتفلها، المرأة بنظرهم جسد وشهوة ما أن يتم بمبضعه خرقها ينهي وجودها، ما أبشع أن تكون اللاشيء،  وأن تنتظر أن يقيمك أحدهم، في زمن الحروب يكون البلاء، مجردا دون هوية قد تصنع تماثيل للجوعى، وقد يتفنن الجزع في محو الوجوه من خارطة البقاء..
كنت أشعر أن في السماء الكالحة رائحة الخيانة والاستغلال، الاغتصاب صناعة يمتهنها كثير من المسؤولين وأتباعهم مخولون بهتك الأعراض، شعرت به ينتظرني وهو ينفثني في سيجارته النتنة عند كل معبر، من يقلب العابرين، الذئب الوسخ. كل ما فيه يصيبني بالغثيان، وهاهو الليل يرمي جفونه ويتوارى قمره بالحجاب، وجاءت جسور من النور ضئيلة ناعسة، وأنفاسه الغليظة عفنة بشعة، أخذ جسده ينتهك الخيمة، شعره الأشعث وجهه البشع..سكرته.
 سكين في حوزتها لا يفارقها ..الرضيع خلفها ..حدثت نفسها:" إن مت فلأمت وحيدة..لعل قدرك يا صغيري، يؤمن لك حياة أوفر من السعادة التي أسقطها السفهاء.. جعل ينفخ في قذارته ليبقيها مشتعلة ..الهدوء لا يبشر إلا بعاصفة فكن على حذر أيها المغتصب. انقض بجسده عليها ليسجنها وصرخاتها ..لكنها كانت أقرب من مبضعه بمبضعها..و جأر لينتهي كما لم يكن..كان يمكن أن تصرخ فلا تسمع صرخاتها، فوادي الموتى ليس فيه إلا العظام والرفات..ولكنه الخوف من يحي الموتى  ويبعثهم من قبورهم..تلقفتها الأصفاد..ونهشتها الأصوات: قاتلة، قاتلة..ما أبشع الحقيقة التي لا يبصرها إلا الضعيف..الملاجئ مليئة بكل شيء إلا النزاهة، الضعيف دوما ضحية، والضحية  حظوظها في أن تنصف ضعيفة، والخناجر تطالها والسجون بوابة واسعة لنيل الشهوة دون رقيب.
السكون هبط على لوحة المكان، النواح والعويل فارقا الرضيع ، بدت التضاريس كلها سواء أكثر تسطحا، والنور المنكسر من الأعمدة الخشبية، الماثلة كالتوابيت، وجاء المحنطون مشهرين السلاح يحيطون بالقاضي، جلس على عرشه، والشهود حاضرون والمحاضر مضبوطة، وعلى المتهم أن يتسلم كتابه، نظاراته السوداء لحيته المحيطة بذقنه بأناقة، تسريحة شعره وبدلته التي ما يفتأ ينفض عنها الغبار، جاؤوا به والجمع من حولها ينعتها بالمجرمة، والسباب يزفها إلى مقصورة النطق بالحكم ، من بعيد لوح بيمينه وبعث لها قبلاته، كم هو الحنين وكم هي بعيدة تلك السنين! فلا فواصل لمشاهد أكثر حميمية، الجفاء هو أس المعادلة والفراق هو اتحادها، رفعت بصرها إليه وخلع نظارته ليلقي نظرته الأخيرة، ها نحن يا حبيبي، ياه كم طال انتظاري لأزورك في مكتبك، لكي تنطق بالحكم. الضمير لا يزعج صاحبه عندما يموت، ولفافات المبادئ تجدها في مكبات النفايات. سيدي حان الوقت، نطق بكل برود: فليكن حكمها الإعدام..

2016/05/26

نتائج مسابقة صلاح هلال الأدبية الدورة 15لعام 2016 وللبراعم تحت17 عام الدورة الثالثة



نتائج مسابقة صلاح هلال الأدبية الدورة 15لعام 2016وللبراعم تحت17 عام الدورة الثالثة
تم الإعلان عن نتائج جوائز المسابقة السنوية برئاسة المشرف العام على المسابقة الناقد/د يسرى العزب والأديب أبو العينين شرف منسقا وصاحب وراعى المسابقة صلاح هلال ومشرف المسابقة الكترونيا شريف أسكندر
الفائزون ألأول ألأديبة /عبير مرسى عن قصة (الظل المنفصل) مصر
 الثاني الأديب /إبراهيم حسين عن قصة (السحلى ) مصر
 الثاني مكرر الأديبة/ لندا كامل عن قصة (ثرثرة نسوة) الجزائر
 الثالث الأديب/عمر عادل الردينى عن قصة(مكتب)من مصر
الثالث م الأديب /محمد ممدوح عبد السلام عن قصة (أصداء) مصر
الثالث م الأديبة شيماء خالد عن قصة (كسيجارة) سوريا
 الرابع الأديبة /هدير زهدى عن قصة (انسانية الموت ) مصر
 الرابع م الأديب /محمد الحمراوى عن قصة (ترسيم حدود الهزيان ) مصر
الخامس الأديب / محمد كرافيس عن قصة (سفر العزاب ) المغرب
 الخامس م الأديب موسى الزعيم عن قصة افتتاحية الربيع ) من سوريا
 براعم تحت 17 عاما
الأول الأديبة الواعدة /حلا يوسف خليل عن قصة (رحيل الغمة) الأردن
 الأول الأديب الواعد /شريف الرفاعى عن قصة (اصطدام)مصر
 الثانى الأديبة الواعدة/ سما وائل مصباح عن قصة (المراّه ) مصر
 الثالث الأديبة الواعدة سيما خالد محمد عن قصة (أدنو من القمر) فلسطين
وقد اختارت هيئة المسابقة هذا العام ونشرف به تكريم الأديب المحترم /عبد العال عبد الرحيم
شكرا لجميع المشاركين من مصر ومن جميع الدول العربية فى اثراء المسابقة بأعمالهم الأدبية المتميزة وألف مبرووووك للفائزين .
 بالنسبة لحفل توزيع الجوائز بعد العيد
 منسق المسابقة الكترونيا وإعلاميا الأستاذ / شريف اسكندر

2016/05/25

تعدد الثنائيات.. سيد النخيل عجائبية الفقد والحب بقلم أحمد طوسون


الأرض فاتحة وختام والنساء فصول الخصب والنماء بوابات التراجيديا ... الولوج من قلب الوطن مصاحبة نقدية أولى لثلاثة عشرة مجموعة شعرية لحسن النجار بقلم: مختار عيسى

الأرض فاتحة وختام  والنساء فصول الخصب والنماء
بوابات التراجيديا ... الولوج من قلب الوطن
مصاحبة نقدية أولى لثلاثة عشرة مجموعة شعريةلحسن النجار
مختارعيسى
 
توطئة لازمة
 
لأنك لاتستطيع مخاتلة الذات ، باستنساخات الأنقاد التي درج على تعبئة أوراقنا بها جُلُّ النقدة ، ولأنك لايمكن إلا أن تحتشد لتجربة ومجرّب  قدمها لك؛ آملا أن تكون لك كلمة الإنصاف في زمن التصاحيف والتغلطات، كان تهيُّبي الاقتراب ـ حينا ـ من "بوابات التراجيديا"  التي دعاني الشاعرحسن النجارإلى الولوج منها إلى عوالمه الشعرية، وارتكازاته الفكرية والإبداعية ، في مجموع أعماله في أجزائها الثلاثة، التي تضم ثلاث عشرة مجموعة شعرية في مجلد واحد.
وبدءا ، وبغير أن يبادرمتعجل ؛ فيتهمنا باللجوء إلى التعاميم ، والإطلاقات ، انتصارا لتجربة ، أؤكد أن مُلجئي إلى التبكير بإعلان انحيازي إليها ، ليس إلا التعبير عن استخلاصات من مرورات عدة بين الدواوين ، لم تكن لتترك لي فرصة التهرب من ما يقارب الهتاف النقدي ـ إذا جاز الاستخدام ـ للشاعر وتجربته ؛ ذلك أنك تتأكد ، في كل مرة ،بأنك أمام شاعر يعرف حدود شاعريته ، لايبتذلها جرّاء مساوقات شكلانية لحداثات شوائه ، ولا يجافي بها إرثه العربي ، ولا يستذل تجربته له في آن؛ فهو الوالج عبر بواباته إلى عمق أزمة الذاتين الفردة والجمعية ، وهو المتخارج منها إلى اشتباكات الوعي غير المؤطرة أيديولوجيا ـ وإن بدا ذلك لبعض الدارسين ـ تأطيرا ساجنا مكبلا لانطلاقات في مساحات الوجود الإنساني العام .
ولأن الاجتراء النقدي ممن لا يقدرون على قراءة  نص واحد دون مزالق ، هو سيد  الموقف في كثيرمن ندواتنا ، بل وفي أطروحات جامعية ، ولأن آلاف التعاليق  تكاد
  تطمس جوهر العلاقة بين مبدع النص ومتلقيه ؛ جراء علاقات شائهة  مسؤول عنها حتما جيلٌ من المبدعين والنقاد على السواء ؛ فإنني أتكئ على مافي هذه  الأعمال  من خضرة قادرة على  مكافحة  التصحر الإبداعي، والجفاف النقدي ؛ وليس في انحيازي ـ آكدا ـ أية مجاوزة للموضوعية ، وإنما ارتكان إلى عناصر التجربة القادرة وحدها على إقامة الحجة وتقديم الدليل .
الدخول إلى مجلد "الأعمال الشعرية" من بابه الرئيس، يتيح للجائل العابرالوقوف على شواهد وإشارات، لكنه ـ لاشك ـ يمنح المتمهل المقيم  فرصا أعظم لتبين تفاصيل مبانيه ومعانيه ، وتحسس ملمس الجدران، صلابتها أو لينها، ورائحة الوجود ،وطعوم الحياة ، ومن ثم لايكون القيام على العتبات كافيا لاستخلاص مكامن التجربة، ومراكز الحضور وأدلة الغياب فيها ، وإن كانت العتبات لوزام الدخول الشرعي، مع التسليم بإمكان تخطيها ، أو تخطي إحداها ، كعتبة الغلاف ، الذي أظن أن الشاعر لم يتريث عنده كثيرا، وإن كنا نستريح إلى اعتبارعنوان الأعمال أول كواشف التجربة الكبيرة المحددة للمسارات، بل والمآلات المقصودة ؛ حيث تلعب الكلمتان المتضايفتان" بوابات " بجمعيتها و" التراجيديا " بإفرادها وتعريفيتها، دورا استدراجيا للمتلقي؛ للمرورمن متعدد ، بما يتيحه هذا المرور من فساحات الاختلاف أو الاتفاق، إلى محدَّد مستهدف مأطور، وهو هذه المأساة ـ على إطلاقيتها؛ الأمر الذي يهيئ المتلقي عبرهذه العتبة إلى الاستعداد لتحري ملامحها ، وعلاماتها ، ارتكانا إلى محمولها الرؤيوي، وإرث المتلقي مع التراجيديات في الوعي الشعري ، والثقافي العام ، ولعلنا نشير إلى عنوان ديوان للراحل الكبير "نجيب سرور" وهو " التراجيديا الإنسانية " وربما كان في الإفرادية في تجربة "سرور" وتأطيرها نعتيا، وإطلاقيتها لدى "النجار" دلالة على اتساع التجربة المتأخرة في (مجلد الأعمال) محل الدراسة ، ومن ثم استلزام تعدد بوابات الدخول، وسنواجه ـ بعد قليل ـ  بتأطير نعتي لإحدى التراجيديات لديه في عنوان المجموعة الشعرية الأولى : " التراجيديا الريفية "، ثم بإطلاقيتها في عنوان نصه " فصل في التراجيديا " ثم  بتحديد زمني في نص ثالث : " تراجيديا الساعة الثانية".
وإذ يعتبر "حسن" كل مجموعة شعرية مدخلا إلى "تراجيديا" عامة ، أو تراجيديته الخاصة، فإنه يلجأ إلى تصنيف كلٍّ منها بالبوابة مانحا إياها رقما متسلسلا ، ولاتخفى دلالة الكلمة التي تشير إلى معنيين متضادين ؛ فربما كانت حاجزا بإغلاقها في وجه محاولي العبور، وربما كانت بانفتاحها دعوة للمرور ، والجمع دال موحٍ،على ضفتي المعنى، ولكنا نرتاح إلى تأويله كأنه يوحي، بتتابع الدخول من واحدة إلى أخرى ، إلى الانتقال الرؤيوي والفني من عالم إلى آخر مغاير، وإن كانت المغايرة لم تتضح بشكل سافر ؛ فالتناص الداخلي معجميا ورؤيويا وحتى في معماريات النصوص كفيل بدحض المغايرة ، بل والتأكيد على أن ثمة استنساخا لعوالم ورؤى ومشاهد، لم تتبدل كثيرا في معظم المجموعات تقريبا .
ولافت قطعا أن الشاعرعمد إلى وضعية  خاصة لاسمه في الثلث الأعلى من صفحة الغلاف ،على خلاف المألوف  بتقديم عنوان الكتاب على اسم مؤلفه ، وربما جاء هذا عفو الخاطر، ومن ثم فإننا  وفق العمدية القصدية أو العفوية ، أمام الإعلان عن الوجود الذاتي ، وباللون ذاته الذي عنون به  مجلده ، هذا البني الداكن، القريب من لون التربة ، والتي سيكون لها ولـ "الأرض"  حضور كثيف فيما بعد ، وكل هذا فوق صفحة تميل إلى شكل قطعة النسيج الكتاني ، ذو الحضور في الذاكرة المصرية والريفية تحديدا ،  وكلها إشارات للفضاء الذي تتحرك  بين أضلاعه النصوص.
سأغادرمضطرا عتبة الغلاف الأول ، وإن كنت توقفت  فيها عند عنوان الأعمال إجمالا، إلا أن بساطة التشكيل الخطي واللوني في هذه العتبة ، لم تكن بقادرة على البوح بأكثرمن الإعلان عن اسم الشاعروالتقديم العام، والتوصيف الجنسي للنصوص، عبر عنوان من كلمتين متضايفتين،  مع اعتبار ما أشرت إليه من التعدد والإفراد ، أوالإطلاق بمعنى أدق ، بالإضافة إلى صورة فوتوغرافية ،فيما يبدو،  لبرق وساحل مطمور الملامح ، وكأنه إشارة أخرى لهذه الإطلاقية ، وأن حدثا كونيا مكرورا يوشك أن يأخذ بتلابيب التجربة من صفحتها الأولى ،وكأنّ برقا يسبق الرعد الصوتي العاتي الذي سنسمعه عند العبور من البوابة الأولى ، ليهطل مطر النصوص .
وبالانتقال الطبعي إلى عتبة غلافية أخرى ، في نهاية البوابات ، وأعنى بها ما سجله الشاعرعلى الغلاف الأخير لمجلده، سنجد صورته ـ صورة الشاعرـ  بوجه هادئ يتأمل أو يفكر ، ثم مقطع شعري يؤكد فيه أن كلماته لم تنته ، وأن ثمة جديدا لم يقله في أعماله ، مشيرا إلى صعوبة الرحلة، وثقل المهمة ، ومسؤولية الشاعر الرسول
" من علم هذي الليلة أن تأخذ زينتها/ في السر وتلبس خف التدوير/ فأخرج في كنف الليل الصحراوي / أنصّب في كل خلاء مائدة لطيور/ الليل وألبس تيجان المملكة البيضاء
ـ لو كان الليل مدادا ماوسعت/ كلماتي  الأرض ـ /أقرب من جسدي رائحة الأفق / ورائحة النار .. وأسقط إعياء"
هانحن بين الضفتين ، بين إشارة البرق،على الغلاف الأول ودلالتها المضيئة ، وربما المنذرة ، وبين الخروج معه عبر الغلاف الخلفي ، وقد سقط إعياء ، نكون قد أدركنا ولو لمحا ، أن احتمالا، ولو ضئيلا،  قائم لوقوع المأساة  بينهما، وتراجيديا خاصة وعامة لم يفلح الشاعر في احتوائها  تعبيرا واشتباكا روحيا ومعرفيا ؛ باعترافه ـ على الغلاف الأخيرـ أنه لم يكمل كلماته حولها ، وأنه لم يملك في نهاية المطاف إلا أن يقرب من جسده رائحتي الأفق والنار قبل أن يسقط من الإعياء .
حسنا ؛ سنقبل دعوة البرق ، أو بمعنى آخر ، سنستعد لعبور بوابة التراجيديا الأولى، والتي ستكون لدينا دليلا مرشدا ـ على مافي هذا من خطورة التحديد ـ لعوالم الشاعر؛حيث الريف مرتكزه البيئي، وانطلاقته البدئية في مواجهة الحياة، بتراجيدياتها العامة، وتراجيديا الريف بصورة خاصة ؛ لنكون في مواجهة تشكيلية وبنائية ووجدانية  في حضرة الأرض، رحم النص، وبذرته في آن، وحيث الريف يشخص مختزلا للحياة الأوسع  بجدليات الوعي ومساحات الاختلاف  والتواؤم، وحضور الأحلام، وشيوع الخرافة .
ليس عفويا قطعا أن تكون البداية أو البوابة الأولى، مفتوحة على فضاء التكوين والتنشئة ، ومستدخلات النفس والروح والوعي في بيئة الميلاد ، والصبا والشباب ،  في " بابل " ذلك العشق الذي لم يغادرالشاعر ، مذ سكنه في ساعات الخلق الأولى، رغم محاولات الانعتاق من التأطير القروي للفكر والمشاعر، وليس عارضا أيضا أن يفتتح مجموعته الأولى بالنشيد الريفي ، فالشاعر رغم ما تؤكده تجاربه في مجموعاته الثلاثة عشرة موغل في الدرامية ، متكئ على تداخل الأصوات وتعدد الموالج للنص الشعري رؤى وبناء ، إلا أنه لم يغادر آليات المنشد العربي القديم ، والذي ـ بالطبع ـ يتسق مع ريفية التكوين ، وبدائية التفكر، وبساطة الجدل ، وحدته في آن . ولعلنا في تالٍ سنلحظ حضورا كثيفا لمفردات الإنشاد والنشيد والغناء والموسيقا .
يفتتح " النجار"  مصدرا لقصائده الأولى بمقولة " روبرت فروست" : " لك أن تلومني لعجزي عن الهرب من الأرض " ، وفي ظني أنه إنما أراد التأكيد على التمسك بالطين ، وتوثيق الانتماء ، رغم النوازع الداخلية ،لاشتباكات الوعي والنظر إلى ظواهر الأمور وبواطنها ؛ فلا تزال الأصالة الريفية تأخذ بتلابيب روحه ، وتدفعه إلى إعلان القبول باللوم على العجز عن الهرب من حقل أرض الإنبات والتنشئة .
