‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوار. إظهار كافة الرسائل

2018/11/29

حوار مع الكاتب المصري معتز هاني

حوار مع الكاتب المصري معتز هاني 
 حاورته/وفاء شهاب الدين 

معتز هاني كاتب وروائي من محافظة الدقهلية حاصل علي بكالوريوس تجارة قسم لغة انجليزية وماجيستير إدارة أعمال من الأكاديمية البحرية ودبلومة من إنجلترا..  يري إصداره السادس النور في معرض الكتاب 2019..تنوعت أعماله ما بين الكتابة الساخرة والقصة القصيرة والرواية والنثر ومن أعماله السابقة :

-أخر أحلام الدانتيل "نصوص نثرية"
-الضفادع لا تشرب الماريجوانا "ساخر"
-خمارة الشيخ مرسي "مجموعة قصصية"
-المسخ يعشق مريم "رواية"
-بطريق سينجل لا يأكل السوشي "ساخر"


-كيف بدأت رحلة الكتابة ؟
-    بدأت رحلتي في هذا العالم لساحر منذ حوالي 20 عام بدأتها كهواية مرورا بعصر المدونات والمنتديات ثم بعض المجلات وأخيرا إصدارات رسمية مع دور النشر ..كنت أشعر دائما إن الكتابة حياتي وأردد لنفسي  "ولكم في الكتابة حياة".
الكتابة بالنسبة لي واقع موازي أعيش فيه وأجد نفسي أكثر بين الشخصيات التي أخترت أن أخلقها بين أوراقي .

-تنوعت مجالات كتاباتك ففي أي إتجاه وجدت نفسك أكثر..القصة ام الرواية ام الأدب الساخر ؟





-الرواية أصعب إختبار فهي تحتاج مدة زمنية طويلة وخلق شخصيات وأحداث وعقدة وحل ..القصة القصيرة قد تكون مشهد في فصل في عالم الرواية ..والخروج من شخصيات الرواية وارتباطك بها قد يكون صعب أحيانا فأنت متعلق بشخصياتك التي خلقتها وهذا الكائن الحبري لمدة قد تصل لسنوات كي يخرج عمل علي مستوي يليق بالأدب المصري.

وجدت نفسي في الرواية ولكن الأعمال الساخرة لها بريق خاص عندي أيضا وأتذكر مقولة تقول إذا أردت توصيل حقيقة فأسهل طريقة هي السخرية..نجد البرامج الساخرة الكثيرة في الغرب وتناقش أمور سياسية واجتماعية هامة بطابع كوميدي..
لكني لا أحب التصنيف عموما فالكاتب قد يأخذ أي طريق في أي وقت وأشعر أن كل أعمالي هم أولادي وأحبهم جميعا علي نفس المستوي .

-حدثنا عن عملك القادم في معرض الكتاب

- ستكون مجموعة قصصية بعنوان "موسم الهجرة إلي الياسمين" وهي متنوعة الأحداث والأفكار من جرائم قتل إلي قصص حب وفانتازيا وتدور أحداثها في 19 قصة

-    من هم كتابك المفضلين ؟

- القائمة طويلة فأنا أحب القراءة من الشرق والغرب فأحب نجيب محفوظ ويوسف ادريس والسباعي وتوفيق الحكيم وخيري شلبي وإبراهيم عبد المجيد وعبده خال وواسيني الأعرج و أشرف الخمايسي والعشماوي وهشام الخشن ويوسف زيدان وعز الدين شكري فشير ونور عبد المجيد والعظيمة الراحلة الباقية رضوي عاشور .
ومن الغرب بالطبع شكسبير وزولا وبيرل باك و برنارد شو وايزابيل الليندي وأوسكار وايلد وهمينجواي وغيرهم الكثير.


- هل تؤثر الكتب الإلكترونية علي الورقية ؟

-    الكتب الإلكترونية حاليا هي المصير الحتمي للكتب الورقية بمعني أن كل كتاب سيتحول في وقت ما إلي نسخة أليكترونية متاحة للجميع وهو ما يحقق انتشار أوسع للكاتب في المستقبل ..كي نتحدث بصراحة التكنولوجيا الحديثة طغت بشكل كامل مع انتشار أجهزة مثل التابلت والكيندل فأنا أعرف الكثير ممن يمتلكون مكتبة رقمية ولا يملكون مكتبة ورقية ولكن يبقي للكتاب الورقي رونقه وطابعه الخاص ولكن سرعة الإنتشار ستبقي في مصلحة الكتاب الإلكتروني فبضغطة زر قد تحصل علي أعمال أي كاتب من العالم.

- كيف جائتك فكرة رواية المسخ يعشق مريم  ؟

- رواية المسخ يعشق مريم من أقرب الأعمال إلي قلبي وأحببت أن أغوص في النفس البشرية من خلالها وأصل إلي أعمق مشاعر الشخصيات.
أعدت النهاية أكثر من 10 مرات لكي أصل إلي النهاية والخاتمة النموذجية في تخيلي.
الفكرة جائتني من لوحة لرسام يرسم نفسه وهو يرسم نفسه فأحببت أن أكتب رواية بنفس الطريقة الغريبة وجائتني ردود فعل أيجابية بفضل الله.

-هل لك طقوس معينة قبل الكتابة ؟

- أحتاج إلي عزلة تامة ومكان هادئ تماما ..أتذكر عنوان رواية بول اوستر "إختراع العزلة" هذا هو ما احتاجه بالظبط أن أخترع عزلتي الخاصة قبل الشروع في كتابة أي ورقة بسبب الإندماج الكامل مع الشخصيات .

-كيف رسمت تفاصيل الحب في أعمالك ؟

- أقول دائما أن الحب هو أن نقفز بلا سبب لكي نقبل يد الله..نقبله بسبب هذه النعمة ..وليس الحب مقتصرا علي حب الرجل للمرأة ولكن في كل جوانب الحياة ..حب العالم بأسره وعيشوا للحب.
في كل عمل ستجد قصص للحب مختلفة وأيضا التركيز علي رؤية جمال العالم ..فالجمال هو ما خلقت أعيننا لكي نراه.

- هل تكتسب الخبرة مع الوقت في عالم الكتابة ؟ وهل هي موهبة فقط ؟

- القلم يتم صقله مع مرور السنوات فالكاتب الذي لا يتعلم من اخطائه السابقة ومن النقد الإيجابي سيظل مستواه كما هو والكتابة ممارسة دائمة وعمل لا ينتهي والقراءة هي روح الكتابة فكل كاتب تظهر ثقافته من خلال كتاباته .
الكتابة موهبة ربانية وقد تظهر في أي وقت وليست في عمر محدد فبعض الكتاب الغربيين لهم قصص متعددة عن الكتابة في سن كبيرة ..ولكن الموهبة وحدها غير كافية لابد من القراءة عن عناصر الرواية وعناصر القصة وشروطها وأمثلة لها من جميع الكتاب كي تقوم بعملك علي أكمل وجه.

- نتمني لك التوفيق في أعمالك القادمة ونود أن نسمع منك كلمة أخيرة

-  سعدت باللقاء وأتمني لكل الكتاب المشاركين في المعرض القادم التوفيق ومواصلة روح العطاء والأبداع دائما وأقول لهم إحلموا فالحلم حق والحلم وطن .


2018/11/25

أديب الأطفال “أحمد طوسون”: الكتابات النقدية في أدب الطفل نادرة، وأغلب الدراسات تنظيرية

أديب الأطفال “أحمد طوسون”: الكتابات النقدية في أدب الطفل نادرة، وأغلب الدراسات تنظيرية

