2017/12/11

قـــضايـــا الــنـص الســردي -نحو مقاربة معرفية جديدة- بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقــــة

قـــضايـــا الــنـص الســردي -نحو مقاربة معرفية جديدة- 
 بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقــــة
 جاء السرد كما هو بادٍ من الفعل«سرد»، وهو في شقه اللغوي،يعني التتابع في نظام معين،أو النسج، ولذلك يقال: «تسرًّد دمعه كما تسرًّد اللؤلؤ»،أي تتابع بترتيب، ونظام،كما يُقال:«نجوم سردٌ»،أي متتابعة بانتظام،ويُقال سرد الدرع:نسجه،وقدر في السرد:اجعلها تتناسب حلقاتها عند النسج حتى تترابط،وتتماسك...
           كما أن السرد هو «المصطلح العام الذي يشتمل على قص حدثٍ أو أحداث،أو خبر ،أو أخبار،سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة،أم من ابتكار الخيال»(1)، وهو كذلك«عرض الحديث بتتابع، وجودة، وفي الأدب هو بسط الحدث في أي عمل أدبي بسطاً عادياً من غير حوار، وهو أسلوب إن طال مله القارئ، وللسرد أشكال بحسب الجنس الأدبي الذي يكون فيه،فهو سرد روائي، وسرد قصصي، وسرد مسرحي، ويختلف معناه من منهج نقدي إلى آخر،فهو عند البنيويين مثلاً يأتي بمفهوم الخطابdiscourأي الحديث»(2).
           وتتشكل البنية الدلالية للخطاب السردي من«نسيج الرؤى التي تصدر عن الشخصيات،بوصفها فواعل في بنية الخطاب،أما تركيب الخطاب فهو نسيج العلاقات بين عناصره الفنية...،وإن أي نص سردي،لابد أن يتألف نسيجه من مستويين:مستوى الأقوال،وهو نظام الكلمات المكتوبة التي تؤلف سطح النص،أو ظاهره،ومستوى الأفعال ،وهو نظام العالم المترشح عن مستوى الأقوال،وهو هنا باطن النص،المتألف من نظام أفعال الشخصيات،والإطار الزماني-المكاني»(3).
             إن البنية السردية في الخطاب العجائبي على سبيل المثال،تتحقق في أربعة أنماط سردية:
1-السرد اللاحق:وهو يهتم برواية أحداث ماضية،سواء في زمن بعيد،أو زمن قريب،وكثيراً ما يكون هذا السرد مشفوعاً بتقنيات«تكسير إطلاقية الماضي،تتيح له تجاوز الحاضر،والمستقبل...
2-السرد المتقدم:وهو نوع يملأ الحيز الروائي بأخبار عن أحداث تقع في المستقبل،وهي لما تزل في باب المغيب ،والمحجوب...
3-السرد المتزامن:وهذا النوع يقصد به إيهام المتلقي بتزامن الحدث،وفعل السرد،فكأنهما يحدثان في الوقت نفسه...
4-السرد المدرج:يقوم السرد المدرج مع السرد اللاحق على خلق نواة سردية واحدة تسوق التنويع إلى مدارات تجريبية،تخصب الحكي،وتعطي للتطور وضوحاً،وجلاءً يعكس ما يريد النص قوله»(4).
                إن مفهوم السرد ينطلق من الكيفية التي يتم بها تقديم الحكايات،وفي هذا الشأن يميز الكثير من الباحثين-من بينهم رشيد يحياوي-بين سرد تخييلي،وسرد غير تخييلي «فالسرد التخييلي هو المعدود ضمن أنواع التخييل المعاصرة التي لا تقدم نفسها بوصفها تسجيلاً لأحداث وقعت بالفعل كالرواية،والقصة القصيرة.ويدخل في السرد التخييلي أنواع حكائية قديمة من نسج الخيال الفردي،أو الجمعي،حتى لو ادعت واقعيتها،مثل:الأساطير،والخرافات،والملاحم،وحكايات الأمثال.
        أما السرد غير التخييلي فبخلاف ذلك،كما في اليوميات،والرحلات،والمذكرات السردية،وتقارير الحرب...
         وهذا تمييز على وجه الإجمال،لأنه يتشكل من وجوه كثيرة،بحيث لا يخلو السرد غير التخييلي من سرد تخييلي،كما لا يخلو السرد التخييلي من سرد غير تخييلي.يبقى أن ما جرى عليه التعارف هو أن أي سرد له الهيمنة في النصوص المقصودة بالدراسة»(5).
         وبالنسبة إلى تجليات القيم في السرد،أو في النصوص السردية،فإنه لما كانت الصورة السردية تنهض على محاكاة الواقع،وفي الآن ذاته فهي تعبر عنه،فقد أصبح في كل نص سردي عدة عناصر،من أهمها:
«1-المتخيل السردي:وهو العالم الخيالي الذي يرسمه الكاتب في روايته،أو قصته،أو يشكله القارئ في مخيلته عند قراءته النص.
2-المرجع: وهو الواقع التاريخي المعيش،أو المفترض،أو التاريخ المسجل بأقلام المؤرخين،والذي يعد أصلاً للصورة السردية المتخيلة سواء كانت العلاقة بين الأصل والصورة قائمة على الانعكاس،أو الاختزال،أو القلب،أو التقليد الساخر.
3-المشار إليه:وهو الواقع التاريخي،والاجتماعي،والنفسي المتجدد،والقيم الإنسانية،أو الاجتماعية العامة...»(6).
                إن الحديث عن السرد،والسردية يظل دائماً يتسم بالزئبقية،حيث إنه حديث شائك،ومن مفاهيم السرد أنه يعني فعل الحكي المنتج للمحكي،أو إذا أردنا التعميم،فهو مجموع الوضع الخيالي الذي يندرج فيه،والذي ينتجه السارد،والمسرود له،«ونقصد بالمحكي النص السردي الذي لا يتكون فقط من الخطاب السردي الذي ينتجه السارد،بل أيضاً من الكلام الذي يلفظه(الممثلون)،ويستشهد به السارد،فالمحكي يتكون من تتابع،وتناوب خطابي السارد،والممثلين..
           ويقترب من مصطلح السرد مفهوم السردية التي هي خاصية تعنى بنموذج من الخطابات،ومن خلالها نميز بين الخطابات السردية،والخطابات غير السردية...
              وقد أظهرت السرديات في مقارباتها المختلفة وجود تنظيمات مجردة،وعميقة،تحتوي على معنى ضمني،منظم لإنتاج هذا النموذج من الخطاب،وعملت السردية بالتدرج كقاعدة لتنظيم كل خطاب سردي،وغير سردي،باعتباره يمثل إمكانيتين:إما أن يكون الخطاب تسلسلاً منطقياً بسيطاً للجمل...،وإما أن يكون الخطاب دالاً،وفعلاً لغوياً واعياً،ومحتوياً على تنظيمه الخاص...  »(7).
               وإذا استشهدنا برؤى رولان بارث كنموذج للدراسات الغربية التي عنيت بالتحليل البنيوي للسرد،فإننا نلفي أن السرد يتسم بأنه فعل لا حدود له،وهو يتسع ليحتوي شتى الخطابات،سواء أكانت أدبية،أم غير أدبية،وأنواع السرد في العالم-كما يرى بارث- لا حصر لها،ويتميز بتنوعه الكبير في الأجناس،فالسرد يمكن أن تحتمله اللغة المنطوقة،شفوية كانت،أم مكتوبة،والصورة ثابتة كانت، أم متحركة...
            وقد وقف رولان بارث يسائل تنوع،واتساع ظاهرة السرد،إذ وجدناه يقدم الكثير من التصورات عن خصوصية عالمية السرد،وشموليته، ومن بين هذه التصورات،أن شمولية السرد،وعموميته تحول دون حصره،وتفكيكه،ومن ثمة الوصول إلى معرفة خصائصه،ولذلك لم يبق سوى إمكانية وصفه وصفاً مُبسطاً(8). 
          وبعد التطورات،والنضج الذي عرفته الدراسات السردية،توصل رولان بارث إلى رؤى،وأنماط جديدة للسرد من بينها:
«-إما أن يكون السرد عن تجميع بسيط لا قيمة فيه للأحداث،وفي مثل هذه الحالة لا يمكننا الحديث عن السرد إلا بالاحتكام إلى عبقرية المؤلف،أو الحاكي،ومثال ذلك الشكل الأسطوري القائم على مبدأ الصدفة.
-وإما أن يشترك السرد مع سرود أخرى في البنية القابلة للتحليل،لأنه لا أحد بوسعه أن ينتج سرداً دون الإحالة على نسق ضمني من الوحدات،والقواعد  »(9).   
          ومن أهم أشكال القص السردي السرد الروائي، إذ تعرّفُ الرواية في مفهومها البسيط بأنها« القصة الطويلة المكتوبة نثراً،والتي بُدئ بالكتابة بها منذ القرن السادس عشر في إنكلترة.
        أما الرواية الحديثة فيرجع تاريخها إلى القرن18،مع بواكير ظهور الطبقة البورجوازية، وما صحبها من تحرر الفرد من ربقة التبعيات الشخصية، وتُعرف بأنها سرد قصصي نثري طويل يصور شخصيات فردية من خلال سلسلة من الأحداث، والأفعال، والمشاهد، ولذلك يمكن اعتبار«ألف ليلة وليلة»من جملة الروايات العربية القديمة، و«رحلة الحاج»عام1678 لجون بنيان ورحلات«جليفر»عام  1726 لجوناثان سويفت من الروايات الغربية القديمة، وعدوا«انتصار الفضيلة»عام1740 لصاموئيل ريتشاردسون أول رواية في الأدب الغربي الحديث، وهي رواية غرامية كُتبت على شكل رسائل. وكذلك رواية«بول وفيرجيني» الفرنسية التي كتبها برناردين دي سانتا بيير، وترجمها مصطفى لطفي المنفلوطي. ورواية«آلام قرتر»لغوته الألماني »(10).
           وكذلك فإن الرواية« في مستوى أول نوع سردي نثري، وفي مستوى ثانٍ يكون هذا القصص حكاية خيالية، وفي الوقت نفسه خيال،و لها طابع تاريخي عميق. و أخيراً فإن الرواية فن: في أجزائها كما في كلها. وهي تبرز في شكل خطاب موجه ليحدث مفعولاً جمالياً بفضل استعمال بعض المحسنات»(11).
           كما أن الرواية هي سرد للأحداث،والشخصيات،وعلاقات معينة تحكمها جملة من الروابط السردية،ويبدو أن الرواية قد تطورت على مراحل« وابتعدت عن أصولها الحكائية،وغدت مزيجاً من الحوارات،والأوصاف،والتأملات،وقد ميز إيخنباوم بين القصة،والرواية،حيث اعتبر الرواية شكلاً تلفيقياً،أما القصة القصيرة فهي شكل أساسي،وهي عنده منحدرة من التاريخ،والأشعار...
     أما الرواية فقد جاءت من الخرافة.وتبنى القصة على قاعدة تناقض،تهتم بالاختصار،ولا يكون ذلك في الرواية،كما أن هناك تقنية إبطاء الحدث في الرواية،وهو ما لا نجده في القصة القصيرة لاحتواء الرواية على حبكات متوازية،وتمثل النهاية في الرواية انحداراً،وتكون وقوفاً عند القمة في القصة القصيرة»(12).
الهوامش:
(1)  التونجي: د.محمد:المعجم المفصل في الأدب،ص:523.
(2)عبد الله إبراهيم و هويدي :د.صالح  :تحليل النصوص الأدبية قراءات نقدية في السرد والشعر  ،ص:110.
(3 ) شعلان د.سناء كامل  :البنية السحرية في السرد العربي المعاصر مدخل عن السرد العجائبي،مجلة الرافد،العدد:106  ،ص:73.
(4) يحياوي :د.رشيد  :الشعري وسرود النثر:أسئلة في الأثر التخييلي والأثر الحضاري،ينظر السرد وأسئلة الكينونة بحوث مؤتمر عمان الأول للسرد   ،ص:64-65.
(5)د.عبد الرحيم الكردي:السرد وكينونة الإنسان، ينظر كتاب السرد وأسئلة الكينونة بحوث مؤتمر عمان الأول للسرد  ،ص:134-135.
(6)شرشار:د.عبد القادر، تحليل الخطاب السردي وقضايا النص  ،ص:121.
(7)شرشار:د.عبد القادر، المرجع نفسه ،ص:142.
(8)شرشار:د.عبد القادر،نفسه  ،ص:143.
(9) التونجي د.محمد   :المرجع السابق،ص:491.
(10)ميشيل زيرافا:الرواية،أنظر:الأدب والأنواع الأدبية،ترجمة:طاهر حجّار  ، ص:125.
(11)شرشار:د.عبد القادر، تحليل الخطاب السردي وقضايا النص، ،ص:131.
(12) نفسه،والصفحة نفسها.

ليست هناك تعليقات: