ليالى الحسين
القصة الفائزة بمسابقة قصص على الهواء بمجلة العربي
ابراهيم محمد حمزة
(1) فجر
على مقعد حجرى مجاور لحديقة الحسين ، وفى حماية أشجار كثيفة ، جلست المرأة ذات الرداء الأسود الفقير ، على طرف الطاولة الحجرية ، مفسحة مكانا لينام رجل فى بقية الطاولة ، الرجل – أظنه زوجها ، نام واضعا رأسه على فخذها ، لم يلفت المشهد نظر أحد سواى ، كانت أصابع المرأة تعبث بشعره ، يدها الأخرى تتحرك على صدره مهدهدة انفاسه فى حنو بالغ ، كانت كأنها غائبة عن المشهد ، كأنها تداعب طلفها لينام ، الرجل رفع يده يتحسس يدها ويفركها ، ثم لف ذراعه على رأسه سامحا لكوعه أن يلامس صدرها ، لم أتيقن هل يتحدث إليها همسا أم لا أنا أرى غبشا ، فالفجر يستعد للمجىء ، والنيون يجاهد ليصل تحت الشجيرات ، ميكروفونات الحسين تبدأ فى اليقظة ، لماذا ترك الرجل وزوجته بيتهما ليناما فى الشارع هكذا ؟ أفزعتهما صرخة أمين شرطة السياحة يطلب منها كوبا من الشاى ، قامت بصعوبة لإعداده ، كانت تتعثر والرجل – زوجها – قام مفزوعا متشنجا مكتوم الغضب ، الفجر هذ ا ألن يؤذن ؟
(2) أرغفة
انطلق الولد – المُدَرَّب - يعدو تجاهها ، حتى صار قربها ، فلوى لسانه ليشبه لهجتها ، عرض عليها أن تشترى طاولة الخبز ، تدفع ثمنها ويوزعها على فقراء الحسين ، سألته : وينهم ؟ أشار : جنب الجامع
من خلف نظارتها ونقابها تأملته ، لم يتعد سبع سنوات ، أطاعته ، وسارت معه ، لسانه لم يسكت لحظة يحكى لها عن كرم السيدات الأخريات اللواتى يعطونه كذا وكذا ويشترين كذا وكذا ، أمسك بعدة أرغفة وزعها على الجالسين ، تناولوها باعتياد صامت ، ألقوها بجوارهم وأكملوا النوم ، أعطته خمسة جنيهات ، غضب طالبا عشرة كاملة ، مقسما أنه لا يكسب فيها سوى نصف جنيه ، ظلت المفاوضات قائمة ، أصرت المرأة ، وتقاطر الدمع سريعا ، لكن شرطة السياحة كانت أسرع .
(3) غناء
امتصت بعنف خرطوم الشيشة ، ضيقت عينيها ، فتحت شفتيها كحمار بعد علفه ، دفعت بالدخان كخرطوم عصبى ، مالت برأسها قليلا للأمام ، فتقارب النهدان ، والتصق اللحم طالا من بلوزتها السوداء ، اقترب ماسكا عوده ، جرى على أوتاره بسرعة ، ضبطها للمرة الألف ربما ، ثم انهمرت الموسيقا ، انصتت لدفء الصوت
( لكنه راغب فيمن يعذبه ، وليس يرضى به لوما ولا عذلا )
أخذت نفسا عميقا من الشيشة ، أخرجته وعادت برأسها للوراء ، وضعت ساقا على ساق ، بنطال الجينز الأزرق يضم – بصعوبة – فخذيها ، قامت ، ارتدت العباءة ، طرحت النقاب من خلفها إلى الأمام ، ترك زوجها الحساب ، وغادرا المقهى .. راغب فيمن يعذبه ..
(4) شغل
"قحبة بنت ..... لماذا ذهبت معه ؟ ألم أقل لك ، هؤلاء لا ؟
بثبات ردت عليها أنها لا تختار الزبون ، هو شغلنا ونحن لن نصنع زبونا على المقاس ، كلهم – حين يخلعون الجلباب ، شقوق أرجلهم كأنها كهوف ، كلهم طلباتهم لا تنتهى ، يلقى لى بالعشرين دولارا وكأنها ثروة أنزلها علىّ ، الرحمة ضاعت ، والله أبيع بخور أحسن .
جلست بجوار أمها – ربما أختها الكبرى لا أدرى – كانت قد سلمتها طفلها ، ووضعت المرأة الكبيرة أمام ابنتها طبقين فى أحدهما أرز عليه خضار قليل وقطعة لحم واحدة ، وطبق صغير به شوربة ومعهما ملعقة بلاستيكية ، كانت تمسك الولد بيد ، وتأكل باليد الأخرى ، أهو طفلها ؟ هى لم تتعد الرابعة عشرة ، كانت تطعمه بالملعقة
فيستجيب ، أيتفهم الطفل الظروف ؟ ، لا يبكى ، رائحة البخور تهجم على المكان ، حى .. مدااااد ، الله أكبر ، الله أكبر ، الصلاة خير من الـــ ................
__________________
إبراهيم محمد حمزة
مصر