2017/06/22

أشرف نبوي بصدر كتابه الجديد «ممارسة الحُب عبر الكتابة»

أشرف نبوي بصدر كتابه الجديد «ممارسة الحُب عبر الكتابة»
عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام؛ صدر للكاتب والأديب المصري " أشرف نبوي " كتابه الجديد «ممارسة الحُب عبر الكتابة». الكتاب الذي يحمل رقم 11 في مسيرة المؤلف الأدبية والفكرية يقع في 176 صفحة من القطع المتوسط، ويضم 52 مقالاً اجتماعيًا وإنسانيًا متنوعًا.
الكتاب يجيء بمثابة استراحة محارب للمؤلف بعد
رحلة نضال من أجل الحق والحرية والعدالة أصدر خلالها عشرة إصدارات غلب عليها الطابع السياسي الساخر ، فأثمرت فترة الاستراحة مقالات هذا الكتاب
مما جاء في مقدمة المؤلف
:
( بدأت البحث عما يزرع ولو طيف ابتسامة فوق شفاهي، لكني صُدمت بكم الإسفاف والإنحطاط الخُلقي الذي بات صنوًا لأي عمل كوميدي؛ وكأنهم لا يستطيعون إضحاكنا إلا إذا دنسوا براءة ضحكتنا بعبثهم وإنحطاط أفكارهم التي لا تري سوي عري المناظر والكلمات... وبعد عناء وعن طريق الصدفة تابعت عدة مقاطع من أفلام عربية وعالمية صادف أنها جميعًا رومانسية خالصة، ومما لفت نظري هو دور الأنثي في كل تلك الأفلام والذي كان خليطًا رائعًا بين الرقة والحنان والشقاوة (بمفهومها المصري؛ أي خفة الظل والروح)، هذا الخليط الذي قلمَّا نجده في الواقع يبرع المؤلفون الحالمون بالمدينة الفاضلة في تصويره فنجد الرجل والمرأه والعلاقة بينهما في تلك الأفلام كما نحلم ونريد، ولعل بعض علماء النفس يرجعون تعلق الناس بفن السينما لهذا السبب فالجميع يتمني أن يعيش ولو لساعات في هذا الحلم الرائع متخيلاً نفسة بنُبل البطل وقوته وشهامته، أو برقة وحنان وخفة دم البطلة.
ولا أدري سببًا لعدم تصرفنا جميعا بهذا الشكل في الواقع، أو لعلي أدري ولا أريد أن أفصح كحالنا جميعًا، فدومًا هؤلاء الأبطال في الأفلام لا تقض مضاجعهم منغصات الحياة التي نعيشها بل يركِّز كُتَّاب تلك الأفلام علي خصوصية العلاقة متناسين ما يحيط بها من تشابك بشتي مناحي الحياة، لذا تظهر العلاقة ولا يشوبها ما قد يجعلها غير قادرة علي الاستمرار والوقوف بوجه كل المصاعب عكس ما يحدث في الحياة الواقعية،
أعود لحالة الهيام التي جعلتني أعيش بعض المشاهد ولو في خيالي، وأنا أتمني لو أن تلك الأنثي الخاصة جدا بمواصفاتها من الرقة والدفء والمرح هي أنثاى الحقيقية والتي يشعر شريكها بأنه يعيش الحلم بكل تفاصيله، وتماديت في حلمي وأنا أتخيل لو وجدتها أمامي الآن فماذا سيكون تصرفي وكيف سيكون لقاؤنا وحديثنا فقادني هذا إلي إستنتاج مؤلم خطر لي علي هيئة سؤال منطقي ألا وهو: وهل أنا حققت الشق الأخر من المعادلة، بمعني أدق وهل أنا تتوافر في نفسي كل أخلاق الشهامة والنبل والقوة التي من المفترض أن تقابل سمو من أخالها شريكة لحياتي الخيالية ؟؟.
سؤال قاسٍ علي كلِّ منا ان يسأله لنفسه... لذا بدأت في طرح بعض الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها عبر سلسلة مقالات نشرت بشتي الصحف العربيه، ومن ثم شرعتُ في جمعها وتنقيحها لتخرج مجمعة في هذا الكتاب لعلها تجيب عن بعض ما يختلج بنفس كل منا من تساؤلات
).

من مقالات الكتاب :
  رسالة امرأة مهمومة / هكذا تحدث شهريار / امسك يدي ، ضُمني / فن المعاملات
  كيف تخسرين زوجك؟ / ممنوع لأقل من 18 سنة / وشوشات أنثى / أريد زوجة
  إلى جسدك أكتب / هل فكرتم في الانتحار؟ / غزل الصائمين / بعثرة المشاعر
  كل النساء أنتِ / رقة وحنان وشقاوة / الأنانية أروع إحساس / البركة المفقودة

صدر حديثا :قصة مغارة الديناصور العجيبة



صدر حديثا :قصة  مغارة  الديناصور العجيبة

صدر  حديثا عن أ.دار  الهدى للطباعة والنشر ، قصة مغارة الديناصور العجيبة ،تقع  القصة في 40  صفحة من  الحجم الكبير ، رسومات الفنانة منار نعيرات  ، وهي  عبارة عن قصة مشتركة  لثمانية طلاب مبدعين من المدارس الابتدائية الإعدادية :  ( محمد ايمن قدح ، ريان سامر عيساوي ،راما عرفات مراد ، ميار محمد حوش ، مها محمد شناوي ، عمر عادل قدح ، اية محمد حوشان ، يمان محمد علي)، قاموا بكتابتها  ضمن  دورة الكتابة الإبداعية في المكتبة العامة  في كفرمندا ، بإشراف الأستاذ سهيل إبراهيم عيساوي ، وهذا  المشروع عبارة عن ثمرة  تعاون  بين المدارس بطواقمها ، وبين  المكتبة العامة ومدير  إبراهيم  ضراغمة.
القصة تحمل في  طياتها  العديد من القيم الإنسانية والخيال العلمي ، والأحداث المثيرة  والمدهشة  وبأسلوب  جذاب  وشيق ولغة جميلة ، تدور أحداثها حول الديناصور الذي يصول ويجول في غابة العجائب ، أمام  حيرة سائر الحيوانات والطيور .

2017/06/21

إطلاق جائزة المهرجان الدّولي للشّعر العربي بتوزر


قراءة في كتاب ( الجملة الإستراتيجيّة ) البنية والتعريف للأستاذ محمّد دريدي بقلم : عبد الله لالي



قراءة في كتاب ( الجملة الإستراتيجيّة ) البنية والتعريف
للأستاذ محمّد دريدي


بقلم : عبد الله لالي
الجملة الإستراتيجية = مجال + فعل إستراتيجي + فاعل إستراتيجي + مفعول به إستراتيجي + موارد
كتاب نادر في المكتبة الجزائريّة الحديثة ، يتخصص في دراسة ( الجملة الإستراتيجيّة ) من حيث بنيتها وتعريفها عند أشهر القادة والإستراتيجيين والسياسيين العالميين ، وهو من تأليف الأستاذ محمّد دريدي[1] ، وقد صدر منذ فترة قصيرة عن دار علي بن زيد للطباعة والنّشر في حدود 94 صفحة من القطع المتوسّط.
قلت عن الكتاب أنّه نادر في المكتبة الجزائريّة – حسب علمي – لأنّه فريد في بابه ، وقد شرّفني المؤلّف بقراءته في مسودّته فرأيت فيه فوائد جمّة ، وأسلوبا بديعا في تتبع الجملة الإستراتيجيّة ودراستها بشكل مفصّل ودقيق، والمميز في الكتاب أيضا أنّ مؤلّفه شاعر مطبوع، وقد أتبع كتابه هذا بجملة من القصائد اللطيفة والبليغة في الموضوع نفسه..
شيء جديد وشّى به المؤلّف كتابه ولعلّه من باب ( إستراتيجيّة الكتابة ) ؛ هو تخصيصه الصّفحة الأولى من الكتاب  بعنوان ( شعار ) يسبق الإهداء والشكر والمقدّمة ، أمر غير مألوف في الكتب الأخرى ، وصدّر هذا الشعار بقوله الله تعالى:
" فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ " الحج آية 46.
ثمّ أردف ذلك بقول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الذي رواه ابن حبّان والحاكم:
" وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه وحافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه ".
وفي مقدّمة الكتاب تحدّث المؤلّف عن علمين من أعلام الإستراتيجيا في التاريخ ، وهما الصّحابيان الجليلان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، وبين كيف يستفيد عباقرة الإستراتيجيّا من المتضادّات ، فقال على لسان معاوية رضي الله عنه متحدّثا عن نفسه وعن عمرو بن العاص:
" يا عمرو إنّ مثلي ومثلك كمثل رجلين، أمّا أنا فبورك لي في الأناة وأما أنت فبورك لك في العجلة "
ولْننظر كيف يطوّع الرجل الذكي العجلة ، فبدلا أن تكون نقصا في شخصيّته تكون ميزة محمودة له ، وبالعكس يتضح الأمر أيضا ، كيف تكون الأناة التي قد تؤخّر صاحبها وتعطّل سير أعماله ، كيف يوظّف هذه الصّفة فتكون لصالحه أيضا ، وتعطيه ما لا تعطيه العجلة..
جعل المؤلّف كتابه عبارة عن عناوين متلاحقة يخدم بعضها بعضا، فجاءت في مئة وعنوان واحد ( 101 ) فضلا عن المقدّمة والخاتمة، وتحت كلّ عنوان فقرات قصيرة مركزة ومختصرة. توافق ما رمى الكاتب إلى تحقيقه وهو تعريف الجملة الإستراتيجيّة وتقريبها للقارئ على مختلف مستوياته الثقافيّة.  
ولتكون عندنا صورة أوضح للكتاب نأخذ عيّنات من الكتاب هي خلاصته وزبدة موضوعه، أو هي منها..
الجملة الإستراتيجيّة
كان العنوان الأوّل هو تعريف الجملة الإستراتيجيّة وقال عنها الكاتب:
الجملة الإستراتيجيّة " تغطّي مجال العلاقات الدولية سلما وحربا حاضرا ومستقبلا ، ومن ثمّ فمادّتها الرّئيسيّة الكيانات السياسيّة ، وفي مقدّمتها الدّول طبعا..) ، ثمّ يفصّل الكاتب في تحديد بنيتها..
وعندما يتعرّض لبسط معنى ( الفعل الإستراتيجي ) يضع معادلة توضيحيّة لذلك الفعل:
" الفعل الإستراتيجي = فعل عقائدي + فعل اقتصادي + فعل عسكري ".
ثم قام بشرح موجز لكلّ مصطلح من هذه المصطلحات بشكل موجز ومحدّد.
وتحدّث كذلك في مجال الفعل العقائدي عن تأثير الديانات والعقائد في صناعة هذا الفعل، وأيضا بيّن دور الأفراد في هذا المجال ، ومن النّماذج التي ذكرها ( حيرام أبيود )، وهو يهوديّ قال عنه أنّه ( صاحب فكرة " القوّة الخفيّة " والمعتبر في التراث اليهودي معلم وأستاذ مؤسس رئيس.. ).
وذكر الفعل الاقتصادي ودوره الإستراتيجي في قوّة الدّول وضعفها ، في ظهورها أو تلاشيها، ومن جميل العناوين التي سطّرها في ذلك قوله:
( التّاجر قبل الجنديّ ).
وهنا نلحظ مدى دقّة الكاتب في تحديد مصطلحات بحثه ، وتوضيح مدلولاتها بشكل لا لبس فيه ، وهو في هذا أقرب إلى بناء القاموس اللّفظي للإستراتيجيا ، وتيسير مصطلحاتها للقرّاء والباحثين .
وتحت عنوان مثير يقول :
( الوحش النّائم
كلّ دولة تحمل في نيتها وحشا نائما ما إن يشعر بسنوح الفرصة وتوفّر الإمكانيات والقدرة على تحقيق الأهداف حتّى يستيقظ ويشرع في العمل والفعل ..).
والتاريخ يصدّق كلامه وطبائع البشر تبصم عليه بالعشر ، فقد تداولت الغلبة على الأرض عدلا أو قهرا ، حقّا أو باطلا معظم دول الأرض ، إذ كانت لها ( دولة ) وفترة قوّة انتصرت فيها وسيطرت على مَن حولها وما حولها.
ويرجع الكاتب مرّة أخرى إلى الفعل الإستراتيجي ويسمّيه هذه المرّة بــ:
( مثلت القوّة ) ويشرحه قائلا:
" قوّة الدّولة " أي دولة " مثلث أضلاعه " العقيدة ، الاقتصاد ، العسكريّة " ومهما تخلّف ضلع سقط المثلّث برمّته في الماء .. "
وفي لفتة فنيّة بديعة تمزج الإستراتيجيا بالأدب يُعنون بما يأتي:
( ذو الوزارتين يسيّس الشعر
ذو الوزارتين سياسي أندلسي شاعر وصف حال ملوك الطوائف زمن أفول الدّولة الأندلسيّة فكاد توصيفه يكون نسخة طبق الأصل لحال الدّول النّاشئة في إطار تصفية الاستعمار ومنها دول "صايكس بيكو"  الحاضرة اليوم.
ومما يزهدني في أرض أندلس * * أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها * * كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد.
وتحت عنوان :
( ابن خلدون يفضح " فوكوياما " قبل قرون )
يقول:
" ابن خلدون مؤرّخ منظر سياسي ألمعي يرجع إليه الفضل في وضع اللبنات الأولى لعلم الاجتماع الحديث عبّر عن الظاهرة قيد الدّرس بمفردات شبيهة إلى حدّ ما بمفردات سلفه " تيوسديد" لكن بأسلوب عالم الاجتماع الذي عادة ما يربط النّفس والسياسة والتاريخ فجاءت عبارته من الطراز " المغلوب أبدا مولع بتقليد الغالب ..." إلى أن يقول المؤلّف:
" بلغة مالك بن نبي رحمه الله يكون الأستاذ فوكو ياما قد أشرب من صهباء " القابلية للاستعمار " حتّى الثمالة فظهرت أعراضها جلية في كلّ تفاصيل حياته بما فيها ثنائيّة اسمه.
فالثنائيّة " فرانسيس فوكوياما " تحمل التناقض والازدواج وتعبّر عن الاستلاب بقوّة ووضوح فـــ " فرانسيس " يرمز إلى محيط ثقافي حضاري غربي بامتياز وأمّا " فوكوياما "  فيرمز إلى محيط ثقافي حضاري شرقي مختلف كلّ الاختلاف. 
















الجزء الثاني:
ما يمتاز به كتاب ( الجملة الإستراتيجيّة ) أنّ معظم المقولات الواردة فيه هي من بنات أفكار المؤلّف واجتهاده الخاص ، فقد بلغ درجة الإبداع والإنتاج الفكري البِكر.. ومن طريف الصياغات للجملة الإستراتيجيّة ما عبّر به عن حالة الدّول من حيث القوّة والضّعف ، ومن حيث الفعل وردّة الفعل ؛ هو إطلاقه على الدّول القويّة القائدة مسمّى ( الفاعل الإستراتيجي ) وعرّفها بقوله:
" يعتبر فاعلا إستراتيجيّا كلّ دولة قويّة سيّدة تصدر في قراراتها السلميّة والحربيّة استجابة لمصالحها العقائديّة والإستراتيجيّة دون مراعاة للإكراهات والإملاءات الخارجيّة "
وأطلق مسمّى ( المفعول به إستراتيجيّا ) على كلّ دولة مقادة مغلوبة على أمرها. وكذلك من طريف مصطلحاته الإستراتيجيّة الرّائعة والتي فيها سخريّة مرّة وتشنيع لاذع ؛ هو مصطلح ( الرّق الإستراتيجي ) أو ( السّخرة السياسية ) ويعرّفها المؤلّف بقوله:
" الرّق الإستراتيجي والسّخرة السياسية مصطلحان جديدان أزعم أنّي أدفع بهما في الحياة العلمية، الثقافية والسياسية، يحصران ويحددان ظواهر مرضية مبطنة في بنى الدّول التابعة تفسّر العلاقة ( اللامتكافئة ) القائمة اليوم بين المراكز باعتبارها غرف توجيه وتحكم بين الأطراف.."
ويضعنا المؤلّف مرّة أخرى بين يدي جملة إستراتيجيّة من نحته الخاص ويسمّيها ( معادلة الوسائط الإستراتيجية ) ويصوغها كما يلي:
الوسائط الإستراتيجية = مجال + موارد.
ثمّ يفصل في هذه المعادلة تفصيلا جذّابا ، فيعرض لــ : ( تأثير المجال " الوسط " ، والموارد ).
ويجعل للموارد معادلة خاصّة هي:
الموارد = موارد تاريخيّة + موارد جغرافية + موارد بشريّة.
وفي نوع من التوليد التسلسلي الذي يفضي بعضه إلى بعض ؛ يضع معادلة أخرى للموارد التاريخيّة ويصوغها كما يلي:
" الموارد التاريخيّة = موروث علمي تقني + موروث قيمي عقائدي "
وبالطريقة ذاتها يضع معادلة للموروث القيمي العقائدي..الخ    
وربّما نقف قليلا متأملين معادلتين على جانب كبير من الأهميّة جاءتا في ختام الكتاب وهما:
( - معادلة الأمن الاجتماعي – الصورة النهائيّة للجملة الإستراتيجيّة ) ويقول فيهما:
1 - معادلة الأمن الاجتماعي:
" الأمن الاجتماعي = أمن عقائدي + أمن اقتصادي + أمن عسكري " وقام المؤلف بشرح ذلك تحت عنوان:
تطبيق تقابلي:
قال فيه:
" الوزارات الأمنيّة = وزارة التربية + وزارة الفلاحة والموارد المائية + وزارة الدّفاع "
والغريب في هذه المعادلة أنّه يجعل على رأسها وزارة التربية ، ثمّ تليها وزارة الفلاحة وتأتي وزارة الدّفاع في المرتبة الثالثة ، وهذا الترتيب بالمنظور السطحي ترتيب خاطئ أو مقلوب على أقل تقدير ، لكنّه في حقيقة الأمر وبالمنظور الإستراتيجي البعيد المدى هو ترتيب صحيح مئة بالمائة ، فوزارة الدفاع إذا لم تتكئ عل قاعدة تربوية عريقة وصلبة ، وأمن غذائي يلبي حاجة البلد لسنين طويلة ، ويستغني عن الموارد الأجنبية في تلبية حاجة مواطنيه الأساسيّة ؛ فإنّها بدون ذلك لا يمكنها أن تحقق الأمن للدولة والشعب ، وصدق الله العظيم الذي امتنّ على قريش بقوله:

"   الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ " فقدّم الأمن الغذائي على الأمن العسكري أو الأمن من الخوف.

وفي لفتة جميلة جدا يحدّثنا المؤلّف عن المورد ( الأصيل ) الذي هو الدّماغ البشري، ويقول عنه:
" لقد صدق من قال : " لو جمعت كلّ الآلات الحاسبة المنتجة قديما وحديثا، وكلّ الكمبيوترات العاملة والمستهلكة ، ثمّ دقّت حتى تكون في حجم الدّماغ البشري، لكان الدّماغ أعقد منها جميعا ".
وختام الكتاب خصّه المؤلّف لإعادة صياغة الجملة الإستراتيجيّة بشكل دقيق ومضبوط:
الصورة النهائية للجملة الإستراتيجيّة:
يصوغها على النحو التالي: ( الجملة الإستراتيجية = مجال + فعل إستراتيجي + فاعل إستراتيجي + مفعول به إستراتيجي + موارد ).
ولا يكتفي المؤلّف بالتنظير ونحت المصطلحات الجديدة بل يضرب لنا عن كلّ مصطلح أو مفهوم إستراتيجي أمثلة حيّة ، ولنأخذ ختامها ليكون مسكا ، يقول موضحا الجملة الإستراتيجيّة:
" مثال حي للجملة الإستراتيجيّة
الظاهرة الاستعمارية = إفريقيا + استعمار + مستعمِر + مستعمَر + ثروات " 
وذيّل المؤلف كتابه بفصل شعري في الموضوع ذاته قدّم له بقوله:
" الشعب على طريق البقاء "
وساق أفكاره السابقة في جملة من القصائد الشعريّة العميقة التي تعطي للمصطلح والفكرة بعدا أدبيّا وجماليا رائقا ، وقدّم بين يدي تلك القصائد بكلمة مؤثرة لا تبعد عن الصياغة الإستراتيجية بل من رحمها انبثقت:
" ضع هدف
جدول الزمن
عبّئ الموارد
اشحذ الهمم
اجتهد
لا محالة ... حتما
تصل "
ثمّ ساق لنا المؤلّف الإستراتيجي الشاعر أربع قصائد شعريّة من النوع الفكري الثقيل ، الذي يحتاج إلى تأمّل وتدبر طويل وهي ( رجال الزمن / الشعب ينظر من أجل البقاء أو ذاكرة الشعب / الشعب ينبه من أجل البقاء أو رسالة الشعب / مواصفات فتى البقاء أو كن يا فتى) .
يقول في قصيدة ( كن يا فتى ):
قصيد يوسم مجتهدا * * حريصا مناه سمو الوطن
يصون ذمام الكرام قضوا * * على العهد عضوا  تحدّوا الزمن
يورث صنعة حفظ الحمى * * ودفع التكاليف أيا تكن
كتاب فريد من نوعه.. يذكرنا بطريقة مالك بن نبي رحمه الله تعالى في التفكير الحضاري ، ولكنّه أبعد في التخصص بشكل أدق وأكثر تفصيلا ، وابتداعا للمصطلح الفكري الإستراتيجي الجديد بجرأة معرفية عمادها البرهان والتمثيل الواقعي الحي ، ويحسن بالجامعات الوطنية أن تبرمج هذا الكتاب القيّم في مناقشات رسائل الطلبة ، أو حتى تجدوله في برامجها الدراسية فهو إضافة تفخر بها الجامعة والمكتبة الجزائريّة والعربيّة. 


[1] - الأستاذ محمّد دريدي من مواليد 15 / 04 / 1966 م بخنقة سيدي ناجي بسكرة ( الجزائر ) ،  أستاذ العلوم الطبيعيّة ورئيس بلديّة خنقة سيدي ناجي سابقا ، له مشاركة في العمل الصّحفي من خلال جريدتي ( الدّيار ) و (فسيرا ).  

2017/06/20

الرواية العجائبية في الأدب المغربي: إصدار جديد للدكتور خالد التوزاني



الرواية العجائبية في الأدب المغربي: إصدار جديد للدكتور خالد التوزاني


    صدر كتاب: "الرواية العجائبية في الأدب المغربي الحديث" لمؤلفه الناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني، في طبعته الأولى، سنة 2017، عن منشورات مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، التي يديرها الأكاديمي والمبدع الدكتور جمال بوطيب، وبدعم من وزارة الثقافة بالمملكة المغربية. ويأتي هذا الكتاب استمرارا للمشروع العلمي للدكتور خالد التوزاني في رصد العجيب والغريب وأبعاد توظيفه في الأدب والثقافة والفن، من أجل خلق نوافذ جديدة تسعف في فهم العقلية العربية، واقتراح مداخل تنميتها. ويخوض هذا الكتاب مغامرة تحليل رواية "سيرة حمار" للمفكر حسن أوريد التي أثارت جدلا كبيرا بين القراء، كما يخوض الكتاب أيضا مغامرة تحليل رواية "وريخا" للروائي عزيز أمعي التي اقتحمت المسكوت عنه والمهمش في بنية اللاوعي الجمعي للمغاربة.. فضلا عن فصل نظري يؤصل للرواية العجائبية.
    يقدم كتاب "الرواية العجائبية في الأدب المغربي: دراسة نفسية اجتماعية" للمؤلف الدكتور خالد التوزاني محاولة جديدة لمقاربة الرواية العربية برؤية نفسية واجتماعية تأخذ بعين الاعتبار ما يحف تأويل الإبداع عموما من صعوبات وعوائق، خاصة وأن النقد النفسي في الدراسات العربية لم يحقق بعدُ ذلك التراكم الذي يؤهله لادعاء الإصابة أو الإجادة، فالكتابات في هذا الاتجاه ما تزال قليلة، والجمع بين تخصصي علم النفس وتحليل الأدب يعتبر قليلا في صفوف النقاد، ولذلك يُحسَب لهذا الكتاب أن مؤلفه الدكتور خالد التوزاني يملك حداً أدنى من الثقافة النفسية لحصوله على إجازة في علم النفس وله نصيب من تحليل النصوص الإبداعية لحصوله على دكتوراه في الآداب، مما يجعل مقاربته تتسم بالجدة والأصالة والعمق، والنتائج تحظى بنسبة عالية من الصدق الموضوعي، خاصة وأنه لم يكتف بالشرح أو التفسير وإنما تطلّع إلى التأويل والبرهنة وتعميق النظر في ما وراء العجائبي، هذا الأخير يتحول من الإمتاع إلى التحيير، لخلق فرصة للسؤال، فالعجائبية كما تناولها هذا الكتاب تفضح مختلف البنيات النفسية المهترئة والتواصلات الاجتماعية الهشّة التي تكرس السلبية وتُعَمِّقُ ضعف واقعٍ ومنطقةٍ منكوبةٍ على مستوى استخدام العقل والذراع، ومن ثم كانت المقاربة النفسية الاجتماعية باعتبارها اختيارا منهجيا عاملا مساعدا على كشف هذه البنيات واقتراح بعض الحلول، فضلا عن سبر أغوار النصوص الروائية ذات الملمح العجائبي.
     إذا كانت الرواية عملا سرديا إبداعيا "من أكثر الأجناس الأدبية تمردا على التحديدات المنهجية سواء التنظيرية منها أو التحليلية"، فإن التقاءها بالعجائبي قد يزيدها تمردا وانفلاتا، بفعل تحولاتها المستمرة والمتسارعة، ومن ثم يكفي أن يحضر العجائبي في عتبة عمل إبداعي ما ليحيل على الشوق والاشتياق لموضوع طريف وجذاب، فالمرء بطبعه يميل لكل ما هو عجيب وغريب ونادر، لكن العمل الإبداعي أحيانا قد يجعل المتلقي في مواجهة أسئلة لم تتمكن الأعراف والقوانين الطبيعية والأخلاق التي تتبناها الأمة والدين من الإجابة عنها، نظرا لقدرة الإبداع على تكثيف المعاني، من خلال توظيف الرموز والعلامات، "فالمعرفة الإنسانية هي بالضرورة معرفة رمزية، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الفكر الرمزي والسلوك الرمزي يكونان أهم ملامح الحياة الإنسانية، وأن كل تطور حضاري إنما يعتمد على ما يعتري هذا الفكر الرمزي والسلوك الرمزي من تغيير"، ومن ثم كان الإبداع أقدر من غيره على تخزين المعرفة الإنسانية، وإثارة الأسئلة المقلقة والمحيرة والتي تدفع المتلقي للتفكير وإعادة النظر في جملة من القضايا التي تحوّلت بفعل الإيقاع اليومي الرتيب إلى نوع من اليقينيات والبديهيات.
    بناء على تصور موضوع هذا الكتاب ونماذج الروايات المختارة في التحليل، فقد تم تقسيمه إلى مقدمة وفصلين؛ الفصل الأول خُصِّص لمقاربة الرواية العجائبية من التنظير إلى الممارسة، وضم جملة من المباحث، حاول تسليط الضوء على دلالات العجائبي وأنماطه وصلته بالأدب والرواية، واعتباره مدخلا لفهم العقلية العربية، وبما أن الجن بوابة للعجائبي في الرواية المغربية، فقد تم مناقشة حضوره في الثقافة والإبداع، وذلك لتعزيز أرضية نظرية تفيد في جانب لتحليل. أما الفصل الثاني، فخصص لتحليل نموذجين من الروايات المغربية، وهما رواية "سيرة حمار" للمفكر الدكتور حسن أوريد، ورواية "وريخا" للكاتب عزيز أمعي، مع اختتام كل فصل بتركيب أجمل فيه النتائج المتوصلّ إليها، وقد حرص المؤلف الدكتور خالد التوزاني في تحليل النماذج المختارة على التقيد بالموضوعية والتزام الدقة، دون خضوع لإعجاب متطرف أو تحمّس مبالغ فيه لأصحاب هذه النصوص، وعلى الارتباط الوثيق بأفكار الرواية، بغرض إشراك القارئ في تأملها، وتكوين صورة منصفة عن الرؤى المستخلصة منها. ثم أخيرا خلاصة واستنتاجات لتأكيد بعض الحقائق التي خلص إليها المؤلف في ثنايا هذا الكتاب، وكذا الآفاق التي يفتحها البحث في الرواية العجائبية في الأدب المغربي، ثم ذيل الكتاب بفهارس تيسر الاستفادة من العمل.
   ويذكر المؤلف الدكتور خالد التوزاني أن إيمانه العميق بقوة الإبداع المغربي وتميّز الأدباء والكُتّاب المغاربة هو الذي يفسّر انفتاحه في هذا الكتاب على الأدب المغربي المعاصر، رغبة في استجلاء مظاهر التميّز والقوة فيه، واقتراح قراءة علمية بمعايير موضوعية منصفة ترى في النص الأدبي عملا يخدم الإنسانية ويربط جسورا من التواصل الثقافي بين الحضارات. ولا شك أن هذه الرؤية قد أسهمت في تقديم قراءة جادة للرواية العجائبية، باعتبارها أحد الاختيارات الإبداعية المعاصرة الأكثر إثارة للجدل والنقاش.
    من أبرز الخلاصات التي تضمنها كتاب: الرواية العجائبية في الأدب المغربي: دراسة نفسية اجتماعية" لمؤلفه الدكتور خالد التوزاني، أن مفتاح فهم العجائبي هو سعة الثقافة، التي تحرر المرء من الأوهام، وهكذا "يجب أن تكون الثقافة الأداة العقلية للتحرر"، خاصة وأن العجائبي والعقل قد لا يجتمعان عند كثير من القراء والمتلقين، ولذلك لا سبيل لخلق جسر عابر لقارة العجيب في اتجاه العقل سوى الثقافة الشاملة باعتبارها البديل الحضاري والمنطقي لما وراء العقل أو ما وراء الثقافة، حيث يتّحد الشيء وضده، وتجتمع الأشباه والنظائر، وتلتقي الأضداد في وحدةٍ جامعة، لتؤسس لغة العجائبي وأيضا آلة الفهم، ولذلك كان في "سيرة حمار" سعي حثيث للتقريب بين ضفاف الثقافات وتأمين تعارف بين الكائنات وخلق جسور تواصل متين، وتنقية مجالات التدبير الإنساني لشؤون البشر من نوازع الهوى وأطماع النفس التي لا تشبع ولا تملّ.
   كما أسفر البحث في تجليات العجائبي ووظائفه في "سيرة حمار" للمفكر الدكتور حسن أوريد، ورواية "وريخا" للكاتب عزيز أمعي، عن جملة من الخصوصيات التي تطبع الرواية العجائبية في الأدب المغربي، ومنها أن موضوعات هذا النمط الروائي لم تخرج عن هموم الوطن والإنسان، ففي رواية "وريخا" يحضر النفسي والاجتماعي بقوة ليسلط الضوء على بقع الوجع في جسد فئة من المغاربة يعانون من بعض الاضطراب الناجم عن العراك مع واقع مؤلم ومحبط لم ينجحوا في تطويعه، لأنهم لم يغادروا المكان الصعب للعيش بعيدا عن الألم، ولم يفكروا عقلانيا في إبداع واقع جديد سمته المشاركة والمواطنة والتضامن والإيجابية، وإنما ارتموا في أحضان الخرافة والشعوذة والسلبية والاتكالية، وظنوا أن الخلاص قادم من العالم الآخر الغيبي وغير المرئي، ولكنهم في الحقيقة لم يزيدوا الواقع إلا بؤسا بما فعلوا، وخير شاهد هو استمرار خرافة "وريخا" في مثل مناطقهم، التي يقبل الناس فيها على الخرافة دفعا للضرر واستجلابا للخير وطلبا للعيش السهل، ولو كان ينفع الجنُّ الإنسانَ، لَدفَعَ عن نفسه الضرر، عندما ظل يخدم الأرض حولا كاملا ولا يدري أن سليمان عليه السلام قد مات، قال تعالى: "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ" (سورة سبإ، الآية: 14)، ومن ثم عبّر العجائبي عن الحاجة إلى اللآشيء أو الوهم الذي يُعوِّضُ المرء ما لم يحصل عليه بالاجتهاد والمكابدة، ثم يحتجّ على واقع مُعاند لا يُسلمُ القياد إلا للقادة من الناس الذين يخلقون من الظروف الصعبة واقعا جديدا ينحتون فيه أحلامهم، ويحفرون في الصخر منجزهم، فلا ينساهم التاريخ.
    أما في "سيرة حمار" فتنتقد الفعل السياسي العفن لبعض المسؤولين الذين يُحَكِّمون الهوى ويُكيّفون القوانين تبعا لأهوائهم ونوازع نفوسهم الآمرة بالاستيلاء على المنافع والمكاسب خدمة لمصالحهم الذاتية، وهي فئة وإن كانت قليلة في الواقع، إلا أن وجودها يترك آثارا سيئة في الجسم السياسي، حيث يختلط السليم بالسقيم، ويتماهى المعافى بالمشوّه، ليظل المتلقي/المواطن مصابا بالدهشة والحيرة المؤدية للعزوف السياسي وفقدان الأمل، كما تنتقد أيضا ارتماء بعض المثقفين في أحضان الغواية والخيانة، عندما يتطلعون إلى اللذة المحرمة أو الامتياز الذي لا يستحقونه، فيصبح وجودهم في المكان غير المناسب وجودا مشوّها أو ممسوخا، وبذلك يقدمون صورة سلبية للآخر حول نخب المجتمع التي يُفترض فيها النزاهة والعدل والكفاءة والمروءة، وغيرها من الصفات التي تمنح لصاحبها المصداقية والثقة.
    كما يحضر في "سيرة حمار" السؤال الفلسفي ماثلا كالمارد يعكر على المتلقي صفو سكونه واستسلامه لخوائه، ليدفعه للتأمل، وتوليد الأسئلة، ولكن السلوك الإنساني عندما يظل ممسوخا بما فيه من أنانية وطمع وغلو في المتع واللذات، لا ينتبه لنوع من الأسئلة المقلقة والمزعجة، فعلى الرغم من قيمة العلم والثقافة في رقي الإنسان، إلا أن بعض المثقفين لا يصمدون أمام الإغراءات وسرعان ما يسقطون، ليشكّل هذا السقوط خسفا أو مسخا، يفقدهم إنسانيتهم، فيعيشون حياة حمارية، لا تعترف إلا بما تغترف من لذات "محرمة"، داخل واقع يغيب فيه التوازن بين الفئات الاجتماعي، ويعكس بؤسا في جوانب من الفعل السياسي الذي مُسِخ وأُفرغ من محتواه النبيل، مادامت السياسة في الأصل مهمة النبلاء وصفوة الناس من الأمراء وأهل الأخلاق الراقية.
      إن الرواية العجائبية متمثلة في نموذجي "وريخا" و"سيرة حمار"، تسعى لتغيير واقع مألوف مليء بالإحباط والجحود والمكر، إلى واقع آخر مغاير للعادي ومخالف للمألوف، سمته الأمانة والصدق والتضحية والإخاء والتسامح والتعايش والسلام وبذل الجهد، وهي أخلاق الأمم الراقية التي تقدس الإنسان، وتسعى لتلبية حاجياته بل وتمكينه من بعض الكماليات، ولا يحتاج هذا الرقي سوى لعقل خلاق قادر على اختراق الخرافة وتدمير بنيات الاستسلام، أي الانتقال من العنّة إلى التخصيب، كما تقول سيرة حمار: "التخصيب أنواع، وأرقى التخصيب هو ذلك الذي يقيمه الإنسان بعقله ليغيّر واقعا، والعنَّة أشكال عدة كذلك وهي كل شكل من أشكال العجز والخنوع والاستسلام".
     يُنتظر من إنسان اليوم كمال المعرفة العقلانية والتشبع بروح الحداثة والتحلي بالمنطق وسلامة التفكير وقوة الخلق والابتكار وروح التجديد والإبداع، مع أخلاق التسامح والصبر والاستمرار، وهو ما يتناقض مع اللآءات الثلاثة: اللآطبيعي، واللآشيء، واللآصمت، وهي بعض الوظائف التي يعمل العجائبي على تحقيقها، في حين لم يكن بعض الناس المنجزين في حاجة إليها، لأنهم يعملون وفق القانون "الطبيعي" للكون، فتسعفهم المعرفة وتطاوعهم المادة لفهم قوة "الشيء" مهما كان صغيرا، ولأن العمل دليل الحياة، فهم يعملون في "صمت" ويتركون الآخر يدرك من بعيد أنهم أحياء ما داموا يتحركون، وينجزون. ولذلك فإن العجائبية تفضح مختلف البنيات النفسية المهترئة والتواصلات الاجتماعية الهشّة التي تكرس السلبية وتُعَمِّقُ هدر قدرات العقل وتعطيل المنطق.
    هكذا، يظهر الوجه الآخر للرواية العجائبية التي تقدم نفسها في البدء بوابة للمتعة والسفر الجميل في رحاب لذة السرد العجيب الذي يُنسي المتلقي بعضا من آلامه وأوجاعه، ولكنها سرعان ما تدفعه للحيرة بفعل ما تخلقه من مفارقات وتناقضات، فالعجائبي لا يستقر في بؤرة أمنٍ أبدا، وإنما يزرع الشك والريبة حيثما حلَّ وانتقل، ليختبر قدرات العقل، فإن لم ينجح هذا الأخير في إيجاد حلٍّ يحقق التوازن، فإنه يُغيَّبُ، ليفسح المجال واسعا أمام الخيال والقلب والحُلم في اليقظة لتحقيق ما عَجز عنه العقل، ولأن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فإن الخيال يقدم حلولا لواقع ملتبس، يتحوّل بفعل هذه الآلية العجيبة، آلية التخييل، إلى شلالٍ لتحقيق كل الأمنيات، حيث يكفي أن يغمض المرء عينيه، متخلّصا من واقع حسي مكبِّل، ليحلّق في الأرجاء ويأتي بكل ما اشتهته النفوس، فالحُلمُ هنا مفتوح على مصراعيه، لا يقف أمامه حاجزٌ ولا حتى مراقب، وقد يطول الغياب أو يقصر، تبعا لمستوى الاستسلام لليأس ومدى الابتعاد عن العقل الذي يصبح في هذه الحالة مصدر توتر وقلق وصداع، ومن ثم ندرك كيف سيتحول عشق العجيب إلى إدمان، وكيف ستنتعش الحكايات العجيبة في أوساط اجتماعية كثيرة وفئات عريضة تتحوّل بفعل الخرافة لتصبح جيشا يحارب كل تجديد أو تطوير أو دعوة لتطبيق القانون بما لديها من أدوات السخرية والمسخ والإهمال والنسيان وإلقاء اللوم على الآخرين.
     إن الرواية العجائبية عموما، إلى جانب كونها منتوجا أدبيا تخييليا، تمثل منتجا ثقافيا، يمكن النظر إليه باعتباره نمط حياة لأفراد وجماعات مختلفة في أوقات وأماكن متباينة، فهي "ليست مجرد نشاط متعة أو إمضاء لوقت فراغ، بل تهتم بتكوين أفراد ناضجين ذوي إحساس بالحياة حقيقي ومتوازن"، فهذا النمط من الرواية بقدر ما يخلخل التوازن ويسحب بساط التحكم في الواقع من تحت المطمئن والراضي عن واقع مألوف، بقدر ما يعيد التوازن لمَنْ لم يكن مطمئنا أو كان في نفسه شيء من حتى، وكأنها بهذا المنهج "المقلق" تواجه واقعا جديدا بدأ يلوح في الأفق يُعرف بما بعد الإنسان، ومن ثمَّ، كان السرد العجائبي قائما على المسخ والتحوّل واستحضار الجن والانتقال عبر فضاءات غيبية غامضة..، وكل ذلك بحثٌ عن الأمان في منطقة وراء الغيب ووراء الظاهر حيث الإلهام والخيال والوحي والاستمداد من قوى بعيدة غير مرئية..، لمواجهة واقع ما بعد الإنسانية، وخاصة في ظل تزايد هيمنة الرقميات وتغوّل الآلة، وهو طموح يكشف عن جزء من قلق الإنسان على مستقبله، وأيضا يبرر استمرار تأثير ما فوق الطبيعي في الطبيعي، وغير العقلي في العقلي، ليزداد الغموض في رؤية الإنسان وتصوّره لنفسه، وتُعاد أسئلة معرفة الذات لتُطرح من جديد، ولكن في سياق آخر، تنافسه "ذوات" أخرى، لا تقل "ذكاء" عنه، ويتعلق الأمر ببعض مخترعاته التي لم يعد له سيطرة عليها، ولم يعد له غنى عن العيش دون وجودها، بل وتحكّمها أحيانا كثيرة في تفكيره وسلوكه. ولا شك أن هذا الأفق التأويلي الذي تفتحه الرواية العجائبية يحتاج لتعزيزه والوقوف على مدى وجاهته ودرجة صدقه، إلى تكامل العلوم في مقاربتها للنص، هذا الأخير الذي لم يعد مرتبطاً بالمكتوب فحسب، وإنما كل ما يمكن أن يشكّل موضوعا للنقاش.
        إن الأساس العلمي الذي وجّه كتاب: الرواية العجائبية في الأدب المغربي: دراسة نفسية اجتماعية" لمؤلفه الدكتور خالد التوزاني، هو مبدأ الحتمية السيكولوجية، والذي يتضمن أن كل ما يصدر عن الإنسان إنما يعبر ويرمز إلى مكوناته النفسية وإلى أعماقه اللاشعورية، ولا شك أن فن العجيب نتاج أدبي وفكري يمثل نشاط البنية الذهنية الشعورية واللاشعورية في ارتباط بما هو اجتماعي وعلائقي مع الكون والمحيط، وهو ما يجعل الدراسة بحثا في العمق الإنساني وحفرا في البنيات المشكّلة لوجوده، على أن مفتاح الولوج نحو هذا العمق يكمن في "العجائبي"، ومن ثم لا غنى للباحث من تفصيل القول في هذا المفهوم وسياقات توظيفه ومجمل معانيه ووظائفه، قبل أي خوض في قضايا الرواية العجائبية وموضوعاتها الأساسية، ليأتي بعد ذلك الجزء التطبيقي وهو تحليل لروايتين، علما أن هذا الكتاب يمثل استمرارا للمشروع العلمي للدكتور خالد التوزاني في رصد العجيب والغريب وأبعاد توظيفه في الأدب والثقافة والفن، من أجل الإسهام في خلق نوافذ جديدة تسعف في فهم العقلية العربية، وذلك في أفق تقديم مقترحات الارتقاء بهذه الذات وتطويرها.
    جدير بالذكر أن الكاتب والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني، له جملة من المؤلفات المنشورة منها، كتاب "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية" صدر عن دار كنوز المعرفة بالأردن، وكتاب "جماليات العجيب في الكتابات الصوفية"، صدر عن الرابطة المحمدية للعلماء بالرباط، وكتاب "الرحلة فتنة العجيب بين الكتابة والتلقي" الذي فاز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي للعام 2016 بالإمارات العربية، كما حاز الدكتور خالد التوزاني جائزة أحمد مفدي للدراسات النقدية بالمغرب، وجائزة الاستحقاق العلمي من مؤسسة ناجي نعمان العالمية للأدب بلبنان.