حاوره: محمد المطارقى
فى سلسلة حواراتنا حول قضايا “أدب وثقافة الطفل” فى مصر والعالم العربى .. لم نكن لنغفل كاتب بقيمة وقدر “أحمد طوسون”.. فهو بجانب كونه أحد الأدباء البارزين فى كتابة الرواية والقصة القصيرة.. إلا أنه استطاع أن يفسح لنفسه مكانة متميزة فى مجال الكتابة للأطفال.. مبدع حقيقى فى زمن كثر فيه الأدعياء والمرتزقة!!، له العديد من الأعمال القصصية الهامة التى استطاعت أن تصنع عوالم من البهجة والسعادة والطفولية المحببة..هو كاتب يحترم عقلية الطفل.. يمتلك أدواته بمهارة وذكاء.. وقد أحرز جوائز مهمة، فضلا عن “مدونته”الالكترونية التى تقوم بمتابعة كل مايتعلق بالنصوص الابداعية، والمسابقات والجوائز التى تهم كل المبدعين وبوجه خاص أدباء الطفل.. هاكم مبدعنا الكبير الذى اصطحبنا ـ ببراعته المعهودة ـ فى رحلة ماتعة وشائقة إلى بداياته الأولى.. وقراءته للمشهد الثقافى الآنى المتعلق بهموم وقضايا الطفل، فكان حوارا سخيا ورائعا كروعة ضيفنا العزيز..
* * *
* حدثنا عن الطفل “أحمد طوسون”.. وعن الظروف المحيطة التى صنعت منك أديبا مبدعا.. وكاتبا للأطفال؟
عوامل شتى تتضافر في النهاية لنصبح ما نكون عليه، لا يمكنني الجزم بسبب بعينه، اعتقد أن البعض يولد باستعداد ما للسير في طريق الكتابة والإبداع، قد يصادف البيئة المناسبة لتنبت موهبته وتنمو، وعلى العكس قد تعيق الظروف ظهورها، لكن بمجرد أن يتاح المناخ الملائم تنجلي وتبرق، لعل هذا ما يبرر البدايات المتأخرة لبعض الكتاب، بالنسبة لي طفولتي تشبه طفولة كثيرين، أبي رحمة الله عليه كان موظفا بوزارة العدل، واعتاد التنقل بين أكثر من محافظة حتى استقر بالفيوم، تربيت على حفظ أجزاء من كتاب الله في “الكُتاب” قبل التحاقي بالمدرسة، لعل هذا كان ملفتا لمدرسي اللغة العربية وجعلهم يولون اهتماما أكبر بي، الانتقال ما بين أكثر من مدرسة في المرحلة الابتدائية ساهم في الميل إلى العزلة والانطوائية المبكرة التي تجعلك تلتفت مبكرا لما تيسر من كتب بقت من مكتبة أبي التي تركها في تنقلاته عند جدتي لأمي، حرصي منذ الصف الثاني الابتدائي على قراءة صحيفة الأهرام التي يحضرها أبي معه كل يوم بعد عودته من العمل، والمشاركة في عمل مجلات الحائط، حتى بدايات الكتابة في المرحلة الإعدادية التي زاملت فيها أصدقاء مبدعين، توجهنا مبكرا إلى بيوت الثقافة، كنا حينها في الصف الثالث الإعدادي وسرنا معا في رحلة الإبداع حتى لحظتنا الراهنة.
فى رأيك ما أهم الشروط التى يجب أن تتحقق فى كاتب الأطفال؟.. وهل الكتابة للطفل صارت مطية، أو مطمع لأنصاف المبدعين؟
في رأيي أن الكتابة للطفل يجب أن تأتي لاحقة لتحقق الكاتب وامتلاكه أدواته، فلكي تصبح كاتبا للأطفال لابد أن تكون أعددت نفسك ككاتب من خلال موهبتك التي أثقلتها بالقراءة والتجارب التي قدمتها في مجال الكتابة الأدبية أو الفنية، وأن تختارك الكتابة للطفل وتشدك إليها دون أن تسعى إليها سعيا حثيثا ظنا أنها مجال يسهل الخوض فيه وتحقيق المكاسب والنجاحات، وعادة لن تجذبك إليها إلا إذا كنت ما زلت تحتفظ بالطفل الذي كنته داخلك، إشكالية الكتابة للطفل في وطننا العربي أنها باتت صنعة من لا صنعة له وبابا يطرقه البعض من باب التكسب أو الاستسهال، وبالفعل كثيرون يتخذونها مطية لا غاية ورسالة هامة نحو بناء مستقبل أفضل، وإذا أردت أن تتأمل المشهد جيدا اسأل عن كم ما تم إنتاجه وتقديمه من كتب للأطفال عبر الأجيال المختلفة وما بقي منها عالقا في وجدان وعقل أطفالنا، إذا أردت تقييم أي تجربة عليك أن تنظر إلى الأثر الذي خلفته، ومن المؤسف أننا أمام زخم في التجارب وندرة في التأثير في وجدان وعقل أطفالنا والذي لن يلامسه إلا كاتب موهوب بالأساس.
يعلن البعض عن موت الكتاب الورقى.. وأن الفضاء الالكتروني يتماهى مع قارىء جديد يتسق فى تكوينه النفسى والعقلى مع عالم افتراضى تفاعلى.. يكون فيه عنصر فاعل ومشارك بل ومنتج إن لزم الأمر.. بينما يرى آخرون أن الكتاب لايزال بعافية.. وسيظل صامدا برغم كل التحديات.. لأيهما ـ برأيك ـ تنحاز.. ؟
التكنولوجيا عادة قامت لتسد النقص في احتياجات البشر وتجعل حياتهم أكثر سعادة ورفاهية، ومنذ عرف الإنسان الكتابة في عمق التاريخ والتدوين يشهد تطورا كبيرا منذ الكتابة على الطين إلى الكتابة على الحجر مرورا بمراحل كثيرة حتى وصلنا إلى الكتاب الورقي بشكله الحالي، البعض ينتابه مخاوف من مواجهة الكتاب الورقي لنظيره الالكتروني متناسين إن العلم والتكنولوجيا لا ينحازان لطرف على حساب آخر وأن التطور التكنولوجي في مجال الطباعة مواكب لما يشهده الفضاء الإلكتروني من تقدم وصرنا الآن أمام الطباعة ثلاثية الأبعاد ومن الطبيعي أن نشهد تطورا يواكب هذا التطور في الكتاب الورقي وبخاصة الكتاب المقدم للطفل.. أنا اعتقد أن العلاقة ما بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني علاقة تكاملية يكمل بعضهما بعضا لخدمة المتلقي، وليست علاقة قائمة على صراع يفضي إلى بقاء أحدهما على حساب الآخر، متناسين التفاوت بين ذائقة المتلقين واختلاف الأجيال والاهتمامات.. العالم الحديث قائم على ثقافة التنوع والتعدد ليس بين البشر وحسب ولكن أيضا بين الثقافات، ما بين الموروث والمعاصرة، وما بين الآلة والإنسان.. المهم هو كيف يستغل القائمون على صناعة النشر الورقي والإلكتروني تطور العلم لصالح المتلقي وحقه في كتاب لائق بالتطور التكنولوجي الكبير حولنا.
هل حققت الكتابة للطفل أى اضافة لك كمبدع، وللطفل كمتلقى؟
ككاتب أنا لا أهرع للكتابة إلى الطفل إلا إذا نادتني، أكتب كي أكون سعيدا ومستمتعا أولا.. ثم أقرر إن كان ما أكتبه صالحا للنشر أم لا، أمارسها كلعبة أحيانا أتوقف عن ممارستها لتشتاق لي وأشتاق لها، ليظل ذلك الوهج مشتعلا بيننا.. آؤمن أن الكتابة يجب أن تكون عن حب مهما بلغت من الصنعة، والحب دوما يضيف لنا الكثير.
أما عن المتلقي الطفل فهو أكثر ما أخشاه، الطفل بفطرته أذكى المخلوقات ودوما أنا في حالة خوف من قارئي الطفل وأحاول قدر طاقتي أن أتشارك معه في أحلامه وأفكاره ووجدانه ومغامراته والتحليق معا في عالم من الخيال، هل نجحت أم لا في التجارب التي قدمتها له؟.. الإجابة ليست عندي، وحسبي المحاولة..
ما أهم المعوقات التى تحول بين كاتب أدب الطفل الحقيقى، وبين وصول منتجه الابداعى إلى القارىء المستهدف؟
لكي تصل إلى قارئك المستهدف لا بد أن تشيع عادة القراءة أولا في ثقافتنا العربية ونأصلها في وجدان أطفالنا من الصغر وهذا يتطلب جهدا كبيرا على المستويين الرسمي والمجتمعي، تطور مجتمعاتنا في مختلف مناحي الحياة يتوقف جوهريا على إشاعة ثقافة القراءة والمعرفة، مواجهة القضايا الكبرى لن يكون إلا بالبدء بتغيير ثقافة المجتمع نحو القراءة من خلال الأسرة ومراكز الشباب والمدارس والجامعات.. أتمنى لو استطعنا أن نصدر قانونا يلزم العاملين بالدولة والقطاعين العام والخاص بقراءة كتاب ولو كل شهر.. غياب ثقافة القراءة العائق الأكبر بين الكاتب ومتلقيه، القاريء الطفل أيضا له خصوصية مختلفة وبخاصة في المراحل التي تحتاج إلى وسيط ما بين الطفل والكتاب، وكثيرا ما نصادف الوسيط الخائن الذي لا ينجح في نقل الأفكار ويقدم أفكاره هو للأطفال، من هنا تأتي أهمية تواصل كتاب الأطفال ورساميهم مع قرائهم في المدارس والنوادي وبيوت الثقافة من خلال ورش حكي ورسم بعيدا عن الوسطاء.
مابين المؤسسات الحكومية والخاصة.. إلى أى مدى استطاعت دور النشر أن تسهم بدورها فى اثراء مكتبة الطفل؟
دعنا نقر أن المؤسسات الحكومية يتفاوت دورها باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإذا كان دورها ملحوظا في البدايات، فيجب أن يكون للدور الأهلي مساحة أكبر وأوضح، المؤسسات الرسمية عادة تكون متحفظة وتمارس دورها بروتينية تسهم في تحقيق الحد الأدنى لاحتياجات مكتبة الطفل في بلادنا، وبعض دور النشر الخاصة تمارسه على استحياء وبخاصة بعد توقف المنحة الأمريكية التي ساهمت في إخراج وتقديم عدد كبير من الكتابات الموجهة للطفل ونشرها بالمدارس، ومن المؤسف أن تقتصر إسهامات دور النشر الخاصة في مكتبة الطفل على عدد محدود من الدور في بلد يتجاوز تعداده المائة مليون نسمة نصفهم من الأطفال والشباب، لكن العمل الأهلي النابع من الإيمان بأهمية الاستثمار في ثقافة الطفل وفنونه وكتابه قد يفتح آفاقا لمستقبل أرحب، لكن للآسف هذا الدور شبه غائب وغير ملموس عندنا في مصر، على عكس ما نلحظ من تزايد الاهتمام الرسمي والخاص بكتاب الطفل في الدول العربية حولنا.
فى رأيك ، الدور الذى يتحتم على الحكومات العربية أن تنتهجه من أجل الوصول إلى عقل ووجدان الطفل العربى؟
يعد الاهتمام بالطفولة وثقافة الطفل معيارا حديثا لمعرفة مدى تقدم ورقي الأمم، ويتحتم على الحكومات العربية إن أرادت لها مكانا لائقا بين الأمم أن تكون ثقافة الطفل وفنونه أولوية أولى في اهتماماتها وأن يتبلور هذا الاهتمام في العملية التعليمية، والإعلام الرسمي والخاص وأنشطة الوزارات المختلفة وأهمها وزارات الإعلام، والشباب والرياضة، والبحث العلمي والصحة.. إلخ ولا يقتصر على ما تقدمه وزارات الثقافة بها، كما من المهم تشجيع العمل الأهلي ورجال الأعمال على ممارسة أنشطة ثقافة الطفل من خلال إعفاءات ضريبية لمن يقوم بعمل في هذا المجال أو اعتبارها جزء من الضريبة المفروضة على أنشطته الاقتصادية، والأهم هو توفر الإرادة السياسية بجعل ثقافة الطفل أولوية في عمل هذه الحكومات.
جوائز الدولة لأدب الطفل، هل هى تتناسب مع طموح المبدع العربى؟
للأسف لا يوجد إلا جائزة الدولة التشجيعية التي تخصص كل عام في مجال واحد من مجالات أدب وثقافة الطفل المتعددة بالتناوب، أما جوائز الدولة للتفوق والتقديرية والنيل وإن كان لا يوجد ما يمنع منحها لأدب الطفل إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك، لذا سبق وطالبت مع آخرين بضرورة أن تخصص جوائز الدولة المختلفة جائزة منفصلة لآداب الطفل وفنونه لاختلاف معايير التقييم بينها وبين الأدب الموجه للكبار.
ما أهم الأسماء المعاصرة وأبرزها التى نجحت بجدارة فى توصيل الرسالة الفنية للصغار.. ؟
هناك الكثير من الأسماء بداية من الرواد حتى لحظتنا الراهنة، لا أريد أن أنسى أحدا، المشهد المصري والعربي ثري ومتنوع وإن كنا نطمع دوما في المزيد لصالح أطفالنا وتطور الأدب الموجه لهم
هل للإعلام دور فى تحقيق الغاية الإبداعية وتسويق المنتج، وتلميع الكاتب.. واجتذاب القارئ… وما الطرق التي ينبغي اتخاذها في هذا الشأن ؟
الإعلام ركيزة أساسية لأي عمل ناجح وبالأخص في مجال الثقافة وثقافة الطفل تحديدا، بداية من التنويهات الدعائية، وعروض الكتب وليس انتهاءً بالبرامج المخصصة للطفل والتي يجب تحديد عدد ساعات يتناسب مع أهميتها، واختيار أوقات عرض تضمن أكبر نسب مشاهدة وسماع للوصول أكبر عدد من مستحقي الخدمة بالنسبة للإعلام المرئي والمسموع، مع ضرورة وضع معايير التمييز العمري للمادة المقدمة للطفل لمساعدة الأهل، وأن تكون الصفحات المخصصة في الإعلام المقروء واضحة وجاذبة للطفل وتراعي التنوع فيما تقدمه والثقافات الخاصة داخل مجتمعاتها.
كما أنه من المهم مواكبة العصر وأن يحتل إعلام الطفل العربي وثقافته المساحة المناسبة في الشبكة المعلوماتية “النت” بما يتناسب مع موروثنا الثقافي والحضاري وبالشكل الجاذب الذي ينافس موروث وثقافات أخرى تبث ثقافاتها في المساحات التي تركناها خالية وتجتذب أطفالنا.
هل مجلات الأطفال فى أزمة…؟ وإلى أي مدى نجحت، وما الأسباب الحقيقية من وجهة نظرك فى تعثر البعض منها، وأيها استطاعت أن تجتذب الطفل وتحقق الفائدة المرجوة؟
دون أن نغمض حق العاملين فيها وجهدهم.. فهم يعملون في ظروف صعبة مقدرة، بالطبع، فهي لا تحقق أرباحا تغطي تكاليف الطباعة وأجور المشتغلين بها وتحتاج دوما إلى دعم الدولة لاستمرارها، ومنافستها لمجلات الأطفال العربية تعد ظالمة، رغم ذلك الكثير من المجلات تعاني من جمود ومحدودية في الرؤية نظرا لعدم تغيير إدارات تحريرها لفترات طويلة.. فالنهج التحريري الذي بدأت به تسير عليه للحظتنا الراهنة رغم اختلاف الوعي والمعطيات من حولنا والتنافس مع وسائل تواصل اجتذبت الجميع، التغيير سنة الحياة ويكون دافعا للإجادة وإثبات الذات والبحث عن طرق غير تقليدية للتمويل وتغطية الخسائر.. لكن هناك أيضا تجارب ناجحة وإن كانت تعاني من الميزانيات المحدودة.
أين كتاب الطفل من الأطفال المهمشين، وأولاد الشوارع.. والأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة ؟
الكاتب في بلادنا أضعف حلقات المنظومة، لا أحد يتأخر إن طلب منه شيئا، لكن هذه الملفات شائكة وتحتاج إلى عمل مؤسسي وليس عملا فرديا.. هناك دوما مبادرات فردية لكنها محدودة الأثر.. العمل المؤسسي يضمن صياغة رؤية يستطيع أن يعمل من خلالها الجميع، لكننا نفتقد هذه الرؤية في الثقافة المصرية عامة وثقافة الطفل خاصة.
• هل ثمة مواكبة نقدية تتوافق مع ما تطرحه دور النشر من إصدارات.. أم أن هناك أزمة نقدية؟
هناك اجتهادات نادرة للنقد التطبيقي يقوم بها كتاب في أغلب الأحيان، لا تتناسب مع المعروض من كتب الأطفال ولا يواكبها، لكن الكتابات النقدية في أدب الطفل نادرة، وأغلب الدراسات الموجودة تنظيرية وتربوية بالأساس.. وهناك تقصير من النقد عامة في متابعة وغربلة ما يصدر من إبداع.
• باعتبارك أحد الكتاب المهمين فى حقل الطفولة.. هل توجد خطوط حمراء (محاذير) عند الكتابة للطفل، وما هى أهم القضايا التى تشغلك دوما، وتحاول تضمينها أعمالك الإبداعية؟
إننا لا نعيش في عزلة عن العالم، وفكرة فرض الوصاية باتت فكرة قديمة عفا عليها الزمن وتجاوزها، في رأيي المعايير الفنية وحدها هي التي يجب أن تراعى في الأدب الموجه للطفل الذي بطبيعته سيراعي المرحلة العمرية المقدم لها وخواصها، لكن التقييد يكون ضد فكرة الإبداع.. المهم كيف نقدم المادة التي سنقدمها للطفل وفق قيم مجتمعنا الدينية والأخلاقية والثقافية.. يشغلني أن يتربى أبناؤنا على ثقافة الحب، فالحب قادر على تغيير العالم وتبديله إلى الأفضل ونبذ ثقافة الكراهية فهي أخطر ما يواجه مجتمعنا.
هل وصلنا الى الحد الذى يمكننا أن نعلن فيه بقوة “لدينا أدب طفل جيد” أم أن الطريق أمامنا لايزال متعثرا ؟
لدينا تجارب جيدة تحتاج إلى لفت الانتباه إليها وتسليط الضوء عليها، كما عندنا أصوات واعدة، بالاشتغال على نفسها ستتطور وتقدم الجديد والمختلف.. لا توجد معايير جامدة للحكم على الإبداع علينا فقط أن نساهم في خلق المناخ الملائم له وهو سينمو ويتطور ويتجاوز تجارب سابقيه.
وأخيرا رسالة تود تقديمها فى نهاية هذا الحوار.. ؟
إذا أردنا لوطننا أن يتقدم ويحجز لنفسه المكانة اللائقة بتاريخنا العريق لابد أن نولي جل اهتمامنا للمستقبل متمثلا في أطفال اليوم رجال ونساء الغد وأملنا نحو غد أفضل.


2018/11/13

الروائى أحمد طوسون فى حوارة لمصر المحروسة... مصر طاقة هائلة في كافة مناحي الإبداع، ومن الظلم مقارنة أحد بها مهما تعثرت خطواتها

الروائى أحمد طوسون فى حوارة لمصر المحروسة... لا أجد تنافسا ما بين النشر الإلكتروني والنشر الورقي، بل أجد تكاملا بينهما
القاهرة 13 نوفمبر  2018 
حاوره ـ أحمد مصطفى الغـر
ــ الروائى أحمد طوسون..وقعت أسيرا لصلاح عبد الصبور بسبب حبى للشعر
ــ مصر طاقة هائلة في كافة مناحي الإبداع، ومن الظلم مقارنة أحد بها مهما تعثرت خطواتها
قاص و روائي وكاتب لأدب الأطفال ،هو صاحب "مراسم عزاء العائلة" و "تأملات رجل الغرفة" و"رقة القتل"، "مجرد بيت قديم"، "شتاء قارس"، "عندما لا تموء القطط" و"فتاة البحر"، أبحر بقلمه بين المجموعات القصصية والرواية، وصولاً لأدب الأطفال، حيث له إضافاته إلى مكتبة الطفل التي لا تخطئ العين أهميتها, وقد أجاد في موضوع تبسيط الأفكار كي تصل للأطفال بيسر، قال عن نفسه ذات مرة أنه "يكتب بمنطق الهواية" ، فهو يؤمن بأن مشكلة أدب الطفل فى الوطن العربي تبدأ عندما يتم إعتباره أدباً تعليمياً فقط ،دون النظر إليه باعتباره فن يتوجه إلى قارئ ذكي، أكثر ذكاءاً من القارئ الراشد فى كثير من الأحيان. 
إنه الكاتب "أحمد طوسون"، الذي حصد الكثير من الجوائز الأدبية والتكريمات، لعل أهمها ـ على سبيل الذكر ـ جائزة الدولة التشجيعية عام 2012 ، جائزة جنوب البحر المتوسط في القصة القصيرة، وجائزة الشارقة للإبداع العربي في أدب الأطفال لعام 2005، التقيناه و كان لنا هذا الحوار:

بمن تأثر "أحمد طوسون" من الكُتَّاب؛ وأية كتابات غيَّرت في كيمياء "طوسون"؛ وأمسكت بيده وقادته لهذه المهنة المرهقة؛ أعني هذا الشيء المسمى بالكتابة؟
بدأت محبا للشعر، ثم وقعت في أسر صلاح عبدالصبور! ، لأنه كان قريبا من عقلي ومن وجداني، عكس قصائد الشعر الجاهلي التي كنا نعكف على حفظها ودراستها بصحبة رفيقي الدرب الشاعرين أحمد قرني وأحمد عبدالباقي على يد مدرس اللغة العربية في المرحلة الإعدادية، ومن بعده أمل دنقل وأحمد عبدالمعطي حجازي في ديوانه "كان لي قلب".. كانت الكتابات السردية العربية التي تصل إليّ في هذا العمر تدفعني دفعا لقراءة الروايات العالمية المترجمة، فوقعت في هوى كتابات فيكتور هوجو، وتولستوي وغيرهما.. حتى تعرفت على كتابات نجيب محفوظ ويوسف إدريس..
ربU?ا Ø?Ø­Ø?U?U? اU?صU?رة عU?U?: â??â??شخص Ø£U? Ø£U?ثرâ??â??
إذا كنت محبا للقصة القصيرة فلابد أن تقع في أسر يوسف إدريس عربيا، لكن عندما تكتشف عالم البساطي سينقلك إلى منطقة أخرى من الكتابة والوعي.. سواء في القصة القصيرة أو الرواية.. محمد البساطي بكتابته السهلة الممتنعة التي تنقل إلى القاريء روح الأشياء وخرير الماء وحفيف أوراق الأشجار تجعلك تراجع أفكارك ومفاهيمك عن الكتابة.. عادة يميل الكتاب إلى التجريب في بداياتهم، لكن التعمق في عوالم البساطي السردية لابد أن يكون ترك أثرا ما في تشكيل وعيي عن الكتابة.. إبراهيم أصلان بتقشفه السردي.. يوسف إدريس.. محفوظ.. الغيطاني.. لابد أنهم شكلوا بكتاباتهم وعيا ما عن فهمي وتصوري للكتابة.. ربما!  

في روايتك "رقة القتل"،تقصيت أثر الفساد الذي أصاب النخب وانتشر في مفاصل المجتمع ، فأظهرت الأبطال كجناة وضحايا في نفس الوقت ، فأي رسالة تحملها الرواية ؟،و ما مغزى هذا العنوان الغامض ؟!
تحمل الضحية بين جنباتها نصل قاتل.. الضحية في الحقيقة هي من تخلق الجاني الذي يجعل منها أضحية مستباحة للقتل.. أبطال روايتي هم أبطال الحياة.. جناة قبل أن يكونوا ضحايا.. إننا عندما نتخلى عن مقاومة القبح والفساد ومحاربتهما شركاء مع الجناة الذين يتصدرون المشهد ولكن من خلف الستار، لأننا فقط نريد التطهر من جرائمنا في حق أنفسنا ومجتمعنا بالظهور بمظهر الضحية.. سنظل نتهم الآخر ونحمله وزر جرائمنا وهزائمنا، بينما نحن في حقيقة الأمر "ماسوشيون"، نتلذذ بتمثيل دور الضحية والمظلومية.. نحن جناة حقيقيون وإن لم نضغط على الزناد ونطلق رصاصة القتل، حين سمحنا لثقافة القتل أن تشيع وتسود.
U?ا U?Ø?U?U?ر U?ص بدU?U? Ø?U?U?ائU?.
العنوان لا يبدو غامضا، بل أظنه يكشف أكثر مما يخبيء في طياته، ربما يكون النص كاشفا لما أردته من العنوان.. القتل الصريح العنيف سنحصي في النهاية ضحاياه مهما بلغوا، أما القتل المعنوي، أن تغيب شعبا وتتجاهل أجيالا وتغيبهم عن واقعهم فلا يمكننا بحال حصد عدد ضحاياه.. تلك الثقافة التي شاعت كانت أشد وطأة من كل ما حملته طائرات العدو وأطلقته مدفعيتهم في صدورنا.. تلك الثقافة التي جعلتنا نتعايش مع القبح ونرتضي به كانت أشد فتكا من دانات المدافع والدبابات والأسلحة النووية والكيميائية

بدايةً.. هل تفضل الكتابة للأطفال أم للكبار؟ 
أنا أفضل الكتابة التي تأتيني في وقتها، قالبها وشكلها ونوعها.. ولا أخطط لنفسي سأكتب هذا العام مثلا للكبار أم للأطفال.. الفكرة تختار قارئها ومن ستتوجه إليه.. وأنا أستمتع بالكتابة سواء للكبار أو للصغار، لا يؤرقني أبدا هذا السؤال حين أشرع في الكتابة، ما يؤرقني أن تبتعد عني الكتابة لفترات تحت وطأة العمل وضغوط الحياة.
U?ا U?Ø?U?U?ر U?ص بدU?U? Ø?U?U?ائU?.
برأيك من أين تبدأ محاربة الإرهاب .. أدب الأطفال أم الكبار ؟
تبدأ محاربة الإرهاب من التعليم، حين نمتلك منظومة تعليمية بفكر جديد كما في كل دول العالم المتقدم، تغطي الأطراف والقرى النائية والمناطق الفقيرة والعشوائية، قبل المدن الكبيرة والعواصم، تبدأ محاربة الإرهاب من الإعلام المرئي والمسموع الذي يصل إلى كل بيت حين يمتلك لغة خطاب هادئة تحترم عقول مشاهديه ورؤية ثقافية ودينية للرسالة الإعلامية التي يقدمها، محاربة الإرهاب تبدأ من الجامع والكنيسة حين يعلمان أتباعهما أن الأديان شرعت لتجعل حياة الإنسان أفضل وتنشر الحب والخير والجمال.. تبدأ محاربة الإرهاب حين تطبق العدالة بين الناس ويطبق القانون على الكافة بسواسية، حين نشيع ثقافة الجمال وننبذ ثقافة القبح، حين نتمدد عمرانيا أفقيا ولا نتمدد رأسيا.. الأدب فعل تراكمي يرسخ مباديء وأفكارا ستبث من خلال كل هذه الوسائل والوسائط التعليمية والإعلامية والدينية.