ولعله وهو يفتح لنا بوابته الأولى أراد أن يقدم لنا فيما يشبه الإصرار، بل هو كذلك، علاقته بالوطن، ويدق في تربة الوعي العام أوتاد هذه العلاقة بالاتكاء على ماسميته استعارة من الفن السينمائي ، مفردات البطولة ؛ حيث تتصدر المشاهد كلها ، ولاتكاد تقرأ سطرا واحدا حتى تتيقن أنه لافكاك، وإن أجهدت نفسك ، من مواجهتها صريحة في دلالتها المعجمية الأولى ، أو بظلالها ، وإشعاعاتها ، فكلمة (الأرض )  وكل الحقول الدلالية المتشعبة عن حقلها الرئيس وفي "أغنيات المدخل" (ص 11) من الأعمال ، لاتكاد تحصى؛ ؛ ومن ثم فأنت قد تأكدت، ومنذ المصافحة  التلقوية الأولى أنك أمام شاعر وطني من الطراز العاشق المولّه ، وأن احتمالا بدوران نصوص المجموعة كلها داخل حالة العشق هذه، هو الأقدرعلى الصمود أمام كل الاحتمالات المفتوحة، على فضاءات شعرية أخرى، وأنك مطالب ، وفق ذائقة خاصة، دفعك إليها دفعا ، ليس باستقراء  ظواهر هذا العشق وهذه الوطنية بركائزها الريفية الراسخة فكرتنا عن مكانة الأرض فيها ، ولكن بتحليل ماوراء هذه الظواهر؛ انتصارا لمعنى ارتباط الإنسان في حراكه العام بالكينونة الوجودية.
ليس غريباـ إذن ـ أن تكون كلمة البدء  هي " الأرض" حيث يقول في المقطع الأول من " أغنيات المدخل " :
"الأرض ليس يؤمهاغير الرجال / يتقدمون نساءهم للنهر / ثم يحاورون دم الأجنة / في مواعيد البذار "  
ويتابع : الأرض تحبل/ حين يلمس صدرها / خطو الرجال/الموت حين يطل عبر سهولنا/ تفنيه في البحر ابتهالات الرجال ( ص12)
(الأرض) كمفردة تتكررفي هذه القصيدة وحدها عشرمرات ، فضلا عن مرادفاتها وأخواتها في حقل دلالي واحد ، كالثرى ، والطمي ، والتراب ،وغرين ، وغيرها، وكذا مفردات" الرجال" و "النهر" و"الخيل" و"الدماء" و"الليل" ، و"بابل "، الأمر الذي يتيح لنا فرصة تصديق فاعلية المدخل المعجمي، واعتماده لتحري الخطاب النجّاري في هذه المجموعة من الأعمال الشعرية، دون أن نُتهم بلي الأذرع النصية؛ استجابة لتصورمسبق، أو ذائقة معلبة ،على عادة محترفي التعاليب النقدية ، ندخل بها فضاءه الشعري الفسيح .
 تستحوذ (الأرض) ،كدال ودلالة، على مساحات شواسع من الخطاب الشعري في المجلدات بمجموعاتها الثلاثة عشرة ، فلا تكاد قصيدة تهجرها حتى تؤوب إليها سريعا قصيدة أخرى ، وفي المدخل وحده وأغنياته نقرأ حضوراتها : "الأرض تحبل"، "لا عشبة في الأرض ترسم وجهنا " ،  "حين تخضب الأرض الوجوه "،" لاتبارك ميتتي في هذه الأرض"،" ولا ترسم على الأرض العذاب"،" فتسمعت لصوت الأرض فيه" ، "وأرحل  مبقيا للأرض صوت الآلهة" ، "رماد الأرض عودوا زهوها"، "يسوي في حنايا الأرض قبري ؟ "
هذا الخضوع للمفردة ، لايمكن أن نرده إلى فقر معجمي ، وفاقة لغوية ، وإنما ـ وفي رأيي ـ تأكيد للحضورالريفي بثقافته المعهودة ، وإرثه الفكري ، في ذات الشاعر؛ فلا أغلى ولا أعظم حضورا لدى أبناء هذه البيئة الاجتماعية ، والمحيط الجغرافي البابلي ، من الأرض ؛ ومن هنا فإلحاح المفردة وسيطرتها على التراكيب الشعرية في النص، لم يكن ليتبدى بالدلالة المعجمية ذاتها في كل مرة ، لكنه يكتسى ظلالا جديدة في كل جملة ؛ فمرة هي مجرد مساحة  جغرافية ، لا يسكنها ، أولايستحق سكناها  إلا الرجال ، ومرة هي الخصوبة في صورة امرأة حبلى، وثالثة هي قبر ، وجثة ميتة ، ورابعة هي صائتة بصوت إلهي مقدس، وخامسة لاهبة موقظة للموتي ، هي الفعل ونقيضه ، الحضور والغياب ، الإماتة والإحياء ، الصمت والصوت ..هي الكون ، والوجود إذن.
ومع وقوع الشاعرتحت سطوة استلاب دلالي ، منذ سطره الأول ، كان لابد من تجاور واشتباكات المداليل ، وتقاطعات الصور،في حقل الحياة والموت ، بما تمثله الأرض فيه من بؤرة مركزية ، تدور التراكيب والصور حول محورها ، حتى تكاد تتكررالفكرة ، وتستنسخ التعابير، لتكتشف أن ما سماه الشاعر بأغنيات المدخل ليس إلا تنازيف الذات الفردية في جدليتها مع ذوات الجموع ، وحضورالكل في الواحد، البطل التراجيدي في مواجهة آلة القدر الطاحنة ، وتحت سمع وبصر ذلك الإله البابلي المتصور رسوخه في الوعي الجمعي و حضوره في تفاعلات النيل والطمي وإخصاب الرجال للأرض والنساء في آن .
من هنا فإن " بابل "  قرية الشاعر، المنبت ، والنشوء ،  طفولة ويفاعة وشبابا ، لم تكن مجرد مساحات من الطين ، تؤطرها حدود الجغرافيا ، ومزارع ، وبيوت ، ورجال ، ولم تكن اختزالا لفضاء فيزيقي لايدرك الشاعر أمداءه ، بل كانت الرحم  الذي يلقي بقداسة بارتعاش الطمي في لحوم الرجال الآلهة ، خارج جغرافيتها المحدودة ، وهي المعادل المتعين، للماوراء المقدس، والمعلوم المجهول .المحدود اللا مأطور .
"من لي سواكِ يعلُّ طير النوم في صدري / يروّي في دمي عطش النبات / يبكي على صدري  قبيل الموت / يحمل عن أبي نعشي / يسوي في حنايا الأرض قبري ؟ / ناديت بابل في انخطاف القلب : / بابل عادني من دفئك الدموي عمري / من لي سواك يردُّ جوعي/ حينما تعيا الفصول ؟"   
 ولا غرابة ـ إذن ـ ألا يخاطب في مختتم نصه الافتتاحي سوى رب بابل :
"يارب بابل بارك الأم الرحيمة / واشهد ـ تباركك السماء ـ مخاضها الريفي في عرس الأمومة" (ص19)
هل كنت مغاليا في رصدي لحضور الأرض بهذه الكثافة ؟ لعل في النص الثاني ما يدفع عني هذه المغالاة ؛ فقد أسلم الشاعر منذ البدء نصه الجديد لوطأة حضورها ، حيث يقول :
" تصمت الأرض "  و " ما انشق صدر الأرض " (ص21)
و " فلتشهدي يا أرض / أنا ما أكلنا من مواسم عشبنا غير الفتات " (ص 22)
و "ما اسم الذي لاتشتهيه الأرض / في عرس الفصول الأربعة " (ص 23)
و" ونواح الأرض من عام لعام " (ص24)
و شاغبت ملح الأرض..... تأكلني أفاعي الأرض "  (ص 28)
الأرض صامتة ، ومشقوقة الصدر ، وشاهدة ، ومشتهية ، ونائحة ، ومالحة، وحاوية للأفاعي، وفي كل هي الركيزة الأساس للفكرة ، وعمود الصورة الفنية ، وقد يصل تكريرها بهذه الكيفية  إلى حد التزهيد في محمولها الرؤيوي، والركون إلى بواهتها التعبيرية ، والأمر ـ في نظري ـ ليس إلا التعبير عن وثوق العلاقة بين الشاعر وبيئته، حتى تكاد المفردة تلتصق بجسده التصاق الثياب على اللحم ، من دونها يحس عريه الاجتماعي ، وبها يكتسي الانتماء .وبإمكانكم مطالعة أي نص في المجموعات كلها ليتأكد لكم أنه لا انفصام له عنها ، ولاوجود  له دونها .ولولا مخافة الإملال لأدرجت مئات النماذج تدليلا على هذا المنحى  ببعديه اللفظي والدلالي .
ليس غريبا أن نشهد حضورا مساوقا لمفردات الرجال والنهر والخيل،والنساء ، والعشب ، والطمي والقمح ، والفأس، والحقول ، والقنوات ، والسنابل ، والشجر ، ولكن احتمال الغرابة يشخص حين يقابل حضور الأرض حضور الموت ، والمقابر والجماجم ، والفناء . لكن هذا الاحتمال سرعان مايغادر التحسُّب النقدي؛ إذا ما ارتكنا إلى التكوين الفكري والإرث الثقافي لسكان الريف ، حيث تتجاور المساكن والمقابر في بعض الأحيان ، وحيث يرسخ المعنى القرآني في التكوين الريفي لوصف الأرض بين حية وميتة .  ( أحيا الأرض بعد موتها ) (فسقناه إلى بلد ميّت) .. وهكذا .
إن التصاق الشاعر ببيئته الريفية وإرفاعه الأرض وإسماءها فوق ما سواها  في محيطه الكوني ، هو الجذر الأساس في تشجير الوطنية داخل تربته الفكرية ، ومن ثم فإننا ـ حين نتقدم قليلا مع توالي الدواوين ، سوف نتوقف أمام  أنموذج المحارب المقاتل دفاعا عن الوطن ، في مواجهة الاحتلال ، لاستعادة الأرض ، والشرف ، المرهون بالقدرة على حمايتها وصيانتها من أي تغول .
الشاعر الذي آثر أن يقدم ذاته في صورة البطل التراجيدي ، تتجاذبه المشاعر من أطرافها ؛ وتطوح به بين رضا ،هو إلى العشق أقرب، بالمزاج الريفي العام ، نساء ورجالا، وحقولا، ونهرا ، وبين الآخر المناوئ و موت رائحته تهب من الصحارى، وحفار قبور، في كل هو حامل العذابات ، محيلها أقمار اخضرار وشاهد سنبلة ، راضيا بالنهاية القدرية في يوم يجيء بلا أوان .
الحلم بالآتي، بخلاص قدري ، يكتنفه كثير من الالتباسات ، وتتداخل تحت سقيفته قوى الثقة والإحباط ، والمروق من تكابيل الموروث العقدي والاجتماعي ، وتقديسه في آن، ولايعني هذا في تجليات عدة عبر المجموعات كلها تقريبا أن ثمة خللا في البنية المعرفية للناص، وتناقضا ذاتيا ، لايتيح له القرار ، لكنه  ـ مع ميلي الحاسم لهذا ـ  تأكيد لصدق هذه الذات بتلقيها الوجود بعيدا عن كليشيهات التلقي الشعرية المعهودة، والمستنسخة غالبا من مخزون الكتابة؛ فالنجار لايكتب إلا ذاته ، ولا يتيح لها فرصة الخلوص من الإرث الخاص لمجرد مشابكة المنثور العام على صفحات التفاعل الإبداعي مع القرية والمدينة ، وهو ابن للأولى بتراثيتها النسبية ،  مشتبك حتما مع مفردات التحديث في الثانية .
الشعر يدخل حانة الفقراء / يطلب سكرة وينام قبل عشائه / أرّقته / ثم استرقت به هواء الأودية . / سميته طفلا ،( فضمخت )الثياب به/ وطالعت السماءالعالية :
* ثيران مائدتي تطول  ..
* خيلي مذهّبة الحدق..
* كل الفراشات استعرن خضاب أهلي الميتين...
كحلته بصبابة الأنهارفي جريانها/ أشعلته نارا/ وجمّعتُ البلاد على لقيمات القرى/( طفلي يضج ضجيج منفطر الدماء)/أنا أريق عليه خمر العائلة/أعطيه ما أعطى أبي لأمي مساء العيد / ثوبا نرتديه قبالة النيران/ ثم تدور دائرة الغناء المشتعل .( ص 24و25)
بابل، الأرض ، والتاريخ، والحضور، متراس الروح أمام استلابات الحاضر ، والرهان القائم على المقاومة والصمود في وجه التحاريف والزيوف ، لم تعد على قيامتها في الوعي بكل اشتباكاته مع الروح المنهكة من التطواف ، والقلب الرعوي
سأعب ملح الأرض / أفتح للردى في قلبي الرعوي دارا / وأعض ثدي الريح / أستلقي على قبر الفصول الأربعة / وأقول : بابل غير بابل .. أنشق تحت بيارق الصفصاف والجميز / تأكلني أفاعي الأرض / يشرب مقلتي خفاش أغنيتي/ التي لم تولد "   ( ص28)
لم يكن طارئا ـ أبدا ـ ظهور الشاعر عبرنصوصه الغوارس حضورها الوطني في لحم التجربة كمقاتل منافح ، لا هم له إلا استعادة أرض سلبت ، وصيانة مازال تحت السيطرة من تغاويل الأغراب ، ولعلنا ونحن نستأذن " بارت " أن يستريح قليلا خارج رؤيتنا للحظة كشف نستطيع الإشارة إلى جانب من معرفتنا بالمؤلف وسيرته الخاصة، وكيف أنه مارس  الاشتباك الفعلي مع القضية الوطنية الأساس، بل والقتال في أرض معركة  امتدت من قبل  سنوات الهزيمة العسكرية، إلى ما بعد العبور العظيم ، مايعني أن التجربة الخاصة لم تكن لتغادر؛ وأن ثمة صدقا واقعيا ومعايشة يخترقان ما صنعته الآلة التخيلية في كثير من القصائد خصوصا في ديوانه المهم وبوابته الثانية " الوقوف بامتداد الجسد على قصيدة الساعة الثانية "  ومذ وقف على " ميراث الزمن الضائع " في خروجه من بوابته الأولى ص65 ومابعدها ، وهوبين " وعد " للأرض،" يا أمنا  .. ياصلاة الجميع"  واعترافه : هو الإثم ياأرض/ ضيعنا الاشتهاء، لتكون أغنيته المريرة: أدر وجهك / الشمس تبحث في الأرض / عما وراء العيون" ليستقبل غريب المحيا المنتظر ثم مخاطبا فارس الحب  " حملناك في الأرض تعويذة / من هوانا/ وعدنا مع الليل نبحث في الدار عن معطفك "  ... مذ خرج " النجار" من بوابة تراجيديته الأولى بكل هذه التحرقات ، والنزوف ، والأغاني المشتهاة  لامرأة هي الأرض ، ولفارس هو الأب ، ولوطن هو الوجود،وهو مسكون بحلم تخليص الأرض من أفاعيها ، والنهر من عكوراته ، والقمر ممن يسدلون عليه أستار الوحشة .
من " تداعيات  على النهر " حيث التحريض النفسي للذات من داخلها عبر استدعاءالأب / التاريخ / الجذور / الوصايا المقدسة ، وحيث يختتمها بالدعوة إلى إعادة حجر الدارللزاوية ، ومن ثم يكون ابتداء نصه التالي باستطلاعه الرؤيا باستعادة هذا الحجر،وعبر ثمانية مقاطع، ينتقل من طقوس الاستعداد للمهمة المقدسة" فألملم أطراف عشقي / الذي يتناثر في الريح / امشي كقافلة في الهواء " إلى تأكيد العقيدة الرابطة بالسماء ـ مناط القدرالتراجيدي ـ للاستعاذة بالجذور " دخلت قواميس أهلي/ لأختار مفردة لشهود العيان "إلى مساءلة التاريخ في المقطع الرابع :إذا ساءلتك المواسم عني/ فقولي لها : / لم يجد ثوبه في الخوان/ فشد مطيته ثم راح إلى السوق/ يبتاع مركبة وخيولا/ وبعض الحراب لنا ...إلى أن يختتم في المقطع الثامن  بسؤال عن ملاءمة الآن ليقص سيرة الأرض" ياقارعات المزاهر / هل آن لي أنأقص عليكن/ سيرة أرضي/ ( ولنلاحظ ياء النسب والملكية ) التي خاطب الله / فيها جنود السماء ؟
لم يكن استطلاعه الرؤيا سوى موقف الصوفي العاشق والحياة تخلع أثواب غيبها أمام عينيه ، لكنه لايريد أن يكشف لحم معشوقته للغرباء ، وليس عليه إلا أن يستبدل بعرفانه معرفة ، " فبدلت ثوبي بمعرفة / وخطوت إلى اول الريح" ص89
كان عليه أن يعلن الغضب من وطن النوم ، وأن يمزّع أرديته ، ويطيّر الجسد يمشّط ذاكرة الأرض التي ستجاوز أسماءها ثم تصير نفيرا .
قصائد عدة مهدت لقصيدته العلامة ، " تراجيديا الساعة الثانية " ولعل الإشارة الزمنية في العنوان كافية للإحالة إلى مشهد العبور العظيم، يوم أخرجت الأرض أثقالها ، الأرض التي ليس للشاعر كما يتأكد لأي عابر بين نصوصه أنها ليست مساحة مأطورة من جغرافية ، وليست قطعة من ذاكرة وتاريخ ، بل هي كينونته الأولى ، وهي  فوق أنها وعاؤه الفيزيقي ، هي معاريجه نحو اللا مدرك الكوني ، واللا مأطور الروحي .
" رأيت الأرض من ثقب الفضا تلتم / ثم تنام فوق سريرها مقطوعة الأنفاس / إن حبيبتي تمضي إلى العشاق عارية / فأطرح فوقها جسدي ـ أجير العشق "
ـ " يافرسي الذي بايعتني قبل الأوان / أنا وريث الأرض ،/ صوتي مضغة الخيل / المسافة / هل رأت عيني جوادا من لهب ؟ "
أعفانا الشاعر من تمهيد لازم للدخول إلى قصيدة لم تجنح إلى التسجيلية رغم أنها تتناول حدثا واقعيا ، شهده بحضوره الذاتي وسط أقرانه ، وشهدنا عليه ارتكانا إلى بيانات المتحدث العسكري ، و متابعة الإعلام مرئيه ومقروئه ، ومسموعه، وسجل في عبارة واضحة أنها " قصيدة كتبت بالدم "
إن التوقف النقدي عند هذه القصيدة تحديدا ليس مجرد ضرورة لاستكناه الموقف الأيديولوجي للشاعر ، ورؤيته لعلاقات الفرد والمجموع ، و الأنا والآخر ، والأنا والنحن ، لكنه كاشف لأهم ما واجهه البطل التراجيدي الذي ما إن يغلق أو تغلق بوابة على محنته حتى تنفتح أخرى لتضعه أمام مصيره القدري الذي لافكاك منه . ولم يكن الشاعر متنبئا بالمشهد العظيم يوم الحشر الوطني ، بل كان مستطلعا رؤى، وأهلة ، بحكم قراءته للواقع الذي عايشه ـ وعذرا مرة أخرى لـ "بارت"  ـ كونه، أي " النجار "  كان أحد ضباط القوات المسلحة المصرية ، إبان حربي الاستنزاف وأكتوبر المجيدتين .
" هاهي الأرض استباحت عريها / والشمس ناموس الذكورة : / تطلعين معي سلما ، درجات الصعود إلى / حربة الشمس، هذا دم في القلوب / وهذي كتابة أسمائنا / في جريد المراسم ./ حلت قراءات البلاد / فأكلت خبز عشيرتي نارا / وأطلقت الرياح على سهول القلب / هذا اليوم مشهود/ وصيف حبيبتي غُسل الدماء :
ـ أما رأيتِ ...؟  /  ـ أنا رأيت الله يضحك ضحكة / ويسير بين كتائب الأنصار "
(  كانت تمام الثانية / النسر مسح ريشه في الماء / حط على غلال الأرض/ فرطها / وجر وراءه ثور انتصار الريح / ثم تقصد الرؤيا وباض على قصيدة . " )  (ص 102و 103)
هو الشاعرالذي لديه ماليس للبيان الحكومي ، بعيدا عن الصورة الرسمية ، هو عديل أبجدية الروح، وسمي الأرض ،هوالكاتب في اللحم ، قافية الحمحمة ؛ تلك التي سيرسل على ورقها ثلاث برقيات إلى ثلاث ركائز في تكوينه الاجتماعي وكينونته الأولى ، ومآلات روحه القافزة من محنة الاشتباك مع واقع بيئي في بابل المهد و المعراج  ومواطنيها ، شركاء الحب والجرح ،  إلى صورة الشاعرالفارس في مخزونه الثقافي ، وجدل الذات الذات ، والوطن الأم مصر التي لها كل الفصول، وبيديها وحدها خرائط المواسم .
" ألقت ثديها الأم الرءوم / فاعتصرنا لحمها فينا / وزاولنا احتطاب الشعر/ ألقت سرها فينا / فلم نبرح قراءات الفصول :/ أقبل الجند من الزاوية النار إلى كل الزوايا/ خوّضتْ اقدامهم في الماء/ حين استحلبوا الرؤيا/ فألقوا ماسة النهر/ على صدر السهول/ إنهم جندكِ /ساروافي دروب المملكة / فامنحيهم شارة الوصل، فقد آن الأوان/ واذكريهم في الليالي الحالكة / قبلما يخطبك الصبح ، وتمضين إلى مقصورة العرس/ بحناء الزمان ".
بابل  ، لم تكن لدى الشاعر قطعة من الأرض،  لكنها المعادل الموضوعي للفكرة الإنسانية كلها ،  وبها الاستجارة والاستعاذة ، وعليها الاتكاء ، ومن ثم فإن حضورها في قصيدة الحرب هذه ليس إلا قيامة الذات  وانتصابها في مواجهة لم يكن متاحا أمام من أسكنتهم الأرض ارتعاش الطمي فيها ،التخلي عنها أو التراخي في الاستجابة غير الميكانيكية قطعا  للدعوة القدرية فيها .خطابها المحسوم لمواطنيه: إن يابل لاترى  في الشمس / غير حصانها الطيني/ تعقله../ وتمشي بيننا أنثى المسافة "
التماهيد والتقدمات ، في البوابة الثانية ، كواشف ومعريات لمرتكزات الخطاب الشعري لدى النجار ، وتآكيد على أن الانتماء الأسطوري للأرض ، كما كشفت قصائد البوابة الأولى ، سيكون المحور ، والمدار ، وأن أية ممحاولة للترصد التتبعي  لتجليات هذا الانتماء واقعة حتما في عجز الإحاطة ، ويكفي من العشق  لمح  طرف، فما بالنا وجسد النصوص كلها صارخ  مولّه .
 
 
خمسة مقاطع هي ماتكونت منها قصيدة"  تراجيدياالساعة الثانية بعد الظهر "  بدءا من القراءة في فصل الطوطم  ثم غنائية التعميد ، ثم فصل في مديح الجسد ، يليه استطرادان قبل أن يختتمها بآخر الأناشيد ،وهي ليست قصيدة تسجيلية بأية حال ، رغم ماتضمنته من إحالات تقريرية وشبيهة بالأخبار الرسمية عن المناشير القتالية رقم 1 و2 و3، فقد جافت متون المقاطع عناوينها ، لغة وإيحاء ، وإن كانت امتزجت معها موقفا وقضية ، وأفلح النجار ببراعة من اختزن شهد الأرض في عروقه حتى في أوقات المرارة في تخليص النص الطويل من أعباء التقرير،والخبرية الزاعقة ، تعبيريا ، رغم الزعيق الواقعي في الحدث وانعكاساته على الشاعر والمتلقين على السواء .
ولم ينس مطلقا أنه شاعر ، ولعل في البرقية الثانية  من ثلاث برقيات على ورق الحمحمة ما يؤكد هذا ،  وحتى في لحظات القتال والمواجهة العسكرية، يترقب الأشعار" أنا اترقب الأشعار"....فارتحلت على عشب القوافي" ثم تقصد الرؤيا وباض على قصيدة :
هذي السحابة لم تعد شمس الوطن/
 هذي السحابة شارفت حد الزوال/
فاضرب علينا خيمة العشق الخطر /
واشهد ولائم عرسنا يوم النزال : "  ص 103
وتتبع مفردات الشعر والقصيدة والغناء في هذا النص ، كفيل بتأكيد هذا الحضور الشعري في لحظات القتال بالسلاح والنار ، وأن وعي الشاعر أو لاوعيه لاينفصمان في التسليم بأهمية هذا الحضور في مواسم الهزيمة والانتصار على السواء .
الدوال المركزية في البوابات كما أشرنا يمكن حصرها في مفردات معدودة ؛ فيما لايمكن مع هذه المعدودية الوقوف على تجليات كل منها داخل المجموعات الشعرية، وهي تمثل مرتكزات الخطاب ، وبؤرالاشتباكات الوجدانية والفكرية مع المحيط البيئي الريفي ، والمدني ( المديني ) في آن ، فضلا عن المجال المعرفي والأيديولوجي والانحيازات الاجتماعية والسياسية للشاعر المقاتل أو المقاتل الشاعر؛ فلم أفلح ـ حقيقة في تغليب تقديم أي منهما على الآخر، خصوصا في البوابات الأولى .
المرأة ليست مجرد الجسد الأنثوي ، وليست وعاء الخصب ، و مناط الشهوة ، برغم بعض الإيروتيكية في عدد من النصوص لا مجال للتوقف عندها الآن، إلا أن المرأة لدى "النجار" ، وبكثر من الاطمئنان، هي الأرض المقدسة ، فيما كانت الأرض هي عشقه وأنثاه التي لايكف عن مغازلتها واحتضانها  في كل الفصول ، وتعريتها  في لحظات الحمحمة، وستر عريها عن الغرباء بكل مالديه من موروث اختبر حربته ، وبكل ما يطمح إليه من تحديث  أدرك ضرورته .
وكان طبعيا  أن تتجاور مفردات المرأة والنهر والطين ، والفصول والمواسم والخصب ، والثدي والفخذين، والضفائر والجسد والاشتهاء والتناسل (  أعد بدراسة مطولة معمقة عن المرأة في شعر النجار)
قد يرى بعض من يتعجلون قراءة الخطاب الشعري في المجلدات أن صاحبها محكور الرؤية في الواقع الريفي ، وأنه سجين زمكانية تؤطر حركته على رقعتي البيئة في معاصرته لها ، ومن ثم فإن قطيعة لابد قائمة بينه وبين ماض لم يتنكر له صراحة في النصوص ، لكن هذه الرؤية المتعجلة تجافي الحقيقة التي تجليها تمهلات أمام موضوعات القصائد ، وكيف أن الشاعر حريص على تحقيق اتصاله بالأجداد الأوائل من الشعراء والفلاسفة والمتصوفة ، بل وتمتد اشتباكاته مع الثقافة الإنسانية بتجلياتها المتعددة شرق وغربا ، معاصرة و ماضوية . وأنه دائم الترحل بين البيئات التاريخية المختلفة ، فنراه وقد اشتبك مع امرئ القيس الملك الضليل في ديوان كامل وهو أسفار الملك الضليل، متخذا من الملك الشاعر قناعا تاريخيا ، وفق الآلية الكتابية المعهودة، ويكتب أربع سفرات ، فيها ترحلات "النجار" المستجيرة ، بحثا عن مملكة ضائعة .
وكذا يحضر عنترة بن شداد ،  وابن عربي ، وأبو بكر الطرطوشي ، زيد بن عمرو، وحاتم الطائي ، وسليمان الحلبي ، وبدر شاكر السياب، وجواد الحطاب ،  وسعاد الصباح ، ومحمد عفيفي مطر ، وسعدي يوسف، جون كيتس، حابي وإيزيس   وغيرهم كثيرون ... مايعنينا أن الشاعر ليس أسير عصر، ولا سجين محيط بيئي ، رغم التصاقه الحميم بقريته بابل، التي اختزل فيها الوجود الإنساني كله، ورآها في كثير من مجالي تجربته الوجدانية والفكرية مركز الكون .
"حسن النجار" شاعر مسكون بالإنشاد كأجداده، مفتون بالغناء ، بالموسيقا ، التي تشيع مفرداتها في فضاءات المجموعات كلها ، بدوال واضحة، وظلال ممتدة، ويكفي أن تقف أمام بوابته الأولى لتكتشف افتتاحه مجلده الشعري بالنشيد الريفي ، ثم أغنيات المدخل، ثم أغنيات الوحشة ، وأغنية حب ليلية ،  الأغنية المريرة ، غنائية التعميد ، آخر الأناشيد ، عزف منفرد ، أغنية الحربة القاتلة، النشيد، الغناء في أقاليم يارا، إيقاع ، نشيد الأنشاد الذي لي، معزوفة منتصف الليل ، كونشرتومنتصف الليل ، نهاوند ، نشيد الغراب ، ترنيمة لإيزيس، موسيقي.. وهكذا .. افتتان بالغناء والإنشاد والموسيقا والنغم ، وكأن ذلك كله ـ طريقه لتحقيق الاتزان النفسي إزاء إيقاعات الحياة بكل مافيها من معادلات الوخز و التربيت على الأرواح المنهكة بفعل الزحام الكوني  في عقل الشاعر .
المعمار النصي عند النجار ، يكاد تتشابه ركائزه في كل المجموعات ، لايخرج عنها إلا النزر اليسير ، وتلعب الدرامية الدور الرئيس على مسرح هذا المعمار حيث تتداخل الأصوات وتتعدد الذوات، ويتصاعد الحدث ، وتتنامى الرؤية في النص دون أن تحس بأن هناك دخولا أوخروجا من المشهد المشحون بغنائة عالية يعكسها ولع الشاعر / قرينه أو قناعه / أوحتى خصمه التاريخي  بالنغم كما أشرت منذ قليل.
والتراكيب النحوية  لا تستبيح مطلقا كسرا لقاعدة أو تمزيقا لعلاقة المألوفية التركيبية ؛ فهذابمعنى آخر أن الانزياحات في هذا المنحى البنيوي ليست من مرادات الشاعر ، فهو مهموم بالقضية ، بالمعنى ، لا بالمبنى ، الذي لا شك في سلامته، لكنه ليس مقصدا أو مستهدفا ، فشعراء القضايا ، ومنهم فارس الأرض، الشاعر المقاتل هنا ، لايعنيه غير أن تصل الرسالة ، قد يستعير أحيانا عقل الفيلسوف ، أو يرتدى خرقة الصوفي ، لكنه في كل لايتخلى أبدا عن ثوب المقاتل ، وهو في حالة دفاع مستمرة عن الرض ، حتى في مواسم الهجرة إلى المرأة بشبقيات المواسم المختلفة .
يؤدي التكرير الصوتي في استخدام متعدد لكلمات بعينها تدور في النص الواحد عشرات المرات ، إلى الإلحاح على فكرة معينة ورؤية خاصة لاينفك عنها ، فضلا عن إعلاء الموسيقية الغنائية التي تمنح الدرامية العالية في النصوص بوخزاتها العقلية والفكرية الجافة  بعض الترطيب الوجداني .
كلية تصويرية ، هي ما تنطق بها كل النصوص، والشاعر لايهتم كثيرا بالبيان التخييلي الجزئي التفسيري، في إطار هذه الكليه ولكن تغلب تقليدية بناء الصور الجزئية من اعتماد التضايف ، والإنعات ، كما هو معهود في مكرور التصوير الشعري العام، لكن الطزاجة والمفارقة صاحبة سيادة على الموقف الشعري كله في كل الدواوين تقريبا .
سرود شعرية ، تقرب بعض القصائد ـ خصوصا الطوال منها ـ من البناء الروائي، وتدفع باتجاه درامية القصيدة وهي أبرز مافي المجموعات من سمات بنائية ، رغم غنائية الفكرة الملتفة كثيرا على محور الذات الشاعرة .