2012/09/29

مسابقة فنية للتعبير عن بسالة محاربي أكتوبر في مركز بهاء الدين بأسيوط

مسابقة فنية للتعبير عن بسالة محاربي أكتوبر في مركز بهاء الدين بأسيوط

 أعلن قسم الفنون التشكيلية بمركز أحمد بهاء الدين الثقافي بأسيوط تدشين مسابقة فنية للتعبير عن مشاهد وصور بطولات جنود مصر في تحقيق نصر أكتوبر المجيد صرحت بذلك الفنانة التشكيلية الدكتور صفاء كامل استشاري الفن التشكيلي بمركز أحمد بهاء الدين الثقافي بأسيوط وقالت أن المسابقة تستهدف حث الشباب والطلائع على التعبير عن الشجاعة والفداء والقيم النبيلة التي عكسها إخلاص المحاربين الأبطال.
وأشار الفنان التشكيلي محمد عبد الفتاح مسئول التدريب بمركز أحمد بهاء الدين الثقافي  أنه تم فتح باب التقدم بالأعمال حتي 9 أكتوبر المقبل وذلك لمساحات محددة من الأوراق ذات 20× 30 سم بما يسمح بتحديد عناصر المنافسة بين المتقدمين بينما تركت حرية أختيار أي نوع من الألوان حسب التذوق الفني للقائم بالعمل، منوهاً عن منح جوائز لأفضل 10 أعمال متقدمة في المسابقة وتكريم أصحابها وعرضها للزائرين تعميماً لفائدة التذوق الجمالي وتحقيق الرسالة الفنية للأعمال لدي أكبر شرائح من الجمهور المتلقي.

د . أحمد الخميسي - جمال عبد الناصر في أوراق المخابرات الروسية

جمال عبد الناصر رحل المغني وبقيت الأغنية 
ترجمة وعرض/ د . أحمد الخميسي 

رحل عبد الناصر منذ اثنتي وأربعين سنة عن عالمنا ، لكن ذكراه لا تفارق قلب مصر ، ولا يني صوته القوي الشجاع يتردد في أجوائها . في ذكرى رحيله أريد أن أقدم للقراء جانبا لا يعرفه إلا القليلون ، أعني كيف كان الروس ينظرون إلي عبد الناصر وذلك من واقع كتاب أصدرته المخابرات الروسية . ولكن للبداية دعوني أقول إن ثمة شارعا جانبيا هادئا يمتد من وسط العاصمة الروسية كأنما بلا نهاية ، تغرقه أشجار البتولا بظلالها في الصيف ، وتغدو أرضه من الثلج في الشتاء بيضاء باهرة . شارع يغمغم في السكينة باسمه : جمال عبد الناصر. ومع أن تحولات الأعوام العشرين الأخيرة في روسيا قد غيرت حتى أسماء الشوارع التي أطلق عليها فيما مضى أسماء قادة الثورة ، إلا أن اليد التي عصفت لم تقترب – لسبب أو لآخر – من الشارع المصري الذي يفوح في كل الفصول بذلك الاسم العزيز . وقد عشق الروس جمال عبد الناصر عشقا خاصا ، كزعيم ، وكحدث تاريخي ، وقدموا لمصر خلال عشرة أعوام من علاقتهم بها أكثر مما أعطوه للصين على مدى ربع القرن ، وكان ذلك شعورا بقدر مصر وحجم الزعيم . وكانت المرة الوحيدة في تاريخ الاتحاد السوفيتي التي اجتمع فيها المكتب السياسي خلال أربع وعشرين ساعة عندما قام عبد الناصر بزيارته السرية إلي موسكو في 22 يناير 1970 ، وكان حينذاك مريضا ومنهكا ومعذبا بالرغبة في تحرير بلاده ، وطلب نقل صواريخ سام – 3 مع خبراء لتدريب المصريين عليها ، وكان معنى ذلك الوحيد أن السوفيت يتدخلون بأنفسهم وشكل مباشر وعسكري في الصراع في الشرق الأوسط ، فنشب نقاش حاد بين وزير الدفاع جريتشكو ورئيس الوزراء الكسي كوسوجين بصدد مطلبه ، وتدخل بريجنيف محتدا بقوله : " كفى نقاشا . إن علينا أن نتخذ قرار حاسما " ! وكان القرار لصالح مصر وعبد الناصر . كانت لشخصية جمال عبد الناصر أثرها في تلك القرارات الاستثنائية ، والطارئة ، وكان ثمة شعور قوي بأنه زعيم ذو شعبية جارفة ، وبأن الثورة على حد قول المؤرخ الروسي كوفتونوفيتش : " ليست إحدى الهزات الاجتماعية الضخمة ، بل إحدى أهم أحداث القرن العشرين ، وإحدى أهم حلقات الثورة الوطنية المصرية " . وقد انتزع عبد الناصر من الروس هذا الإعجاب الغامر بالرغم من الخلافات الواضحة ، وهو إعجاب مازال قائما في نفوس الكثيرين ، يدفع البعض منهم من وقت لآخر للحديث عن هذا الزعيم . وفي حينه – عندما أثار السادات الأتربة لتلطيخ سمعة عبد الناصر - أدلي رجال المخابرات السوفيتية بتصريح واضح أكدوا فيه أن عبد الناصر لم يكن له أي حساب سري في أي من بنوك العالم وأن نزاهته فوق الشبهات . ومؤخرا سجل رجل المخابرات المعروف فاديم كيربتشنكو ذكرياته عن مصر وعن عبد الناصر والسادات في كتابه " المخابرات. وجوه وشخصيات" وفيه يقول الكاتب – وأنا أنقل بنص كلماته - : " لقد كتبوا الكثير عن عبد الناصر ، وسوف يكتبون الكثير عنه . وقد برز عبد الناصر كزعيم سياسي وثوري بالضبط في الوقت الذي كانت فيه مصر والعالم العربي وأفريقيا بحاجة إلي مثل هذه الشخصية القادرة على قيادة النضال ضد الاستعمار والإقطاع والنظم الملكية المتعفنة . عبد الناصر كان الرجل المنشود في اللحظة المناسبة . بفضله تطورت العلاقات المصرية السوفيتية على صعيدي الصداقة والمنفعة المتبادلة ، ثم تطورت بعد ذلك علاقات الاتحاد السوفيتي بالعالم العربي كله . وهنا لابد من الإشارة إلي أن العلاقات السوفيتية – العربية كانت لسنوات طويلة عنصرا هاما في مجمل السياسة الدولية . والحق أن شخصية عبد الناصر بحد ذاتها كانت تثير اهتمامي الكبير : وحاولت دائما أن أعرف عنه أقصى ما أستطيع . وربما أن عبد الناصر كان أحد آخر الثوار الرومانسيين في السياسة ، فقد كان يقدر دائما محدثيه الجديرين بالاحترام ، ويلتزم بكلمته ، ويؤمن بمستقبل شعبه السعيد . وخلال سنوات عملي الطويلة في مصر – عشرة أعوام على فترتين – كان على أن أوقع الكثير من البرقيات والتقارير المرسلة إلي موسكو ، وكان جمال عبد الناصر موضوعها الرئيسي ، وحتى عندما غادر عبد الناصر عالمنا وأصبح السادات رئيسا لمصر كنت وأنا أقيم سياسة السادات أعود إلي شخصية عبد الناصر وأقارن بشكل دائم بين هاتين الشخصيتين . وقد لا يكون من المفيد هنا في مجال ذكرياتي الشخصية أن أتعمق في مسألة من نوع الأهمية السياسية لعبد الناصر ، خاصة أنني على صعيد السياسة لن أقدم أية مفاجأة جديدة . وكل ما في الأمر أنني أريد أن أكرس عدة صفحات لملاحظاتي الخاصة التي ظلت عالقة في ذاكرتي ، لكي يستطيع القارئ أن يتخيل عبد الناصر ليس فقط كقائد وزعيم ، ولكن كشخص من لحم ودم . وكنا – لسنوات طويلة خلال عملنا الحزبي والرسمي – حين نريد التأكيد على أهمية الشخص الاجتماعية نكتب : " المصالح الاجتماعية تعلو لديه على المصالح الذاتية " . ولعل هذه العبارة البيروقراطية التي تشبه الكليشيه هي أكثر العبارات التي تنطبق على عبد الناصر . فقد وعى مبكرا أهميته كقائد سياسي ، وأخضع نفسه بالكامل لخدمة مصر وحركة التحرر الوطني . وقد تمتع ناصر باحترام هائل في العالم العربي بأكمله ، وقد أحبه العرب من صميم قلوبهم وافتخروا به ، لأنه كان يجسد بالنسبة لهم في كل رقعة الأمل في مستقبل أفضل . وكانت صورة ناصر معلقة في كل أقطار العالم العربي داخل البيوت وعلى جدران المقاهي والأكشاك في الشوارع ، اللهم إلا إذا كانت صورة ناصر تهدد من يعلقها بالملاحقة والاعتقال . وقد أدهشني شخصيا ذلك الكم الهائل من صورة عبد الناصر في المملكة الليبية حينذاك ، وأيضا مشاعر التقدير والإعجاب به التي كان أصحابها يعربون عنها بقوة . وكنت قد قضيت عدة أيام في ليبيا في نوفمبر عام 1963 ، ووجدت أن كل كشك في سوق طرابلس يضع صورة كبيرة ملونة لعبد الناصر ، وعلى مقربة من صورة ناصر صورة صغيرة غير ملونة للملك إدريس السنوسي وهو أمر لابد أن الملك كان على علم به بطبيعة الحال . لم يكن عبد الناصر يعبأ على الإطلاق براحته الشخصية ، أو باقتناء الأشياء ، وعلى وجه الخصوص لم يكن يهتم باكتناز المدخرات ، وعاش فقط على اهتمامه الوحيد بالقضايا الفكرية والسياسية . وكانت هذه الصفات تتضح في بيت عبد الناصر على نحو بين . فقد قضى حياته بالمنطقة العسكرية في العباسية في نفس المنزل الذي عاش فيه حين كان مجرد بكباشي . وفيما بعد لم يدخل سوى بعض الإصلاحات البسيطة على نفس البيت . ولم ينساق عبد الناصر لإغراء ترقية نفسه كرجل عسكري وهو الأمر الذي فعله تقريبا كافة الحكام من القادة العسكريين . ولنأخذ على سبيل المثال الرئيس أنور السادات – فقد اخترع لنفسه مختلف الشرائط التي تميزه عن العسكريين ، واخترع لنفسه زيا خاصا به كقائد عام أعلى ، بل ومنح نفسه لقب " الحاكم العسكري الأعلى ". وكان السادات يغطى - بمختلف الشارات الملونة -قبعته وكتفيه وصدره وعروات أزرار الجاكتات والأوشحة الممتدة من كتفيه حتى أن عيون الناظرين إليه كانت تتموج من الوميض الذي ترسله كل تلك الزينة . وبالمناسبة ، فإن هذا الزي الرسمي للسادات هو الذي أصبح فيما بعد هدفا مناسبا جدا للرصاص الذي انطلق وصرعه في 6 أكتوبر 1981 أثناء الاستعراض العسكري بمناسبة الذكرى الثامنة لحرب أكتوبر . وقد شاعت في وسائل الإعلام الغربية قصص لم تحدث أبدا عن حياة عبد الناصر الشخصية ، وظهرت خاصة مقالات دورية عن تحويل عبد الناصر أموالا ( مفهوم أن ذلك تم بطرق غير شرعية ) إلي حسابات سرية في البنوك السويسرية . وفي الواقع ، فإن طريقة حياة عبد الناصر المتواضعة كانت تنفي تلك الإدعاءات حتى أن مثل تلك الأنباء والإشاعات كانت تتبخر واحدة بعد الأخرى من تلقاء نفسها بحيث لم يبق منها شئ في نهاية المطاف . وبعد وفاة عبد الناصر اتضح أن حسابه الشخصي لم يكن يحتوى إلا على ستمائة جنيه مصري فقط لا غير . خلال زيارة عبد الناصر الأولى للاتحاد السوفيتي في أبريل – مايو عام 1958 وجه نيكيتا خروتشوف قائد الاتحاد السوفيتي حينذاك سؤالا إلي عبد الناصر : كيف تقضي أوقات فراغك ؟ وأجابه عبد الناصر بقوله : في ساعات الفراغ القليلة أمارس التصوير السينمائي . ثم دار نقاش حول هذا الموضوع ، وقال خروتشوف خلال ذلك إن أفلام التصوير السينمائية الملونة تبدو أجمل بكثير من أفلام " الأبيض والأسود " ، وحينئذ قال عبد الناصر : " إن أفلام التصوير الملونة غالية علي " . المهم أن عبد الناصر نطق بتلك العبارة بشكل طبيعي تماما ودون أي افتعال أو تصنع ، قالها ببساطة كمجرد تقرير بواقع نظام حياته اليومي . وجدير بالذكر - عند الحديث عن تواضع عبد الناصر الأصيل – ذلك الجانب الذي يخص علاقته بأمنه الشخصي . وعلى سبيل المثال فقد كانت تحيط به حلقة كبيرة من الحراس عندما كان يقطع شوارع القاهرة بسيارته ، ولم يكن الأمر يتجاوز تلك الحراسة البسيطة . فلم تكن هناك أية اجراءات أخرى لحماية عبد الناصر . والغريب في الأمر أن عبد الناصر نفسه لم يكن من النوع الذي يستشعر المخاوف والشكوك المبالغ فيها . ويمكنني شخصيا أن أشهد بذلك على أساس حقائق محددة . وعلى سبيل المثال فقد طلب مني عام 1956 أحد المحيطين بعبد الناصر إرسال اخصائيين إلي القاهرة للتشاور معهم بشأن تنظيم حماية أكثر أمنا للزعيم المصري. ووافقنا على ذلك الطلب على الفور . وسرعان ما وصل إلي القاهرة مسئولان كبيران من المخابرات السوفيتية " ك . جي . بي " . ودعانا عبد الناصر في بيته على الغداء . وفي جو منزلي دافئ للغاية أعرب عبد الناصر عن بعض أمنياته ، منها أن تستفيد الأجهزة المصرية من خبرتنا لتنظيم حراسة الرئيس . وكانت دعوة المسئولين الكبيرين من المخابرات السوفيتية إلي القاهرة مرتبطة بالمعلومات التي جمعتها الأجهزة المصرية – عشية العدوان الثلاثي - عن خطط المتآمرين من الداخل والخارج لاغتيال عبد الناصر . وأجرينا مناقشات عديدة مع المختصين بحماية عبد الناصر خلال وجوده في المظاهرات والاجتماعات وخلال حركة سيارته في الشوارع ، وخلال قيامه برحلات إلي خارج مصر ، وأثناء تواجده في بيته ، وتأكدنا بعد ذلك من أنه – خلافا لحلقة الحراس- لا تتخذ أية اجراءات أمنية من أي نوع لحماية الرئيس . واتضح أن الطاهي الذي يعد الطعام لعبد الناصر كان يشترى له الخبز من محل مواجه لبيت الرئيس ! أما اللحوم والخضروات فكان يتجه لشرائها من أقرب سوق ! ولم تكن هناك أيضا أية رقابة طبية على مواد الطعام التي تدخل بيت عبد الناصر ، كما أن ذلك الموضوع لم يثر أصلا قلق أو اهتمام أحد ! ولم يكن هناك أي نظام إنذار خاص بمقر الزعيم ، أو خاص ببيته . وناقشنا أيضا إمكانية أن ينقل البعض إلي مقر أو بيت الرئيس أو قاعة الاجتماعات مواد مشعة أو سامة . وأراد المسئولون المصريون أن نمدهم بأجهزة خاصة لاكتشاف المواد المشعة أو السامة ، ولكن الدهشة حطت عليهم حين نصحهم الجنرال الروسي بأن يضعوا عصفورا في قفص داخل الغرف والقاعات ! وقال لهم : إذا مات العصفور – فإن ذلك يعني أن بقاء الإنسان داخل هذا المكان خطر . ولم يستطع المصريون أن يثقوا في فاعلية هذه الوسيلة ، ومن ثم ظلوا يلحون علينا : أليس ثمة وسائل أكثر عصرية من العصفور ؟ وظل خبراؤنا يكررون لهم أن هناك أبحاثا تجري في ذلك المجال ولكن ليس هناك ما هو أكثر فاعلية من عصفور في قفص ! وفيما بعد ظلت حكاية العصفور تتردد طويلا في مناقشاتنا مع زملائنا المصريين .. فنقول لهم هذا جيد ، وهذا أيضا حسن ، لكن العصفور أفضل وسيلة حتى الآن ! كان عبد الناصر أيضا خطيبا مفوها لا يشق له غبار ، وقد ألقى خطابات كثيرة في قاعات وأماكن ممتلئة بالجماهير ، فكان الناس ينصتون إليه باهتمام غير طبيعي مسحورين به .. ولابد من ملاحظة أن عبد الناصر كان يتوجه بخطبه إلي الفئات المتعلمة والفئات غير المتعلمة ، وكان يأخذ تلك الحقيقة بعين الاعتبار . وكان يكرر خلال خطابه عدة مرات نفس الفكرة ، أو حتى نفس العبارة ، ولكن بأشكال مختلفة. وبهذه الطريقة تمكن من غرس أفكاره في وعي من يستمعون إليه من مختلف الفئات. وكانت ملابس عبد الناصر بسيطة دائما ، ولم يكن من هواة الأشياء التي تستخدم كزينة أساسا مثل محابس أكمام القمصان ، أو دبوس رباط العنق ، ولكن البدل البسيطة التي كان يرتديها كانت تبدو رائعة على قامته المهيبة . وكان يحلق شعر رأسه قصيرا ، وكان كل شئ فيه يشي بأنه رجل عسكري اعتاد إلي الأبد على عادات الجيش : الملابس المستقيمة ، والجسم المفرود . وكان بوسع عبد الناصر نفسه أن يحدد بنظرة واحدة منه إلي الشخص ما إذا كان ذلك الشخص قد خدم في الجيش أم لا . وكان ذلك بالنسبة لعبد الناصر أمرا هاما . وفي خلال زيارة ناصر الأولى لموسكو اقتربت منه مع أحد المسئولين من المخابرات السوفيتية لنأخذ موافقته على موضوع ما ، ولكنه بدلا من الترحيب بنا صاح فينا ضاحكا : يا جماعة .. خطوتكم واستقامة أجسامكم عسكرية مائة بالمائة! كان ناصر يمزح معنا بالطبع ، فقد كان يعلم تمام العلم طبيعة عملنا . من ملامح عبد الناصر الهامة أيضا أنه لم يقلد ولم يكن ليقلد أحدا أبدا . بالنسبة له لم تكن هناك ضرورة لتقليد الآخرين . فقد كان شخصا متحدا مع نفسه بالكامل ، جديرا بأن يقلده الآخرون ويحتذون حذوه . وهنا مرة أخرى تقفز إلي الذهن مقارنة هذا الزعيم مع أنور السادات . كان الأخير يؤدى طيلة الوقت دورا ما ، وعاش دائما في شخصيات أخرى ، وصور نفسه إما فيلسوفا ، وإما " أبو العائلة " ، وإما سياسيا داهية، وإما عسكريا استراتيجيا لا يبارى . ويعرف الكثيرون في مصر أن السادات كان في شبابه يجد نفسه في تقليد هتلر ! والسبب في ذلك أن الألمان حينذاك – سنوات الحرب العالمية الثانية – أحرزوا في البداية عدة انتصارات على الانجليز في أفريقيا ، ولهذا انتظر عدد من السياسيين والعسكريين المصريين دخول رومل إلي مصر ليحررها من الاحتلال الانجليزي . وظل اهتمام السادات لسنوات طويلة مركزا على شخصيات مثل تشرشل وستالين ، وحاول السادات أيضا أن يتقمص تلك الشخصيات بل ودرس سيرة حياتها الذاتية ، وخاصة الطريقة التي تصرف بها هذين القائدين . وكانت تلاحق السادات رغبة لا تهدأ في أن يلقي خطابا على الشعب على أن يكون بالحتم خطابا تاريخيا لا يتكرر ، بحيث يدخل ذلك الخطاب إلي الأبد في ذاكرة الأمة ، وتكون له أهمية حاسمة في حياة البلاد السياسية . ولذلك كان السادات يهتم بخطاب ستالين الذي وجهه إلي الشعب في 3 يوليه 1941 . ووفقا لرأي عدد من المؤرخين فإن خطاب ستالين ذلك أدى بدرجة كبيرة لحشد الشعب السوفيتي للتصدي للغزاة الألمان . وكان السادات يتوق لأن يصبح صاحب خطاب تاريخي من هذا النوع ، وهو الأمر الذي اعترف به السادات بلسانه للسيد فينوجرادوف سفيرنا في مصر حينذاك . ولكن من الأفضل أن نعود إلي جمال عبد الناصر.. وبالرغم من مهابة هيئة عبد الناصر العامة والقوة والثقة اللتين تشعان من جسمه وقامته العالية كان من الممكن – إذا طال الحديث معه – أن تلاحظ عليه حالة التوتر العصبية والإرهاق المزمن المرتبطين بقلة ساعات النوم على مدى سنوات طوال والعمل المتصل حتى الإنهاك التام . كانت يداه حين يقوم بمباحثات معقدة ترتجفان على نحو عصبي ، أما أظافره فكانت مقروضة حتى اللحم الحي ! وحينما كنت ألتقي بعبد الناصر بعد فترة طويلة من الانقطاع عن رؤيته كنت أشهد بوضوح كيف يأخذه الكبر والعجز بسرعة ، وكيف تتزايد الشعيرات البيضاء في رأسه وفوديه، والأهم ذلك التغيير الذي كان يطرأ على نظرة عينيه . كانت عيناه تغدوان شيئا فشيئا أكثر حزنا ، أما في السنوات الأخيرة فإن هاتين العينين كانتا تنطقان فقط بنظرة مريرة من الكآبة والشجن . ربما أحبطه الإخفاق ، أو انصراف الأصدقاء المقربين عنه ، أو الانعكاس القاتل لهزيمة 67 . في فترة عملي الثانية بمصر التي بدأت في 8 سبتمبر 1970 لم تتح لي الفرصة لألتقي بعبد الناصر حيا ، فقد توفي في 28 سبتمبر من نفس السنة . وفي الأول من أكتوبر مضت جنازته التي تجمعت خلالها كل مصر تقريبا . وقد يكون من المناسب هنا استرجاع صورة جنازة السادات التي مضى فيها خلف نعش السادات مجموعة من الحراس وعدد لا يتجاوز الخمسمائة فرد من المشيعين ! وحتى هواة الفرجة من المصريين لم يمضوا خلف جنازة السادات ! حينما مضى موكب المشيعين لعبد الناصر من ميدان التحرير في اتجاه مصر الجديدة كان المصريون الذين تدفقوا لتوديع عبد الناصر في طريقه الأخير لم يسدوا فقط كل متر من الشوارع بأجسادهم والشرفات وأسقف البيوت ، بل وتسلق بعضهم أعمدة الكهرباء ، وللقارئ أن يصدق أن البعض كان يجلس فوق سلوك الكهرباء مباشرة ! ولا يعرف أحد حتى الآن بالدقة عدد المشيعين الذين ماتوا من شدة الضغط والازدحام وتحت الأقدام ، ولكن من المؤكد أن عددهم كان كبيرا ! وقد بدأ التزاحم والضغط الشعبي من هناك حيث اجتمع قادة مصر وضيوفها الأجانب الكبار لتشييع ناصر . وكان الجو حارا وخانقا وباعثا على القلق . وكانت جموع الناس تتدافع نحو المكان الذي أسجي فيه جثمان ناصر في نعش مغطى بعلم مصر ، وبين حين وآخر كان البعض يغشى عليه ، في البداية تهاوى على صبري أقرب أنصار الزعيم الراحل ، ثم قرر أنور السادات بدوره أن يغشى عليه لكي لا يجرؤ أحد على اتهامه بأنه عديم الإحساس ! تدافع أيضا من شدة الزحام رجال الحكم من النخبة المصرية والدبلوماسيون وأعضاء الوفود الأجنبية ، وحينما تحركت العربة بالنعش تجرها ستة خيول ، اندفعت نحوها الجموع في بلبلة ولغط . وحوصر قسم من حراسة الكسي كوسيجين في إحدى مناطق المدينة فلم يستطع أن يصل إلي رئيس الوزراء السوفيتي ، وكان علينا نحن العاملين بالسفارة وبعض الحراس التابعين لنا أن نحيط كوسيجين بأجسادنا حماية له من طوفان البشر . وفيما بعد لاح خطر أن تهرس الجموع رئيسة وزراء سيلون أدخلناها إلي حلقتنا ، ثم طار فوق رؤوس المشيعين تقريبا جسم هيلاسلاسي آخر إمبراطور لأثيوبيا دون أن يدري أحد كيف تم ذلك ! وقبل أن تبدأ عملية التدافع تلك كنا قد لحقنا بالاقتراب من نعش الزعيم الكبير لنودعه بعد أن أغلق إلي الأبد عينيه المرهقتين والحزينتين . وسوف أورد قصة واحدة من بين قصص كثيرة راجت بعد موت ناصر لأنها ظلت عالقة في ذاكرتي حتى الآن : بعد شهر واحد من موت عبد الناصر ، قال علي صبري خلال حوار مع السفير السوفيتي : " كان بوسع عبد الناصر بحكم هيبته المطلقة أن يوحد الناس من مختلف المشارب ، وأن يجعلهم يعملون معا،ويتحركون في اتجاه واحد ، وقد مات عبد الناصر ، وانهار كل شئ " . ومع ذلك فإن الاهتمام بذلك الزعيم الكبير مازال حيا ، لا ينطفئ ، ولا يخمد" . عند هذا الحد تنتهي شهادة الكاتب الروسي . وأضيف أنه من الطبيعي أن تكون قصة عبد الناصر أشد الصفحات سطوعا في قصة الثورة الوطنية المصرية ، وأن تكون أشد الصفحات سطوعا في قصة العلاقة بين الشعب المصري والروسي ، ذلك أن تاريخ العلاقات العربية – الروسية أبعد وأقدم مما يتخيل البعض ، فقد بدأت هذه العلاقة في القرن السابع م عندما هبطت أولي السفن العربية إلى ميناء دير بند في داغستان ، ثم جاءت رحلة ابن فضلان وتبشيره بالإسلام على ضفاف نهر الفولجا في القرن العاشر ، وكادت روسيا بكاملها أن تعتنق الإسلام قبل دخولها إلي المسيحية عام 988 ميلادية . وفي أواسط القرن الخامس عشر بدأ الرحالة الروس ينقلون إلي بلادهم أولي الصور عن مصر ، وكتب أحدهم يقول : " إن مدينة القاهرة كبيرة جدا ، وفيها 14 ألف شارع ، وفي كل شارع بوابتان وحارسان يشعلان الفوانيس وسوق كبيرة " . وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وروسيا بافتتاح أول قنصلية روسية في الإسكندرية عام 1738 أي منذ أكثر من مائتي وخمسين عاما ! وبعد نحو نصف القرن استدعى محمد علي سنة 1838 المقدم الروسي كوفاليفسكي وأهداه علبة نشوق من الذهب الخالص بأمل التعرف إلي أحدث الطرق الروسية في تخليص الذهب من الشوائب . وفي أكتوبر 1845 وصل إلي روسيا أول مبعوثين مصريين موفدين لدراسة علم التعدين وهما على محمد وإيليا داشوري اللذان كانا يتقنان الفرنسية والألمانية ، وأقام الاثنان وراء جبال الأورال في الصقيع الروسي حيث تنخفض درجة الحرارة إلي خمسين تحت الصفر ، وظلا هناك يتعلمان بصبر أثار دهشة الروس حتى مايو 1846 . وفي ديسمبر 1847 وصلت أول بعثة تعدين روسية إلي الاسكندرية ، وفي يناير 1848 غادرت البعثة على المراكب والجمال إلي أعالي النيل لمساعدة مصر في اكتشاف مناجم الذهب . واستمرت تلك العلاقات دون أن يقع صدام روسي – عربي مباشر إلا في حرب القرم عام 1853 حيث اضطرت مصر للمشاركة تحت الراية العثمانية ببعض قواتها في الحرب ضد روسيا ، وكان على الفيلق العسكري المصري المؤلف من خمسة عشر ألف جندي وضابط مصري أن يحمى مع الأتراك ميناء " يفباتوريا " بالقرم ، وهناك سقط آلاف من الجنود المصريين في الحرب ، ومازال تراب القرم يوارى رفاتهم حتى الآن . وقد أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وروسيا لأول مرة عام 1783 عهد على بك الكبير ، ولم تنقطع إلا لفترات قصيرة بسبب حرب القرم ثم إستؤنفت في سبتمبر عام 1877 ، وتوقفت مرة أخرى منذ 1917 حتى 26 أغسطس 1943 . وفي وقت لاحق ذكر جمال عبد الناصر أن حادثة اقتحام الإسرائيليين لغزة في 28 فبراير 1955 كانت بداية لتحول جديد في العلاقات المصرية مع روسيا قائلا إنه وجد نفسه عاجزا عن الحصول على السلاح لصد العدوان الإسرائيلي ، وكان لابد من البحث عن طريق للحصول على الأسلحة فاتجه بنظره إلي روسيا . وعندما وقع العدوان الثلاثي لم يكتف الاتحاد السوفيتي حينذاك بإنذار بولجانين الشهير ولكنه عزز الإنذار بوحدات عسكرية روسية وصلت إلي الأسكندرية ولكن بالزي الرسمي للجيش البولندي! وأثناء زيارو عبد الناصر السرية لموسكو في يناير 1972 وافق الروس على إرسال خمسة عشر ألف ضابط وجندى سوفيتي إلي مصر ومعدات عسكرية وشبكة دفاع جوي ! وبدأت العملية التي أطلقت عليها موسكو اسما سريا هو " القوقاز " بعد أن سقط في حرب الاستنزاف أربعون ضابطا وجنديا روسيا كانت الطائرات تنقل جثثهم لذويهم بصمت دون الإعلان عن مصرعهم ، بعضهم استشهد داخل فرقة سلاح الصواريخ ، وبعضهم في دهشور في الفرقة الميكانيكية السادسة منهم ثلاثة مستشارون رفضوا الانصياع لتحذير صفارة الإنذار والعودة للخنادق ، واستشهد أحدهم وهو يرفع ذراعه اليمني مصدرا أوامره بالهجوم على الطائرات الاسرائيلية في الجو ، ولكي يضعوه داخل نعشه احتاج الأمر ثلاثة ضباط معا لكي يعيدوا ذراعه المفرودة إلي مكانها الطبيعي ! لقد انطوت صفحة المعارك ، لكن صورة الذراع التي لا تنثني وهي تشير إلي الأعداء مازالت لا تفارق الذاكرة ، ومازالت صور الجنود من الفلاحين المصريين وهم يقتحمون حصون الأعداء حية في الضمائر ، وقد انطوى عصر بأكمله تخطت فيه شجاعة الأبطال الأفراد حدود الواقعي والممكن لتغدو أسطورة . عصر صاح فيه جمال عبد الناصر : لتشرب أمريكا من البحر إذا كان ما نفعله لا يعجبها ، عصر خلع فيه نيكيتا خروتشوف حذاءه وقرع به منصة الأمم المتحدة ، وتجولت روح جيفارا بين أحراش أمريكا اللاتينية تؤجج الثورة ، وفيه ألهب باتريس لومومبا مشاعر الحرية في نفوس شعبه ، عصر من الأساطير والشجاعة والتحدى كان عبد الناصر أحد ألمع فرسانه . لقد غادر عبد الناصر عالمنا . رحل المغني ، أما الأغنية فما زالت باقية . ومازال في روسيا شارع جانبي هادئ يغمغم في السكينة باسم جمال عبد الناصر ، ويفوح في كل الفصول بذلك المعنى العزيز .

الهجرة السرية مرادفا لسنوات الرصاص – صمت المدن متنا – بقلم: إبراهيم أكراف



الهجرة السرية مرادفا لسنوات الرصاص – صمت المدن متنا –
إبراهيم أكراف
إلى العزيزة جدا، الدكتورة إيمان امغزلات إدريسي، في ذكرى مولدها، أجمل ما في هذه المقالة، عمرا مديدا وأياما كلها زغاريد.
Ø   تمهيد
تشق قوارب الموت/ الحياة عباب البحر، حاملة على متنها أناسا لا يرجون إلا الخلاص من لظى الـ "هنا"، فتنزف أقلام المبدعين، معتقلة آلامهم و آمالهم، شاهدة على بوار الوطن.
البتول المحجوب اعتقل قلمها هذه الملحمة، في مجموعتها القصصية: (أيام معتمة)؛ فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2011. تحديدا في نصها " صمت المدن ".
و سنعمل في ما سيأتي من الأسطر على الكشف عن تخييل الهجرة السرية عند البتول المحجوب؛ منطلقين من تحليل العنوان، عطفا بالزمكان فالشخصيات، و صولا بعد ذلك إلى مجموعة من الاستنتاجات، مقدمين قبل كل هذا تمهيدا للنص و توصيفا له.
Ø    توصيف لا بد منه
يقع النص في الصفحة الثالثة و العشرين من الكتاب و يمتد حتى الخامسة و العشرين منه. و يتمفصل إلى ثلاث محطات رئيسة:
ü    حالة بدئية: وصف لمكان الحدث الممتد حتى الحاضر ( مدينة صغيرة تغفو).
ü    حالة تحولية: الانتقال بحسن تخلص من وصف المكان و الشخوص إلى الأنين الممزوج بالحنين إلى الذين رحلوا دون إياب عبر أمواج من الأسئلة سبقها شرود ( شردت قليلا.. ترى ما دفعه للشدو..؟ أهو الليل..؟...).
ü    حالة نهائية: ترصد شساعة الحلم و ضيق الوطن، فكان بطن الحوت هو المآل. ( حلم.. و حلم، لكن الحلم ضاع، و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر وتحلم.)
استنادا إلى هذه الوحدات، نخلص إلى أن النص مبني على دعامتين:
§       دعامة أولى: تمدنا بوصف المكان و الزمان، يجري فيها السرد مجرى الفرح.
§       دعامة ثانية: تمدنا بالعزف على أوتار الجراح، يجري فيها السرد مجرى الحزن.
و لتوضيح ما أشرنا إليه، ننتقل إلى العنوان لمساءلته تركيبيا و دلاليا:
Ø   العنون تركيبيا و دلاليا:
صمتُ: خبر مرفوع و علامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، لمبتدإ محذوف تقديره هذا. و هو مضاف.
المدنِ: مضاف إليه مجرور، و علامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
و نستشف من القراءة التركيبية أن العنوان جاء:
ü    جملة اسمية.
ü    معرفا بالإضافة.
ü    مقسما إلى مؤشرين؛ مؤشر وصفي ( صمت ) و مؤشر فضائي/ مكاني ( المدن).
و في ما يخص دلالته، فإنه دال على ثبات المدن عند درجة الصمت. و إذا ما قرأنا العنوان تقابليا، فإن صمت المدن سيقابله نطق المدن أو ما شئت من هذا القبيل ( كلام المدن/ أزيز المدن/ نواح المدن/ صهيل المدن...).
و إذا كان العنوان دالا على اللاحركة ماديا ( صمت )، فإنه معنويا دال على الحزن. هذا عن الصمت أما المدن و هو جمع مدينة، فهو يؤشر على عمومية هذا الصمت في مدن بعينها؛ أي كل المدن التي ينطبق عليها ما سيرد في النص.
و لن نبرح العنوان حتى نتوقف عند رمزية الصمت بإيجاز شديد جدا، فهو اللغة الصفر على حد تعبير رولان بارث، و هو علامة الرضى في الثقافة الإسلامية حينا؛ فالثيب أحق بنفسها و البكر علامة رضاها صمتها. و حينا آخر علامة لصون النفس من الزلل " من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت". و في السياق ذاته توقفنا عند أبيات من  ديوان الإمام الشافعي( جمع و تحقيق و ترتيب محمد عبد الرحيم، إشراف مكتب البحوث و الدراسات، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع، بيروات،2000 ) – لن نعرضها توخيا للاختصار – فوجدناها دالة على ما يلي:
ü    الإعراض عن الجاهلين و السفهاء. ص 155
ü    العنف الرمزي. ص: 144
ü    الرفعة و السمو. ص:  178
هذه إشارات سريعة لرمزية الصمت، تنقلنا إلى طرح سؤال مفاده ما الذي أصمت المدن؟
Ø    الزمان و المكان:
يتمفصل الزمان في النص إلى زمنين؛ زمن نحوي و زمن فلكي. الزمن النحوي تتقاسمه أفعال المضارعة والماضي، حيث إن الأول يدل على امتداد و استمرارية واقع الحال؛ " مدينة صغيرة تغفو/ تختلف الإيقاعات باختلاف الأشخاص/ تغريك/ تبتسم/ يشدو/ أستمع/ ترحم/ تهدأ/ يعبرون/ ينتشلني..." في حين وظفت أفعال الماضي في سياق الاسترجاع و التأكيد على أحداث مضت لكنها ما تزال تسكن الذاكرة ( اقتربت/ جلست/ شردت/ توارى/ بدأت/ شعرت/ رفعت/ أحن/ حلم...". هكذا، إذا، تتواشج الأزمنة النحوية لتحدد لنا أن رؤية السارد رؤية خلفية، لا يعزب عنه شيء مما يموج على فضاء السرد، ماضيا كان أو حاضرا " تعج ذاكرتي بمدن الصمت (...) أتذكر نظرات امرأة التقيتها يوما على مشارف المحيط...) و قد أسعفها في ربط شظايا الماضي بالحاضر، كون الجرح ما يزال غضا من جهة أولى. فها هي تنقل لنا صورة أم مكلومة " و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر و تحلم " بين الشم و الحلم تستمر ذكرى وليد كان في أهله مرجوا قبل أن يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، تاركا قميصا شاهدا على عصر جار فيه الوطن واعتدى وألقى أبناءه في اليم للحوت ليكفلهم. و هذا ما سنزكيه في القادم من الأسطر حين نتوقف عند المكان. و من جهة ثانية أسعفها الليل باعتباره زمنا فلكيا دالا على السكون و الحنين و الذكرى و التذكر... فالقوارب لا تهرِّب البشر إلا ليلا، والمدينة لا يهدأ أزيزها إلا ليلا، هكذا، يصبح الليل كلما جن رمزا للذكرى و التذكر.
أما المكان فتحضر اللهجة بحمولاتها الثقافية و الدلالية في النص كمحدد له " رانك تيّتي " و التي تعني باللهجة الحسانية أتقنت إعداد الشاي، و تقال تحفيزا للذي أعده. إذا، نحن في رحاب الصحراء التي لا يحلو السمر فيها إلا على إيقاعات الشاي. و يزيد تأويلنا إثباتا " شاب يعزف على قيثارة جريحة، نغمات شعر حساني". كما أن المكان ليس صحراء قاحلة، بل هو " مدينة صغيرة تغفو على ساعد ليل صحراوي مقمر " وتحديدا " شاطئ صاخب بإيقاعات موسيقى غربية وعربية، تختلف باختلاف الأشخاص، و لا يبقى غير النشاز، رجال و نساء و أطفال على رمال شاطئ ممتد". تنطلق الساردة من الميكرومكان ( مدينة صغيرة) إلى الماكرومكان ( شاطئ ممتد) لترصد لنا انفتاح الصحراء على محيطها، ودليل ذلك تعدد الألوان الموسيقية بالمكان.
          يلتحم الزمن بالمكان لتنقدح نيران الذكرى و التذكر، فمن هذا المكان أو نظير له عبروا، و في الزمان نفسه أو مُشاكل له رحلوا. و في صغر المدينة ما يشي إلى قلة ساكنتها، و في امتداد الشاطئ ينكتب سؤال عريض  لماذا يرحلون – قسرا – و المدينة ساحلية تمتلك ثروات بحرية ؟
Ø   الشخصيات
إذا استثنينا " علي " فإن باقي الشخصيات التي وظفتها الساردة مفتقدة للدلالة الذاتية كما يسميها الراحل كلود ليفي ستراوس. ليظل مدار السرد حول ضمائر ال " هي " و ال" هو " و ال " أنا ". بإيعاز من ضمير ال " هو " ( الشاجن) تعصف رياح السرد بالحالة البدئية، لتهيج أشجان ال" أنا "، معلنة حالة التحول و انفصال الذات عن موضوعها ( الاستجمام ) موقظة آلاما ما تزال تسكن ذاكرة ال " أنا " و تنخرها، لتنفجر الأسئلة بحثا عن أسئلة ثاوية في مكان ما. " شاب يعزف على قيثارة جريحة، نغمات شعر حساني. و آخر يشدو بصوت شجي. اقتربت منهم جلست دون استئذان، علني أستمع للشدو الحزين، في دفء ليل صحراوي مقمر. شردت قليلا.. ترى ما دفعه للشدو..؟ أهو الليل.. ؟ أهو الحنين لمن رحل نحو المجهول، عبر فضاء الصحراء الغامض..؟ أم لمن توارى وراء الأمواج بحثا عن مستقبل أجمل و كان طعما للحيتان؟ أيها الموج المجنون لم لا ترحم شبابا يافعا؟ لم لا تهدأ أمواجك حين يعبرون..؟" أسئلة محملة باللوم و الألم، نستجلي من خلالها اقتران الهجرة السرية بالاختفاء والاختطاف القسري و شاهد ذلك تسوية السؤالين بــ " أم "  التي تفيد الاستواء و الاستفهام " أهو الحنين لمن رحل نحو المجهول، عبر فضاء الصحراء الغامض..؟ أم لمن توارى وراء الأمواج بحثا عن مستقبل أجمل و كان طعما للحيتان؟" و طي السؤال الأخير تمدنا بالمحرض على فعل الإقدام على الهجرة السرية مثنية على ذلك بالمآل، ألا وهو طعم الحيتان. كما نقرأ أيضا أنسنة البحر فهو الملوم، و في ذلك تعريض بأن في أذني من يسوسون أمر هذه البلاد وقرا و على قلوبهم أكنة فلعل البحر يكون أرأف منهم فيرق لحالهم.  أما ضمير ال " هي " فيحضر في سياق استرجاعي صرف " كلما وقع بصري على جنون الموج، أشعر بغصة و حرقة و أتذكر نظرات امرأة التقيتها يوما على مشارف المحيط. امرأة .. تحفر في الصخر.. تصرخ ( ...)" نسقرء من خلال الشاهد بلاغة الألم، فكل ما في الشاطئ ينبض بذكراهم؛ الموج  و الصخر  و الصراخ. كما نستقرئ العلاقة الإنسانية العميقة بين ال " الأنا " و ال " هي " و " الهو " " أشعر بغصة و حرقة "" اقتربت منهم جلست دون استئذان". هي ذي الصحراء تؤلف بين قلوب أناسها. إذا، فالعلاقة بين العوامل الآنفة الذكر علاقة ود و تآزر.
ü    جاء  ال " هو " ( الضحية) خاتمة للمحافل السردية، مصورا صورة الموت التي تجللها صورة القبح في رحلة البحث عن الفردوس المفقود. إنها ضريبة الحلم بالعيش في أبسط شروطه و التي لم يكفلها له و طنه، فنفر محملا بالأحلام للبحث عنها. تاركا قميصا للذكرى و التذكر لجريمة اسمها الحلم. إن ال " أنا" صورة مصغرة للشباب " الحراكة " كما يصطلح عليه في التداول العامي " حلم ببيت دافئ صغير.. حلم بدفء حب امرأة وعدته بالانتظار.. حلم باحتضان طفل جميل، يزرع الأمل في قلب جدة تعشق الأحفاد حلم.. و حلم، لكن الحلم ضاع، و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر وتحلم." رحل تاركا الصمت يجثم بكلاكله على المكان وأجهضت الأحلام قبل الولادة.


Ø   استنتاجات
ü    صمت المدن يمكننا قراءته من جانبين؛ الجانب الأول أن الذين رحلوا/ هاجروا و ابتلعتهم الحيتان تركوا الفراغ في المدينة بعدما كانوا محركها الأساس بأحاديثم و احتجاجاتهم على على العطالة المستفحلة و الشهادات الشاهدة على الخسران. الجانب الثاني أن أهل المدينة أمسكوا الكلام بعدما فقدوا اللسان من نعي أبنائهم.
ü    إن نص صمت المدن ليعتبر ظاهرة الهجرة السرية شوطا ثانيا من سنوات الرصاص، سيما إذا وضعناه في سياقه داخل المجموعة القصصية، و التي تتناول مجمل نصوصها الاختطاف التعسفي و معتقلات مكونة و أكدز و تازممارت و الاستشهاد، فلم نجد بدا من القول بأن الهجرة السرية مرادف لسنوات الرصاص.
ü    إذا أجمعنا أن الهجرة السرية مرادف لسنوات الرصاص، فإن الملوم واحد موحد لضحايا تفرق بينهم السنوات و تجمع بينهم المأساة. فجاء النص مدينا للبطالة المستفحلة التي تدفع الشباب نحو الهجرة القسرية. ناعيا شبابا يبتلعهم اليم و آخرين يستنزفون ثروات هذا اليم !!

                                                                           

2012/09/27

(مضاجعُ الأبجديَّة.. في سريْرَةِ الجسد) شعر: أحمد محسن العمودي



(مضاجعُ الأبجديَّة.. في سريْرَةِ الجسد)
أحمد محسن العمودي

في الطريق إليكِ
يسْتَأْهِلُني جِنَاسُ الأنوثةِ...
(أُجَسِّدُ) كلّ المجازات بالاشتهاءِ
أُرْهِقُها إسقاطًا..
لِتَتَعَنَّى حمْلَ خلائِقِ رغباتيْ
وقوفًا عند ذِرْوَةِ المعنى
وجِماع الحرف بهِ
فانْعِطَافًا يُداخِلُ الأحضان.

نهرٌ من المنَبِّهاتِ / هَوْجَةُ حواسٍ
ونحن في السكون:
كامتداد حَرَكَةِ (آهٍ) مُضْمَرةْ
كهَمزَةٍ.. في غيِّ البحث عن أَلِفَها
كَـــزايٍ عزباء.. تستحثُّ أزيزَ المفاصلِ
حدَّ ارتخاء النخاعِ
بـــمُعْتَركِ أبجدية، شبه عارية سوى من فورة الماء...

يا لمخملية السواد والــ(الكافيينَ).. وأخرى لا أعلمها.
تَوَاطؤٌ كَونِيٌّ..
أحدث لحظةً مُنفَجِرَةً بِنا.

كلما عاودنا الكرَّةَ..
إلفةٌ.. تَحتطِبُ غرائزَ جُرحينا،
نتوءاتُ ملحٍ صخرييٍ، يخايل الذوبان،
رواسِيْ أرض، لا زالت مثقلة بنفطها،
وأودية.. هي كلّ يوم في ظلٍ بلونٍ يكيد لنفسه فتنة.
نجدنا.. في خِضَمِّ زحام تضاريس نابضة
كلما عاودنا الكرَّة...!

ولِئَلّا يَمِيدَ بنا استرخاء العادةِ
كونيْ هاجِسًا
كلّ حين هو في مِزْجٍ،
جريدةً..
كل يوم بشغفٍ،
وخريطة كنز، تعيد تشكيل ذاكرة البحارْ
وتغيث الموج بالأعمار.

كوني متربِّصَةً كأَخْيِلَةِ الشِّعرِ
لائِذةً بسياقاتِ ليلٍ يَتَحَسَّسُ مُلكَهُ
مُثخنةً بِمَجَسَّاتِ التوَحُّدِ
وقُومِي في الخُلوَةِ.. قصيدة تُأَوِّلُنِيْ بكلّ أعصاب اللغةْ
لِأَتَحَامَلَ عليكِ بكلّ ما أُتيتِ...،
فتَوَلَّيْ:
عند العصر..
- عَصْرَ شفتيكِ قُبَيْليْ
واهطُليء على رَوْحَيْهِما بالبَلَل.
وبعد المغيبِ..
- غيِّبيْ الأحْمَال عن مِتْنِ الواوَيْنِ
وشَرِّعِيْ لهما..
فاقةَ الرّفْعِ بالتَّدويرِ النَّاهِدِ على تَلَبُّدِ الأنفاس.
وعند انقطاع نصف الليل..
- اِقطَعِي الحبل السُرِّيّ...
فمُذْ كان.. والـــ(حاءُ) عندي تقودُ ساقَيْ بَلقِيسَ
لمصرع كليوباتر.. في حُمَّى جنوني،

وحيثُ ما كنتُ
سأسْتَحِثُّ (سبعة النصرِ)
وفي قَوْسِ الثامنة منكِ:
إني رائِحٌ..
كريحٍ فقَدَتْ حِسَّ الجهاتِ
فهِيَ مُستَهِلَّة أبداً في إثرِ رؤيا..
تُنازعُ تأوُّداتِ موتٍ سريريٍّ،
داعِكًا معْجَم شَفَتيَّ
بِمَجموعِ أنَّاتِك.

نوفمبر / 2011

شاعر يماني مقيم بالقاهرة
Ahmed_Alamoudi24@yahoo.com