2011/01/06

السيد نجم يكتب: صديقي القبطي فى حرب أكتوبر

صديقي القبطي فى حرب أكتوبر
بقلم: السيد نجم

من أين ابدأ كلماتي..
ترى منذ أن كانت التجمعات مزدحمة ومتلاطمة فى مركز تجميع المجندين فى أوائل عام 1971م، حيث كنت ضمن دفعة الخريجين من زملائي بالكلية، وقد أعلنت نتيجة البكالوريوس منذ أيام قليلة.. وفيه لم يكن التعارف سهلا، المكان مكتظ بكل الأشكال والأديان ومن كل محافظات البلاد، من قبلي وبحري.
أم أتحدث عما كان بعد أن تم ترحيلنا نحن خريجي كليات الطب بأنواعها، إلى مركز تدريب الخدمات الطبية.. الطريف أنني شعرت وكأن دفعتي من الخريجين بالكلية تجمعنا ثانية، وكأننا ما زلنا بين جدران الكلية، إلا من الآنسات أو الطالبات. ولكن المؤكد أننا تعرنا على خريجين من كليات طب الأسنان والصيدلة، فتعرفت على "بطرس" طبيب الأسنان، و"قزمان" و"ظريف" خريجا كلية الصيدلة.. وهم من انتقلوا معي بقية الرحلة (دون غيرهم) طوال فترة تجنيدي لمدة أكثر من أربع سنوات.. ضمن أفراد المستشفى الجراحي، تحت الأرض رقم5 (هذا هو اسم الوحدة الميرى).

لن أثرثر فيما كان وتشاركنا جميعا فيه، ومع "محمد نوفل"، و"محمد" آخر لا أتذكر بقية اسمه الآن، مع رفقاء "القروانة" من اصدقائى القبط. وتعبير "القروانة" مصطلح يعرفه كل من خاض تجربة التجنيد، حيث كثيرا ما يتشارك الجنود فى وعاء واحد لتناول الطعام، وهى "القروانة".

ربما من المناسب أن أتوقف مع أحرج خمسة أيام في حياتي ...
لقد خرجت سيارة مياه الوحدة أو المستشفى، لتزويد الوحدة بالمياه, بما يلزم لإعاشتنا نحن الجنود، ولإعدادها كي يتم تطهير وغسل الجروح والأدوات الطبية لعلاج الجرحى من الجنود المصابين المكتظة بهم عنابر المستشفى، ومنهم من وصل منذ دقائق من ارض المعركة.
وصلت السيارة ودخلت الوحدة، بينما المياه تتسربل من الخزان، والسائق يصيح على من يقابله، بضرورة إحضار اى عبوات بلاستيكية لتجميع لمياه التي ستفقد بسرعة.
لقد أطلق جنود العدو، وقد احتلوا جزء من طريق القاهرة- السويس، وتمركزوا أمام المستشفى! وكما أطلق الجنود الإسرائيليين رصاصهم على سيارة المياه, أطلقوا النيران خرجت سيارة إسعاف في اتجاه القاهرة لنقل بعض المصابين, عادت وهى محملة بمصابين آخرين, والسيارة مرشوقة برصاص الأعداء!

وكانت أحداث الثغرة, حيث احتل العدو حتى الكيلو 101 طريق القاهرة – السويس. خرجنا للاطلاع على الأمر, عرفنا الحقيقة.. حصار إسرائيلي لوحدتنا، بات مؤكدا! بينما لم تعد بالوحدة مياه للشرب ولا لغسيل الجروح ولا لشيء ألبته, علينا بإسعاف الثمانين مصابا بأقل خسائر ممكنة. لم يعد يصلنا مصابا جديدا, ولن نتمكن من نقل المصابين بعد إجراء الإسعافات اللازمة إلى القاهرة!
هكذا قضينا الأيام والمصابين تساء حالات البعض منهم بدرجة كبيرة, خصوصا إصابات الحروق, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هنا وفى تلك الأزمة، تولى صديقنا "بطرس" مهمة إعداد الإفطار (حيث كنا خلال شهر رمضان) ولم يكن يأكل إلا معنا مع آذان المغرب.. حيث يقف أمام الدشمة المسئول عنها، ويصيح نادينا نحن مجموعة الرقباء الطبيين، لتناول الإفطار الذي أعده.. وما أعجب ما أعده ونحن نعيش الحصار، والعدو على أبواب وحدتنا! كل ما أمكنه أن يفعل, أن يسد رمقنا باستخدام زجاجات الجلوكوز 5%, تولى بطرس (طبيب أسنان- من جرجا) المهمة بإخلاص. كان يحضر الجلوكوز ويرش اللبن البودرة الذي اكتشفه بعد ضرب مخازن وحدة المستشفى، ثم يبس فيه البسكويت الذي أطلقنا عليه "خشب اسكو" بدلا من "بسكو مصر".. يا لها من نعمة سدت الرمق وجعلتنا نتنفس بانتظام لعدة أيام.

بينما كانت أوامر قائد المستشفى, الانتظار والصمود حتى يتضح الأمر أكثر. أما وقد انقطعت الصلة بالقيادة الأعلى وبالوحدات المجاورة, وتأكدنا من عدم القدرة على تقديم خدمة طبية.. فلا حيلة إلا التحرك السريع عن طريق جبل "عتاقة", نحو القاهرة. الشرط الوحيد, بل المشكلة الوحيدة: كيف سنتصرف مع المصابين؟
انتهى الأمر بإصلاح سيارة نقل عاطلة بالوحدة المجاورة, بالإضافة إلى السيارة الظل التي بوحدتنا مع سيارة الإسعاف التي مازالت قادرة على الحركة. يمكن إذن نقل المصابين إلى السويس وعن طريق جبل عتاقة أيضا. كان ذلك في ظهيرة اليوم الرابع من الحصار.

بدأنا المهمة, أنا وبطرس وقزمان وسعد الصعيدي.. وهى حمل المصابين إلى السيارات. استمرت تلك العملية منذ الثانية عشرة ظهرا حتى الرابعة و النصف. فلا نحن بقادرين على الحمل السريع , ولا المصابين يملكون القدرة . لكننا انتهينا من المهمة على كل حال. فجأة وعلى غير توقع رأيت طائرتين, أحدهما في تلابيب أخرى يتصارعان في السماء, وقد عبرا أجواء الوحدة على ارتفاع منخفض. أسقطت رأسي, إذا بالستين مصابا على الأرض! نعم, مجهود الساعات الماضية على الأرض... رفعت الخوذة, وضعتها على الأرض, جلست فوقها, ربما أستطيع التفكير.. لم أجد سوى القائد الذي حضر حالا وأمر الجميع بضرورة تحميل السيارات بالمصابين, على أن يسعى كل فرد بقدر طاقته على معاونة نفسه ومساعدة أفراد الوحدة.

انتهينا في الثامنة مساء.. تحركت السيارات ناحية جبل عتاقة, وقد صنعنا علما من الشاش العريض الأبيض, ورسمنا ب "الميكروكروم" الهلال لعل الأعداء لا يعتدون عليهم.
بدأنا مرحلة جديدة إذن: على كل من يرغب في التحرك الآن عليه بالتحرك, ومن لم يرغب عليه الانتظار حتى الفجر. قلت في نفسي إن لم بقتلى اليهود سوف يقتلني المصريين في تلك الظلمة, خصوصا أننا الآن في ليلة بلا قمر. الغالبية فضلت الانتظار حتى الفجر.

منذ تلك اللحظة وحتى الفجر كانت الأحداث غريبة وغامضة, ومرعبة في بعض اللحظات. لن أذكر منها إلا ذلك الموقف الذي يصيبني بالقشعريرة كلما تذكرته ولكنها الحرب أيضا. ما أن تجمعنا معا أمام دشمة الجراحة, وقد غلبنا الصمت من الإجهاد وقلة الأكل والنوم, وقلة كل شئ.. حتى صاح الدكتور نبيل مسيحه وكنا نرى أنفسنا أشباحا بلا ملامح, قال: تعالى ياسيد معي.. سألته إلى أين, ببساطة قال: حتى ندفن الشهداء!
لم أجد ما أعقب به, لم يحدث أن شاركت في مثل تلك التجربة, وفى الظلمة.. يا خبر أسود!
انتظر طويلا ولم يسمع ردى. إذا اختارني هذا الصديق.. لكن ليس معنى هذا أن يقتلني..حقيقة لا أستطيع التنفيذ, لا أقدر. لكنني لم أستطع أن أبوح بضعفي علنا هكذا. انتبه بطرس طبيب الأسنان, وتقدم أحمد الجندي غير المؤهلات (يحمل لقب حامل نقالة كتخصص في العمل).. قالا معا: "نحن معك".

تلبستني القشعريرة من رهبة الموت وليس الخوف منه. فلا الموت مخيفا ولا هو مطروحا عند الجندي المقاتل, هذه حقيقة. في الحروب الكل لا يفكر إلا في الحياة, كيف يحقق هدفه ولا يموت, وليس العكس! آخر ما تابعته حتى غافلني النوم بعدها.. أن سمعت أحمد يلقى بالشهيد في الحفرة معهم ثم يردد "الفاتحة ".. بينما سمعت نبيل وبطرس يرددان "أبانا الذي في السماوات".. حيث لم نكن نعرف أن الشهيد المطلوب أن يقبر مسلما كان أم قبطيا.
*لعلها كلمة أخيرة أقولها, قبل تجربة حرب 73 لم أكن أعرف الكثير مما قرأت عن حقيقة معدن الإنسان المصري, وماذا تعنى مقولة أنه يحمل تراث حضارة عمرها سبعة آلاف سنة.
والآن وبعد تلك التجربة عرفت المعنى, المعاني الغامضة كلها!
تلك المعارك التي لم يفرق فيها العدو فى إطلاق نيرانه بكل أنواعها، على أي مصري كان.. تلك المعارك التي لم يقصر فيها مصري عن أداء دوره والذود عن ترابها، والهلاك دونها.
*****************
Ab_negm@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: