‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل

2019/01/16

صباحكم أجمل/ قدس.. يا حبيبتي بقلم: زياد جيوسي "الحلقة الأولى"

صباحكم أجمل/ قدس.. يا حبيبتي
بقلم وعدسة: زياد جيوسي
"الحلقة الأولى"
القدس أخيراً.. هكذا صرخت بألم حين تمكنت من الدخول للقدس بعد غياب إجباري استمر48 عاماً، فقد أتيح لي الدخول للقدس في شهر رمضان بحكم السن لأول مرة بعد هذا الغياب الطويل، وحين وقفت على الحاجز الذي سموه معبر قلنديا للدخول، كنت أشعر بالألم يعتصرني، وتذكرت أحمد شوقي حين نفي من وطنه فصرخ:
"أحرام على بلابله الدوح ... حلال للطير من كل جنس"
وبعد أن عبرنا أنا وصديقي ناجح عبد الكريم"أبو العبد" هذا المعبر عبر سلسلة مقرفة من الإجراءات والتفتيش، وهو بوابة في الجدار البشع الذي يتلوى كأفعى سامة وبشعة، والذي اقتطع القدس وضواحيها من أراضي الضفة الغربية، شعرت بألم يعتصرني، فركبنا الحافلة الصغيرة، وطلبت من صديقي الذي يعرف القدس جيداً أن يعلمني عن أسماء الأحياء التي نعبرها، فقد عاش طفولته في مدرسة الأيتام في القدس بعد استشهاد والده في حرب 1967، وعمل بها بعد ذلك فترة زمنية. فركبنا الحافلة الصغيرة متجهين إلى قلب المدينة، وما أن أطللنا على حي الشيخ جراح قال صديقي: هذا حي الشيخ جراح.. حتى سالت دمعة حرّى من عينيّ، ففي هذا الحي تقع مدرسة خليل السكاكيني التي درست بها فترة في الصف الثاني الابتدائي في العام 1962 قادماً من عمّان، ومن ثم عائد إليها، وفيها تعرفت إلى فلسطينيتي، وتعلمت بها، إضافة إلى أهم مسألتين رسمتا خط حياتي؛ مقاومة الاحتلال حيث كان الطلبة يتسللون لقذف قوافل التموين للجيش الإسرائيلي بالحجارة، والتي كانت تمر تحت حراسة الجيش الأردني وبرفقة الصليب الأحمر في تلك الفترة، بين هداسا المحتلة والمنعزلة عن القدس الغربية المحتلة في العام 1948 والقدس الشرقية مرة في الأسبوع حسبما أذكر، والتي تبين أنها كانت تنقل السلاح والجنود إضافة إلى التموين، والمسألة الثانية أن تلك الفترة، والتي شهدت أوج الثورة الجزائرية، ربطتني بقوميتي العربية، حيث كنا نتبرع بالفلسات القليلة التي نحصل عليها كمصروف أيام الدراسة لصالح الثورة الجزائرية، ونقف بعد تحية العلم كل يوم لننشد للجزائر:
"وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.. فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا"
حي الشيخ جراح جرت تسميته بهذا الاسم نسبة لطبيب صلاح الدين الأيوبي الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، وهذا الحي، والذي كان يعتبر من أرقى أحياء القدس الشرقية ومركزاً أدبياً وثقافياً، تعرض ولا يزال يتعرض لهجمات استيطانية شرسة، وطرد السكان منه ضمن مخطط تهويد القدس. هذا الحي كنت أمر منه يومياً ذاهباً إلى مدرستي وعائداً منها سيراً على الأقدام من أعالي واد الجوز الذي كنا نكتري بيتاً فيه، لذا ارتبط هذا الحي بشكل وجداني في ذاكرة طفولتي.
واصلت الحافلة السير بنا حتى وصلنا إلى محطة الحافلات، ومن هناك اتجهنا نحو باب العمود أو كما يسمى بوابة دمشق وهو أحد أبواب القدس التاريخية، وكنت أسير صامتاً مذهولاً وعدستي لا تتوقف عن التقاط الصور حتى وصلنا باب العمود، فوقفت على أعلى الدرج أتنشق الهواء بقوة، ورغم المسافة التي سرناها، والجو الحار، والصيام له أثره على النشاط، إلا أني لم أكن أشعر بالتعب، فكل همي أن أعانق كل حجر في القدس وذاكرة التاريخ، فنـزلت الدرج مع صديقي ورهبة التاريخ تسيطر على روحي، حتى عبرنا باب العمود، وهو ذو مدخل متعرج، وسمي هو بوابة دمشق لأن قوافل التجارة لدمشق كانت تخرج منه، وسمي باب العمود لأنه في الفترة التي سبقت الفتح الإسلامي وحتى ما بعد الفتح كان هناك عمود في البوابة القديمة منذ عهد هيرودتس، وبني هذا الباب في عهد الخليفة العثماني سليمان القانوني، والذي أخذت القدس منه اهتماماً كبيراً، والبوابة القديمة اكتشفت خلال التنقيبات الأثرية في فترة الحكم الأردني بين 63 و1966 تحت باب العمود الحالي، وقد بنيت في فترة هيرودتس في منتصف القرن الأول الميلادي.
ما أن عبرنا باب العمود حتى كنا نجول في أسواق القدس القديمة، وكم كنت أشعر بالألم يجتاحني وأنا أرى حثالات المستوطنين تجول القدس بكل وقاحة، وجنود الاحتلال يحتلون الزوايا والأزقة بسلاحهم البشع، وهم يحتسون الماء والمشروبات الأخرى باستفزاز واضح للصائمين والمتجهين للصلاة، كما آلمني منظر تلك الأبنية التي جرى احتلالها وطرد سكانها ورفع العلم الصهيوني عليها، فعبرنا من سوق القطانين نسبة لباعة القطن في الماضي، وباب القطانين عبارة عن بوابة ضخمة تعلوها قبة لا تزال محتفظة بزينتها وزخارفها، التي تميزها الكثير من الوحدات الزخرفية المثلثة التي تسمى "المقرنصات"، كما يتميز بحجارته الملونة بثلاثة ألوان مختلفة هي الأحمر والأبيض والأسود، مدخله مستطيل بارتفاع 4م، جدده الأمير تنكز الناصري أيام السلطان المملوكي محمد بن قلاوون عام 737هـ/1336م، وتم ترميمه لآخر مرة على يد المجلس الإسلامي الأعلى عام 1929، والاسم أصبح لأحد أبواب المسجد الأقصى، وهذا السوق الذي يعود للعهد الفاطمي، حيث نجد ذلك واضحاً بنمط البناء الفاطمي والحمامات التي تعود للعصر المملوكي، ويتميز هذا السوق ببيع احتياجات المصلين والزوار للأقصى، فنجد سجادات الصلاة، والكوفيات، والمواد العطرية، والسُّبحات، وألبسة الصلاة للنساء، وغيرها من احتياجات متواجدة بكثرة في هذا السوق، فعبرناه متجهين للأقصى لتحقيق حلم الزيارة والصلاة في الأقصى.
ما أن دخلنا بوابة القطانين، وهي تعتبر من أكبر أبواب الأقصى وأجملها ومغطاة بقبة منقوشة من الحجر في غاية الجمال، حتى كان مسجد قبة الصخرة في مواجهتنا بكل جماله وقبته الذهبية، فشعرت بدقات قلبي تخفق بقوة وشعور كبير بالخشوع في حضرة الخالق يغمرني، فهمست: يا لعبق التاريخ يا قدس، يا لتاريخ يبوس وكنعان وحضارة العرب والإسلام، فمسجد قبة الصخرة يروي حكاية من حكايات القدس والحضارة العربية الإسلامية، والمسجد قيمة جمالية عالية خضعت للتجديد منذ بنائها، ولكن حافظت على شكلها ونسق البناء الأصلي، ولجمال قبة الصخرة تصدرت دوماً الصور والأخبار بحيث أن البعض أصبح يخلط بينها وبين المسجد الأقصى، علماً أن قبة الصخرة هي مسجد بني بأمر من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وتم الانتهاء من بنائها الذي استمر ست سنوات في العام 72 للهجرة، وبنيت في متوسط ساحات المسجد الأقصى، وأشرف على البناء المهندسان يزيد بن سلام من القدس ورجاء بن حيوة من بيسان، ولولا وجود الصخرة التي عرج منها سيدنا محمد "عليه الصلاة والسلام"، في ذلك الموقع لما بني المسجد، ومنذ بناء الأقصى وكل من حكم المنطقة من المسلمين أولى اهتماماً خاصاً برعاية قبة الصخرة وترميمها والحفاظ على جماليتها، وقد عانت كما القدس والأقصى من فترة الصليبيين كما الآن في فترة الاحتلال الصهيوني، ويجب أن ننتبه أن القدسية هي للمسجد الأقصى، وكل ما في ساحاته تابع له وليس العكس.
صعدنا الدرج المؤدي إلى ساحة مسجد قبة الصخرة، فالمسجد يرتفع عن ساحات الأقصى بحوالي أربعة أمتار، وتذكرت أنني في زيارتي الأولى حين كنت طفلاً في السابعة برفقة والدتي رحمها الله لم ندخل مسجد قبة الصخرة لأنه كان تحت الترميم، فدخلنا المسجد وصليت ركعتين تحية المسجد، ثم بدأت التجوال في المسجد مبهوراً بالجمال والإبداع الهندسي، فالمسجد صمم على شكل ثُماني الأضلاع من الخارج، إضافة إلى ثمانية أضلاع من الداخل ودائرة في الوسط تمثل القبة الذهبية التي  تعلو الصخرة المشرفة، وتقوم على أربعة دعامات حجرية ضخمة و22 عموداً مكسوة بالرخام الجميل المتعرق، ورقبة القبة مزينة بالفسيفساء، وفيها 16 نافدة للتهوية والإنارة، وما بين التثمينة الداخلية والخارجية للمسجد يوجد رواق هو مكان الصلاة في المسجد، وما بين دعامات التثمينة الداخلية توجد أعمدة رخامية تعلوها الأقواس شبه الدائرية وجميعها مزينة بالفسيفساء وأجزاء منها مطلية بالذهب كما القبة النحاسية المطلية بالذهب والتي تعلو المسجد، وفي الحلقة الثانية سأكمل الحديث عن قبة الصخرة وأجزاء ومصليات وبوابات الأقصى.
في رام الله اجلس مع نسمات الصباح مستعيدا ذكرى رحلتي الأولى للأقصى تحت الاحتلال، احتسي قهوة الصباح واستمع لشدو فيروز: "لأجلك يا مدينة الصلاة اصلي لاجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن يا قدس يا قدس يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي عيوننا إليك ترحل كل يوم ترحل كل يوم تدور في أروقة المعابد تعانق الكنائس القديمة و تمسح الحزن عن المساجد".
فسلام عليكِ يا قدس.. سلام عليكِ ولا بد من فجر حرية..
"رام الله 20/12/2018"

2019/01/07

طوفان اللوتس ..رحلة إلى قلب الأسطورة بقلم: حسام باظة

طوفان اللوتس ..رحلة إلى قلب الأسطورة
حسام باظة
فى أسلوب أشبه بكتابات الاساطير ، ولغة شعرية بديعة تبدو كما لو كانت تغريدة بجعة تسبح وحيدة فى بحيرة ، نسجت لنا الكاتبة هذه الرواية من بدايتها الى نهايتها مما يجعل الكاتبة تحلق وحدها فى سماء أخرى وتنحوا منحى أخر يختلف عن الأخرين . اللغة العربية الفصيحة القوية والجزلة هى ما استخدمتها الكاتبة سواء فى السرد أو فى الحوار مما أضفى على الرواية قوة وخيال ، بدأت الرواية برحلة سيارة لبطلة الرواية سندس أخذة فى وصف المكان والشخصية بأسلوب ينقلك على الفور إلى جو الرواية وكأنك تشاهد فيلما سينمائيا . عدد الشخصيات فى الرواية قليل جدا ، فهم لا يزيدون عن سبعه أو ثمانية اشخاص مقارنة برواية تقع فى حوالى أربعمائة صفحة ، ولم تستخدم الكاتبة الشخصيات الثانوية الا فيما ندر وفى ظل اضطرار الحدث الى ذلك ، مما يساعدك على التركيز فيما تريد الكاتبة أن توصله اليه ولا تتشتت فى شخصيات وأحداث ثانوية . فكرة الرواية تمزج بين الواقع والخيال ، سندس البطلة بعدما يموت أبوها وتصبح وحيدة وتنكسر فى قصة حب فاشلة تهرب من قاهريتها الصاخبة المرفهه المتحررة الى قرية (قبريط) الواقعه بشمال مصر على نهر النيل ، لتعيش وحيدة فى بيت أبيها وجدها لتزيل عنه التراب وتسقى وروده وأشجاره لتزدهر مرة أخرى ، فى إشارة الى مقابلتها للبطل ياسين هذا الرجل الأسطورى الكاسح ، والذى سقط قلبها تحت قدميه من أول لقاء ليكسر كبريائها ويعاملها بتعالى من برجه العاجى ، إكتشفت سندس أقارب أبيها واللذين تقابلهم لأول مرة وهم هذا الأسطورى ياسين وأخيه جاسر وابوهم الحاج أحمد ووالدتهم ، لتحيطها هذه الأسرة بالود والحب والتبنى ، الا ان حبها لياسين لا يسير بما تشتهى السفن فهو رجل متزوج . تبدأ الرواية فى الثلث الثانى منها فى أخذ منحى أخر حين تكتشف سندس أن بيت جدها هذا والذى يقع فى هذه القرية الاثرية القديمة ( قبريط ) يقبع فوق مقبرة فرعونية للملك ( حور ) والذى يخطفها الى أسفل البيت لتجد نفسها فى قاعة فرعونية مهيبة أمام الفرعون الاله ( حور ) . تكتشف سندس انها الملكة ( نفر ) زوجه ( حور ) والتى قتلت من ثلاثة الاف سنه وبعثت من جديد فى جسد سندس ، لتسير بنا الرواية فى خط تناسخ الارواح وحلول الارواح كل ثلاثة الاف سنه فى جسد جديد ، وتتمزق سندس بين حبها لياسين وحب حور لها والذى عاد بعد الاف السنين ليبحث عنها ويجدها مرة اخرى . فى خضم هذه الاحداث التى تجعل انفاسك متلاحقة تكتشف كم هائل من المعلومات الصحيحة والمدققة عن الحضارة الفرعونية واساطيرها القديمة وصراع الالهه فى المعتقد الفرعونى القديم لتجد نفسك شاهد عيان على ست وحور ونفر وايزيس وازوريس وماعت وست ونفتيس وكاف ميريت ورع ، وصراع كل هؤلاء الالهه فيما بينهم ، مما يوضح الجهد الذى بذل فى تدقيق هذه المعلومات وصياغتها بهذه الطريقة ، ثم تعود بك فى رشاقة الى عالم ياسين وجاسر وسندس ووالدهم وأمهم ، لتسير الرواية على هذا النهج وبين هذين الزمنين لنصل الى بؤرة الصراع عندما يتزوجها ياسين ويغار عليها حور من ياسين والعكس حتى نصل الى حل الصراع ونقطة الضوء فى الجزء الاخير من الرواية والتى صاغته الكاتبة كملحمة فرعونية بديعة . تؤكد الرواية على قيمة العائلة ، مما يعد نقطة محورية وهامة جدا فى صلب الرواية ، فالبطلة سندس والتى وجدت نفسها وحيدة بعد وفاة والدها تسافر الى بلدتها لتجد الحاج احمد ابن عم والدها وابناؤه ياسين وجاسر خيرعون لها ، يحتضنونها ويوفرون لها الامان النفسى والاجتماعى لدرجة انها تجد نفسها بدون ان تشعر تقبل يد عمها الحاج أحمد كلما سلمت عليه ، وهى الفتاة المتعجرفة المتحرره الا ان هذه الشخصية القوية والتى لها مكانة كبرى فى البلده والبلاد المجاورة والمتمثلة فى هذا الرجل تجعلها تشعر بأنه فى مكانة والدها . تتطرق الرواية الى نقطة هامة وهى وقوع الزوج فى حب فتاة حبا لا يوصف فى الوقت الذى يحب فيه زوجته ايضا ، لتقول ان الرجل بطبيعته قلبه يتعلق بأخرى حتى لو كان متزوجا ويحب زوجته ، وعالجت هذه الجزئية بحرفيه بالغة لتجد لها حلا فى الرواية . الوصف فى الرواية دقيق للغاية ، واللغة الرومانسية وعبارات الحب والوجد تمتلىء بها الرواية وخاصة فى الحوارات المتعددة والطويلة بين سندس وياسين . الكاتبة كما قلت فى البداية تحلق وحدها فى سماء أخرى لتنسج لنا نوعا من الكتابة تجيده هى ، والرواية من أروع ما قرأت فى السنوات الاخيرة ، من وجهة نظرى أن عدم وجود الكاتبة فى القاهرة ةهى المركز الادبى والثقافى الاول واقامتها فى محافظة كفر الشيخ والتى تبعد عن القاهرة كثيرا قد أثر بشكل ما عن عدم وجود الكاتبة فى مكانها الملائم لها فى صدارة كتاب الرواية العربية .

2018/12/18

الموت عندما يسرق من سرقته الصّحافة بقلم: د.سناء الشعلان


الموت عندما يسرق من سرقته الصّحافة
"بطاقة تعزيّة بوفاة الرّاحل الكبير مصطفى صالح كريم"
بقلم: د.سناء الشعلان/ الأردن
    الموت المتجبّر سرق الإعلاميّ والأديب والمناضل " مصطفى صالح كريم" بعد مسيرة عطاء عملاقة عمرها نحو 8 عقود قضاها في صومعة الأدب والصّحافة والحقيقة والنّضال لأجل قضيّة شعبه،وبرحيله القهريّ إلى العالم الآخر حُرمت الثّقافة الكرديّة والعربيّة والعالميّة من شخصيّة فذّة تكاد تكون مدرسة كرديّة/عربيّة في الإعلام؛إذ كان من أوائل من حملوا لواءه في المشهد المعاصر العربيّ والكرديّ، وبالتحديد في السّليمانيّة؛فضلاً عن أنّه قاصٌ ومترجمٌ،وقد شغل الكثير من المناصب الصّحفيّة،آخرها موقع نائي رئيس تحرير صحيفة (الاتّحاد)،كما شغل سابقاً منصب نائب نقيب صحفيي كردستان.له الكثير من المؤلّفات،منها: رنين السلاسل،وشهداء قلعة دمدم،ومتّشحة بالسّواد،وفن كتابة القصّة،والرّداء الأبيض،وأم الأحرار،وحديقة من الكلمات،ورحلة إلى بلاد الرّاين.وتمّ تكريمه من كثير من الجهات الرّفيعة على منجزه الأدبيّ ومشواره الإعلاميّ الطّويل.
   على الرّغم من أنّ بطاقات التّعزية الرّسميّة تركّز على الجانب الرّسميّ في شخصيّة المتوفّى،إلاّ أنّني لا أستطيع أن أتكلّم برسميّة عن الرّاحل -المغفور له بإذن الله تعالى- مصطفى صالح كريم دون افتقاد إنسانيته ومحبتّه وقدرته على العطاء والمشاركة والاهتمام؛فكلّ من عرفه،وتعامل معه له معه رصيد عملاق من الذّكريات الجميلة التي تتزيّن بإنسانيته ولطفه وجمال معشره وروحه الكريمة وخفّة ظلّه التي تجعل من رفقته متعة كاملة.
      جميعنا نعرف أنّ مصطفى صالح كريم هو أسطون من أساطين الصّحافة العربيّة والكرديّة،كما يعرفه الجميع بدماثته وجمال معشره وحبّه العذب للنّاس والحياة،ولكن القليل من النّاس ممّن يعشقون قلمه يعرفون أنّ الصّحافة قد سرقته بإصرار وسبق ترصّد من الأدب على الرّغم من أنّه قد أثبت طول باعه في حقل كتابة القصّة القصيرة،ولعلّه استجاب لهذه السّرقة المشروعة ما دامت هي من قدّمت قلمه للمجتمع بالشّكل الذي ابتغاه،وحملت قضايا الثّوريّة والوطنيّة والإنسانيّة والمجتمعيّة.ولكن هذا لا يعني أنّه قد استسلم لهذا القدر،وهجر الأدب الذي يعيش في أعماقه،بل هو قد احتال بذكاء على أقداره كي يرفد الأدب الذي يهواه بحياة جديدة في جسد العمل الصّحفي الذي يحترمه.
  منذ عدّة سنوات صدر كتاب" اليوم الثّالث" الذي جمع مصطفى صالح كريم فيه مقالاته التي كان يكتبها في عاموده الأسبوعي تحت عنوان"اليوم الثّالث" ،ولاشكّ أنّ الوقوف عند هذه المقالات التي كتبها مبدعها تباعاً عبر سنوات تشكّل مادة تاريخيّة وإعلاميّة غنيّة وأرضاً خصبة لكثير من المواضيع والدّراسات والمصادر المعرفيّة المهّمة،ولعلّ التّوثيق التّاريخي فيها هو من أهم ملامحها التي يجعلها مصدراً تاريخيّاً يوثّق لأهم الأحداث التّاريخيّة في المنطقة الشّرق أوسطيّة لاسيما فيما يخصّ القضية الكرديّة.وهذا أمر مفروغ منه بما يخصّ اهتمام قلم إعلامي كبير مثل مصطفى صالح كريم،فهو يمثّل مرقاباً محلّلاً وراصداً ذكيّاً وشجاعاً لقضيته وأولوياته الفكريّة والإنسانيّة،ولكن هذا الكلام كلّه من نافلة القول من وجهة نطري في هذا الدّرب من الرّؤية.
    وما لفت نطري بشكل كبير في هذا الكتاب"اليوم الثّالث" أنّه قد سرق مبدعه من عالم الأدب وجيّره لصالح الصّحافة،ولكن مصطفى صالح كريم استطاع أن يطعّم الصّحافة بالأدب،وأن يؤرّخ بنكهة الأدب،فهذا السّفر الإعلامي هو منجز أدبي بامتياز،ولنا أن ندرسه من منطلق المنجز السّردي الذي لا يمكن أن يُصنّف بعيداً عن سرديّات إبداعيّة تقوم على أعمدة القصّ .
 وقد خنق مصطفى صالح كريم القاصّ في ذاته لحساب الصّحافي الذي يشتدّ احتلاله له تلبية لصوت ضميره وواجبه وعمله،ولكنّه أخفق في ذلك مرّة تلو الأخرى،ودائماً ينتصر القاصّ الذي يسكنه،ويهيمن على السّرد،فنجد أنفسنا في دنيا قصصه بكلّ ما فيها من تفاصيل وجماليّات،وهو من يصرخ فينا قائلاً إنّه يكتب مقالة،ونحن نصرخ فيه قائلين:ولكن ما تكتبه هو قصّة قصيرة،فيبتسم ويأخذنا إلى مقالته القصّة أو قصتّه المقالة إذ يقول في مقالة" أربعون عاماً وعام" :"بشوق بالغ دخلت محراب الموسيقى في قاعة الثّقافة بمدينة السّليمانيّة...تذكّرت عازف الكمان (يوها نزكارلسكي) بطل رواية(الكمان الأسود) للرّوائي الفرنسي المبدع (ماكسنيس فيرمين) ولقائه صانع الكمان (ايراسموس) وعشقهما المشترك لأوتار الكمان وللعزف الملائكي".
  قليل هم الذين يُسرقون بإرادتهم،ومصطفى صالح كريم وافق بطواعيّة على أن تسرقه الصّحافة من الأدب/القصّة القصيرة،ولكّنه خدعنا جميعاً إذ ألبس القصة لبوس الصّحافة،وأطلقها تسعى فينا.لن أقول أنّ هذا السّلوك هو سلوك عفوي اعتباطي،ولو كان الأمر كذلك،لفقد الأدب عنده أهم خاصيّة تحدّده،وهي خاصّية القصديّة،فالإبداع ليس من يفرض نفسه على المبدع كما يزعم بعض منظري الإبداع،ولكنّ المبدع هو من يختار أدبه وأداته وهدفه،وهو من يتلاعب بها جميعاً،وينسج له منها صوتاً وقلباً ونبضاً وخطىً على الطّريق.
  لقد أخلص للقصّة وإن هجرها ظاهريّاً،لقد ولدها في قلمه الصّحفي،وأرسلها في مقالاته،فأبدع في ذلك،وأستطاع أن يخلق له شكله الصّحفي الإبداعيّ الخاص الذي ميّزه،فكان بصمته المميزة ليجعله أباً من آباء الصّحافة المعاصرة.

2018/12/16

من قصر النابلسي إلى متحف عوني ظاهر بقلم وعدسة: زياد جيوسي


من قصر النابلسي إلى متحف عوني ظاهر






بقلم وعدسة: زياد جيوسي
"البوح السابع"
   نابلس.. صباحك أجمل، هكذا همست لنابلس وأنا أطل عليها من أعلى رفيديا قادما من جيوس لمواصلة جولاتي فيها، كانت الشمس مشرقة بعد فترة من الأمطار التي جعلت التلال تكتسي باللون الأخضر الموشّى بالأزهار والحنون وشقائق النعمان، حتى وصلت قلب المدينة لمنطقة الدوار وانتظرت وصول د. لينا الشخشير منسقة برنامج جولاتي في نابلس، وما هو إلا قليل من الوقت حتى كانت تطل بابتسامتها التي لا تفارق محياها لنتجه مباشرة إلى قصر النابلسي والذي أنشأه الحاج نمر النابلسي، حيث كان بانتظارنا السيد نياز عطا حماد الدويكات، الذي روى لنا حكاية القصر مصطحبا معه بعضا من الصور القديمة التي توثق مرحلة مهمة في تاريخ نابلس ومنطقة عسكر البلد، التي يوجد على سفح جبلها القصر الذي لم يكن مبنيا غيره على هذه المساحة الكبيرة من السفح وعلى امتداد واسع كانت البساتين والأشجار والأراضي المزروعة.
   وصلنا إلى بقايا القصر الذي لعب الإهمال والزمن أثره عليه إضافة للعوامل الجوية، وكان وصولنا من المدخل الخلفي حيث واجهنا العلية أمامنا والتي يصعد إليها درج حجري من الحديقة الخلفية المهملة، ونزلنا يمينا على بقايا درج دمر وتحول لكومات من الأتربة التي دفنت أجزاء من المدخل الخلفي، حيث فتح لنا السيد نياز الباب المعدني الذي أضيف لاحقا في محاولة لحماية البيت من المتطفلين، حيث دخلنا من هناك إلى ردهة واسعة في الدور الثالث من البناء المكون من 3 أدوار إضافة للعلية، ومن خلال هذه الردهة الواسعة كانت هناك مجموعة من الغرف على الجانبين، والبيت بأكمله مبني على نظام العقود المتصالبة بإتقان رهيب، والحجر الخارجي للبناء من الحجر السلطاني الصلب والمتميز، وفي آخر الردهة شرفة تطل على سهل عسكر، وكل غرفة إضافة للنوافذ الخارجية القوسية والطولية والمزودة بأشباك الحماية الحلبية، يوجد بها في الجدران السميكة فجوات للاستخدام اليومي تحتوي على عدة رفوف خشبية أو لحفظ المواد، إضافة لما كنا نسميه "المصفت" ويوضع به الفراش والألحفة والوسائد بعد الاستخدام، وأبوابها أيضا ذات أقواس من الأعلى والأبواب من الخشب المتين الذي ما زال بعضه يحافظ على بعض من متانته رغم العقود الطويلة من السنوات التي مرت عليه.
   عبر بوابة خشبية كانت تغلق من الداخل بالعوارض المعدنية نزلنا باتجاه الطابق الأسفل، وفي نهاية الدرج الأول كانت هناك مساحة أخرى مبنية ومستقلة، وفوقها قسم مواجه لمبنى العلية، وهذه المساحة أمامها قطعة من الأرض التي كانت مزروعة ومطلة على السهل، وهي ملتصقة بالبناء مع القصر بشكل جانبي لاستغلال المساحة وزيادة حجم ومساحة البناء، وأيضا هذا الملحق مبني على نظام العقود المتصالبة، ومن ساحته نزلنا الى الطابق الذي تحته وهو الطابق الأساس حيث يصعد إليه من الشارع السفلي درج حجري مرتفع، وهو فعليا قاعدة القصر ومبني على نظام العقود المتصالبة الضخمة وقد تعرض إلى تخريب كبير، وحسبما أفادني السيد نياز فهناك من يظنون أن الذهب مدفون فيه فخربوه بحثا عن أوهام، حتى أن وزارة السياحة والآثار بناء على معلومات غير دقيقة قامت بالنبش والحفر وتركت الأتربة مكومة دون إعادة أو صيانة، ولم يدرك أحد أن الذهب الفعلي في ترميم هذا القصر وجعله قبلة للزوار والسائحين.
  وهذا الطابق يظهر أنه كان مستخدما كمكان استقبال للضيوف والزوار ويستدل على ذلك من مساحاته الواسعة، وأيضا نوافذه الكبيرة إضافة لوجود موقد تدفئة بالجدار، وبعدها تجولنا في الطابق الذي تحته ويظهر أنه كان مستخدما مخازن للتخزين، ومن الحديقة كانت هناك عدة غرف وكأنها تسوية ربما كانت تستخدم أثناء الجلوس في البستان أو لحفظ المنتوجات وأدوات الزراعة، والقصر أصلا بناه الحاج نمر النابلسي وهو من أثرياء نابلس، ووالد السيد نياز وهو عطا حماد دويكات عمل معه بالزراعة وكان مشرفا على الأراضي الزراعية والبساتين، وبعد وفاة الحاج نمر بدأ الورثة ببيع حصصهم في القصر والتي اشتراها منهم الحاج عطا، ومن ثم آلت لورثته الذين هجروه عام 1993 إلى شقق وبيوت، وأخذوا معهم البلاط القديم التراثي بعد خلعه وكذلك القرميد الذي كان يعلو القصر، وأشار السيد نياز أن د. محمد دويكات أحضر الطلاب وقاموا بإنجاز دراسة عن القصر ولكن من زاوية عائلية باعتباره يعود لآل دويكات بعد الحاج نمر.
   لم نترك زاوية لم نتجول بها وشاهدنا حجم الإهمال لقصر تراثي مميز بجماله وبنائه، فتحول إلى خرابة آيلة للسقوط إن لم يتم تدارك الأمر وترميمه، وبعد أن أنهينا صعدنا للعلية وتأملنا عسكر البلد وشكرنا السيد نازك، لنلتقي الشاعر مفلح أسعد ونتجه ثلاثتنا إلى بلدة ياصيد من بلدات نابلس القريبة حيث لقاء آخر مع الحاج عوني ظاهر وتراث آخر مختلف.
   عبر الطبيعة الخلابة اتجهنا إلى ياصيد بلدة الأستاذ عوني ظاهر، وكان قد سبق هذه الزيارة التي تأخرت كثيرا تواصل بيني وبينه عبر الهاتف من عدة سنوات ووعد مني بالزيارة، حتى رتبت د. لينا من ضمن برنامج تجوالي في نابلس الزيارة للأستاذ عوني والإطلاع على مقتنيات كان قد حدثني عنها قليلا، لكني لم أتوقع أن أصاب بالذهول من نوعية وحجم ما رأيت وخاصة أن كل ما شاهدته كان جهدا شخصيا دون دعم أو اهتمام من أية جهة بكل أسف.
   الأستاذ عوني كان يعمل معلما ومن ثم رئيسا لقسم التقنيات في دوائر التربية في الضفة المحتلة عام 1967 من فلسطين، واستمر بعمله من عام 1984 حتى عام 2014 وهو من مواليد 1960، كان لديه اهتمام كبير في التراث ويتابعه وكل ما يمكنه الحصول عليه يحتفظ به في بيته الذي أحاله متحفا، واهتم كابن لقرية صغيرة بتراثها ووثائقها، فأصبح تاريخ البلدة في أرشيفه من طلاب ومعلمين ومناسبات أفراح يحتفظ ببطاقات الدعوات لها، إضافة للوفيات والشخصيات التي تركت أثرا فيها، حتى أني وجدت لديه دفاتر ديون تعود لبقالات في أوائل الخمسينات من القرن الماضي مسجل بها أسماء الناس والديون اليومية عليهم، والأهم أنه عمل على توثيق التعليم وما يتعلق به ويسميه تاريخ فلسطين التعليمي عبر مائة عام، وأعلمني أنه كان في مديرية التربية ملفات تعود للأعوام 1921 إلى 1970 وكان هناك قرار بإتلافها، لكنه احتفظ بما يزيد عن ألف وثيقة، منها أوارق علاج للمدرسين ومن عالجهم إضافة لمناهج التعليم القديمة ومنها مؤلفات خليل السكاكيني، والجميل أنه يحتفظ أيضا بمقاعد قديمة استخدمها الطلاب وآلات طباعة وتقارير وطوابع عبر عدة حقب زمنية مرت على فلسطين من العهد العثماني وما بعده.
   بعد اللقاء واحتساء القهوة بدأت جولتي برفقة د. لينا الشخشير والشاعر مفلح أسعد، وحقيقة ذهلت لما رأيت، فلو تفرغت لجنة من الباحثين لتوثيق بعض مما رأيته لاحتاجت سنوات، فلم أتوقع إطلاقا أن أرى هذا الكم من الوثائق والمناهج والأدوات التراثية وجوازات السفر والهويات والصور من العهد العثماني وصولا لآخر ما تمكن الحاج عوني من توثيقه، إضافة لأدوات زراعية وحجارة وسبل إضاءة ووسائل إيضاح تعليمية، وخير ما فعل الأستاذ عوني الاحتفاظ ببعض من هذه الوثائق التي تؤرخ للتعليم في فلسطين بدلا من إتلافها، وأستغرب أن المدارس كانت تقوم بإتلاف المناهج التي تغيرت بدلا من الاحتفاظ بها في مكتبات المدارس، إضافة لملابس تراثية وأدوات زينة وعملات مختلفة، إضافة لأدوات حلاقة وأدوات مطبخ تراثية وساعات تراثية، وكتب كثيرة لفت نظري منها كتاب يحمل اسم روضة الأطفال للمدارس الأولية من أربعة أجزاء وهو من المنهاج المصري وكان يدرس في فلسطين عام 1930.
  ليس هناك مساحة تسمح بالحديث عن كل ما رأيته خلال ساعات، فكيف بالحديث عما لم يسمح الوقت برؤيته، فالأستاذ عوني يحتل بتراثياته مساحة كبيرة من البيت وما تحت البيت، ويحتفظ بالكثير من المواد في حقائب وصناديق لعدم إمكانية عرضها، وحلمه هو أن تقوم بلدية نابلس بإنشاء مشروع قرية تراثية وهو مستعد لنقل كل هذا التراث لمتاحف في هذه القرية الحلم، وحقيقة أشير أن المواد الموجودة عند الأستاذ عوني كافية لإنشاء متحف تراثي كبير ومتميز، فأين وزارات السياحة والآثار والتربية والثقافة عن ذلك؟ وأين بلدية نابلس عن ذلك أيضا؟ أسئلة بحاجة للإجابة قبل أن تضيع هذه الذاكرة التراثية كما ضاع الكثير من تراث مادي بين احتلال وجهل وإهمال.
   أنهينا الجولة لارتباطنا بالذهاب إلى جبل جرزيم حيث الموعد مع الأستاذ اسحق السامري سكرتير الطائفة السامرية، وهم بعض من تاريخ وتراث فلسطين، ولكن الحاج عوني رفض أن نغادر قبل تناول إفطار تقليدي شهي جرى إعداده، فتناولناه معاً وشكرناه لحسن الضيافة وهذه المتعة الفكرية والبصرية بالتجوال في متحفه البيتي، لنغادر باتجاه جبل جرزيم وأنا ما زلت بحالة من الذهول لهذه الثروة الفكرية والتراثية التي رأيتها ووثقت منها بعدستي بحدود 250 لقطة بينما كل ورقة وكل قطعة تستحق توثيقها.
   صباح آخر في بلدتي جيوس وغيوم في السماء وأمل بغيث عميم بعد تأخر المطر، أستعيد ذكرى زيارتي إلى نابلس وياصيد ومتحف الحاج عوني ظاهر، أحتسي قهوتي في حديقتي الصغيرة مع شدو فيروز: "لا يدوم اغترابي، لا غناء لنا يدوم، فانهضي في غيابي واتبعيني إلى الكروم، هيئي هالدنانة، كرمنا بعد في ربى، يوم تبكي سمانا، نشبع القلب والشفاه، حبيبتي زنبقة صغيرة، أما أنا فعوسج حزين، طويلا انتظرتها طويلا، جلست بين الليل والسنين".
   فأهمس: صباحكم أجمل.. صباح الخير والحلم الآت يا وطني..
"جيوس 3/12/2018"





2018/12/05

في حضرة إبراهيم بقلم وعدسة: زياد جيوسي


في حضرة إبراهيم
بقلم وعدسة: زياد جيوسي
    "في حضرة إبراهيم" الرواية الأولى للإعلامي عامر طهبوب، رواية مختلفة ومتميزة، هي أقرب لبوح الأمكنة، مسرحها الأساس مدينة الخليل في فلسطين، وتميزت بأنها كتبت باللهجة الخليلية المحكية والمتميزة عن باقي اللهجات في فلسطين، ومن هنا قد يواجه القارئ الذي لا يعرف اللهجة الخليلية ومصطلحاتها صعوبة في فهم الكثير ومنها عدد ليس بالقليل من أصول ليست عربية، وربما ما ساعدني على قراءة الرواية بمتعة حتى أني كنت أضحك أحيانا بصوت مرتفع وأتألم حينا آخر، أنني أجيد فهم هذه اللهجة جيدا بحكم علاقاتي مع عشرات الأشخاص من مدينة الخليل، ولي أصدقاء كثر منهم، سواء من الخليل المدينة وهم المتميزون بهذه اللهجة، أو من الخليل المحافظة والجبل ولهجتهم مختلفة عن الخليل المدينة فهي أقرب للبداوة، ومع هذه وجدت العديد من الكلمات المستخدمة التي لم أعرفها بالسابق أو لا أذكرها.

   الخليل بناها أجدادنا الكنعانيون منذ الآف السنين، وحين وصلها سيدنا إبراهيم كانت مملكة كنعانية لها قيادتها وإدارتها وعملتها "الشاقل"، واشترى مغارة هي تحت المسجد الإبراهيمي الآن وحسب العهد القديم بمبلغ 400 شاقل من الفضة بعد أن رفض أن يأخذها هدية من الكنعاني عفرون الحثي من بني حث الكنعانيين، وهذا ما يؤكد التزوير والسرقة من الاحتلال لتاريخ وتراث فلسطين، فمن الأرض والمسجد الإبراهيمي، وصولا إلى عملة كنعانية فلسطينية سبقت أبا الأنبياء وسبقت سيدنا موسى عليهما السلام والديانة اليهودية.
   الرواية تتكلم عن تاريخ الخليل المدينة متناولة حياة المدينة ووعي ذاكرة الكاتب الذي يمتلك ذاكرة تسجيلية متوقدة، فالبكاد غفل عن نقطة مرت في طفولته قبل أن يصبح في الشتات بعيدا عن وطنه ومدينته، فتناول الأحداث الصغيرة والكبيرة، روى سيرة الأشخاص بمهنهم وحياتهم، دخل في تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد، ذكر أسماء وألقاب أشخاص ومهنهم ودورهم وأصولهم، روى حكايات الجد والجدة وأولاد الحارة، فكانت الرواية في مجملها أقرب للتاريخ المروي لحكاية مدينة تشتهر باقتصادها وطبيعة أهلها وتاريخها منذ ما قبل وصول سيدنا إبراهيم الخليل إليها، تحدث عن واقع المدينة بعد احتلالها عام 1967 وعن حريق الأقصى وحرب تشرين 1973 وردود الفعل لدى المواطنين، حتى الشخصيات المصابة بخلل عقلي روى حكاياتها وخاصة حكاية شحدة عزارة المجنون العاقل، وعن القدس وتاريخها الموجز وآثارها وأزقتها ومعابدها، وعن استقبال الأسرى المحررين والتضامن والتكافل الاجتماعي والتلاحم الوطني، والانتفاضة الأولى ومقاومة الاحتلال ومذبحة المسجد الإبراهيمي.
   في نهاية الرواية لم يغفل الكاتب الإشارة إلى اتفاق ما سمي "إعادة الانتشار" في الخليل وكيف استغله الاحتلال لتوسعة سيطرته على المدينة، وأشار للواقع الذي أصبح بعد اتفاقية اوسلو والفصائلية الرخيصة حيث تحول الوطن من هدف إلى ساحة صراع بين فصيلين، فأصبح الواقع كما حكايتي الهرتين اللواتي لجأن للقرد ليحكم بينهما على قطعة الجبنة، فالتهمها القرد ولم يترك لهما شيئا، كما وصل الكاتب بالحديث لمرحلة القتل الذي يمارسه الاحتلال على الحواجز للجيل الشاب بدم بارد تحت بند أنهم يحملون سكاكين.
   الرواية امتلكت مقومات الرواية مثل المكان حيث كانت الخليل المسرح الرئيس والقدس وبيروت مسارح ثانوية، بينا عمَّان كانت مسرح الراوي بين أصدقائه، والراوي للحكاية يمكن أن يكون الشخصية الأساس الراوية للحكاية، فالرواية افتقدت الشخصية الأساسية لكنها حفلت بشخصيات كثيرة  تراوحت بين شخصيات ثانوية وشخصيات كل منها كان له دور أساس مثل طالب المناضل في الخليل وعرابي المناضل في لبنان وأيوب الشاب الذي شارك في الانتفاضة حتى استشهد. كانت رواية جميلة تشد القارئ وخاصة من يتقن اللهجة "الخليلية"، ورغم أن الكاتب لجأ لأسلوب الهوامش في أسفل الصفحات لتوضيح اللهجة المحكية وشرح الكلمات المستخدمة، إلا أن ذلك من الممكن أن يؤدي لتشتت ذهن القارئ، فنحن أمام رواية وليس أمام بحث علمي أو دراسة.
   اللجوء للهجة المحكية أعاد لذاكرتي رواية "أرض السواد" التي كتبها الروائي المرحوم عبد الرحمن منيف وكانت آخر رواية له بثلاثة أجزاء وقد كتبها باللهجة العراقية البغدادية، وأذكر أن صديقة اشترتها وصدمت حين بدأت القراءة ولم تفهم اللهجة فأهدتني إياها كوني خريج بغداد وتمتعت بقراءتها وحقيقة هي رواية عظيمة، فهذه الرواية لم تنل حظها كما "مدن الملح" لأنها باللهجة المحكية، وهذا ما أخشاه على رواية "في حضرة إبراهيم" أيضا وخاصة أنها رواية تستحق الاهتمام والقراءة، وكما قال عنها الشاعر موسى الحوامدة وهو ابن بلدة السموع في جنوب الخليل: "هذه الرواية التي تعتبر أول رواية تكتب عن مدينة الخليل وأول عمل سردي لواحد من أبناء المدينة، قلت في حق الرواية ما تستحق فهي عمل روائي أقرب إلى الرواية التسجيلية وذلك لا يقلل من شأنها وشأن كاتبها على الإطلاق، وهي العمل الأول له، وفي الوقت نفسه ذكرت العلامات الإيجابية في العمل فقد احتفى بالمكان واللهجة والعادات والتقاليد والأشخاص وكأنه حفظ هذه المدينة من التغيير والاحتلال وخاصة أن اسرائيل تسعى منذ احتلال عام 1967 إلى تهويد المدينة فقد بنت مستوطنة "كريات أربع" إلى جوارها منذ عام 1968 وصادرت حتى الآن عدة مناطق وأحياء وبيوت وشوارع جوار الحرم الإبراهيمي وطالت سيطرتها مدارس وعمارات وسوق البلدة القديم "الحسبة" وكراج الباصات وغيرها"، وهذا كان في حفل إشهار تم في نادي بلدة الحصن في شمال الأردن وتحدث فيه إضافة للشاعر موسى الحوامدة الشاعر مهدي نصير وأشار للكثير من النقاط الإشكالية في الرواية، إضافة للكاتب ومشاركة الجمهور الحاضر.
   وتبقى لي ملاحظات عديدة على الرواية، فحديث الكاتب عن معركة جنين التي خاضتها القوات العراقية قد جانب الحقيقة كثيرا في بعض جوانبه، فالقوات العراقية خاضت المعركة بجرأة وانتماء بقيادة الضابط العراقي نوح حلبي بالتعاون مع المجاهدين الفلسطينيين والقوات الداعمة التي أتت من نابلس وقلقيلية، واستشهد منهم 27 شهيدا مدفونين في منطقة مثلث الشهداء في مدخل جنين، ولم يتم إحصاء الشهداء من المتطوعين الفلسطينيين، وخسر الاحتلال 50 قتيلا إضافة إلى 83 جريحا، وما زال الاحتلال يحيي ذكرى قتلاه في هذه المعركة، رغم أنه لم يكن فعلا هناك أوامر للقوات العراقية المتمركزة في مناطق نابلس وطولكرم وقلقيلية، قوة وصلت إلى جنين ليلة المعركة وطلبت النجدة من القوات العراقية الأخرى التي سارعت لنجدتها، والعبارة الشهيرة "ماكو أوامر" كانت في الواقع عن الدخول إلى مناطق الساحل، وبعيدا عن قراءاتي للتاريخ فقد استمعت شخصيا من العديد من كبار السن في منطقة جنين وشهاداتهم عن المعركة، ويمكن حتى العودة لمصادر الاحتلال التي تحدثت عن هزيمة كبيرة في مواجهة القوات العراقية.
 وملاحظة أخرى حول وصف التواجد العربي في الأندلس احتلالا وتشبيهه بالاحتلال لفلسطين، وربط نهاية احتلال فلسطين في المستقبل بانتهاء  الدولة الإسلامية في الأندلس حيث اعتبرهما في الحالتين احتلال، يشير لفهم قاصر لتاريخ الفتوحات الإسلامية لنشر العقيدة الإسلامية بينما احتلال فلسطين فكرة أخرى قائمة على الإحلال لشراذم اليهود وطرد السكان الفلسطينيين. وملاحظة  إضافية أن من قامت بعملية تبادل الأسرى هي الجبهة الشعبية/ القيادة العامة وليست الجبهة الشعبية، وأن بلدة "بيتين" اسمها الأصلي هو "بيت ايل" أي معبد الإله ايل وهو كبير الآلهة الكنعانية ولا علاقة باليهود به، والاسم باللهجة المحلية حُرف من بيت ايل إلى بيتين حيث يتحول حرف "ل" إلى "ن"، وإن حاول الاحتلال من خلال استخدام الاسم للموقع المجاور للقرية والذي كان مشفى عسكري للجيش الأردني قبل حرب 1967، وأصبح مقر قيادة جيش الاحتلال الصهيوني والإدارة المدنية للضفة الغربية تحت مسمى "بيت ايل" في محاولة لشطب الذاكرة الفلسطينية الكنعانية، وتزوير التاريخ وسرقته.
   وفي النهاية أهمس للقارئ: من أحب أن يعرف الخليل التي لا يبيت فيها جائع، ويعرف ناسها وأهلها وتراثها وحكاياتها وبعضا من تاريخ يحتاج لموسوعات لتوثيقه، أنصحه بقراءة "في حضرة إبراهيم"، فهي مدينة "أبو الضيفان" كما كان لقب سيدنا إبراهيم عليه السلام.
"عمَّان 18/11/2018"