كان رائد أدب الأطفال "كامل كيلاني" يرى أن حوار قصص الأطفال يجب أن يكون بالفصحى ، هل أنت متفق مع ذلك ؟
أنا مع استخدام الفصحى في السرد والحوار في الأدب الموجه للطفل، لأن اللغة العربية ليست مجرد وسيط بين الكاتب والطفل وإنما هي هوية وانتماء.

لكن البعض يتهم أدب الطفل العربي بأنه يستخف بعقلية الطفل، وتتعاظم المشكلة مع دخول كتّاب غير مؤهلين لميدان أدب الطفل ،فهل تتفق مع هذا الرأي ؟
هذا الكلام يجانبه الصواب، أدب الطفل العربي شهد تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة، وظهرت كتابات للطفل العربي لا تقل فنية عن مثيلاتها في الغرب، لكننا ما زلنا كميا في بداية الطريق مقارنة باهتمام الغرب بأدب وفنون الطفل, ولا شك أن كثيرين يستسهلون الكتابة للطفل, لكن الكتابة الجيدة قادرة على فضح الكتابة الرديئة وإقصائها.
ربU?ا Ø?Ø­Ø?U?U? اU?صU?رة عU?U?: â??â??U?صâ??â??
يقول الشاعر (ثمانون بان لا تعادل هادماً .. فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم) ، برأيك هل يكفي أدب الأطفال لخلق جيل واعي ، خاصةً في ظل غوايات العصر الحالي وما تقدمه وتفرزه يومياً ، دون مراعاة للأعمار أو الأخلاق ؟
ثقافة الطفل أشمل وأعم من أدب الطفل وتشمل فنون الطفل المختلفة، بخلاف أهمية ترويض وسائل الاتصال الحديثة واستخدامها بما يتلائم مع أهميتها للأجيال الجديدة في مجال ثقافة الطفل ودمج منظومة ثقافة الطفل مع العملية التعلمية منذ بدايتها وفق أسس علمية وتربوية وتخصيص المساحة المناسبة إعلاميا لمخاطبة أطفالنا بالمواد الفنية والأدبية الموجهة لهم.
ولا شك أن الاهتمام بثقافة الطفل وفنونه له مردود كبير على تشكيل وعي وذائقة الأجيال الجديدة، لكن للآسف لا تقدم الدولة حاليا الاهتمام المرجو منها بثقافة الطفل على أهميته، ربما بسبب الظروف الصعبة التي مرت بها مصر والمنطقة العربية منذ انطلاق ثورات الربيع العربي وحتى الآن، ونأمل مع استقرار الأوضاع في مصر أن تعطي الدولة الاهتمام الأكبر لثقافة الطفل لأنها الباب الواسع نحو مستقبل أفضل لوطننا وأجيالنا الجديدة.

ولماذا أنت مقلّ في الكتابة المسرحية للطفل ؟
الكتابة المسرحية للطفل لا تقتصر على الكاتب، فأهمية العمل المسرحي أن يقدم على خشبة المسرح لأطفالنا، وأنا أعتقد أن مسرح الطفل في مصر يعاني من قلة الاهتمام والحصول على الدعم الكافي من مؤسسة الثقافة وكذلك من الإعلام المرئي (متمثلا في الفضائيات المصرية) الذي له دور في انتاج مسرح الطفل وتقديمه عبر الشاشات، بخلاف مشاكل كثيرة أخرى لا مجال لذكرها هنا. 
U?ا U?Ø?U?U?ر U?ص بدU?U? Ø?U?U?ائU?.
قلت سابقا ان الكتابة للأطفال "أصعب أشكال الكتابة وأخطرها، لأنها تساهم في رقي الأمم وبنائها" ،ما تقييمك لأدب الطفل في مصر ألان ؟
مصر طاقة هائلة في كافة مناحي الإبداع، ومن الظلم مقارنة أحد بها مهما تعثرت خطواتها، ولا شك أننا لا نستطيع أن نفصل أدب الطفل المصري بعيدا عن أدب الطفل العربي، فكما أسلفت شهدت الكتابات الموجهة للطفل طفرات فنية على مستوى الأفكار التي تقدم للطفل وتقنيات الكتابة والرسوم المصاحبة للنصوص ومستوى الطباعة.. ولكن يؤخذ على مؤسسة الثقافة المصرية أنها قلصت عدد إصدارات كتاب قطر الندى إلى 12 كتابا في العام في الوقت الذي يهتم العالم بكتاب الطفل ويزيد من دعمه واهتمامه، كذلك لا أجد اهتماما مناسبا من دور النشر الخاصة بكتاب الطفل، فأغلب دور النشر تطبع كتبا للاشتراك في المسابقات الكبيرة فقط أو تطبع لأصحابها، وما يقدم في السوق المصري بعيد عن المأمول وما يحتاجه سوق كتاب الطفل في مصر، كما تجاهلت مؤسسة الثقافة تخصيص جائزة عربية كبرى باسم مصر في مجال الكتابة للطفل تليق بمكانة مصر الرائدة في هذا المجال

في الختام.. برأيك ما هي العقبات التي تواجه أدب الطفل العربي كي يصل إلى أرجاء الدنيا مترجماً؟
هي ذات العقبات التي تواجه الأدب العربي عامة كي يصل إلى أرجاء الدنيا مترجما, النفوذ العلمي والفكري والسياسي له دور كبير في الترويج للثقافات، بخلاف أن كفاءة النشر والتوزيع والتسويق مهارات يغفل عنها كثير من المشتغلين بهذه الصناعات فلا يكاد يحقق الكتاب توزيعا يذكر في بلادنا، فكيف ينتبه له الآخرون ونطالبهم بما لا نفعله أو نجيده, الترجمة والتوزيع لا علاقة لهما بجودة العمل الفنية, المعايير الفنية لأدب الطفل العربي تجاوزت هذه المرحلة منذ زمن وكتب الأطفال العربية تنافس في المعارض الدولية، لكنها إشكاليات تتعلق بنواحي تسويقية وتجارية تفشل فيها العقلية العربية بامتياز!



2018/09/14

وفاء شهاب الدين: نكتب الحياة كما نتمناها

وفاء شهاب الدين: نكتب الحياة كما نتمناها

دائما ما تثير الجدل، لكشفها عن المسكوت عنه فى مجتمعاتنا، والخروج على آليات السرد المتعارف عليه، وتسجل وجهة نظرها عن العالم، وتمرر الحقائق عبر ما تكتبه، تكتب قصصا واقعية، رغم انتمائها إلى عالم الخيال أكثر من الواقع، تتحدث فى هذا الحوار عن روايتها "مهرة بلا فارس"، التى رأى البعض أنها تقدم فيها سيرتها الذاتية، ومشكلات النشر وأكثر ما يشغل بالها الآن كمواطنة مصرية وروائية ترصد الأحداث .



كتاباتك تثير الجدل.. فهل يقلقك ذلك؟

- الكتابات التى تثير لدى القارئ الرغبة فى الاطلاع عليها لا تقلق، بل على العكس أرى فيها نوعاً من التميز الذى يحرص عليه الكاتب، تسبب عناوين رواياتى كثيرا من التساؤلات تجعل دوما الأسئلة تلاحقنى،



ما الظاهرة الاجتماعية أو الثقافية التى تستفزك وتثير مواجعك؟

عالمنا يزخر بكثير من الظواهر الاجتماعية المؤرقة والموجعة .. ظاهرة التحرش والتي تنتهك فيها آدمية انسانة كل >نبها أنها تعيش في مجتمع تناسى قيم الانسانية والآدمية وسار كل حسب قيمة المتدنية وأخلاقياته المنتهية ،ما أكثر ألماً من رؤية طفل فقير يذهب رفاقه إلى المدرسة ويذهب هو إلى عمل مذل ينتهك طفولته وآدميته، ما أكثر وجعاً من مريض يحتاج لعلاج ولا يجد ثمن الدواء، أو رؤية مبدع تتعامل معه دور النشر بفوقية وتستبيح حقوقه المادية ولا يجد وسيلة للحصول على حقوقه ..ووزارة ثقافة لا تهتم بكونها تحمل راية تثقيف شعب كامل ورعاية آلاف المبدعين الذين يتضورون جوعاً ومرضاً فتتجاهلهم بدعوى ضعف الإمكانيات، ما أكثر ما يؤلمنا ولا نستطيع معالجته.

هل ترين فارقا بين المرأة المبدعة وغيرها؟ وأين يقع الرجل لدى كلتيهما؟

- تجنح المرأة دوما للتعبير عما يدور بداخلها، فتمنح القارئ رؤية للعالم من خلال الذات الأنثوية، فلا يلعب بها الرجل دور البطولة المعتاد، فيخرج العمل على غير ما تعود الرجل، ويعود ذلك إلى اختلاف شخصية المبدعة عن المرأة العادية، التى يمكنها أن تتحمل إيذاء الرجل بلا شكوى، فالمبدعة تحمل كلماتها روح التحدى وتأبى خضوعاً مذلاً ، فتكتب للحياة كما تتمناها أحيانا وكما تعيشها أحيان أخرى، ولكن فى النهاية لا رواية يمكن أن تكتب دون أن تحتوى رجلاً،

بحكم معايشتك للوسط الثقافى المصرى.. هل يعانى ترهلا؟


- فى الحقيقة أنا بعيدة جدا عن الوسط الثقافى .. تقتصر علاقاتى على عدد قليل جدا من الأصدقاء فلم أستطع الاندماج معه فهو ككل وسط فى مصر يعانى الشللية .. وتلعب العلاقات الشخصية به دورا كبيرا لذا فضلت التركيز على عملى فهو من سيقدمنى بجودته إلى القراء، فأنا أكتب للقراء والتاريخ إن لم احصل على ما أستحق الآن سأحصل عليه فى المستقبل.



لم قمت بكتابة المقال  الحاد "المبدعون ودور الرعاية الاجتماعية" ردا على الوزير جابر عصفور ؟

لم يكن حاداً بدرجة كافية  فقط أصابني الغضب من اللهجة التي يتحدث بها اولي السلطة في مصر ،لم أدرك كيف يمكن أن يتحدث الوزير عنا نحن الكتاب بتلك الطريقة المهينة وكأن من يحتاج إلى تلك المنحة هو شحاذ يمد يده لسيادة الوزير فينهره بقسوة بحجة أن الوزارة ليست داراً للرعاية الاجتماعية ..

ماذا تفعل وزارة الثقافة للمبدعين وماذا تقدم لهم؟ هناك الآلاف من الكتاب الذين يحتاجون لدعم الوزارة ولا يجدون من يمد يده إليهم سواء في نشر أعمالهم أو تسليط الضوء عليها فيقعون فريسة لبعض دور النشر التي تستغل ذلك للأسف..

لا أحد ينكر مدى عجز الوزارة وترهلها وضياع دور الشباب الواعد بها ولا سيطرة الشللية والمصالح على هيئاتها وجوائزها وليس أمام سيادة الوزير حلاً أمام كل تلك النوائب سوى منع بضع جنيهات عن الكتاب الذين يحتاجون إلى وقت ومبلغ حقير يقتاتون منه ويطعمون أبنائهم مقابل تقديم عمل إبداعي يستحق..

كان الوزير السابق فاروق حسني يمنح منح التفرغ لكل من احتاج تكريما لعقله وجهده واحتراما لكرامته والآن وبعد ثورتين لم نجد ممن يتغنون بأهمية القوى الناعمة سوى التعامل مع المبدعين بشكل لا يليق ..

المؤسسات الثقافية في مصر لا تحتاج ثورة ولا عشر ثورات هي تحتاج في الواقع إلى الإزالة الكاملة، كما تفعل الحكومة مع المباني المخالفة والتي تفجرها بالديناميت، عليها أن تتخلص من ذلك الكيان الفاشل المسمي ظلما بوزارة الثقافة والتي تنفق مليارات الجنيهات بلا فائدة حقيقة للمبدعين ولا للشعب الذي تفشت به آفات التحرش والإدمان والعنف وغيرها.





هل العلاقات عبر الانترنت حب افلاطوني ام تسلية ام البحث عن سراب ؟

الانترت منح مجتمعاتنا فرصة ذهبية لإظهار عيوبها اللي لا تحتمل، العلاقات عبر الانترنت تسلية واستغلال لطرف آخر غرير ولعب بمشاعر العلاقات الحقيقة تأتي بالمواجهة بالتعامل المباشر وليس بالتخفي كجبناء خلف شاشة ..

هل يخشى الرجل المرأة المتطرفة في الحب ؟

التطرف في كل شيء مؤذي فطبيعة الرجل تختلف تماما عن طبيعة المرأة الرجل لا يفهم امرأة تعطي بلا حدود تهتم بلا حدود ،تموت إن أغضبها وتعود للحياة حين يبتسم..الرجل يعطي بقدر محدد يهتم بقدر،يخشاها نعم لانه لن يستطيع مجاراتها أبدا ويفضل عليها علاقة سلسلة لا تجهد مشاعره.

لماذا تخاف المرأة الحب ؟

لا يوجد امرأة تخاف من الحب فطبيعة النساء الحالمة تميل إلى من يساندها ويوفر لها عالماً من المشاعر،يؤسس لها بيتا ويمنحها أطفالاً ..الحب بالنسبة للمرأة العربية هو بداية الحياة التي تعرفها والتي تتمنى أن تعيشها دائما ..

– “أورجانزا” آخر إصداراتك..عما تدور ؟

أورجانزا عمل أدبي متكامل لا أستطيع أن ألخصه في عدة شهور هي حياة كاملة مميزة تستحق الإطلاع رواية بداية جديدة ومختلفة عن كل كتاباتي الأخرى ربما مثيرة جدا للجدل لكنها عميقة وتناقش بصورة محترمة مشكلة كبيرة يمر بها عدد كبير من الناس بعد عدة سنوات من الثورات وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ..

– في روايتك ” تذكر دوما أنني أحبك؟ مالذي دفعك لكتابة هذه الرواية الرومانسية؟ كيف نقلت مشاعر الرجل والمرأة من ناحية عاطفية ؟ ومن أكثر نكراناً أو عرفاناً للحب منهما؟

في الحقيقة لم تكن “تذكر دوما أنني أحبك” روايتي الرومانسية الوحيدة فأنا منذ كتبت كلماتي الأولى كنت أكتب الرومانسية فقط اخترت لهذه الرواية عنوانا ناعماً لأني سئمت جنوح معظم الروائيين الشباب إلى الأسماء الغريبة والتي تهدد بفقدانناً لهويتنا العربية ،مسألة نقل المشاعر مسألة شديدة التعقيد في ظاهرها لكنها بسيطة لدي موهبة نفثها الله عز وجل بمخيلتي إن أردت التعبير عن رجل تسكنني بلحظتها مشاعر الرجل وإن أردت التعبير عن امرأة فالأمر ليس بصعب جداً، كل من الرجل والمرأة يحمل جزءا من الشر يتمثل في النكران نظلم إن حصرنا تلك الصفات الإنسانية في جنس واحد لأن تركيبة البشر النفسية متشابهة جدا من الداخل تختلف فقط باختلاف التربية والمجتمع ..


ــ هل تذكرين أول كتاب وقع في يدك؟

نعم كانت رواية مترجمة صغيرة الحجم بعنوان «بن كيزي طبيب القلوب» أخذته من مكتبة والدي حين كنت في الصف الرابع الابتدائي

جائزة.. أو كلمة.. شجعتك على مواصلة الطريق؟

كلمة قالها لي د. جمال عيسى أستاذ الأدب في جامعة طنطا حين عرضت عليه أول قصصي القصيرة قال لي أمام الزملاء «يوما ما ستكونين أكبر كاتبة في مصر» وعلى أمل تلك البشارة أواصل رغم كل انكساراتي.

ــ كاتب ترك بصمة مهمة عليك؟

إحسان عبد القدوس

ــ متى وكيف نشرت أول نص لك؟

نشر نصي الأول حوالي 2007 في جريدة الراية القطرية كانت قصة بعنوان «رجال للحب» فقط أرسلت النص للمسئول عن الصفحة فنشرها بلا تردد

ــ كيف تفهمت الأسرة رغبتك أن تصبحي كاتبة؟

كان والدي خطيباً مفوهاً وله أشعار كثيرة ..وساندتني والدتي جدا في الوصول إلى ما انا عليه الآن رغم معارضة الوسط الاجتماعي الذي أنتمي له فاحتراف الأدب كان ضد الأعراف والتقاليد الريفية .

ــ هل هناك أصدقاء شجعوك؟

طبعا الكثير من أصدقائي ساندوني وقاموا بتشجيعي.. كنت اكتب الصفحة واعرضها عليهم ونظرات الانبهار في أعينهم وكلمات التشجيع تحفزني جدا على تكملة طريقي

ما هي طقوسك مع الكتابة؟

مكان متسع، موسيقى هادئة، قلم رصاص، الكثير من الأوراق

ــ تجربة أول كتاب نشرته؟

«مهرة بلا فارس» كان تجربتي الأولى في النشر، لا شعور في هذا العالم يضاهي شعور اللمسة الأولى للكتاب الأول.. متعة..انتصار..تميز.. احاسيس مختلطة لا أدري كيف تجتمع معا..

ـ ماذا تعني لك الجوائز؟

تقدير مادي ومعنوي للكاتب تساعده على اتمام منجزه الادبي واهتمام القراء بأعماله، حصلت على جائزة واحدة من اتحاد كتاب مصر للقصة القصيرة عن قصة «سندريللا حافية» لكنني عزفت عن المشاركة في المسابقات الادبية لغياب الشفافية وظهور مافيا التربيطات والشللية في معظم الجوائز العربية ..

ـ كتاب تمنيت كتابته؟

كتاب لعبة الملاك لكارلوس زافون ..هذه الرواية تعبر عني جدا وأشعر أنني كتبتها في عالم ما قبل الحياة

عمل تخططين لإصداره قريباً؟

أحاول الانتهاء من كتابة روايتي الأخيرة «غواي» أول رواية عن البدو عن العادات والتقاليد البدوية المميزة .

ـ حكمتك؟

إن الارادة هي ذلك القوي الأعمى الذي يحمل العقل المبصر الكسيح على كتفيه.

2018/06/06

الكاتب السوداني أحمد يعقوب يحاور القاص العراقي علي السباعي

الكاتب السوداني أحمد يعقوب يحاور القاص العراقي علي السباعي
 

عندما يلتقي النيل بالفرات ، كوش تستضيف سومر في حوارٍ استثنائي
سومر وبابل هي الارث الذي يتّكئُ عليه انها القرطاس كما تمثله نصوصه والفرات يشكل هنا الحبر المقدس حيث ينثال عذباً فراتاً،علي السباعي يمثل جيلاً بأكمله عاش الثورة والحروبات في زمنٍ نُكأ فيه الجرح،علي الذي يرى أن الفروسية في الأدب هو أن تسلح القارئ لا أن تقاتل نيابة عنه ، التقيته في ذات فضاء سبراني هيأته وسائل التواصل فكان التقاء النيل بالفرات وكان حوار حضارتين عظيمتين كوش وسومر، له بصمتهُ الخاصة على خريطة القصة الحديثة في الوطن العربي، يكتب قصصه بصدق الإحساس وخفة الحلم، ينصتُ لصمت الموت، لنبض الحياة…، بنزعة إنسانية صادقة بداخله، قصصهُ تعلن الثورة والتمرّد على سائد الأنماط والأشكال يتدفق السرد بعناقيد من رموز أسطورية ودينيه وتواشيح صوفية وفي قمة النقاء اوليس العراق مقام اولياء الله الحسن والحسين. علي السباعي متخمٌ بالجوائز تقديراً لجهوده الكبيرة في عالم القصة القصيرة بالوطن العربي .
حاوره: أحمد يعقوب
حدثنا عن بدايات الكتابة و كتابة القصة بشكل خاص؟
رحلتي بدأت مع دروس الإنشاء حين كنت تلميذاً في الصف الخامس الابتدائي اندلعت الحرب العراقية الإيرانية يوم 22/9/1980 م ، طلب منا معلم اللغة العربية الذي يسطر لنا موضوع الإنشاء بخط يده اليسرى الجميل والأنيق فوق خشب السبورة السوداء : ( رسالة إلى أبي المقاتل في الجبهة الشرقية ) ، كتبت لوالدي الجندي في منطقة ( سربيل زهاب  ( الإيرانية ، نلت عليه المرتبة الأول في مسابقة الخطابة بمدينتي ، والثالث على مستوى تربيات العراق ، نمت فسيلتي بالقراءة داخل أروقة المكتبة المدرسية ، نهلت من نبعها فأينعت نخلتي وكبرت بقراءاتي المكثفة حتى أشتد جذعي باسقاً بالمطالعة مما زاد شغفي بحب الأدب ونهمي في قراءة الكتب

اذاً إكتشفت ذاتك وعرفت من أنت لحظة تحاورك مع الكتب وقراءتها؟
يومها بلغ الظلم أوجّه وطغى في البلاد على العباد بسبب استبداد سلطة جائرة حكمتنا بالحديد والنار ، يعود الفضل لقراءاتي الكثيرة والمتنوعة التي جعلت مني أرضاً خصبةً وحاضنة مثالية لما هو آت : أن أكون رائياً . إبانها تعددت محطات متعتي في القراءة التي تحولت إلى عذابات لا تنتهي بسبب قراءة قصائد الشعر التي تحض على الثورة ، قرأت قصائد ثورية كبيرة كثيرة أيقظت ثورتي الداخلية . ساعة قرأت الشاعر العربي الكبير ( إبراهيم طوقان ) ، واجهت عدوي ، واجهته لأول مرة ، لأول مرة أواجه خوفي ، رأيت خوفي ، رأيته شخصياً ، ووقفت معه وجهاً لوجه ،
كانت الكتابة لحظة ثورتك وانتصارك على الخوف الداخلي أولاً ثم مواجهة الجبروت السلطوي ثانياً؟
بعد أن قرأت أبو القاسم ألشابي انتصرت على خوفي انتصاراً نهائياً بكتابة أول قصيدة عمودية لي في حياتي هجوت فيها السلطة القامعة للشعب ، هزمت عدوي ثم خوفي حين هجوت الدكتاتور البغيض بعد أن عثرت على :- ( علي السباعي ) الشجاع بداخلي أثمرت نخلتي رطباً حلواً حال تساقطه غادرت ( علي السباعي ) المتشظي والخائب والخائف ، أصبحت نخلة محملة بالقصائد ، حملت قصيدتي مزهواً زاهياً بما قرضت من شعر لأعرضها على والدي الذي أرتعب خوفاً علي وهو يقرأ ما نظمت من أبيات شعرية
كيف استقبلها هل كان خائفاً من بطش الطاغوت بك؟
كان يتذوق رطب نخلتي الجني قارئاً قصيدتي وينظر إلي ويقرأ ، أرى خوفه علي مرسوماً في عينيه ووجهه وفي كل تفصيل صدر منه حتى اللحظة منطبعة بخلدي ؛ يقرأ وينظر ألي ، سألني بعد أن أكمل قراءتها والخوف يأكله علي : ( هل أنت من نظم هذه القصيدة العمودية بني علي ؟ ) ، أجبته : ( نعم ) . ضمني إلى روحه ، وخبأ القصيدة عني حتى يومي هذا ، نظرت صوب ما يعصف بنا ، لم أدر ظهري له ، لم أهز كتفي بمرارة له وأمضي ، وقفت نخلة تهز جذعها خطوب الدهر ونوائبه ، فيتساقط شعري جنيا ، كتبت قصائدي التي توالت بتوالي الخطوب وقراءاتي حتى تعرفت على السرد الرفيع عندما تذوقت طعم قصص الشجاعة نوال السعداوي ، كنت وإنا أقرأ نوال السعداوي أتزود بالشجاعة ، أحس البؤس وأراه ، أرى بؤسنا اليومي وألمسه بروحي قبل عيني ، فمشاهدة البؤس اليومي أمر صعب على مشاعر وأحاسيس شاب بعمري عايش بؤس حرب الثمانينيات .

ولكن نوال كانت تواجه بكتاباتها شرقاً تراه مستبداً اختزل كينونة المرأة في الجسد أولاً ثم كانت تحارب في جبهات كثيرة من أجل تغيير ذاك الواقع هل ألهمتك ؟
بسبب غواية كلمات نوال السعداوي عشقت السرد ، تولهت بالحكي ، جننت بالقص ، عشت أعماق واقعنا ألموار بالبلاءات ، المصطلم ، المضطرب ، المتفجر ، الضاغط ، القاتل ، الخائن ، المميت ، المرعب ، والمهلك . واقعنا لم يك جميلاً أبداً كانت حرب ألثمان سنوات جحيماً لف طفولتي والعراق ، قدرنا أن نخوض حرباً لم نشعلها ، عشنا أياما من نار ورصاص ودم ، شاهدت الموت مع طلوع الشمس حتى غروبها ، رأيته يحل علينا صباح مساء مع جثامين الشبان الهالكين في معارك الحرب العراقية الإيرانية حيث تتوافد جثثهم على مدننا . أرى الثكالى والأرامل واليتامى والجرحى يبكون ما فقدوه . آه . كانت حياتنا محزنة أشعلت فتيل جذوتي القصصية ،
ماهي أول قصة قصيرة كتبتها؟ صف لي مشاعرك وانت تستقبل مولودك الاول بعد المخاض العسير؟
أول قصة قصيرة في حياتي يوم 24 نيسان 1984 م ، جاءت القصة تحت مسمى : ( عربدة عقب سيجارة الضابط العراقي ) . جاءت نتيجة مروري بحادثة فجرت ينبوع قريحتي في كتابة القصة ، كنت في الرابعة عشر من عمري وقت كتابتها . اكتملت عندي أول قصة قصيرة لي ، حملت في ثناياها وبين سطورها براءة وعنفوان الشباب ، كتبتها بمشاعر مرهفة وإحساس صادق ، كتبتها ، كتبت أول قصة ، لأن القصة هي الفن الأنسب للتعبير عن الأحداث اليومية التي ترافق حياتنا وما ينجم عنها لما تمتاز به القصة من تكثيف واختزال وقدرة فائقة على التقاط اللحظة وتدوينها ، وتصاعدت كتابتها عندي متنوعة في إيقاعاتها وكل القصص التي كتبتها أثناء الحرب وبعدها أصبحت كتابتها وسيلة ناجعة لرد الظلم وحفظ ماء الوجه ولإعادة الاعتبار لكرامتنا التي هدرت مراراً وتكراراً . الآن . أعيش في اللغة ، وأسكن القصة .
الكتابة كفعل احتجاج وممارسة ثورية ماذا تعني لك ؟
القص عالم مستقل ، فضاء لوحده ، عالم مليء بالعجيب والغريب ، عالم مؤلم أسود ، عالم صادم أحمر ، القصة تقوم بعدة مهام ووظائف ، وكتابتها شكلت لي صمام أمان لتنفيس عن مكنوناتي الداخلية وما يعتمل فيها من ثورة ضد الطغيان ، وما تخبأه نفوس الناس من اضطرابات وأضطرامات وأحتدامات ومسرات وأوجاع ، الكتابة ضد الفوضى والعبث ، حياة ضد الموت ، صهوة يمتطيها الأحرار صوب النور والحق والجمال . الكتابة شيء تعيس في حياتي لأنها أفسدتها ، الكتابة أغراء ، إغراؤها إن تتورط في حبها بعد أن تقع بشباكها ، تعشقها ، تتوله بها كونها مغوية
اه اجابتك هذه تصوّر لي الكتابة كإمرأة مثيرة تمارس فن الايقاع بعشاقها ؟
هي مثيرة وإثارتها متعة ، ومتعتها الإحساس الداخلي الذي يتسرب إلي لحظة نسجي لعوالمها أجوس أرضها البكر مكمن عذريتها بفعل الحكي . أكتب لأحقق إنسانيتي ، لأميز بين الضجيج والهدوء ، لأتعلم كتابة القصص والقصة القصيرة هي : الحب والشغف ، حب وشغف عظيمين لتعبير عن شعلتي الداخلية ، لأن الكتابة من الشعلة الداخلية عن الناس تجعلني أستمر بالعيش بحماس وجلد متحملاً مآسيها ، وحدها شعلة الإبداع داخلي تمنحني الدفء وتعطي لحياتي طعماً ومعنى . القصة هويتي وسر وجودي . بكلمة واحدة : أكتب لأكون . أكتب عن الذي لا يقرأ . لأشارك القارئ فيما أغزله من قصص ، لأعلي من شأنه ، لأهيئه لثورة ، ذلك ما ذهبت إليه ولم أفلح حيث تعلمت الدرس الأقسى في حياتي أن الفروسية في الأدب هو أن تسلح القارئ لا أن تقاتل نيابة عنه .
العراق بلد الحضارات حيث سومر وبابل وهناك أيضا المدن السومرية القديمة ( أور، نيبور ، لارسا ، كيش )هل باستطاعتنا القول إن هذا الإرث الضخم هو سندك للكتابة ؟
ولدت الساعة التاسعة والنصف صباح يوم الخميس 10 حزيران 1970 م ، جنوب بلاد الرافدين في مدينة الناصرية جنوب مدينة أور الأثرية ، أرض أولى الحضارات ، وأول التاريخ نشأة وتكويناً وترعرعاً ، جنوب العراق ، جنوب نهري دجلة والفرات وجنوب الأهوار بدأت الكتابة مع أجدادي السومريين اللذين استمرت حضارتهم عدة قرون بدءاً من الألف الرابع قبل الميلاد حتى اختفوا من التاريخ في نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد ، أي حوالي سنة 3600 قبل الميلاد ،
حدثني قليلاً عن كتاباتهم المسمارية ،وقل لي هل كان القرءان ايضاً بلغته الفخمة ميراثاً نهلت منه؟
ظهرت كتاباتهم بشكل خطوط شبيهة بالمسامير ، وجاء اختراعها لدوافع عملية ( التجارة والإدارة وشؤون الدولة ) ، حضارتنا السومرية نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي . اليوم أكتب وأنا أتكئ على أرث حضاري وثقافي ضخم وفخم وعميق الجذور ، أكتب قصصي التي تنهل من حضارتنا العريقة الضاربة جذورها في أعماق فجر الحضارات ، درجت أوظف داخل متوني الحكائية ما تناقلته ألواحها الطينية معتمداً على لغة القرآن الكريم الفخمة ، كون ثقافتنا الممتدة من الألف الرابع كانت ولازالت تحريراً للإنسان وتقويماً له ، ما أكتبه ينشد ما أنشدته حضارات أسلافي الذين وضعوا لنا القوانين والأفكار المنظمة لحياتنا بكلمات كتبتها أنامل مبدعيها الأوائل بحروف من نور فوق ألواحها الطينية السمر التي علمت البشرية كتابة الحرف الأول لإسعاده .
نصوصك تشترك في ما هو أسطوري وغرائبي وما توظفه في القصة أهو البصر أم أن رهانك على البصيرة ؟
أعمد في كتابتي للقصة القصيرة على ما أراه كوني سومري وأرى ما رآه كلكامش : ( أنا الذي رأى كل شيء . . . ) أستمد موضوعاتي الخام في كتابة القصة مما أراه ، وما أراه يسلب لبي ويأسرني ويعذبني ولا أبرأ منه حتى أكتبه . حال نشر القصة يكون رهاني على الخلفية الموجودة عند الإنسان والتي يستطيع من خلالها أن يهتدي إلى الطريق السليم ، فهدف كتابة القصة القصيرة إنارة بصيرة الآخرين ، فنحن درجنا على القول بأن الله سبحانه وتعالى قد نور بصيرة فلان يعني أن تصرفاته تصرفات سليمة وجيدة بسبب خلفيته ، ووظيفة الآداب عموماً أن تجعل تصرفات المرء سليمة . إذاً بصيرته سليمة ، مضمونه الداخلي : عقله مستقيم ، وقلبه واع ومنفتح على الله عز وجل . وأنا أكره أن يقال على الناس عمي البصائر أي أنهم لا يرون .
كيف تقارب لنا تجربة الموت كما عشتها كاتبا وخاصة أن الموت هو اليقين الوحيد في الحياة ؟
نحن كتاب القصة نخيل نحمل حزن الناس ، وحزني على الناس المظلومين لا يدانيه حزن حتى سافرت إلى العاصمة بغداد في 27/11/2005 م ، لتسلم مجموعتي القصصية الثالثة ( زليخات يوسف ) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ، كانت الحرب الطائفية قد استعرت وطار شواظها ببغداد ومحيطها من مدن عراقية وقصبات استأجرت سيارة أجرة تقلنا إلى دار آفاق عربية في الأعظمية ، سارت بنا السيارة في شوارع الأعظمية ، كانت السيارات الهاربة من جحيم الذبح تسير عكس اتجاه السير ، تشير إلينا وتومئ بالعودة ، رجوت السائق وتوسلت إليه أن يعود بنا أدراجنا ، رفض العودة ، وأكمل سيره بشكل سافر ومتحد وسريع جداً حتى وصلنا شارع الأخطل وعند شارع الأخطل وقف الذباحون ، حياهم سائق سيارة الأجرة قائلاً : حيا الله المجاهدين ، أجابه أميرهم : حيا الله أبا عبد الرحمن ، سأله أميرهم : هل جلبت لنا معك كلاباً لنذبحها ؟ أجابهم : نعم . تألمت في سري ( . . . كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . . . ) ، أمرونا بالترجل من السيارة ، أمرونا بأن نقف في النسق مطأطئي الرؤوس وصامتين ، واقتادونا في صف طويل داخل شارع الأخطل في الأعظمية ، وقفنا ضمن نسق طويل من العراقيين الذين ينتظرون دورهم بالذبح ليذبحوا ، جعلت أخي الذي يصغرني خلفي ، وطلبت منه أن يردد خلفي ما أٌقرأ ، ورحت أقرأ آية الكرسي بصوت عال وأعدت قراءتها خمس مرات ورددت الشهادة بصوت جهوري ثابت وعال ، واستسلمنا للأمر ، لأنني مؤمن بقضاء الله وقدره ( . . . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ . . . ) ، ذبح على الهوية أمامنا ستة وثلاثون عراقياً وبأياد عراقية ، كنت قد أخفيت هوية الأحوال المدنية " الجنسية العراقية " كون أسمي فيها ( علي عبد الحسين صالح السباعي ) ، وأظهرت هوية إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين ، وصل الذباح وبيده سكينه الطويلة الضخمة إلى الرجل الكهل الذي وصله دور الذبح يقف أمامي في الصف كان تسلسله السابع والثلاثين بال الرجل الكهل على سرواله وسلح ، ضرب الذباح العراقي بيده اليمنى التي تقطر دماً على فخذه الأيمن ، قائلاً: حسافة . خسارة . والله . أن يبكي الرجل ؟ قبل أن يكمل أمره الأمير الذي حيا سائق سيارة الأجرة التي أقلتنا : يا أخي . أتركه وأولاده لحال سبيلهم . دعهم يذهبون لأجل أبيهم الكبير . يا الله . تصورنا أخي وأنا أبناء الرجل الكهل ، قال بحدة : خذوا أبيكم ، وأذهبوا بعيداً . اقتدنا الرجل الكهل الذي كان منهاراً باكياً وخرائه ممتزج ببوله يخط خلفه ، سألنا باكياً : يا أولادي أنا مسيحي وقد أسلمت على يديك يا أيها الشجاع وأنت كنت ترتل القرآن ، ضحكت ملء روحي المنهارة أنما المسلم " الشيعي " ، قائلاً له بدعابة ساخرة : لو لم تك يا أبتاه قد تبرزت وبلت على نفسك لما خرجنا سالمين من الذبح بأنصال سكاكينهم الحادة حتى لو كنت قرأت القرآن كله !!! بعد أن نجاني الله سبحانه وتعالى من حادثة الذبح ونجاتي من الموت " الذبح " المحقق لأكون شاهداً ، أن أرى مثلما رأى كلكامش الألم والشر والخيانة . آه . صرن مقومات حياتنا . كل ما مررت به جعلني إنساناً محطماً من الداخل ، عرفت لحظة نجاتي أن الإنسان سيء ، فكتبت رواية عن تلك الحادثة المريرة المريعة .
الفرات يبدو حضوره قوياً في طيات نصوصك ما سر عشقك لهذا النهر؟
( . . .
هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ . . . ) ، الفرات العريق كان ولازال خلي الوفي ، صديقي ، جعلته لي صديقاً صدوقاً ، أجده في حالات يأسي الكثيرة وإحباطاتي المتواصلة مستودعاً لأسراري حين أجلس قبالته أحدثه ، تأتني موجاته السمر لامعة بفرحة اللقاء ، أبوح لها عما أنا فيه وما يختلج في صدري من بؤس وإحباط وعذاب وألم في داخلي الذي تجتمع فيه ثلاث عوالم في آن واحد : محبط وحالم وساخر ناقم ، فترتد إلي موجاته التي تحمل لون الطين ، لوني ، تأتني حانية دافئة عذبة محملة بالمودة والحلول الناجعة لما أنا فيه من قنوط . نهر الفرات يمثل ل : ( علي السباعي ) الطهر ، الصدق ، الدفء ، الولادة ، الحياة ، الاستمرار على التواصل والكتابة ، والعزيمة في مقارعة خطوب الحياة .
أليست كتابة الرواية تتيح لك التصرف في البناء السردي وتعطي القدرة لنصوصك على التأويل ؟
ج 8 / منحني عالم الرواية الرحب والواسع حرية كبيرة وشاسعة وواسعة في بناءاتي السردية ، وكيف أكتب حيوات الناس ، تلك الحياة القاسية على معظم الناس ، وأن معظم الناس يحصلون على نصيبهم الكافي من تلك القسوة . نعم . منحت طريقة بناء معمار الرواية نصوصي السردية القدرة على التأويل عكس عالم القصة الصعب بدربها السردي اللاحب .
تمتاز بالصوت الجهور للتمرد والثورة وأظنك تمقت كل ما هو ثابت ومتفق عليه ؟
رسالتي الحرية والكرامة والسعادة والسلام للناس في زمن تكاثرت فيه التحديات بدءاً من عصف رياح الحرب العراقية الإيرانية التي غيرت كل شيء ، وأحرقت الأخضر قبل اليابس وقبلها أنها أحرقت نفوسنا الخضر الشابة وأحالتها إلى هشيماً تذروه رياح الشر ، حيث كرست تلك الرياح أمراض الشارع العراقي الذي تعود ثقافة الشعارات وغنائم اللحظة المعاشة دون أدنى خجل من النظر إلى خساراتهم . كان جحيماً ، وكان وما حملته رياح ما بعد غزو الكويت جحيماً عشناه مسحوقين مداسين محاصرين يوأد الأطفال والنخيل ، وأعمارنا أزهارنا تداس بالأحذية العسكرية الثقيلة ، يوم كنا فيه أذلة ، خجلت . نعم . خجلت من نفسي ورحت أنظر كالمشدود في خريطة أبناء وطني ، أنظر في كل شبر ، في كل فعل ، وأكتب ، كتبت القصة لأنها لا تدير ظهرها للناس ، للحياة ، كتبتها يوم كانت الكلاشنكوفات مصوبة فوهاتها نحونا ، نحو صدورنا ، كان قدر الإنسان العراقي ، وما زال محكوماً عليه بالعيش في وطن ورث أبشع مظاهر التخلف الحضاري ، جاء الاحتلال الأمريكي للعراق ، ولم نتغير ونحن مزدوجون إحساساً وتفكيراً ، قل بربك كيف لا أتمرد ؟ تقول سيمون دي بوفوار : ( إننا لا نستطيع أن نستخرج من خط منحن خطاً مستقيماً ، ونحن لا نستطيع أن نعيش حياة صحيحة في مجتمع ليس صحيحاً ، إننا نلدغ ، دوماً ! من جديد . . . من هذا الجانب . . . أو ذاك )
في قصتك زليخات يوسف كانت القصة أنثى والصوت أنثى وكأنك تنتوي قول شيء عن الأنثى ، ماذا تشكل الأنثى بالنسبة لك ؟
ج 10 / علي السباعي سليل من قال : ( عيناك غابتا نخيل ساعة السحر / أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر / عيناك حين تبسمان تورق كالأقمار في نهر / وترقص الأضواء وهنا ساعة السحر / كأنما تنبض في غوريهما النجوم . . ) . قصتي التي أكتبها هي قصة الإنسان بالدرجة الأولى ، والقصة هي لون من ألوان التعبير عن الواقع الاجتماعي بكل تغيراته التي بدأت تظهر في واقع حياتنا الفائر بالدم والأحداث ، شعرت أن الفاسد يكون قامعاً للمرأة في مجتمعنا المحروم ، وأن القمع لا ينجب إلا قامعين ، ومحاولة مني لردم مفازات شاسعة بيني وبين زليخة التي حفرها الأجداد القامعين ، جعلت المرأة العراقية الأكثر تأثراً وتعرضاً بالخراب العراقي حتى حولت زليخة الضحية إلى حلم من خلال أسطرتها في كتاباتي القصصية كونها جزءاً من مجتمع عراقي شرقي بائس ، حاولت تجسيد المرأة العراقية ، زليخة الإنسانة ، والكتابة عنها بعمق ، هنا ، تصبح قصتي قصة الإنسانة بالدرجة الأولى ، الإنسانة التي حضرت وتجسدت بعمق وحزن في قصصي ، كتبت القصص عن الأنثى لأنني أحلم بعالم يشعر فيه الإنسان بالحرية والكرامة ، كتبتها لأنصفها ، لأنني مؤمن بالمرأة ككائن واقعي مكافئ لي ، ولها الحق المماثل في الحياة والتعبير عن كوامنه وروحه وطاقاته ، أحاول جاهداً التأسيس لعلاقة متكافئة بيني وبينها ، وبين الرجل والمرأة ، وما تشكله المرأة من رموز غنية في التعبير عن : الوطن والحب والتحرر والتفاوت الطبقي ، وغيرها من مواضيع تستحق الكتابة عنها .
فزت بجوائز كثيرة لا تحصى هل تشعر بالتخمة والامتلاء أم انك تواق للمزيد مما يقودنا إلى مفهوم الجائزة الأدبية نفسها؟
لنتفق من البداية إن للجوائز الأدبية فوائد كثر ، فهي : تشجع على الكتابة ، وتعطيها زخماً ، وتدعمها ، وتروج لها ، وتزيد من تداولها ، وتحفز على قراءتها ، وتخدم القارئ كونها تنبهه إلى كتابات جديرة بالقراءة فلولا الجائزة ما كان لينتبه إليها القارئ ، وتخدم الجوائز الأدب واللغة والإنسانية في آن واحد ، والأدب أفكار ومواقف ، وليس مجرد حبر على ورق . بالنسبة لكاتب القصة ( علي السباعي ) :- لعبت وتلعب الجوائز الأدبية دور المحفز الذي يدفعني – دفعني – قدماً ، وأسهمت في إنعاش كتابة القصة عندي . لذا أشترك فيها للفت الأنظار لقصص المنسيين الذين كتبت عنهم ومنهم واليهم ، ولأن الجوائز المكان الملائم لنمو قصصي وازدهارها حين تمسك بها أنامل القراء ليطلعوا على ما عانيناه من أنقراضات ، وليتزودوا بالتجربة الحياتية التي وردت بين سطورها ، أفضل من بقائها في ظلمات مكتبتي المثقلة بقصص الناس وهمومهم لولا الجوائز ما مستها عيون القراء النهمة للمعرفة . وكوننا عرب نبحث عن المائز لنفتخر به ، برغم ذلك ستكون هنالك ملاحظات ، ملاحظات تظل مهمة ومحفزة بالنسبة لكاتب القصة علي السباعي في كتابة قصة جديدة ناجعة . الجوائز التي حصدتها أنعشتني ، وزادت من رونقي وسطوعي الإبداعي ، وثبتت أركاني ، وأعلت بنياني القصصي ، وأن القصة مثلها مثل الشعر فن الأقلية ، والجوائز تجعل أدب الأقلية مقروءاً ، وبهذا يكون مفتاحاً أو بوابةً لفهم ثقافتنا من قبل الآخر ، ويوم ذاك سيكون أدب الأقلية رائجاً وكاسحاً مقارنة بالمجتمع البريطاني المتطور حيث بلغ عدد ما بيع من نسخ أحدى الروايات الفائزة في جائزة البوكر البريطانية نحو مليوني نسخة ، ستجد الفرق واضحاً بين مجتمعات متصالحة مع ذواتها وتملك ثقافة القراءة وتقدس الكتاب والكاتب ، وبين مجتمعاتنا النائمة المقلدة المتفاخرة العازفة عن القراءة منذ أجيال ، مجتمعاتنا التي تتهافت على كتب الأبراج والطبخ والغيبيات مقارنة بمجتمعات غربية ما برحت تشجع أطفالها على قراءة نحو ثلاثين كتاباً في السنة . مثلما يقول الشاعر الكبير نزار قباني : ( أكثر الكتب مبيعاً في الدول العربية هي كتب الطبخ وتفسير الأحلام ، وهذا دليل أننا امة تأكل وتنام . . . ) ، ثم ما يجعل للجوائز الأدبية معنى في حياتي الأدبية هو : أنني مؤمن بالقصة ودورها الفاعل في بناء عقل الإنسان ، وحبي للقصة يجعلني أراهن على أنها من سيرمم الذاكرة الجمالية للإنسان المغيب قسراً .
كيف تتعامل مع التاريخ كقاص ؟
أفضل تعريفات التاريخ ما وضعه أبن خلدون الذي يعتبر أحد المؤسسين لهذا العلم في صورته الحديثة ، حيث قال : ( إن التاريخ في باطنه هو النظر والتحقيق وتعليل الكائنات ومبادئها ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها ) ، ولأن الأمم والشعوب حسب إدوارد سعيد هم : ( حكايات ، ومرويات ، وسرديات رسمية ، وسرديات هامشية ، ويظل يتصارع الهامش حتى يصبح هو نفسه في لحظة ما في المتن حتى تتمكن سردية أخرى من إزاحته ) . نحن نعرف التاريخ على أنه تسجيل محايد للأحداث التي حدثت في الماضي ، ووصفها ، وتفكيكها ، وربطها ببعضها البعض ، ودراستها ، وتحليلها ؛ بغية التعرف على سنن الحياة ، وحقائق التاريخ ، مما يساعد على فهم الحاضر ، والتخطيط للمستقبل ؛ بتلافي الأخطاء التي وقع فيها أسلافنا على هذه الأرض . التاريخ بالنسبة لكاتب القصة القصيرة ( علي السباعي ) ، بعد أن قضى اثنان وثلاثون عاماً في كتابة القصة ، التاريخ : كنز حقيقي ؛ يحتوي على خبرات إنسانية متراكمة . أوظف التاريخ في قصصي لأهميته التي يجنيها الإنسان عندما يقرأه ؛ أخذ الدروس والعبر من الماضي ، أن التاريخ يساعد إنسان اليوم على معرفة جذر المشاكل التي وقع فيها ، والتحولات التاريخية الكبيرة ، والواضحة ، والخفية ، ووقف نزيف الدماء حول العالم . كتب عميد الأدب العربي ( طه حسين ) مقدمة لكتاب " فصول مختارة من كتب التاريخ " التاريخ حسب رأي عميد الأدب العربي : ( يوشك أن يكون لوناً من ألوان الأدب ، لأنه يعطيك حقائق الواقع كما هي ... ) . نصيحة عميد الأدب العربي ( طه حسين ) لطلابه بكلمة واحدة : " شغل عقلك " . لذا أستلهم التاريخ في قصصي لأقترب من الحقيقة ، ولأخبر من كتبت القصص عنهم ومنهم وإليهم بنصيحة عميد الأدب العربي : " شغل عقلك " . تكمن المشكلة الكبرى في التعامل النظري مع التاريخ ، على غرار ( حدث في مثل هذا اليوم ) ؛ وكأن التاريخ سجل كبير يحتوي على الأعوام والأحداث فقط ، وقد سببت هذه النظرة السطحية للتاريخ الشلل لأمتنا ، وحرمتها من الاعتبار من أحوال من سبقونا ، ومعرفة كيفية النهوض من جديد ، وإتاحة الفرصة لمن أكتب لأجلهم ، ليستخلصوا الخبرات التاريخية من دراسة الأحداث التي وقعت في الماضي والسياقات التي ارتبطت بكل حدث منها .
إحدى حواراتك قلت أن :- (التفاصيل اليومية لما خلفته الحروب على أناس الهامش في بلادي هي التربة الخصبة التي نشأت فيها ومنها تغذت قصصي، إذ تقع أغلب أعمالي القصصية في قعر حياتنا الساخن، قعر عشت نهاراته ولياليه بكل تفاصيلها علني أجد تفصيلاً كئيباً، تفصيلاً مثيراً، تفصيلاً مطمئناً، تفصيلاً مغرياً، ) يا حبذا لو سلطت الضوء قليلا على هذه التجربة ؟
مرَّ اثنان وثلاثون خريفاً على كتابتي للقصة القصيرة ، كنت شاهداً حياً أدون المقصي والمهشم والمنسي والموءود في دروب حياتنا بكل وباءاتها الماحقة لإنسانيتنا ، وأخذت عهداً على نفسي بأنني يجب أن أكتب الحياة العراقية بمشاكلها وسعاداتها ، دون تزويق أكتب القصة ، وكما يقول عبقري القصة أنطوان تشيخوف بأنها : ( القطفة من الحياة ) ، كون هذه القطفة القصة من الحياة فتحت عيني على سعتهما وجعلتني أرى العالم من حولي ، عالم الأوهام والأكاذيب التي تسير الكثيرين من الناس الذين عرفتهم ، القصة جعلتني أضيء ما تبقى من حياتي من أجل أن أكتب قصصاً أجنب فيها الناس الأوهام والأكاذيب ليعيشوا بتفاؤل .
كيف تتعامل مع الزمكان في القصة وفي الآن نفسه تستدعي المخيلة التاريخية بأريحية وتوظفها في أعمالك القصصية ؟
كل ما سأذكره يتيح لي توظيف التاريخ وبأريحية في قصصي ، كون الفكرة عن الزمن مندمجة دائماً بفكرة المكان فيما يسمى ب: ( الزمكانية ) كصورتين متداخلة إحداهما بالأخرى بعلاقة تحايثية ومن ثم بوجودهما المتصل أصلاً بوجود الكون والأشياء كإحدى ركائزه الأساسية . بيد إن الزمن والمكان يعملان معاً ويؤديان وظيفة ديناميكية كوحدة متصلة في القصة ، إذ لا يمكن تصور حدث ما ، دون التخيل لمكان حدوثه المحتمل أو الفعلي أو استيعاب زمن منفلت عن أطره المكانية . إن المكان ينقسم فنياً على بعدين : واقعي وسردي ، إي المكان الفعلي للحدث ومكان تصويره وصفياً ، وهما بالطبع صورتان لواقع واحد ، الأولى جامدة " فوتوغرافية " ، والأخرى جمالية " حسية " ، وبالنسبة للزمان إذ إن تقنية النظام ألزماني تخضع عادة لمهارة القاص وقدرة الإدارة والتلاعب فنياً بمفرداته عبر تقنيات السرد الحديث كالقطع ، وهو عملية اختزال الزمان ومن ثم القفز والتداعي أو الإنثيال الحر ، والرجوع فيما يسمى (( الفلاش باك )) أو الاستباق وغيرها من التقنيات الأخرى . وتقنيات القص الحديث وإمكانياته الهائلة كفن قائم بذاته ، وثمة في الواقع زمنان ، زمن الحكاية وزمن السرد ، فزمن الحكاية منطقي يسير وفق تسلسله الطبيعي من الماضي نحو الحاضر إلى المستقبل ، أما زمن السرد فهو مختلف تماماً وحيوي ومدهش ومفاجئ لأنه متحرر من جهود تلك القيم الواقعية بل يطفو فوقها ، وفي ذلك تكمن إحدى أهم الأسرار في جماليات القص وسحره وذاك بالحقيقة ما يميز قصة عن أخرى وقاصاً عن آخر عبر المقدرة في محاولة التحكم ومدى التوفيق بقيادة الخيط الزمني الدقيق وربطه بخيط المكان في النسيج الداخلي ( البناء ) وشد جميع الخيوط الزمكانية المتلونة بشعور القاص نحو الخاتمة بالتخليق لأشخاص وأحداث تنبض بالحياة لتتشكل في النهاية من خلال القصة لوحة ذهنية رائعة .
رغم وجودك في الناصرية فأنت تتحدث عن اغتراب دائم حدثنا قليلا عن هذا الاغتراب ؟
أن تكتب : أن تكون وحيداً . ولدت أغلب كتاباتي تعبيراً عن العزلة التي عشتها ولازلت أعيشها . إذ تجدني أعيش الناس في الشوارع الخلفية لمدينة الناصرية لأكتبهم ولأحكي عنهم القصص ، أعيش غربتهم وغربتي وسط هذا البؤس الذي يحاصرنا ، وأحقق توازني الذاتي بما أكتبه من قصص بصوت عال صادح غريد خارج جوقة المطبلين للقبح والخراب والظلم ، ومن يكتب بصوت عال يبقى وحيداً ، والسعي إلى الكتابة ، كتابة القصة غربة ما بعدها غربة في مجتمع يؤمن بالخرافات ، هو تحدي العزلة ، تحدي قلق العزلة في مدها وجزرها ، والكتابة الإبداعية إنعاش لواقعنا المزري . وككاتب قصة أعيش بين مد الألم الذي يعصف بنا وجزر العزلة التي تحيط بي محاولة مني لاستثمارها إبداعياً ليخضوضر نخيلنا ثانية بعد يباس وبجمال أخاذ .