2013/12/21

مُت برداً.. أو كمداً.. لسنا نكترث.. قصة قصيرة بقلم: أدهم العبودي

مُت برداً.. أو كمداً.. لسنا نكترث
قصّة قصيرة 
أدهم العبودي
مهداة إلى روح محمّد حسين بهنس

في عينيه المليئتين أرقاً يختزل جموح الحياة ويمضي، هائماً يوماً لا يدري مستقره، وخائفاً حيناً من المصير، يجتاز عتبات التشظّي عتبة تلو أخرى، ولا يأبه –رغم أوجاعه- للمآل. تمنح عيناه بعض الدفء للأرصفة المجاورة، يفترش أحدها ويهندم ملابس رثّة قبل أن يمدّد جسمه فتلتقي ساقاه بعدمٍ مجازي، إن فتح عينيه إذا بالكلمات تتبعثر وتتمزّق على حواف اللا تركيز، فإن أغلقهما، استوت له مقاليد الخلق وبدا كلّ مستحيل ممكناً، ربما جملة عفوية قد تبيّن مفتاح لغز ها هو يحوم أمامه في الأفق، وربما كلمة واحدة تهب حياته استقرار الأبد. إنّما أين الكلمات اللعينة؟ ما الذي قد يبدّد وحشة المخاطر؟ فمن خطر لخطر يستقيم أحياناً سمت الحياة، لكن إلى متى سيستمر في هتك طرق الأخطار؟ ولأجل أيّ مأرب؟ كلّها احتمالات حياة جزافية إذن.
اللكمات.. الكلمات.. مقاطع حزينة.. مقاطع بدائية لنزق طفولي.. يتمطّى ويفرد فوق الرصيف جسمه أكثر، والسماء تباغته ببسمة أليمة، أيا محمّد لمَ جافيتني! لن تجد غيري صدراً حنوناً! يُفزعه التلميح الصامت فيعتدل، يتقوقع على ركبتيه ويُشعل سيجارة مقتَرضة، يقتطع من الحياة مشاهداً، وجسمه يبدأ في انتفاضة لا إرادية، تتجهّم السماء وتقرّر معاتبته بطريقتها، تبعث له رسلاً من صقيع ومن مرارة، فلا يكترث، تروح المشاهد وتجيء، تغيم الرؤى وتضمحل، يأتيه صوت وليد يشمخ في الدنيا ليناطحها، صوت حاد، كان ينادي عليه مشوشراً: أبي.. أبي. يهبّ فزعاً، ومع قشعريرة جسده ينطوي على حزنه ويجلس ثانية، وأسنانه تصطك كأنّها دون رجوع، وتنزل دموعه على عامود الدخان المشتعل في يده فيشتعل أكثر، ويبدو كأنّه يمحو ذاته بذاته، ويتبدّد في الهواء أطيافاً تولّي عنه وجهها. يا لها من حيلة! تجوب عيناه ملامح المحيط، يتوجّس، يقول في نفسه: إذن هكذا لابد أن تكشف كلّ التفاصيل عن نيّتها في القصاص من ذهني المتحفّز. ذهنه الحاضر الغائب بدوام الانشطار. يسامر عصفورة جعلت تتلوّى راقصة من البرد، حطّت أمام عينيه مباشرة، فوق صدّادة من صدّادات الحكومة التي تطوّق أحلام الميدان، وأخذت تبادله النظر، تتغزّل فيه، فيتغزّل فيها بابتسامة مرتعشة، ويهمس لها: احمليني معكِ للا مكان. فتهمس له: كلّ الأماكن حدّدت سلفاً بأهواء قمعية. تتحجّر عيناه في نظرة متصلّبة ويدمدم: وطني بلا حدود. لكنّها ترفع جناحيها وتهمّ بالطيران مودّعة وفي عينيها كلمة أخيرة: وطنك بات عدماً.
سيجارة ثانية، لا تخشيني يا رفيقة الطموح، لن أقطّر عليكِ دمعاً فيحرقك. وفي براءة يائس يسحب أنفاسها.
المدى يدندن معزوفة جليدية، يبتسم، يخشى أن يرفع عينيه للسماء فتباغته بأمر آخر مفاجئ، يتكوّر على الرصيف ثانية –عقب السيجارة- وفي رأسه صراخ الطفل الوليد، يساءل نفسه: أين أنت يا صغيري؟ ملامحك في وجهي.. وطباعك في أعصابي.. لكنّك ربما لن تذكر عنّي غير الأنانية.
يدوم العالم لزبانية الحكّام، ولا تدوم لنا بهجة، يا الله! أيّ وطن يقبلني جسداً بائساً فوق رصيف! ورثاء الأوغاد يتفقّد لا مبالاتي. يغمض على حلمه عينيه، لم يعد البرد قاسياً، بالعكس، صار غطاءً عن أعين الأوغاد، نتف من ذكريات تطوف في خياله، وكلمات مشحونة بعدم الترتيب تتقافز في رأسه، في عمق أمنياته، تبّاً للحياة! الكلمات هي ما تبقى، تتزاحم الكلمات، تستعيد رشاقة الجُمل المفيدة، ولنا في الآخرة وطن، تضيء الكلمات بالحلم، فيستسلم جسده، تستقلّ رأسه عن العالم المادّي، ويستسلم جسده أكثر، لم يعد شيء يغطّيه غير حلمه، تغور عيناه في غياهب عوالم ليست مرئية، وتنفصل –تدريجياً- عن عالم قمعي لا دلالة فيه على أمل، تضبّب ذهنه الكلمات، تستدعيه لمثول أخير، فيظلّ يكتب وداعه بيده، ويظلّ يخطّ إبداعه الباقي في عيون البشر.
وفي صباح، قد يجدونه جثّة فوق رصيف، ماتت من الكمد واليأس ولم تمت من برد.. لكنّهم لن يكترثون.               

ليست هناك تعليقات: