2012/12/06

إنهم يريدوننا ! قصة: ياسر محمود محمد


إنهم يريدوننا !
من أدب الخيال العلمي
    ياسر محمود محمد

 لم يكن الأمر في الحسبان ، كوكب ربما يقع في الحدود الكونية البعيدة قرر غزونا . لماذا ؟ ! ظل الأمر مجهولاً غريباً و السؤال بلا إجابة منذ أن تم استقبال إشارات غريبة علي أجهزة المسح الراديوي المتقدم . و منذ أن أكدت المراصد الكونية التي يمتلئ بها فضاء الأرض . . أكدت وجود أطباق طائرة بحجم الميادين تسعي نحو الأرض .
      كان الكوكب الأزرق يدور دورته المعتادة حول شمسه في المجموعة الشمسية التي اقتحمتها فجأة آلاف الأطباق الطائرة الضخمة كل واحد منها مدينة بأكملها . داخله كائنات هلامية شفافة تبدو أجهزتها الداخلية المعقدة بشفافية من أوعية و مضخات أشبه بالقلب أو القلوب و أشبه بالكبد أو الكلي .
      كان ذلك الوصف هو ما أكده المختطفون و الذين قضوا فترة داخلها قبل أن يطلق سراحهم . كانت قد انتشرت تلك الظاهرة من اختطاف بعض المتميزين من البشر في أوقات مختلفة من العام العشرين من القرن الواحد و العشرين .
      كانت أجهزتهم أشبه بأكياس أو مضخات تبدو من خلال جلودهم الشفافة . أما عن الوجه فكان يظهر من الوجه الشفاف أشياء أشبه بالفم والعيون الشفافة لدرجة مذهلة ، و التي لا تميز فيها بؤبؤ أو عدسة و بلا حواجب و جفون . و من مطرح الأنف تدلي ما يشبه السلكين القصيرين مختلفين اللون .
       كان الأعجب من ذلك المخ الذي يظهر عبر الأعضاء الشفافة السابقة ذات الألوان المتدرجة يظهر في شكل خراطيم ملتوية دقيقة ملتفة في عجينة تتغير ألوانها عبر الانفعالات المختلفة للكائنات الغازية .
       لماذا كان يختطف البشر ؟ ! لقد كان البعض يصفهم بالمرضي أو المتخلفين عقلياً بعد اختطافهم . حتى الأصدقاء و الأقارب اعتبروهم واهمين .
أما العلماء . . العلماء بحق . . فقرروا بأنها امتداد لظاهرة اليوفو التي ظهرت بشكل مكثف منذ أواسط القرن العشرين . . إلا أن الظاهرة كانت تشهد تطوراً ملحوظاً و كثافة غير عادية في العام التاسع عشر من القرن الحادي و العشرين . و عندما اعتلت الأطباق الطائرة ما فوق الميادين الرئيسية بعد أن فشلت كل وسائل الدفاع الأرضية في صدها . . تأكد كل من علي كوكب الأرض من صدق هؤلاء الذين اختطفوا ، و يتيقن الأرضيون من وجود الأطباق الطائرة .
          *          *            *
      كان الطبق الطائر الواحد في حجم ميدان صغير أو مصنع كبير . . دائري الشكل ، مقسم ، إلي طبقات هرمية دائرية ، تعلو تدريجياً في لون بنفسجي داكن من معدن يبدو من مظهره الصلابة و الشدة البالغة و ذلك أيضا حسب تجربة المقاتلات الفضائية التي انفجرت كل صواريخها قبل أو ما أن تمسه دون أن تحدث به خدشاً واحداً .
      في مناطق منتظمة عبر الدائريات الطبقية تبدو كشافات تضيء بلون فيروزي ساطع أثناء ليل الأرض بدرجة أصبحت معها الأرض كرة لامعة و صار الليل معها أشد لمعاناً من النهار بالنسبة للأرضيين و ذلك عبر آلاف الأطباق التي غطت كوكبهم ، و غيرت من درجة نشاط الكائنات الحية عليه خاصة في الغابات التي تنتشر علي سطحه .
      الدائريات الطبقية تنتهي بنتوءات بزوايا معقدة عند أطرافها بحيث كما لو كانت متصلة قبل أن تتم في استدارتها عند النصف الآخر من الطبق . و تعلو تلك الطبقيات قبة دائرية مضلعة بحسب وصف أحد علماء الرياضيات علي كوكب الأرض . كانت تلك القبة تدور أفقياً حول الطبقيات و بها عبر فجوات خاصة ما يشبه الأذرع التي تمتد لتشارك و تدخل في فجوات أخرى لطبق آخر في مشاهد تكررت كثيراً في جو الأرض في الأسبوع السابق لما حدث . و أقسم الغالبية العظمى من سكان الأرض بأنه أعجب و أروع مشهد رأوه في حياتهم .
       و ذلك عندما تتصل الأذرع الضخمة مع طبق طائر آخر كان يظهر في ضوء يغشي الأبصار أولاً قبل أن تعتاده العين البشرية ( الضعيفة ) ثم تتابع الأنوار عبر الطيف المرئي للإنسان و تظل كذلك طوال مرحلة الاتصال ثم تمتد الأذرع عند الفجوات و عندها كان يصدر صوت أشبه بالفرقعة من بعضها ثم يبدأ انتقال شحنات ضخمة من الطاقة الهائلة اللانهائية عبر تلك الأذرع . . طاقة تكفي لإنارة عدة مدن أرضية كبيرة المساحة و السكان .
       أما عن الأذرع الأخرى الضخمة فكان ينتقل عبرها الكائنات الفضائية و كانت الأذرع شفافة بحيث يظهر خلالها أشكال الكائنات الفضائية الشفافة و هي تنزلق داخل الأذرع من و إلي أحد الأطباق الطائرة و قد تكورت علي نفسها و حدث لها تصغير مؤقت فبدت أشبه بالأجنة البشرية و هي تتلوى عبر الأذرع .
       كان ذلك المشهد في أول حدوثه مثار لأقصي درجات الرعب . بين الأرضيين و أقوي من كل مشاهد الخيال التي دارت في أفلام الخيال العلمي عن الغزاة الذين هم بالتأكيد يعدون العدة لغزو الأرض في أي وقت من الأوقات .
*                                *                                 *
     كان أديب الخيال العلمي الكبير و الأشهر في ذلك الوقت " صلاح معاطي " في استضافة احدي القنوات الفضائية عندما سألته المذيعة ذات الشعر الذهبي و الماكياج الصارخ . و هي تواصل الحديث عبر برنامجها المشهور " حقائق أغرب من الخيال " و الذي حاز أعلي نسبة مشاهدة منذ قدوم الغزو و أصبح بشكل يومي في حلقات خاصة عن الغزو . . سألته المذيعة و هي تتخذ مظهر الجدية .
-         الأستاذ " صلاح معاطي " من أشهر أدباء الخيال العلمي و الذين بدءوا  الكتابة في نهايات القرن الفائت اسمح لي أن أوجه إليك هذا السؤال .
-         ماذا تري يا سيدي في شكل الغزاة – هل توقعهم أدباء الخيال العلمي ؟
تنحنح الكاتب " صلاح معاطي " و عدل من نظارته المربعة علي وجهه الأسمر الدائري البريء السمات . . فبدا شاربه الأنيق المنمق بعناية و ربت عن شعره الذي انحسر بدرجة بسيطة عن جبهتك و لم يغير ذلك إلا اليسير من وسامته المعهودة لدي المحيطين به ثم قال :-
-         سيدتي بالتأكيد توقعوا – لن أعدد لك أسماء الروايات و لا الكتاب الذين حدثونا عن الأطباق الطائرة و لم نصدقهم . . و يكفي أنه لم يكن أحد يؤمن بوجودها سوي أدباء الخيال العلمي .
-         ابتسمت المذيعة في وجهه ابتسامة تدربت عليها طويلاً في قسم الإعلام . ابتسامة لتريح أعصاب الضيف و المشاهدين ( خاصة في هذه الأوقات العصيبة ثم قالت :-
-         من أين أتوا سيد ؟ !
-         بدت علي الكاتب الدمث ملامح الدهشة من سؤالها و هو يقول :
-         سؤال صعب . . ربما يكون من أطراف المجرة أو من أقاصي الكون عبر الأنفاق الدودية حسب ادعاءات " ستيفن هوكنج " أو من كون مواز " بعد تأكدهم من نظرية الأوتار" ، أو عن طريق عبور ثقب أسود و ذلك طبقاً لما شاهدناه من طاقة هائلة لديهم تمكنهم من عبور أفق الحدث للثقب الأسود ثم ضحك ضحكة دبلوماسية و لكن في سخرية :-
-         لربما حتى أتوا من بلوتو ! إذا كان لديهم الأردية المناسبة لمقاومة درجة الحرارة المنخفضة جداً هناك .
-         اعتادت المذيعة من خلال تعاملها مع أدباء الخيال العلمي تلك السخرية المنضبطة في أحاديثهم و لكنها لم تلبث أن نفضت عنها تلك الفكرة و استطردت و هي تستدير نصف استدارة نحو الكاميرا .
-         و الآن . . سيداتي و ساداتي متابعي برنامجنا العلمي . . نأتي إلي السؤال المهم :-
-         ثم عادت بجسدها ناحية الكاتب الأشهر " صلاح معاطي " و قالت له و هي تضغط حروف كلماته :-
-         لماذا ؟ ! نعم سيدي . . لماذا أتوا ؟ !
-         اعتدل الكاتب في جدية و اهتمام معروفين عنه و رفع يده اليمني مشيراً بها ناحية الكاميرا و هو يقول :-
-         هذا هو السؤال ؟ ! لماذا أتوا ؟ !
-         كان قد أطال نبرات كلمة السؤال ليدلل مدي أهمية ما سيقوله :-
-         سكت قليلاً ثم أردف بصوته ذا الطبقات القوية الواضحة :-
-         نعم !! لماذا أتوا ؟ !
-         إنني و من خلال دراستي لشهادات نحو تسعة ألاف حالة خطف من فترة ما قبل قدومهم اتفق أصحابها علي أغلب التفاصيل أقول لك سيدتي .
-         إنهم يريدون . . . .
صمت لحظة ثم تمتم بهدوء و كأنه يقول امرأ عادياً .
-         يريدون شيئاً واحداً هو احتلالنا, لا يمكن ان يأتوا بكل هذا العدد من الأطباق الطائرة إلا لاحتلالنا وربما  لإبادتنا .
-         تركت له المذيعة حرية الحديث وتركزت الكاميرا عليه ليواجه المشاهدين فبدأ قميصه الأخضر الزاهي وابتسامته الخبيرة فى  مجاله تواجه ملايين الاناسى المرعوبين المصدومين, وهو يقول واعظاً
-         المشكلة إننا لم ندر
التسعة آلاف حالة كان أكثر من نصفهم العلماء وأدباء الخيال العلمي زملائي فى العالم كله , كانوا يريدون دراسة أفكارنا وخيالنا وان من لديه خيال يستطيع ان يصنع الكثير .. لكن الناظر عند قدميه لا يصنع شيئاً .
علا صوته حانقا ً فى لحظة غضب اقسم العارفون به انها نادرة فى حياته – لم نصدقهم ! اتهمناهم بالجنون ! والخزعبلات ! وها هى الايام تثبت صدقهم .. كان علينا ان ندرس كل شئ وفقاً للعلم حتى وان كان اغرب  من الخيال .. والأغرب من الخيال صدقيني انهم كانوا يريدوننا . نعم كانوا يريدون أدباء الخيال العلمي لان الخيال هو أساس القوة وهو بذرة  المستقبل .
ثم تراجع بظهره وبدأ وكأنه يهمس فى حزن :-
فلتنم هادئاً ياجول فيرن ..
لم يقدر احد رسالتك !     

الأربعين – السويس
ت/ 01229720299

ليست هناك تعليقات: