2015/01/28

شهادات لتجارب أدباء في الأقاليم ندوة للجنة ثقافة الطفل بمشاركة سمير الفيل وعبدالمنعم العقبي وعفت بركات.

شهادات لتجارب أدباء في الأقاليم ندوة للجنة ثقافة الطفل بمشاركة سمير الفيل وعبدالمنعم العقبي وعفت بركات.
تحت رعاية د. محمد عفيفي أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، تعقد لجنة ثقافة الطفل برئاسة المبدعة فاطمة المعدول ندوة عن شهادات وتجارب لمبدعي أدب الطفل المقيمين في الأقاليم الأربعاء 4 فبراير 2015 يشارك فيها الأدباء سمير الفيل، عبدالمنعم العقبي، عفت بركات.
وبمشاركة من أعضاء لجنة ثقافة الطفل.
الندوة تعقد في الرابعة عصرا بقاعة المجلس الأعلى للثقافة

والدعوة عامة

2015/01/27

"صديقي الضخم بحجم عصفور" قصة قصيرة بقلم: فؤاد قنديل

صديقي الضخم بحجم عصفور
فؤاد قنديل
     فجأة  وبدون أي مقدمات قفز اسمه إلي ذاكرتي . توقفت عن الجري وراء أولادي الذين خطفوا الكرة وهم يتضاحكون من خيبتي .عشر سنوات أو يزيد مرت دون أن أراه . منذ أيام الصبا كان رفيق " تختة " ومن أعز الأصدقاء .
  عمل في الخليج عدة سنوات ، انقطع خلالها الاتصال ، ولما عاد ظل الاتصال منقطعا ربما  بسبب زواجه أو لتبديد ما اكتسب ، وربما لاستثماره .
     لماذا تذكرته  في هذه الساعة بالذات ؟.. تكرر هذا مع آخرين ، فذاكرتي مثل موج البحر ، تفور أحيانا  وتقلب  أعماقها وتطرح على الشاطئ أشياء غريبة
. أغلب الظن أن الرجل الضخم الذي رأيته منذ دقائق يشبهه. كان يهلل مرحبا  بصديق وهو يفتح ذراعيه فيكاد يحتضن العالم ، تبدو علي وجهه كل علامات البهجة والصحة أيضا .. نسخة طبق الأصل من زياد ، لولا أن عينيه ضيقتان لاعتقدت أنه صديقي الحميم. كان شكله مثل زياد يشع فرحا . هل لا تزال في حياتنا أشياء وكائنات تشع فرحا ؟ .
     تنفست بعمق وأطلقت نظراتي إلى مساحات الخضرة البديعة في حديقة الأزهر .. تجاوزت نظراتي حدود الحديقة  لتطل على المدينة الضخمة  العجوز التي تتعالى أنفاس ساكنيها دخانا وأبخرة تحيل القاهرة إلى مدينة  من الضباب الخانق .
كم هائل من البيوت  يلتصق بعضها بالبعض كأنها خائفة من البرد أو من العفاريت أو من  شيء تجهله . عمارات ومدارس ومساجد وكنائس  ومستشفيات  وشركات وتلال من القمامة دون أن يمر من بينها شارع .. مبان كالحة ترتسم على أسطحها مع الكراكيب ملامح من عدم الرضا ، فقد عصفت بها طويلا رياح التاريخ وحط عليها صدأ الماضي المرير بينما عيونها تنظر صوب المستقبل في توجس .

      نبهتني ضربة قوية للكرة التي حالفها التوفيق فأصابت مؤخرة رأسي بدقة . اختل توازني لحظة  والتهبت دماغي بالغضب ، ولما استدرت هلل الأولاد  فرحا ، وكانت زوجتي أعلاهم صوتا  وابتهاجا بالنصر ، فمع أنى نسبيا طيب إلا أن زوجتي ككل الزوجات يردن توجيه ضربات مؤثرة لظهورنا وأكتافنا .. ألا يكفى الزمن  وهن قبله ؟!!
     أقبلوا علىّ جميعا مسرعين فأخذتهم بين أحضاني  تسبقهم أمهم. . أبقيتهم لحظات حتى تناهى إلى أسماعنا صوت الموسيقى  الحنون والناعم القادم متهاديا من أقرب برجولة .
     شاب كفيف يعزف على كمانه  أغنية جميلة لأم كلثوم . تحركت أقدامنا  نحوه رغما عنا ودون اتفاق وتبعنا الآخرون . التففنا حوله  وقد اختفى الجوع والتعب ، ومضت الأرواح تنتشي بندى الموسيقى الذي   يرطب أعماقنا ويحملنا إلى آفاق غير منظورة ونحن في حالة من السعادة مفعمة برغبة عميقة ألا تنتهي هذه الأنغام .

    أكملنا يوما بهيجا أجّلناه كثيرا واضطررنا لاختطافه قسرا من زمن يجيد حصارنا ، وحياة لا تكف عن المطالب والأعباء . أحسنت الحديقة بزهورها وموسيقاها وسجاد خضرتها غسل أرواحنا المتكلسة ، وحملت أولادي على قلبي عائدا دون أن يفارق خاطري زياد.. كان معي في كل نظرة أو فكرة ومع كل لقمة مذ رأيت الرجل الضخم المبتهج.
    مضى شريط الذكريات يتابع عرض صوره ، حتى لاحظت ذلك أم العيال فحدثتها عنه .. زياد يأكل ويضحك بين زملائه . يذاكر معنا في بيتنا ويأكل . يجيب على الأسئلة ويأكل . يحل تمارين المحاسبة والرياضة ويأكل ويضحك  وفي أحيان كثيرة يرتب المقالب ، وعندما يغرق في بحر النوم العميق  ينادى طالبا  بعض السندوتشات بسرعة " في عرض النبي يا ظلمة "، ثم يضحك ويضطرب  جسده كأن أحدنا يدغدغ له لحمه الزائد جدا عن الحد.
هذا الرقم غير موجود بالخدمة . لابد تغير الرقم بعد أن انتقل إلى شقة جديدة . بعد سبع مكالمات للأصدقاء توصلت لرقم تليفونه . طلبته . رد علىّ صوت  بدا غريبا للوهلة الأولى ، إنه  صوته  فذاكرتي لا زالت تحتفظ بنبرة صوته والأصوات عموما لا تتبدل مهما تبدل الجسم ووهن أو شاخ ، كان فيما يبدو  تحت البطاطين والألحفة .. أخذت منه العنوان وأسرعت إلى الماضي الجميل .

     حاولت طوال الطريق تصور مدى التغير الذي يمكن أن يكون قد طرأ عليه . كل التصورات أكدت أنه أصبح في ضعف حجمه الأول بحكم أنواع الطعام الخليجية ، لكن روحه الشفافة المحبة للبشر .. المحلقة أبدا ، فيما أظن  لم يطرأ عليها تغيير  .  
      ضربت الجرس . رد  عليّ بعد لحظات عبر جهاز " الإنتركم " . عرف أنى الطارق فانفتح الباب آليا . انفتح بما يكفى فقط لمروري واكتشفت بعد دخولي أن وراء الباب مروحتان عموديتان  لا يسمحان للباب ولا للداخل بأكثر من  هذا .. فكيف يدخل زياد ويخرج وهو في مثل حجمي ثلاث مرات ؟!... هل يعني هذا أن من غير المسموح لمن كان مثله بزيارته ؟ .. طردت هواجسي اللعينة لأن زياد صافى القلب وخال من العقد .
      ناديته  .. جاءني صوته مؤكدا أنه تحت كل بطاطين العالم :
-         تعال يا درش
    رغما عني مططت شفتي .. لا أرى الجدران ولا أعرف لونها .. ترتطم الأشياء بنظراتي وتنفذ إلى صدري  وتضغط على قلبي .. أنتريه بني في أصفر وأنتريه أخضر في برتقالي . بين الكراسي مناضد  وثلاث تليفزيونات محطوطة فوق بعضها على شكل هرمي قاعدته تليفزيون 49 بوصة  على الأقل . نجف كثير يتدلى من السقف . في الأركان  أباجورات  و كونسولات . لابد أن هذا المكان ليس شقة  زياد التي يسكنها ولكنها محل العمل والتجارة . فازات عديدة ضخمة فيها ورود جافة ومتجهمة ، ولها رائحة الخشب والرماد أو الزمن المكمور .
لا أرى زياد ولا بابا أدخل منه . سجاد كثير ملفوف ومركون على جنب . في الركن أسد محنط وتمثال شهير لزنجي يحمل شعلة . تكدس مخيف وصادم . ثمة دمدمة تلتقطها أذناي خارجة من الكراتين  والأجهزة . الأشياء في صناديقها  وتلك التي غادرتها تتمنى لو تتحرك وتمارس حياتها ودورها . تريد أن تثبت ذاتها . حفيف ورق ورقائق البلاستيك الرقيق حول كنب الأنتريه الذي أبقاه زياد لحمايتها من الغبار .
    كما كنا ننبه أصحاب البيت في القرية ، قلت بصوت مرتفع نسبيا :
-         يا ساتر
        جاءني صوته المدفون تحت البطاطين
-         أدخل يا رجل
-         أين أنت ؟
-         في غرفة الطعام
-         لا أجد الباب
-         علي شمالك خلف الفازة الزهري الكبيرة
-         لا يوجد خلفها باب
-         وراءها مرآة
-         نعم
-         هي الباب  .. باب جرار وليس بمفصلات

      لم أكن أرى من المرآة إلا أعلاها .. حركتها بحذر. واجهتني كراتين . لم أتمكن من المرور إلا بعد أن شفطت بطني تماما ومررت بجانبي  . نور شحيح من جهة اليسار قادم على استحياء من الحمام ، وكان بابه الجرار مفتوحا . لفت نظري السقف المنخفض . تبين أنه سندرة  مكتظة بالكراتين والحقائب الكبيرة  وعلى الأرض إلى جوار الحوض غسالة ملابس تغسل ملابس سكان شارع بكامله .. ناديته  :
-         أين أنت يا زياد ؟
-         أنا هنا أعد لك الشاي
أكملت طريقي الصعب .. كنت أخشى في كل لحظة أن أهشم زجاجا أو أسقط فازة أو طقم صيني .. فوق الكراتين كانت هناك تطل من الغطاء الشفاف أطقم أكواب وكؤوس وسكاكين وملاعق .
    بلغت الصالة  الفسيحة المفتوح عليها ثلاثة أبواب  تغطيها المرايا . أدركت أنها أبواب غرف النوم وحتما هي مغلقة ومهجورة فالظاهر حتى الآن لا يدل على أية حياة . دخلت غرفة الطعام . كانت هناك منضدة سفرة كبيرة يمكن أن تستضيف عشرين شخصا . كراسيها فوقها وعلى اليمين بوفيه كبير على أجنابه أسود خشبية ، ونيش عال يلامس السقف وعدد من الثلاجات ، اثنان مكشوفات تعمل منهما واحدة يزن محركها بأزيز رهيف. واثنان داخل الكراتين عدا  "ديب فريزر " ضخم يتسع لبقرة وزوج من الخراف . كراسي الفوتيه  ليرتاح عليها من انتهى من تناول طعامه ولا أدرى كيف سيتناول طعامه .
      توقعت أن يكون زياد في المطبخ  يعد الشاي. استدرت عائدا فوجدت المطبخ خلفي . كان ممتلئا بالبوفيهات إلى السقف .. عمارة خشبية  ضخمة والأواني مكدسة و "الميكرويف " فوق البوفيه  إلى جانب " الكيتشن ماشين " وغسالة الأطباق ، أما دولاب الأطباق ففوق الحوض  .. كراتين أخري متراكبة بعضها فوق بعض . راعني موقد الغاز فهو على الأقل متران في متر ونصف  ، تتربع عليه عشر شعلات . يمكن أن ينضج في ساعة كل الطعام  اللازم لكتيبة من الجنود .
لا أظن زياد هنا فليس في المطبخ مكان لقدم .. ناديته من جديد
-          أنت شخص عجيب . أنا في غرفة الطعام ولم ترني .
عدت إلي غرفة الطعام . سمعته يقول :
-         أهلا يا مولانا .. وحشتنا
      مسحت بعيني كل ركن في الغرفة  التي تحملت فوق ما تحمله مثيلاتها ، ولم أعثر عليه . عدت أقلب عيني وأدقق فيما أري .. أخيرا لمحت شعلة موقد  "سبرتو  "مثل الذي كان عند جدي في أخريات أيامه عندما نصحه الأطباء بالبعد عن الموقد البلدي حيث تحترق الأغصان وعيدان الحطب فوق القصعة وتؤذي صدره .
فقدت النطق .. ظل فمي مفتوحا وعيناي علي اتساعهما  تحدقان في ذهول .

     تهاويت علي الأرض بين كرسيين . كان من رابع المستحيلات  أن أظل متمالكا أعصابي .. كان صعبا جدا أن أعي ما أراه ، إذا كان ما أراه حقيقيا .. كائن يجلس إلى جوار  الشعلة ممسكا بكنكة كبيرة . سمعت طرقعة بالأصابع  ، كأنه يلفت نظري .. إنه مصغر زياد .. لا يمكن أن يكون هو .. كائن لا يزيد حجمه عن حجم طفل عمره سنتان على الأكثر .. ضئيل ونحيل .. أسمر كبلحة عجفاء .. كان زياد أبيض مشرق الوجه بالنور والبهاء والجمال .
فقدت النطق .. لا بد أني دخلت بالخطأ أحد المخازن ..

أظنه قال :
-         ما رأيك في هذه الجلسة الشرقية ؟
بقيت علي حالي متجمدا وغير مصدق . . قال :
- أنت لم تر طبعا الجراج .. به ثلاث سيارات ودراجتان  ومخزن فيه جزء من العفش .. لست أنت الذي أخفي عنه شيئا .. شقتي القديمة التي كنت أعيش فيها مع أمي في مصر عتيقة لم أتصرف فيها لأن بها  كراكيبنا
أخيرا رمشت أهدابي دون أن أكلفها بذلك .. قال :

-          نورت بيتك يا درش
كم كان زياد جميلا وعذبا !  .. فتشت في ذاكرتي عن أخبار زياد خلال العشر سنوات الماضية .. هل بلغني أي خبر عن صحته .. عن معاناته أو موته ؟ .. هل حقا هذا زياد ؟ ! .. ولماذا لا يكون ؟ .. لا داعي للدهشة أو الانزعاج .. يجب أن أواجه الآن  أهم مشكلة وهي البحث عن الطريق إلى باب الشقة .

"الرجل...و الصوت !، كنا معا في الميدان" قصتان بقلم: ياسر محمود محمد

الرجل . . . و الصوت !
ياسر محمود محمد

- لا تتقدم أيها الرجل !
أجاب بصوت خانع خائف مذلول :
- لماذا ؟!
لم يُجب الصوتُ ، فكرر مرعوباً :
- ماذا فعلت ؟!
ثم همس ... :
- الكفن ليس له جيوب !
أتي الصورة مرة أحرى و كأنما يأتي من أسفل بئر عميق :
- أنت اخترت .. مصيرك !
تحرك الرجل خطوة كبيرة للأمام دون أن يشعر .. : " أنا ؟! " قال الرجل .
- نعم أنت ! قال الصوت .
- و بكل تأكيد أنت ! أكّد الصوتُ .
...
      من سراديب اليأس الممتدة بدأ الأمل يشقّ طريقاً إلاّ أنه كان عكس الذي اختاره ذلك الشيخ ذو الأسمال البالية – عكس البذل التي ينقش عليها اسمه في غابر الأزمان – كان الرجل قد اختار سرداباً يمثل يسار المكان الديمومي المجهول في عالمنا هذا ..
بينما ارتسم الأمل في صورة معلقة علي جدار سرداب يأتي من اليمين كُتب تحتها :
(( أول شهيد في الثورة .. من مدينة الأبطال ))
    كان في السرداب الوحيد المُضاء هو سرداب الأمل .. الذي يقود حتماً إلي المستقبل ، كان يسير في عكس اتجاهه – و في السرداب المواجه – الرجل ذو الأسمال البالية الذي يحمل مرضاً عُضالاً في جسده بل ربما جرحاً واسعاً في ضميره . . جعله يتعذب بالكائن و الذي سيكون من الأقدار .
أتاه فجأة من إحدي السراديب صوت يصرخ :
-" لا تتقدم أنت و من معك !"
-" إلا أولادي !" أجاب الرجل يصوت باكٍ تتقطع له قلوب السامعين ( هذا لو كان بالفعل هناك أحد في هذه السراديب في المكان الديمومي المجهول في عالمنا هذا ) .
كرر الرجل و قد شعر فجأة بأمر غريب .. كان لكلماته كلها أيّاً كانت في الماضي صدي .. إلا أن جملته الأخيرة لم يكن لها ذات الشيء فكررها في عذاب
-" إلا ... أولاديييييي !"
جاءه الصدى من أعلي واعظاً :
-" و أولاد الناس ؟!!!"
      لم يدر جواباً ... سكت .. التهمه صمتّه الذي سيدوم و يدوم ، من جوفه شعر يغصة قادمة من أسفل جسده تحولت للمر ذاته في مكان ما من فمه ، ماذا كانت تلك الغصة يا ثريّ ؟! أهي الندم أم الشعور بالعجز أمام ما فات أم هي الخوف مما سيجيء أم ربما ذلك و أشياء أخر ؟!
       استمر في المشي عكس اتجاه كل سهام الزمن المتجهة دوماً و منذ سبعة ألاف عام إلي المستقبل ، يبدو مقلداً لكثيرين قبله بأزمان قديمة و حديثة كما تتضح الصور – رغم ظلمتها الشديدة – حوله في سردابه .
      كانت الصور تتضح من خلال ذلك الضوء القادم من السرداب الموجه / بل الأدق السرداب الوحيد و الذي ينيره ضوء شديد .. ضوء أبيض لامع شديد حتى كأنه الشمس ، و دود طيب ملائكي بزهزهات و رتوش و تموجات و قد اصطفت حوله كائنات نورانية دقيقة تسمي كائنات " البُردُ الثلجي " .
***
-" قف .. لا تتحرك قيد أنملة " قال الصوت للرجل الذي كان قد تحرك عدة خطوات ، تخشب في مكانه الرجل .. بدا رأسه كحمل ثقيل .. ثقيل .. فوق أحمال عجزه و شيخوخته ، بدا من خلفه ظل أنثوي و ظلان آخران لم يُعرف في الخطوات الأخيرة له في السرداب من الذي يتبع الآخر .. الرجل أم الظلال ؟!
      تعملقت الظلال و حولها ارتسمت هلاميات تحاول أن تتسلقها ، حاول الرجل و خلفه أتباعه السير رغم الصوت . تحركت قدمه المتخشبة عدة سنتيمترات نحو المجهول .
علا الصوت أكثر وأكثر ، بدا كصوت العشرات .. بل الملايين يهتفون به وبكل الصور والظلال وما حوله في السرداب :
- ارحل .
 وضع يديه الاثنين فوق أذنيه .. حاول ان يسدهما ويسكت هذا الصوت الذي كاد ان يمزق بل مزق بالفعل – كما خيل له – طلبتي أذنيه الهرمتين .
لكن الصوت سد كل مكان وبدا وكأنه قادم من مكان مبهم .. يسمونه
( التغير – التحرير – التمصير – التكبير – التبكير – التأثير – التدوير – التشفير – التذكير – " التقتير والتوفير " – التزوير .. التزوير .. التزوير .. )
لماذا هذه الكلمة بالذات ترن في اذنه من كل الكلمات التي يهتف بها شيطانه الأعظم – بل ربما ملاكه المشئوم - ؟
بدا الصوت قادما من أماكن متفرقة طوال رحلة الشيخ في السرداب الشديد السواد .
كانت أسماء الأماكن تبدو حول كرة أرضيه تذكرك بمقدمة نشرة الإخبار " تدور في دوائر طويلة وعرضية حول الكرة الأرضية وتحتوي علي أماكن مثل :
( السويس – الإسكندرية – القاهرة – المحلة – بورسعيد ................................)
وغيرها من المدن كم تبدو في النشرة ، بينما أتي شريط اخر يمثل عدد أخر من البلدان :
( درعا – حمص – حماة – بني غازي – مصراته – اللاذقية – حلب – سبأ – حضرموت ..........................)
وبرز فجاة اسم كبير في مخيلة الرجل علي نشرة الأخبار لمع كالبرق في عقله وفي السرداب المظلم ( تونس الخضراء ) ومعه صوت ابي القاسم الشابي :
اذا الشعب يوما اراد الحياة = فلابد ..........
بينما قطع تخيلاته تلك فجاه الصوت وهو يقول :
-" دم الشهيد .. دم الشهيد .. دم الشهيد .........." تكرر حتي وكأنه ينزف علي جدران السراديب ، سقط الرجل علي الأرض وهو يمسك اذنيه بيديه الاثنتين وانبثقت له فجاه أياد أخري تحاول حمايته من كل شئ .. كانت الايادي تحيط بقلبه ( والذي يعاني من مرض غامض ) وعقله ( حالته النفسيه غير مستقره ) وقدميه ( صور التقطت له وهو عاجز عن اللحاق باقرانه ) وصدره ( يقال بانه لا يفارقه الرداء الواقي من الرصاص حتي في غرفة نومه ) .. وحتي اخص خصوصياته .. وغير ذلك .
حاول الرجل ان يقوم .. عجز .. حالو ان يستمر في السير رغم الصوت بل الأصوات بل الملايين من الأصوات بل ربما أكثر ( أذاعت قناة معينة مشهورة تقع في البحر قولا بان حاكم المالديف يطالبه ويناشده بالرحيل .. كانت اللهجة ساخرة حيث كانت المناشدة السابقة بعد شريط طويل من المناشدات كان ابرزها تلك الجملة " نحن بشر .. والبشر الى زوال " )
تزايدت الأصوات .. ملأت كل شئ في الكون الواسع
( الكفن ليس له جيوب )
حاول الرجل ان يزحف رغم كل هذه الأصوات
ارحل .. ارحل .. ارحل ..................
لم يصدق قدميه فجاه حينما التهمته فجوة من العدم ، بينما انغـلقت حوله وكتب فوقها بختم وحيد في سردابه جمله اخذ يرددها الصوت في كل مكان في الوطن المتأزم :
((( الشعب .. يريد .. إسقاط .. النظام )))
((( الشعب .. يريد .. إسقاط .. النظام )))
كرر .. كرر .. كرر ..

الأربعين / السويس


كنا معاً في الميدان
( أقتحمه...أفتش عنه...أنفض غزلته وسباته,أبحث عن شيء معروف / مجهول , أنتظر حبببتى ..تزعق الأنحاء المختلفة بالنداء)
                                      *                 *                  *
بكل خلجات روحها كانت تحبه,لا تدرى لماذا؟لا تدرى كيف؟ لكن تحبه ...
رغم انه ليس كباقي الفتيان , في ملامحه تعب .. ربما من لحظة الخلاص .. ينوء بحمل ثلاثين عاماً من عمره .. ضاعت قبل أن يلقاها ..
رغم ذلك ..كانت تحبه
هو الذي جاء فتغيرت الدنيا وتغير العالم وتبدلت الأحوال العادية للناس , اختلف لون ومذاق الأشياء عن المألوف , فأعطى طعماً للحياة .
قابلته يوم الخامس والعشرين على ضفاف النيل , سارت معه في الميدان .. تتذكر دائماً وتخبره :-
( نحن كنا معاً في الميدان ) . قلت لي كلمات مسحورة .. منحتني مضغة طفل في عناقنا الدائم , طفل قد يكبر .. لولا الناس .
صرخت فيك في استغراب :- الناس .. الناس يعبثون بالكلمات .
(في الحكاية يروى انه في البدء كانت الكلمة .. ثم جاءت بالكلمات .. وتنوعت الكلمات بألوان كل شخص )
قال لها :-نحن نريد ..!!..
و نحن نريد ..!!
لكنها قالت له في شجن :- وأنا أيضا أريد ..!!
تلون كل شئ قبل .. لكنها تذكر من كل هذه المتناقضات إنها فقط تحبه . وتريده. وانه لا يقدر أن يوفيها مثل حبها .
الحب يختلف ..وحبيبته التي ترتدي  في الميدان ألوان البهجة,كانت تفضل أن يقول فقط انه سيظل لها. وان ينسى كلما سوى ذلك من كلمات.
أعطته طفلاً ..ولد.. وقد يكبر رغم عسر مخاضه كما تذكره ..
هي ليست متشائمة , لكن مر بها قبل ذلك كثير ممن يعشقونها , وتعلمت منهم ان الجب هو ذاته وليس أغنية حلوة الكلمات.
وهى الحبيبة التي تذكر فقط . أنهما كانا يسيران وأصابع كفيهما متشابكان .. وأحيانا تقف معه ..
لا تعبأ بالبرد لكن تغنى .. تغنى أغانيا لا تذكرها لكن هو يفعل .
كانا حبيبان في جعبتهما بذرة طفل ..
قد ولد .. وقد يكبر لو اخلص لها ...
طفل بلون الحياة ...
ياسر محمود محمد


" أبو غريب " قصة قصيرة بقلم: ياسر محمود محمد

" أبو غريب "
ياسر محمود محمد
" صوت بلادي .. بلادي .. بلادي ... بيدوي عبر الأجيال ... "
ترات تا ... تا .. را را
ترات تا ... تا .. را را
ترات تا ... تا .. را را
كان صوت الموسيقى العسكرية ينبعث من إذاعة صوت العرب " المصرية " في صباح يوم حزين من أيام أغسطس عام 1990 ، كنت أهندم ملابسي استعدادا للذهاب إلى دكان جدي في شارع صدقي في حي الأربعين ، دكان جدي الذي كان يخبرني دائما أننا على خط حرب ، و أننا قد نهجر في أي وقت .
تذكرت كلماته هذه و أنا أسمع  صوت الموسيقى التي تعتبر إيذانا بحدث مهم .
حدث في الوطن ... بامتداده .
انقبض قلبي ، ارتعشتُ بين يدي أمي ، و أنا المراهق الصغير ذو الثلاثة عشر عاما الذي وُلد في أعقاب زيارة الرئيس السادات لإسرائيل .
توقفت الموسيقى .. جاء صوت المذيع يعلن أن الإذاعة الكويتية قد أعلنت " أن قواتا من الجيش العراقي عبرت الحدود ما بين الدولتين العربيتين .. و أنها تستنكر هذا الحدث ... و تدعو القوات العراقية للإنسحاب من الكويت فورا .. و أن الأسرة المالكة .. في مكان آمن و بخير ... "
اندهشت ... " هل تأتي الضربة من خلٍّ لك ؟ " كنتُ أدرسُ في كتاب اللغة العربية نصوصا عن العروبة .. و في كتاب التاريخ أقرأ عن ماض مشترك و حاضر يجمعنا .. و مستقبل ينتظرنا ، و كان اهتمامي بالإذاعة و التلفزيون خاصة الأخبار و التحليلات السياسية يجعلني أجزم أن الضربة لا تأتي من خلٍّ ؛ فالعدو يرقد هناك ... يبدو واضحا كالنجمة التي غزت أعلام العالم فجأة ... و بالتأكيد الكل يعرفه .

***
تطورت الأحداث كما يعرفها كل أفراد جيلي بعد ذلك بشدة .. و غزت كلمات جديدة غير التي تعودتها (( أمجاد يا عرب أمجاد )) ، (( و طني حبيبي الوطن الأكبر )) إلخ .. ، إلى (( متغيب الشمس العربية طول ما أنا عايش فوق الدنيا )) .
كانت الكلمات هذه المرة تقول :
بيتي و بيقول : بيته ...  اللي جـاه يعتدي
و مسجـد لله بـنـيـته ...  بيقول دا مسجدي
تحكي عن قصة كويتي مع عراقي و قد كتبها " الأبنودي " الذي قدم من أبنود في صعيد مصر ، و يغنيها عبد الله الرويشد ... بينما دموع الجمهور من كل الجنسيات التي تنطق الضاد في المسرح في تلك الليلة التي كانت أساسا لمناسبة الليلة المحمدية ... ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه و سلم الذي جاء متحديا ببلاغته كل من نطق العربية في كل زمان .
***
لم يكن ذهابي للعراق .. في عام 2004 البداية لعدد لا نهائي من الأحداث ، كانت البداية في عام 1978 عندما اعتلى صدّام حسين سُدَّة الحكم في العراق ..
كانت البداية في أغسطس 1990...
كانت البداية في 9 إبريل عام 2003 يوم سقوط بغداد .. و تحطيم تمثال صدام حسين " المشهد الذي ما زال يرسخ في كل أذهان من شاهده " ...
كانت البداية و النهاية هي دائما هنا في أرض العراق ، حيث يمتد نهران متعانقان و وادٍ خصب ، كان ذهابي مراسلا حربيا قد يقتل في أي لحظة على يد أيٍّ من الطوائف المتناحرة حتى ربما من أحفاد مؤيدي " أبي نوّاس " الأمريكي الذي بُعث من جديد .
***
لم أكن دائما مع سني أو شيعي .. أو حتى كردي .. لم أكن إلا محايدا ، كل ما أرجوه هو العراق كما كان قبل أغسطس 1990 ليس أكثر و لا أقل ..
العراق و فقط العراق (( أنا أهوى فقط السياب )) .
" يا ابن عمي .. يا ابن عمي ... يا اللي دمك هو دمي .. " كانت أغنية لمحمد قنديل (الذي غنّى أيضا بجانب أغنيته هذه في مناسبة تحرير الكويت غنى أغنية من كلمات شاعر سويسيّ هي يا ريس البحرية المصري ).
ما الفرق يا تُرى بين الأغنيتين ؟!
و الغنوة يتمحي حدود ...  و وطنها هي القلب .....
جايز ظلام الليل    ...   يبعدنا يوم إنما .....
و يكمل الوطن العربي الأغنية أحد من اشترك في تلحينها " حميد الشاعري "      - الليبي الذي يعيش بمصري - التي كانت مارش الحداد العسكري لكونشيرتو القومية العربية .
لم أكن أبدا إلا عربيا .. لكنني عشقت بلادي من المحيط إلى الخليج .. ربما هذا وحده حدث قريب جعلني فجأة في سجن " أبو غريب " .
***
(( الحلم الجميل ليس كالحلم الأمريكي ))
كان كل هم المجندة الأمريكية ألا نصرخ ، الإنفجارات في بغداد كانت أعلى صوتا منا ، الكل يقتل الكل ( هل هذا مشابهٌ للبنان في فترة الحرب الأهلية ؟! ) .. صوت كمان حزين صوت بوق قوي فجاة .
عندما يرفع الكيس الأسود عن وجهي .. ثم يوضع من جديد .. و أرقد رغما  عني تحت صنبور من المياه .. لا أشعر بعدها بكميات من المياه شديدة البرودة تغمر الكيس الأسود و وجهي   و يالله من اختبار التعذيب لمحاكة الشعور بالغرق .. و إنك يا إلهي رحيم ، لكن شيطان الإنسان يوسوي بكل الشرور .
الهولوكست .. ما الهولوكست بجانب ما نحن فيه ؟ .. الصليب مصلوب بين يدي جلاد منتش بلذة النصر على عصفور ضعيف ..
الهلال يشكو إعوجاجه إلى عالم لا يحس إلا بالشفقة .. و بحذر !
الدم ينسال أنهارا أطول من المسيسبي ذاته ..
***
المجندة الأمريكية .. تنظر إلى عُريي بشبق ..
( عربيٌّ أنا ..
ويلٌ إذا أحببتني )
كانت أغنية ليوري مرقدي .. على ما أعتقد يدعو الشقراء لتحبه .. لكن الشقراء " خاصة من المارينز " لا ترحم ..
الشقراء تبعد كلاب الخوف عن جسدي .. الرعب يسيطر عليّ .. الكلاب تنبح .. تمسك بحزام مقودها .. تبعدها .. تقربها ..
ويلٌ لي .. المظاهرة في الأفق .. في مصر.. فوق كباري القاهرة .. ما دخلها بما يحدث هنا ؟! هل يدري أفراد الجامعة مشتركون مع أبطال قصيدة الكعكة الحجرية ما يحدث لنا ؟!
الكلاب المسعورة .. الكلاب تنهش وطني .. تبعد الكلاب و تركلني فوق كومة آدمية عارية إلا من الحزن و تلتقط لها المجندة الأخرى و هي تبتسم فوق أنات المساجين في كومة اللحم !
ثم تهتف بها .. و بإنجليزية تختلف عن لهجتها الأمريكية .. إنها بلهجة الحليف البريطاني تهتف بها كما يترجم المترجم  العراقي :
(( سأسجل هذا على ظهر الصورة
                             " حَدَثَ هَذَا فِي أبُو غَرِيْبٍ "  ))


الأربعين / السويس