2016/12/21

حوار مع الأديب السعودي ماجد سليمان حاوره: عبد القادر كعبان

حوار مع الأديب السعودي ماجد سليمان

حاوره: عبد القادر كعبان
ما بين روايته "طيور العتمة" الصادرة سنة 2014 ومسرحيته الموسومة "وليمة لذئاب شرهة" التي صدرت عام 2016، للمبدع السعودي ماجد سليمان مسيرة إبداعية متميزة اختلفت أجناسها الأدبية ما بين الشعر والقصة والسيرة والمقالة والسينما وأدب الأطفال وغيرها. تبدى في إصداراته المتنوعة سمة الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي في شكل جديد لما هو سائد ومغاير في وطننا العربي، أين يبزغ الرمز في كتاباته بوضوح مهيمنا على أفكاره وتصوراته التي لا تخلو من الحس الإنساني، ومن هذا المنطلق فتحنا معه الحوار الآتي:

القارئ المتتبع لمسار السعودي ماجد سليمان يستوقفه حضوره المتعدد في مجال الشعر، القصة، الرواية، المسرح، أدب الطفل، السيرة، المقالة، السينما والرسم...، فما سر هذا التعدد؟ وأين تجد نفسك حاضرة بشكل كبير تحديدا؟

الثقافة الواعية ولأكون أكثر دقة (الأديب الواعي) هو الذي يتعمق في اتجاهات الأدب بحب وشغف، طبعاً رغم كل هذا إلا أنه شاء أو أبى سيكون مكثّفاً في منطقة واضحة للجميع، ناهيك أن القالب الإبداعي هو من يفرض نفسه على كاتبه، الأدب شعراً ونثراً هو منطقة خصبة لتفكيري وتبصّري وتأمّلي رغم ميولي للنثر ولأكون أكثر دقة أيضاً (السرد) لذا أجد نفسي تتمركز غالباً في الرواية أو السيرة، قراءة وكتابة، لعل اتساعها وقدرتها على استيعاب التفجر الإبداعي أكثر مرونة من بقية الأجناس.

لماذا اخترت "وليمة لذئاب شرهة" عنواناً لمسرحيتك الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي سنة 2016م وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟
(المسرحية رواية استبدلت السرد بالحوار) لا أذكر صاحب هذا القول، لكنه التصق بذاكرتي لأنه مقنع جداً .. (وليمة لذئاب شرهة) جاءت بعد أعمال إبداعية مختلفة، شكّلت الكثير من مسيرتي ولعلي أؤكد أننا نعاني قصوراً في الكتابة المسرحية في عالمنا العربي تحديداً (المسرح الأدبي) وليس الشعبي.
وليمة لذئاب شرهة، هي دوائر كبيرة من استغلال المسؤول لمنصبه، وكيف يستطيع تطويع كل من هم تحت إدارته بأن يكونوا لصوصاً متى خرجت أنفسهم على حقيقتها، فالمنصب الوزاري أو أي منصب كان مكانه وزمانه، هو (وليمة) في أعين (المسؤولين اللصوص) يتسابقون اقتسامه أو اقتطاع ما استطاعوا منه.
لقد كتب الناقد الجزائري عبد القادر كعبان عن باكورتك الروائية "عين حمئة" قائلا: "سنجد أنفسنا كقراء أمام زحمة رؤى يرفضها الروائي ماجد سليمان كما يرفضها ديننا الحنيف بشكل آخر، لأنها تنسف القيم الإنسانية ليختلط الحلال بالحرام"، فما تعليقك؟

المبدع الأديب الجزائري عبد القادر كعبان، قد أكرمني بأن منحني من وقته وقرأ ما قدمته للأدب العربي ولعله كان نافذاً في قلب النص بشكل دقيق وشفاف، وقاسمني ما رميت إليه من رفض كامل لأمور كثيرة مرفوضة ديناً وعرفاً وقبل كل ذلك هي مرفوضة بطبيعة الإنسان السوي، لذا جاءت روايتي (عين حمئة) كالصرخة الطويلة على ما تفعله فوضى المجتمع التي صنعتها المسؤولية المتدنّية بين أفراده.
لقد استطاع المبدع عبد القادر كعبان أن يتناغم مع "عين حمئة" تناغماً خلاقاً متوسّعاً في النقاط الكثيرة التي جاءت في متنها.

ترى الكاتبة اللبنانية ريماس شمعون أن روايتك الثانية "دم يترقرق بين العمائم واللحى" تحتفي بالبطولة الجماعية التي تسعى للحرية والخروج من ظلم الحاكم، فما هي خلفية ذلك النص باختصار؟

سعدت كثيراً بما قدمته الأستاذة اللبنانية ريماس شمعون، فمن المبهج أن ترى من يكتب عن عملك وكأنه يتماهى مع حركة المشاهد في نفسك أثناء كتابتها.. خلفية النص باختصار هي تأثر بأحداث الربيع العربي آنذاك، لقد خلقت الثورات العربية شعوراً داخلياً متدفقاً ألهمني لهذا العمل الذي كتبته بحب كغيره من أعمالي.

من الروايات التي أثارت جدلا في الساحة العربية روايتك الموسومة "طيور العتمة" لأنها جاءت مرآة عاكسة لتشريح ظاهرة السجين العربي، فكيف جاءت فكرة هذه الرواية وما هي رسالتك للمتلقي باختصار؟
"طيور العتمة" كانت حبيسة التنفيذ، أمضيت وقتاً وأنا في تردد من خوض هذه التجربة الغائرة في وقاعنا، "طيور العتمة" وضعتني في مكان لا أحسد عليه فأنا ما زلت في تردّد كبير في تقديم عمل روائي يضاهيها، حقيقة هي أكثر أعمالي تأثيراً، فكرتها كانت مسودّة قبل صدور روايتي الثانية (دم يترقرق) لكني لم أكن مستعداً لكتابتها بشكل جيد.
وما أن صدرت (دم يترقرق) حتى رأيت أنني في مزاج عالٍ جداً للخوض بشخصيات "طيور العتمة" إلى عالمها السردي المرعب.
ورسالتي للمتلقي هي أن الصوت يجب أن ينادي بوجود ظاهرة التوحش التي يعامل بها السجين العربي المتهم زوراً، ومدى الفرصة الكبيرة الممنوحة للسجان في تعذيب السجين بكل حرية.



دخلت معبد السرد القصصي من خلال "نجم نابض في التراب" و"الصندوق"، حدثنا عن هذه التجربة باختصار؟

"نجم نابض في التراب"، هي مجموعتي القصصية الوحيدة، فقد جمعت بين دفتيها كل تجربتي في القصة، لدرجة أنني لم أعد لكتابتها لكوني وجدت عالماً عظيم الحرية كالرواية والمسرحية والسيرة، ولعل مجموعتي هذه أراحتني بصدورها كونها وثّقت مرحلة إبداعية من مسيرتي، كي أنطلق متخففاً من الشعور بالمسؤولية تجاه فن أدبي مَثّل جزءً هاماً من حياتي.
أما (الصندوق) فهي قصة كتبتها للطفل عام 2014م حين عكفت على الاشتغال على مشروعي الخاص بالطفل العربي، والمكون من ثلاث أعمال:
الصندوق "قصة للطفل" – الآباء "مسرحية للطفل" – أجراء "قصيدة للطفل" .. ولعلي استدرك فأدب الطفل لدينا يعاني من قصور كبير، وشخصياً أحببت أن أجعل جزءً من مسيرتي مخصّصاً للطفل فالأدب ليس للكبار فقط أيضاً للأطفال نصيبهم.
ماذا عن تجربتك السينمائية اليتيمة "ينتظرها"؟
(ينتظرها).. تجربة يتيمة أملاها علي ظرف مفاجئ ذات صباح شتائي، كنت أشاهد اللقطات وكأني أشاهد فيلماً سينمائياً قصيراً، وهذا ما يؤكد قناعتي بأن الإبداع الحقيقي إلهام شديد مفاجئ، وتجده هو من يرتب لك عملك الإبداعي دون شعور منك، (ينتظرها) تجربة أتمنى أن تكرر، وبصراحة السينما فن يستحق الكثير منا، فهي جزء ليس بالقليل من فنون السرد الأدبي، رغم ارتباطها المباشر مع الفنون الأدائية أو المسرحيّة.



ما هي مؤهلات الناقد الأدبي؟
الناقد الحقيقي: هو الخارج من رحم التجربة الإبداعية الأدبية المحضة، والمتمرّس في نسجها شعراً ونثراً، حتى يُؤمن جانبه النقدي، فالأدب يُنتجه وينقدّه الأدباء، من لا صِلة لهم به شعراً ونثراً، وعملاً وصناعة هم المشكلة، كالمتسمّين بالنقّاد والأكاديميين والمتطفّلين على مائدة الأدب، لأنّ التنظير دون ممارسة لنفس العمل، برهانٌ على زجّ النفس في ما ليس من صنيعها.

ما تقييمك للمشهد الأدبي السعودي اليوم؟

لا أقيمه ولكني أعطي انطباعي الشخصي، المشهد الأدبي السعودي لا يختلف كثيرا عن أقرانه في وطننا العربي، فالأعمال الجميلة غالباً (قليلة) والسائد هو التكرار والاجترار وأعمال صدرت إعجاباً أو تأثراً بأعمال سبقتها، ولهذا أسباب كثيرة، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، لا أزكي نفسي فأنا جزء من منظومة المشهد الأدبي العربي، وأجتهد أن أكون مستقلاً قدر المستطاع جاعلاً من التأثر متعة لا أنقلها إلى أعمالي.



ألا يضايقك احتكار الرواية العربية لأضواء التكريمات والجوائز والنقد مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى؟

هي لا تضايقني ما دامت لا تمس حريتي الإبداعية وخصوصيتي الفنّية، انشغال التكريمات والجوائز والنقد بالرواية دون غيرها من الأجناس ضرره كبير، فالأدب ليس الرواية فقط، الأدب أيضا الشعر، والقصة، والمسرحية، والسيرة، لست ضد أي تكريم وأي جائزة وأي نقد يخدم الرواية أو ينشغل بها، وفي الوقت نفسه لست معها، لأن للأجناس الأخرى إغراء يفوق الرواية كالسيرة مثلاً.
الجوائز لها منطقة ايجابية أيضا حيث قدمت دعماً للحركة الروائية وجعلت هناك تواصلا أكثر من ذي قبل، ولكن يبدو أن كل شيء بمجرد أن يزيد عن حده تكون عاقبته غير مريحة، فالآن لم تعد الساحة الروائية مغرية بسبب المجانية التي سببتها هذه الجوائز.
إن المبدع الحقيقي جائزته (الاستمرار) وتقديم الأعمال المختلفة المتفردة، فالجوائز عموماً ليست مقياساً وليس لها أن تكون إلا داعماً ومحسّناً للمعنوية الإبداعية، باختصار هي (تكريم وتشجيع) على مسيرة عطاء أو جودة عمل، وليست تمييزاً أو تفرّداً.
ولو تأملنا لوجدنا أن أغلب من خلدهم التاريخ لم يحصدوا جوائز، وأغلب الأعمال التي ما زالت تقرأ كتبها أصحابها وغابوا عن الحياة ولم نعد نعرف عنهم أي شيء، سوى إبداعهم.

حاليا الكثير من الأسماء الأدبية تلهث خلف الترجمة إلى لغات أجنبية بغية الشهرة والانتشار، فما تعليقك؟ 

الترجمة للغات الأخرى مهمة بلا شك لكن ليس بهذا الشكل، وليس كل ما يترجم يلقى حظّاً وافراً، وليس كل مترجم جدير أو رفيع،أما الركض بغية الشهرة والانتشار فهي مشكلة، لأن الكاتب سيضحي بأعماله الأدبية لقاء الحصول على موافقة للترجمة، غالباً تكون مدفوعة الثمن، هذه الحالة اعتبرها متأثرة من فوبيا الفشل، الكاتب الواثق المرتاح لعمله لن يلهث خلف ترجمة أي كان شكلها، لأن الإنصاف يُوجبه التاريخ للمبدع، فهناك أعمال خالدة تقرأ في كل وقت ومع ذلك لم تترجم.
الكاتب الجاد لا تشغله الترجمة أو غيرها بقدر ما تشغله جودة إعماله، وهذا لا يعني رفضه للترجمة، ولا يعني عدم سعيه فيها ما دام يجد في أعماله ما يستحق الترجمة.
لا نجد لك تواجد على مواقع التواصل الاجتماعي: تويتر/ سناب شات /انستغرام / فيس بوك .. هل لك وجهة نظر تجاهها؟
قال أحدهم يوماً: " إن وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء .."
مواقع التواصل هي أماكن قائمة على الضجيج، والصراخ، والتنظير الممل وتفريغ الغضب الاجتماعي، والنقد الغير معني أصلا، والاحترام يكاد يكون مفقوداً، أنا متأكد أن جُل من يحضر في هذه المواقع هم أشخاص يتحدثون في أمور لا علاقة لهم فيها، ومن يتحرك فيها بشغف وحماس هم أنفسهم الذين كانوا يكتبون على الجدران، وبمجرد أن وجدت هذه المواقع جعلوها بديلاً، فاستراحت الجدران منهم.
هي أتاحت الفرصة للجميع بأن يعبروا كيف شاءوا، لكن من هم الجميع؟ وهل لآرائهم قيمة؟ . هذه المواقع قائمة على الشعارات والشعارات مطية المغلوب، فأنا ككاتب ما دمت أحترم نفسي قبل فني وقلمي، لن اسمح لمثل هذه المواقع أن تسلبني ثانية من وقتي، هذا خلاف تأثيرها السلبي: صحياً، نفسياً، ثقافياً، إلخ،  ناهيك عن وقعها السيء على الثقافة العربية، فقد رفعت الفوضى عالياً، وقاتلت الجودة بسلاح الرداءة.
ما هي القضية الرئيسة للمبدع ماجد سليمان؟ وإلى ماذا تطمح كتاباتك الأدبية مستقبلا؟
قضيتي الرئيسة هي (الإنسان) الإنسان في كل حالاته وتقلباته وتطلّعاته وتأمّلاته وتوجّساته، من حاضره وقادمه. تغريني الكتابة عن القضايا الكبرى للبشر، القضايا التي تهدد بقاء الإنسان، وتسحق يقينه، وتلوّث عيشه وتبعثر أمله، الكتابة عنها أشبه باستشفاء وضماد إلى حين.
أما المستقبل فهو غيب لا يد لي فيه، لست أضمنه ولا أتوقعه، كل ما علي فعله هو الإكثار من جرعات الأمل والعمل، والاستعداد بما تجود به الليالي التي أجلسها قارئاً وكاتباً، المهم أن استمر في زراعة الحياة بما هو جميل.

لمن يقرأ ماجد سليمان من جيل الشباب في وطننا العربي؟
أعمار المبدعين لم تكن شاغلتي يوماً لأنه ليس من العدل تقسيم الإبداع حسب الأعمار فقد يكون شاباً ويتجاوز بعمله من يكبرونه بأعوام، لذا يكون العمل هو الفيصل، حقيقة أقرأ لمبدعين كثر ولعلي أستحضر من  قرأت لهم مؤخراً، ولا أدري إن كانوا شباباً أم لا لكني أظنهم شباب القلوب، وهم: ربيع جابر، عماد الورداني، سلطان العميمي، فريد هدى، خليل خشلاف، علي بدر، وآخرين.

ما هو جديدك؟
انتهيت قبل أسابيع من عمل جديد لا هو بالرواية ولا بالقصة هي حكاية تتوسطهما، وتنتمي إلى أدب الحرب، بطلها شخصية متخبّطة بين حياة الحرب والحب، ويشرفني ويسعدني أن تكون النسخة الأولى بين أيديكم.
كلمة ختامية للقارئ الجزائري والعربي عموما؟
بكل محبة ومودة واحترام، للشعب الجزائري العريق، والقارئ الجزائري الفذ، وشعبنا العربي كافة، آمل أن أكون عند حسن ظنكم الجميل.

ليست هناك تعليقات: