2014/08/19

أحمد طوسون للبوابة نيوز: القاهرة أشبه بوحش أسطوري قد يلتهم من يستكين لغوايتها ومفاتنها ليضيع مع من ضاعوا في ضجيج زحامها!

أحمد طوسون: القاهرة أشبه بوحش أسطوري قد يلتهم من يستكين لغوايتها ومفاتنها ليضيع مع من ضاعوا في ضجيج زحامها!

حوار/ محمد حافظ

 -الثقافة والإعلام يغمضان عينيهما عن المبدعين خارج القاهرة ويتعاملان بجفاء مع من لا يتغزلون في مفاتن جسدها المرصع بعطايا المنح والعطايا
- المنتج الأدبي المصري شديد الثراء والتنوع لكنه يفتقد حركة نقدية مبدعة توازي ما يقدم من بين سيل الإصدارات
- أدعو الرئيس لتشكيل لجنة عليا لرسم السياسات الإعلامية والثقافية والعلمية
- لو عادت قاهرة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات لن أتردد للحظة في الهجرة لها



أحمد طوسون روائي وقصاص مصري من مركز سنورس بمحافظة الفيوم، عضو لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، عضو اتحاد كتاب مصر، عضو أمانة مؤتمر أدباء مصر حصل على ليسانس الحقوق – جامعة القاهرة 1990.
صدر له في مجال الرواية: مراسم عزاء العائلة عن دار شريف للنشر والتوزيع 2006، تأملات رجل الغرفة عن هيئة قصور الثقافة عام 2011، وفي مجال القصة القصيرة صدر له "مجرد بيت قديم"، "شتاء قارس" عن هيئة قصور الثقافة2000، "عندما لا تموء القطط" عن هيئة قصور الثقافة 2003، "فتاة البحر" دار أرابيسك للنشر والترجمة 2011.
أما في مجال أدب الأطفال فصدر له: "حكاية خير البلاد" عن هيئة قصور الثقافة 2003، "حكاية صاحب الغزلان" عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة 2006، "أحلام السيد كتاب" عن دار روائع مجدلاوي للنشر بالأردن 2010، "دجاجات زينب" عن دار شريف للنشر والتوزيع 2009، "أرنوب وصاحباه" عن كتب الهلال للأولاد والبنات 2013، "الصندوق والكنز" عن هيئة قصور الثقافة 2013، "جهاد تذهب إلى المدرسة" عن المركز القومي لثقافة الطفل 2014، "السلاحف يمكنها أن تطير" عن هيئة الكتاب 2014.
كما حصل على العديد من الجوائز ففي مجال الرواية حصل على جائزة المسابقة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة في الرواية للعام 2001 / 2002، وفي مجال القصة القصيرة حصل على جائزة القصة لدول جنوب البحر الأبيض المتوسط التي نظمها إقليم لجوريا الإيطالي عام 1996 / 1997، وجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة في القصة القصيرة عام 1997، جائزة الانتفاضة في الإبداع التي نظمتها جريدة الأسبوع القاهرية عام 2000، وجائزة أدب الحرب في القصة القصيرة التي نظمتها جريدة أخبار الأدب بالتعاون مع مجلة النصر والشئون المعنوية بالقوات المسلحة عام 1996، وجائزة العقاد الأدبية في القصة بمناسبة مئوية العقاد للعام 1997، جائزة دار نعمان للثقافة للعام 2006، جائزة إذاعة BBC ومجلة العربي 2009.
وفي مجال أدب الأطفال حصل على جائزة الدولة التشجيعية في رواية الفتيان عام 2014 عن رواية (أحلام السيد كتاب)، جائزة الشارقة للإبداع العربي في أدب الأطفال التي نظمتها حكومة الشارقة لعام 2005 /2006 عن قصة ( حكاية صاحب الغزلان )، منحة مؤسسة محمد بن راشد في أدب الطفل عام 2008 عن قصة (أحلام السيد كتاب)، جائزة دار الحدائق بلبنان في قصة الطفل عام 2009 عن قصة (السلاحف يمكنها أن تطير)، جائزة المركز القومي لثقافة الطفل للعام 1998 عن قصة (حكاية الليل والنهار).
- جائزة المسابقة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة للعام 1998 / 1999عن مجموعة قصص (نم نم.. تاريخنا مهم) وغيرها من الجوائز.
"البوابة نيوز" حاورت طوسون في إطار سلسلة حواراتها اليومية مع أدباء الأقاليم حول رؤاهم في العديد من القضايا المطروحة.

هل تعتقد أن المبدع يمكنه أن يحقق النجاح في محافظته النائية أو بلدته الصغيرة دون أن يكون ذلك مرتبطا بوجوده في العاصمة؟ وما هي المقومات لذلك؟
المبدع لا يرتبط نجاحه بوجوده في العاصمة أو ابتعاده عنها، الإبداع يحتاج إلى الاجتهاد والإخلاص والإيمان بما نكتب، كما أن المقصود بالنجاح قد يختلف من مبدع إلى آخر، هل المقصود به الانتشار، أرقام توزيع الكتب، الكم الذي انتجه المبدع، اعتلاء مقاعد وظيفية بمؤسسة الثقافة أو الاقتراب منها لحصد عطاياها، الرواج الإعلامي للمبدع وإبداعاته، أم ما يضيفه الكاتب من ثراء حقيقي في مجال إبداعه وتفرد تجربته ورؤاه؟!
وحسب رؤية كل كاتب لمفهوم النجاح ستتفاوت رؤيتهم لضرورة التواجد بالعاصمة أو البقاء بقراهم ومدنهم البعيدة والاكتفاء بعلاقة متقطعة مع العاصمة.. في اعتقادي أن المبدع الحقيقي يخلق عوالمه الخاصة وطقوسه سواء أكان يعيش في العاصمة أو بمنأى عنها!
والنجاح نسبي كما أسلفت، فكثير من المبدعين لم يشهدوا ثمار تجربتهم في حياتهم، ثم أصبحوا علامات يشار إليها بالبنان بعد رحيلهم، ولنأخذ من فرانز كافكا نموذجا معروفا للكافة.
وبالرغم من إغراء العاصمة وغوايتها بما تمنحه من مناخ أكثر رحابة وانفتاح على التجارب الإنسانية والإبداعية والاحتكاك بتجارب كبار المبدعين وملامستها عن قرب، إلا أنها في الوقت نفسه أشبه بوحش أسطوري قد يلتهم من يستكين لغوايتها ومفاتنها، ليضيع مع من ضاعوا في ضجيج زحامها!

ما هي أهم المعوقات التي تجدها في المسيرة الإبداعية للكتاب الذين يرفضون نداهة القاهرة ويفرضون أنفسهم على النخبة الثقافية من بلدانهم؟
التجاهل هو أكبر المعوقات التي تواجه الكتاب بعيدا عن العاصمة، المؤسستان الثقافية والإعلامية بحكم وجودهما بالعاصمة يغمضان عينيهما عن المبدعين خارج القاهرة، المؤسسة تتعامل بجفاء مع من لا يطرقوا أبوابها ولا يتغزلوا في مفاتن جسدها المرصع بعطايا المنح والنشر والجوائز والمؤتمرات والندوات.. لا أعرف مسئولا سمع عن مبدع أو مثقف في قرية نائية واستدعاه إلى مكتبه ليستمع إلى رؤاه حول الثقافة والإبداع والفن، لم أسمع عن مسئول طلب من كاتب في أقاصي الصعيد أعماله لينشرها له.. يستدعون الأسماء الكبيرة البراقة التي تضيف إليهم ولا يضيفون إليها.. ربما ليس ذنب المؤسسة الثقافية وحدها، ربما الجريمة الأكبر مارسها كبار الكتاب والمثقفين الذين ظلوا يحلبون ضرع المؤسسة دون أن يشبعوا ويساهموا في تقديم الأجيال الجديدة كما فعل السابقون معهم!
لكن التجاهل المؤسسي ليس بذي أثر في المبدع الحقيقي، الأزمة الحقيقية التي يواجهها المبدع _سواء في العاصمة أو بعيدا عنها_ تتمثل في المناخ العام للمجتمع الذي لا يحتفي بالإبداع ولا يكترث له.. النظرة إلى الثقافة على أنها شيء زائد عن الحاجة، ترف نخبوي لا يملكه العامة، والتي أدت إلى القطيعة ما بين الناس والكتاب.
وهي نظرة خلفتها الممارسات الإعلامية والتعليمية عبر الحقب المختلفة، وحان الوقت لتغييرها إذا أردنا إحداث تغيير حقيقي بمجتمعنا والسير في طريق الرقي والتقدم.. يجب أن تصبح الثقافة والفنون في مقدمة المشهد بالتوازي مع ركب العلم وأن تحتشد الدولة بكل طاقاتها ومؤسساتها للقضاء على الأمية والجهل بما فيها الأمية الثقافية!

هل ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي قد جعلت من مصر والعالم العربي قرية صغيرة سهلت من التواصل مع النخبة والمجتمع وسهلت مهمة أدباء الأقاليم؟
بالطبع، وسائل الاتصال الحديثة ومن بينها الشبكة الدولية للاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي والمدونات وغيرهم ساهمت في تغيير مفهومنا لكل من المركز والهامش وجعلت من العالم قرية صغيرة، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب على مصراعيه أمام كل أشكال الغزو والاختراق الثقافي، ومن هنا المسئولية ملقاة على المثقفين لمواجهة هذا الغزو من الأفكار والقيم الغريبة على مجتمعاتنا، والتي تتعارض كثير منها مع قيمنا العربية والإسلامية الأصيلة القائمة على مبادئ الحب والتسامح.
أما بالنسبة لـ "أدباء الأقاليم" فهو مصطلح لا أستسيغه، الأديب لا يُعرف بمحل إقامته، نحن إما إزاء كاتب أم لا، وعلى الكتاب أن يتخلصوا من هذه النظرة المتعالية للأدباء الذين يسكنون خارج العاصمة، وعلى الأدباء ألا يتمسحوا بإقليميتهم من أجل مكاسب صغيرة أو ابتزاز المؤسسة الثقافية للحصول على مكاسب أكبر!
وبالنسبة للعلاقة بين النخب والمجتمع لا أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي تركت تأثيرا واضحا في العلاقة بينهما، فأغلب العلاقات بين النخب والمجتمع على الشبكة الدولية مستمدة من فكرة العلاقات الاجتماعية، ولا يمكننا رصد تأثير فكري تنويري حدث من خلال هذا التواصل نظرا لأن المحاولات في هذا الطريق أغلبها فردي، في حين نجد تنظيمات موجهة تقود حملات منظمة أكثر تأثيرا في مجتمع شبكات التواصل بشكل يقارب ما بين الذي يحدث في الواقع، وما يحدث في الواقع الافتراضي على شبكات التواصل الاجتماعي.

هل صادفت أدباء تم دفن موهبتهم بسبب عدم قدرتهم على التواصل مع أدباء العاصمة؟
طبعا كثير من المواهب فقدت بوصلة الطريق الصحيح بسبب قلة الفرص بعيدا عن العاصمة، وعدم امتلاكهم روح التحدي والإيمان بموهبتهم، فأنت إذا لم تؤمن بنفسك لن يؤمن بك أحد، فما بالك في ظروف معيشية أصعب بالأقاليم تدفع كثيرين لترك موهبتهم بحثا عن فرص تمكنهم من مواجهة أعباء الحياة.. بخلاف عدم قدرة البعض على التعايش مع الفساد الثقافي فيؤثرون الانسحاب مع أول صدمة يواجهونها في علاقتهم بالمجتمع الثقافي.

ماهي وجهة نظرك في المنتج الأدبي؟ وقائمة البست سيلر؟ ووجود جماعات المصالح؟
المنتج الأدبي المصري شديد الثراء والتنوع، لكنه يفتقد حركة نقدية مبدعة توازي ما يقدم من إبداع وتنتخب لجمهورها من بين سيل الإصدارات التي تجود بها المطابع كل يوم ما هو جدير بالاهتمام والمتابعة، أزمة النقد في مصر والعالم العربي سبب رئيس في انصراف القراء عن الكتاب!
أما بالنسبة لقوائم البست سيلر وجماعات المصالح فهي مسائل دعائية لا تتمتع بمصداقية في الأغلب الأعم بغرض الترويج لبعض الكتاب باستثناءات نادرة لا يمكن اعتبارها قاعدة يمكن القياس عليها كالذي حدث من رواج ونسب توزيع عالية مع رواية" عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني.. وفي جميع الأحوال يعاني الكتاب المصري من عدم وجود متخصصين في تسويق الكتاب وتوزيعه سواء في مؤسسات النشر العامة أو دور النشر الخاصة!

هل وجود شخصيات أدبية تتصدر المشهد في الاقاليم.. ساهمت في ازدهار الحركة ام أن تلك الوجوه تحافظ على مكانتها ومصالحها؟
الأدباء والمبدعون في أقاليم مصر المختلفة بمثابة مؤسسات لاكتشاف المواهب ورعايتها إذا تنزهوا عن الصراعات فيما بينهم، والإشكالية التي تواجه الكثيرين منهم إحساسهم الشخصي بالاضطهاد وعدم تقديرهم بالشكل المناسب، وليس فكرة المحافظة على المكانة والمصالح، فأنا لا أعرف عن أي مكانة ومصالح نتحدث، المبدع ليس له إلا إبداعه، والصراعات التي تحدث نتيجة مرض مجتمعي يستشري في كل الفئات ومن بينها الثقافة يجعل البعض يتخيل أن شرعية وجوده تتمثل في إقصاء الآخر، لكن رغم كل شيء فهم ساهموا وما زالوا يساهمون في ظهور واكتشاف ورعاية أجيال جديدة بأقاليمهم.

ما هو تقييمك للمنتج الادبي ومشروع النشر الاقليمي الذي تقوم به قصور الثقافة؟
مشروع النشر الإقليمي أحد المشاريع التي يتعامل معها البعض بقسوة، رغم ما يمثله من أهمية للأدباء الذين يعيشون خارج العاصمة ولا تسمح لهم علاقاتهم بالمشرفين على سلاسل النشر المختلفة بنشر إبداعاتهم إلا بعد سنوات وسنوات في انتظار الدور، وإذا كان البعض يتهم بعض العناوين التي صدرت ضمن المشروع بالضعف، فالأمر نفسه يحدث في كل سلاسل النشر المختلفة بالهيئات الثقافية. لكنني أدعو الشاعر مسعود شومان للحفاظ على المشروع بقواعده وتنميته مع تغيير اسم المشروع وإطلاق اسم موحد للسلسلة كــ (إبداعات) على الإصدارات لتخليص المشروع من النظرة الدونية التي تلصق به بوصفه بالإقليمية.

هل تعد نوادي الأدب إضافة للحركة ام عائق يقف امامها؟
نوادي الأدب طاقة كبيرة لتدريب الكوادر الثقافية، وبعض نوادي الأدب قامت بنشاط لم تقم به أفرع ثقافية كاملة، وكان لها الفضل في اكتشاف أغلب الأسماء الأدبية على الساحة وتقديمها، وتحتاج من وزير الثقافة ورئيس هيئة قصور الثقافة زيادة دعمها خاصة النوادي التي تحتشد بعدد كبير من الأعضاء.

مؤتمر أدباء مصر. هل انت مع استمراره ام انتهاء دوره ولماذا؟
مؤتمر أدباء مصر هو المظلة التي تجمع تحتها أدباء مصر من كل الأقاليم، وأنا مع استمرار المؤتمر ودعمه لأنه البوابة التي من خلالها يدخل الكثير من الأدباء في أقاصي القرى والنجوع إلى المجتمع الثقافي، والمؤتمر برغم بعض السلبيات التي لا أنكرها كان وما زال يمثل ضميرا للمثقفين وأحد ثوابته الوقوف ضد كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني.. كما أنه يمثل النموذج الديمقراطي في الحياة الثقافية حيث يتم اختيار أعضاء جمعيته العامة وأعضاء أمانته بالانتخاب في كل نوادي الأدب بمحافظات مصر المختلفة، عكس أغلب الكيانات الثقافية التي يتم تشكيلها مركزيا.

الميديا عنصر ترويج للأصلح أم تلميع لأنصاف الموهوبين؟
الميديا تفتقد خارطة الطريق للتعامل مع الثقافة والإبداع في مصر، لذا فلا يمكنني وصف ما تفعله الميديا بهذا أو ذاك، وإنما هو نوع من التخبط وعدم تقدير للثقافة وأهميتها في مواجهة المشكلات التي يعاني منها مجتمعنا ومواجهة التطرف والأفكار الغريبة التي تصدر لنا.. لذا أنا أدعو رئيس الجمهورية لتشكيل لجنة عليا لرسم السياسات الإعلامية والثقافية والعلمية تشكل من الوزراء المختصين والأدباء والعلماء والمثقفين والإعلاميين من أجيال مختلفة وتكون برئاسة رئيس الجمهورية، لتصبح لقراراتها صفة الإلزام لكافة مؤسسات الدولة!

أين أنت من مشاكل الاقليم الذي تنتمي اليه في منتجك الادبي؟
الإبداع وليد تراكم إنساني معرفي وثقافي ومجتمعي، وهناك كتابات تنحو نحو خصوصية البيئة المتفردة كالبيئة الصحراوية والثقافة البدوية وغيرها، وكتابات أخرى تميل نحو المشترك الإنساني والواقعي الذي يتشابه بين المجتمعات المختلفة.. وكتابات أخرى تميل نحو الفنتازيا، لا يمكن حبس الكاتب في كتابة بعينها، أنا أعتقد أن الكتابة الجيدة تنتمي لمحليتها ( المصرية والعربية)، كما تنتمي لكل ما هو إنساني وخير ونبيل.

لو عادت بك الأيام هل ستظل في إقليمك أم ستشد الرحال للقاهرة؟
لو عادت قاهرة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات لن أتردد للحظة!

 http://www.albawabhnews.com/743077

2014/08/18

العدد الجديد من مجلة الأقلام



العدد الجديد من مجلة الأقلام
محمد رسن
في ظل التغيرات السياسية الكبرى، كيف يكون التفكير في الجمال بوصفه قيمة أجتماعية ذات بعد انساني عام وليس كقيمة ذهنية متعالية خاصة بالنخبة؟
أعطاء صورة واضحة للأجابة، تغدو مهمة صعبة في مجتمع مزقت نسيجه الصراعات الطائفية، وعرضه الارهاب لصدمة الاستهداف المتواصل، وأفقدته مشاعر الكراهية الثقة بمكوناته والقدرة على صياغة عقد مشترك للتعايش والتسامح فيما بينها، وقد غذى التخلف قوى العنف في أرادته على التخريب والتدمير لبناه التحتية فيما واصلت الاضطرابات والاخفاقات السياسية تأجيل أتخاذه لخيار السلم والاستقرار ومراجعة الذات.
وأي مجتمع تتسنى له فرصة مراجعة ذاته، لاشك أنه سيطرح على نفسه سؤال الجمال، وهو سؤال يطرح تحديا مصيريا أمام مجتمع أدمن الموت والحزن، لاسيما أن الارهاب الذي أستهدفه قد ترك الكثير من لوحاته البشعة في جسد الامكنة والذاكرة.
واذا كان أدراك وأنتاج وتداول الجمال أجتماعيا، مشروطا بالدوافع والحاجات والمباديء التي تحكم ثقافة مجتمع معين، فإن الثقافة الاجتماعية التي مازالت مستعرة بالعنف والكراهية، ستؤجل التفكير في رغبتها بالتقاط الانفاس والتريث قليلاً لرؤية الى اين وصلت نتائج اللهاث وراء مشاعر الانتقام وردود الافعال اللامتزنة، التي لم تختلف سوى الدمار والخراب المادي والمعنوي.
ربما حان الوقت بالنسبة لمجتمعنا، وقد بدأ يلتقط بعض أنفاسه المشبعة برائحة الدم والبارود، أن يواجه نفسه بأسئلة مصيرية حاسمة، في التسامح والعيش المشترك والسلم الاهلي وبناء الدولة وارساء اسس المواطنة وتأصيل الديمقراطية وترسيخ الحريات الفردية وحقوق الانسان
وهي أسئلة ضرورية لكنها تبقى ناقصة من دون السؤال الناظم لها، السؤال الذي يصوغ الرؤية الموحدة لها جميعاً، رؤية المجتمع لنفسه وللعلم، انه سؤال صميمي في الوسيلة، في الاليات والكيفيات الحضارية الواجب التحري والبحث عنها بل وابتكارها، لترجمة هذه الرؤية وتمثيلها عمليا وتجسيدها واقعياً فمثلها تستطيع المجتمعات ان تنتج وسائل عنفها بامكانها كذلك ان تنتج وسائل التعبير عن رؤيتها للجمال.
هذا ما جاء في أفتتاحية مجلة الاقلام العدد الثاني لسنة 2014، الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة بقلم مستشار التحرير عبد الستار جبر.
وفي حقل الفلسفة جاءت دراسة حولَ (أبن عربي والفكر الحديث تاريخ التعامل الجدي من الميتافيزيقيا) للكاتب بيتر كوتيس
وحول المعرفة واتجاهها يرى ابن عربي ان اساس المعرفة كلها، بغض النظر عما تبدو عليه بعض اشكال المعرفة من موضوعية او أو ذاتية، يقوم على معرفة الذات: وهو نوع من المعرفة لايمكن في الاخر ان يفصل عن العارف وعن المعروف، وبتعبير الاصطلاحات الوجودية المعاصرة في معرفة تساهمية تدرك ان فعل المعرفة ذاته يقوم على العارف لدى ابن عربي كل المعرفة بالذات يصبح السؤال الجوهري من يعرف؟ بفتح الراء بدلاً من  يعرف؟ بفتح الراء. في إعادة التوجيه هذه للتأكيد الابستمولوجي، فأن السؤال (من يعرف؟) هو الذي يصبح السؤال الملازم للذهن في كل موقف وفي كل ميدان للمعرفة. وبأعتقاد ابن عربي ان هذا السؤال الجوهري قادرٌ على أن يقدم للبحث المعرفي وجهته الصحيحة ومركزه. في ميتافيزيقا وحدة الوجود ليس ثمة الاوجود واحد فحسب وعارف واحد فحسب وبسبب هذا فان من الضروري للعارف في تأمله التجربة، ان يميز العارف الحقيقي من المعروف الحقيقي. وضم العدد مقال بقلم الباحث مجدي ممدوح تحت عنوان (توظيف الأيديولوجية في مجابهة العولمة) ومماجاءَ فيها تشكيل النجاحات الساحقة التي تحققها الرأسمالية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تحدياً مستمر للعقل الحديث، حيث تطرح الرأسمالية نفسها كنظام أوحد وحيد عن طريق النموذج الايدلوجي الذي افرزته وهو نموذج الديمقراطية الليبرالية، وجاءت عن طريق منظريها بمقولات مثل نهاية التاريخ والتي تؤكد النموذج الليبرالي هو المحطة النهائية للتاريخ وأن العقل الانساني لن يكون بمقدوره إنتاج أي نموذج آخر. ولقد تزامنت هذه المقولات مع الانهيارالمدوي للنموذج الآخر المقابل وهو النموذج الاشتراكي، وتفرد الرأسمالية الغربية والقوى المتحالفة معها بالساحة الدولية، والآن تتعالى الاصوات لتعميم وعولمة النموذج الرأسمالي بما يعرف بظاهرة العولمة.
وفي قراءات ايضاً كتب الدكتور قاسم عن كتاب مابعد الطوفان  لمدني صالح قال أن الكتابة عن مدني صالح هي ضرب التحدي. والقراءة التي تروم فحص طبيعة نصه أو خطابه تدخل في متاهات العوالم والفضاءات المتداخلة في نسيج الكيان النصي. ومن الجدير بالإشارة إن القراءة والقارئ يتعاونان معاً في فض التقاطع مع النص، ومن هنا نفهم حيوية التأويل ودلالات النص المنفتح، فالقارئ يتداخل ويتخارج مع النص من خلال فعل القراءة. لذا يلمح القارئ- الناقد- تلك المسافة التي تفصله بين كونه قارئاً من جهة وبين كونه ناقداً من جهة ثانية.
وهناك مقالة أخرى بعنوان تقاطعات الكتابة الابداعية مع الايديولوجيا رؤية في بعض أشكاليات الادباء والشعر العربي الحديث للكاتب العراقي سيف سهيل جاءَ فيها: دراسة الموضوع بهذا الشكل الموسع، الذي يتضمن الإنتقال من ماهو موضوعي إلى ماهو ذاتي يعني إشتراك حقول مختلفة..يعني إنتقال الدراسة من طرفين: من التاريخي المحض إلى الأدبيّ المحضّ. وهو سيكشف عن كثير من الحقائق المرتبطة بالتغييرات التي تعرضت لها الفنون الإبدعية، ومامرت به من تحولات عميقة، وثورات التجديد والتجريب، مثلاً لو تتبعنا "البعد الفلسفي في الأدب" للاحظناألى أي مدى تجاوز هذا التأثير شحنة النص الدلالية الى السياقات الفنية مثل الشكل والإسلوب واللغة. وفيما يتعلق بالعبارة الاخيرة، من الضروري التنوية ألى تأثير الفكر الوجودي في هذا التحول. علاوة على إن الذهاب بعيداً في التحليل بإمكان ن يلقي الضوء على تحول تأثير لا قصدي في المستوى الفني (أي تداخل الذاتي في الموضوعي)، مستبعدين من حسباننا التجريب المكَّرس أولوياته ألى اللغة.
وفي الانثروبولوجيا ترجم لنا الاستاذ عادل النجار موضوع للدكتور نايلز نيوتن بعنوان (تحديد النسل في الثقافات البدائية) جاءَ في مقدمته : تختلف الثقافات البدائية كذلك في الوقت الذي ينبغي أن تحمي فيه الاجنة. أجتماعياً أو أن يفرض المجتمع حمايته على هذه الاجنة، نادراً مايقتل الاطفال الاكبر عمراً من المواليد الجدد صغيرة الحجم رغم أنه تم تسجيل العديد من الحالات في مناطق واسعة من أستراليا، أمريكا الجنوبية وأفريقيا. قتل المواليد الجدد عن طريق اهمالهم مما يؤدي الى موتهم ووجد أن هذه الحالات سجلت بين العديد من الجماعات البدائية. وهذا يؤشر أنه لدى هذه الجماعات أعتقاد بأنه ليس لجميع المواليد الجدد الحق بالعيش ليصبحوا أفراد بالغين ضمن المجموعة.وفي حقل النقد أيضاً كتبت الباحثة الاكاديمية وداد هاتف موضوعاً حمل عنوان (الغرائبية..الحد والمفهوم بين اللغة وعلم النفس) لما كان الادب معروفاً عند كل بني البشر بأسلوبه الخاص ولغته التعبيرية التي تنحو على الدوام منحى مغايرللغة الحياة اليومية،كان لهذه المغايرة أن تفتح آفاقاً أرحب، مستفيدة من إمكانات البلاغة- المعروفة عند كل الأمم. وكان الغريب اللغوي بنضوحاته الدلالية ذات القيمة الخاصة، موضعاً من مواضع المغايرة التي عمل عليها الأدباء/ الشعراء وما زالو يحاولون أستفزاز طاقتها القصوى. وقد تشظى (الغريب) بين معان كثر، منها مايشتغل أشتغالاً لغويا يدور مدار العجيب، والبعيد في الوهم، والمدهش، وصولاً الى المبدع، ومنها ماحفر في الدلالة النفسية للغريب بوصفه شعوراً مستثاراً بفعل ما، ليحول الأشياء من حال الى حال. وقد تجلى كل أتجاه من هذين الاتجاهين في شكل تعبيري محدد مستقيما مع الحاضنة الثقافية والفكرية التي وجد فيها.  
وأحتوى العدد على دراسة أخرى للدكتور علي حداد تحت عنوان (الجناية النبيلة تلقي شاعرية الجواهري في المشهد الشعري العراقي الحديث)وقف الجواهري على مرتقى فريد من تجربة شعر الشطرين في العراق، ليجسد قيمها ومواصفاتها كاملة وبلا منازع، ويعلن عن عبقرية هذه الشعرية وإمكاناتها الفذة ولم تكن شاعرية الجواهري المشدودة الى اقصى قيم التجلي التعبيري الذي يباري الموروث هي وحدها ما يميزها، فلقد أضفى عليها وبوعي حصيف مقدرة التمثيل المعاصر في الرؤية التي تستوعب مايمور حولها من وقائع ومكابدات ومشكلات، ليقترن اسم الجواهري بتاريخ العراق الحديث وتفاعلات أحداثه المثير حتى لقد رأى بعضهم ان شعر الجواهري يصور هذا التاريخ فيما يشبه المأساة الإغريقية.
ومن بين الموضوعات التي حفلت بها المجلة دراسة في نصوص الشاعر اليمني محمد عبد السلام عن مجموعته الموسومة ( من تجليات حي بن يقضان) تتضمن المجموعة الشعرية ستة وعشرون نصاً حمل أولها عنوان (تقاسيم جزائرية)، والنص على شكل فصيدة تفعيلية بأوزان متحركة وسريعة: وقد أفتتح بمقطع متعالق مع قول أبي العلاء المعري: مهجتي ضد يحاربني أنا - مني كيف أحترس ويتأمل الشاعر محمد عبد السلام منصور من خلال فلسفة المعري وأفكاره الواقع العربي فيتعجب من ترديه وأوجاعه وتبقى هذه الأحاسيس دائرة في خلده فلا يستطيع الانفلات من أسرها كونها متداعية في فلك اللاوعي الفردي وصمته المطبق الذي جعله يهمس بصوت القافية السينية المضمونة مؤكداً اللفتة عينها (الهوى والموت والهوس عاديات مسها خرس)
وفي فضاءات العدد من الاقلام جاءت دراسة للشاعر الناقد حميد حسن جعفر بعنوان: (صناعة الفنطازيا صناعة الشعر ..قراءة في "بحيرة الصمغ" لجمال جاسم أمين الذي يعمل على إلقاء قارئه في البحيرة، شاعر متأصل، فاحص، لايهاب الصمت على الرغم من إن الصمت لا يمكن أن يمثل السكون. وعندما يريد أن يقول بكل حنجرته أو حناجره تراه يرحل صوب الكتابة، التي تنتمي الى الثقافة. فهو أكثر أبناء جيلة التصاقا بالعملية الثقافية والتي لم تتأتَ إلا من التصاق الانسان الشاعر بالانسان القارئ الباحث عن المعروف، ورغم أن الشاعر يشتغل على صناعة الوهم عبر الخروج من تحجيمات الواقع للانسان، والدخول في كيمياء الكتابة وصولاً الى مخيال مهمته بالاساس تشكيل بنية النص الذي يتحدث عن اليوتوبيات/ المدن الفاضله الطالعة من الواقع. حيث أستطاعت معمارية النص أن تنتزع القشرة، وأن تنتزع مفاصلها من ثوابت النسق القامع، وإقامة التحولات.
ومن محتويات العدد ايضاً بحث بأسم (التشكيل البصري في شعر ما جدة غضبان) للكاتب العراقي محمد فاضل مشلب حاول الولوج فيه الى ضاهرة حداثوية أفرزتها في العراق ثورة التجديد الشعرية الا وهي ظاهرة التشكيل البصري في القصيدة محاولات التبيق ظواهر التشكيل البصري في قصائد الشاعرة العراقية ماجدة.
وفي السرد كتب الناقد العراقي علي الفواز دراسة بعنوان (سرديات القصة العراقية أشكاليات الشخصية في التاريخ والسرد).
وجاءَ د. خليل شكري هياس بدراسة تحليلية لقصص القاص هيثم بهنادم بردي حملت عنوان (التجربة القصصية الذاتية المخاض لهيثم بهنادم .
وللكاتب صادق الطريحي دراسة في البنية السردية وانتاج الدلالة في (رواية قلب الظلام). لجوزيف كونراد.
وفي حقل المسرح كتب الدكتور باسم الاحسن موضوعاً عن مسرحة الشعر (الحر الرياحي مثالاً)
المر رايس والمسرح الاميركي عنوان الموضوع الذي كتبه الدكتور شاكر الحاج عن المر الذي يعد احدى كبار كتاب المسرح الاميركي في مرحلة مابعد الثلاثينيات من القرن الماضي ونشرَ مسرحيات عدة وجدت لها موقعاً من الشهرة والاهتمام في مسارح العالم قاطبةً منها (الاله الحاسبة) (الحالمة) (مشهد من الشعر).


تغيير بطل الفيلم قصة بقلم : عبد القادر صيد

تغيير بطل الفيلم 
بقلم : عبد القادر صيد
    ما حفّ الحاجة الجازية  هذا السر في شيخوختها إلا لخلوّها من أي سر في شبابها ، فقد عاشت عزباء  في تجمع  غير بعيد عن المدينة  يتكوّن من عشرين بيتا يميّزون بين أنفاس بعضهم البعض، منذ أن وعى كبارهم و ذاكرتهم تستحضرها عجوزا نقية كريمة.. تجاوزت الآن المائة ، تسرع في مشيتها غير معترفة بالسن و المرتفعات ، لا لحم تحمله  على عظامها ليثقلها هي مجرد عروق خضراء ناتئة من وشم الزمن على جسدها الهزيل و هي أودية الألم على خريطة الرضا  و الترحيب بكل ما تخبئه الأيام ، و قد نفد  ما  تخبئه لها الأيام من مفاجآت منذ  سنين و لم يبق إلا  انتظار المفاجئة الكبرى التي لا مفاجئة  فيها .
   دفنت الجازية كل أقاربها تحت التراب و لكنها لم تدفن معهم عواطفها ، فهي  ما زالت  تفرق منها على أسرتها الثانية المكونة من دجاجات ، و معزات، تنادي كل واحدة منها باسمها ،تحتفظ بما تجود به هذه الكائنات لاستهلاكها  اليومي من البيض و الحليب          و ترسل بالباقي منها و من عواطفها إلى جيرانها الذين أصبحت تجتنب معاشرتهم حتى لا تفجع فيهم بخيانة أو برحيل.
   ها هي الآن ككل يوم تستيقظ باكرا ،لا أحد يسمع خطواتها و هي تتنقل في كوخها للصلاة ، تتناول فنجانا من القهوة ، تتفقد دجاجاتها و معزاتها ، ثم تحرق البخور الذي يدخل إلى بيوت جيرانها بدون استئذان حاملا معه روحها الطيبة الطاهرة لتوقظهم و تبلغهم السلام ،ثم تجلس أمام الباب لتكون شاهدة على انسحاب الظلام  تدريجيا و لتشاهد معه  انسحاب آخر الكلاب الأجنبية من الحي  تاركا  دور البطولة في نفس المسرح لبني الإنسان :
ـ تمهلوا أيها الكلاب قليلا لتعلموا الإنسان كيف يتعايش مع أخيه الإنسان ..
  هكذا كان لسانها يردد كل يوم دون أن يكون قلبها قاصدا الشتيمة لجيرانها أو لأي كائن آخر..يبدأ الآن بعض الأطفال بالدخول إلى منزلها  بهدوء و صمت ليأخذوا نصيبهم من الحليب  و البيض كعادتهم ، بعضهم قد لقّنه أهله أن يلقي عليها السلام بصورة آلية ، كانت  نشوتها بالصامتين أكثر من المسلّمين ،لقد تعلمت أن الصامتين يحبونها إذا كبروا أما الآخرون فمعظمهم  يتعالى عليها ، هذا ما رأته في حياتها من خلال آبائهم ، و رغم ذلك فهي ترحب بهم جميعا، و تناديهم جميعا بأسماء الدلال ، حتى و هم كبار .. يكبرون  و لا تكبر معها أسماؤهم ..
   بقيت كذلك إلى أن غلبها النوم كعادتها ، و ظل كل مار عليها يلقي عليها السلام و هو لا ينتظر منها الرد ،فهي  كعادتها ترد بصوت  خافت  لا يسمع ، فلا يعرف إذا كانت نائمة أو مستيقظة ..
      بينما هي كذلك إذ توقفت سيارة فخمة أمام منزلها ، نزل منها رجل أنيق ،تعرّف عليه أهل الحي بسرعة ،إنه عبد الرؤوف ، رجل موسر يعيش في أوربا منذ زمن ، يسلّم على بعض الكبار.. و العجوز لا تشعر بما يحدث حولها ، فهي سابحة في نومها على بساط خفيف كعادتها  في مثل هكذا حر منذ سنوات:
ـ جئت مع قناة أجنبية لنقوم بتصوير فيلم عن الحاجة الجازية  ،فهي أعمر واحدة في الوطن و ضمن آخر أربعة  معمرين في العالم لا يزالون على قيد الحياة ..
  حينما سمعوا كلامه نظر بعضهم  إلى بعض نظرة تأنيب و عيونهم تقول :
ـ كيف لم نتفطن لهذا و نحن لا نغفل يوميا أن نرسل أبناءنا كل صباح لجلب الحليب  و البيض؟!
   اقترب عبد الرؤوف من الجازية ، و حدثها ،فلم تجبه ، كرّر عليها السلام  دون جدوى ، حرّكها ، فلم يجد لها ردة فعل ..
ـ الله أكبر، الحاجة ميتة أمامكم ، و لا أحد ينتبه لذلك ، إنا لله و إنا إليه راجعون في ضمائركم الميتة .
  حملها بين يديه و هي لا تزن بضعة أرطال ، و الدمع بين خديه ، و أدخلها إلى كوخها ، وكلم المستشفى ، و ضعها فوق سريرها ، وبدأ يجيل نظره في هذا  المكان الذي تشرق عليه الشمس بأشعة متوضئة ، رجعت به الذاكرة  عندما كان صغيرا يدخل كل صباح دون أن يلقي عليها السلام ليأخذ  نصيب أسرته من الحليب و البيض ، استحضر ابتسامتها كلما رأته عابس الوجه  غاضبا من أبويه اللذين أيقظاه باكرا ..كانت تمزح معه و تمسك أنفه قائلة :
ـ ترى هذا الأنف إلى أين سيوصلك؟
  مجموعة من الذكريات الغالية التي انمحت من الذاكرة تطفو فجأة لتتزاحم على ذاكرته ، فيمتلأ صدره ، إلى أن يضيق به الحال ،فيجهش بالبكاء:
ـ ماذا أصوّر الآن؟ نصل دائما متأخرين.. قدر العظماء أن لا نعرف عظمتهم إلا بعد أن يرحلوا عنا ! هل نبدأ الفيلم من لحظة موتها ؟ هل ستسامحنا إذا صورناها الآن ؟ أعينوني بالمشورة يا جماعة .. هل يليق بي أن أصورها ميتة  أم لا ؟ سيصبح عنوان الفيلم (رحيل آخر معمرة في الوطن)، كم أنا  حزين أن يكون عملي هو الإعلان عن نفي حالة بدل إثباتها !!
  عصفت برأسه زوبعة  من الأفكار، بعدها  قرر أن يصور فيلما عن جحود أهل الحي لفضل الجازية ، و هو بذلك دون أن يقصد يحرم الجازية من فلم مخصص لها و لكرمها  و طيبتها ،  تحرم من دور البطولة في موتها بعد أن أدته عشرات من السنين في حياتها.
   صار جيرانها  فجأة أبطالا فصحاء ، يتكلمون أمام الشاشة متأسفين عن فقدانهم لها ،ذرفوا الدموع ، و أطلقوا الآهات ..لقد أصبحوا رسميا بين عشية و ضحاها أبطال فيلم (وفاة آخر المعمرات).

خطة تنفيذية جديدة لتفعيل محو الأمية في وسط الصعيد

خطة تنفيذية جديدة لتفعيل محو الأمية في وسط الصعيد 

أنتهت هيئة بلان الدولية من وضع خطة تنفيذية لتفعيل استراتيجية محو الأمية في محافظات وسط الصعيد تتضمن تحديد المناطق الأكثر احتياجا وأعداد المستهدفين بها فضلاً عن البرامج الأكثر ملائمة للتنفيذ مع الوضع في الاعتبار لخريطة الجمعيات الأهلية بها صرح بذلك رامي يوسف مسئول الاعلام بهيئة بلان وقال أن الهيئة تستهدف توحيد رؤية الجمعيات الأهلية والجهات التنفيذية الحكومية ومن ثم العمل علي تنسيق الجهود وتوزيع الأدوار لمضاعفة نتائج محو الأمية وتحقيق أكبر قدر مستهدف في أقل مدة زمنية.
وأوضح أيمن صادق رئيس هيئة بلان مصر أن الهيئة في هذا الصدد وقعت عدة بروتوكولات تعاون مع مديريات التضامن الاجتماعية والتربية والتعليم والشباب والرياضة والصحة والأوقاف والجامعات الاقليمية فضلاً عن الهيئات المجتمعية المتميزة كالمجلس القومي للمرأة وجمعية كاريتاس وجمعية الصعيد وصناع الحياة ومصر الخير والطريق الجديد وبنك الطعام وجمعية صحبة خير وغيرها لتأكيد تفعيل جهود دعم التعليم والفئات المهمشة مع العمل علي تعزيز ثقافة حقوق الاطفال خلال آليات العمل من حيث هي من أهم أوليات هيئة بلان في مصر.

"الحكايات تؤجل الموت ، وأحيانا تتعجله في حفل توقيع "حيل للحياة"

 "الحكايات تؤجل الموت ، وأحيانا تتعجله في حفل توقيع "حيل للحياة"
"الحكايات تؤجل الموت ، وأحيانا تتعجله بهذه الجملة من قصة "تمثال برونزي لﻷمير " استهل د.مصطفى الضبع كلامه عن المجموعة القصصية "حيل للحياة" للكاتبة رحاب إبراهيم ، في حفل التوقيع والمناقشة الذي أقامته مكتبة البلد السبت الماضي.


 تحدث الضبع عن سمة الشهرزادية التي اتسمت بها المجموعة حيث أنها كتابة لها طابعها الخاص وأنوثتها الخاصة وهدفها الخاص ، موضحا الفرق بين شهرزاد الحكايات والتي كانت تحكي من خلال معرفة مسبقة وبين قصص المجموعة التي تؤسس لمعرفة النفس عن طريق استخدام الخيال المباغت وهي التيمة التي تكررت في القصص كلها، وبلغت ذروتها في قصة "أبناء كيوبيد" . مضيفا أن الخيال المدهش يعد تحديا ﻷي كاتب اﻵن ﻷنه مسبوق بعشرات الآلاف من الكتاب في الثقافة العربية. بينما تحدث د.شوكت المصري عن أنسنة المشاعر ومفردات الحب في قصص المجموعة وعن التضفير الذي يتم بين الشخصيات معبرا عن دهشته من تحويل الشخصيات التي تبدأ كخطوط متوازية ثم يتم تضفيرها حتى تتماس وتتقاطع وتلتقي كما في قصة "امرأة عاملة" وتحدث الروائي محمد داود عن الدقة في اختيار العناوين وعن الخيال الموجه والذي يتم استخدامه بوعي لتوصيل فكرة ما للقارئ ، بينما تناول الشاعر سيد عبد الرحيم في مداخلته قلة عدد النقاد وضرورة تفعيل دورهم لتمييز النصوص الجيدة. حضر التوقيع الشاعر مصطفى الجارحي والكاتبة سامية بكري والشاعر مجدي عطية والفنان التشكيلي محسن منصور والقاص محمد علي إبراهيم والشاعر محمد البرعي والفنان أحمد منصور والصحفية أمينة عرابي والصحفية صفاء عبد الرازق والشاعر صالح الغازي وعدد من المهتمين باﻷدب والنقد ، وأدار الندوة م.إسلام عبد المعطي مدير دار روافد للنشر.

اُسْكُبِيكِ في دَمِي بقلم: آمال عوّاد رضوان



اُسْكُبِيكِ في دَمِي
آمال عوّاد رضوان

نَسائِمُ شُرودٍ تُحَلِّقُ
تَصْفَرُّ أَعْوادُها .. تَصْفِرُ ناياتُها
تَسْفَحُ غَمامَ مُنىً
عَلى .. أُفُقِ الصَّباحاتِ البِكْر
أَمِنَ المُنْتَهى تَنْقَشِعُ طُفولَةٌ
غافِلَةٌ.. عَارِيةٌ
تَخْتَبِي في أَغْلِفَةِ العَبَقِ العُذْرِيِّ؟
*
أَرْياشُ عَينَيْكِ؛
تُرْبِكُ وَهْجَ  مَوْجِيَ العاصِفِ
تَسْتَرِقُ وَمْضِيَ السَّاهي
لِتُشْرِقَ هَمْسَةً بَيْضاءَ
ضَمَّخَها طَلُّ حَياءٍ
*
هِيَ ذي حُروفُكِ
تَتَهادَى عَلى سَحابَةِ جُنونٍ
تُذيعُ بَوْحَ اللَّيْلَكِ في مَنافِيَ لَيْلِكِ
تَتَسايَلُ في ثُقوبِ الرُّوحِ
*
هِيَ ذي  رُموشُكِ
تَخْتَلِسُ قَميصِيَ البَحْرِيَّ
تَتَماوَجُ في هالاتِ العَوْسَجِ
تَتَوالَدُ نَعيمًا..
تَكْوينًا يَتَخَلَّدُ..
*
تَتَفاقَسُ بِأَعْشَاشِ فَرَحٍ آتٍ
دَمْعَةٌ .. شااااارِدَةٌ
مَبْهورَةٌ بِمَنْحوتَةِ ابْتِهاجٍ
تَحُطُّ .. عَلى أَجْنِحَةِ بَسْمَةٍ شَفيفَةٍ
تَهْمِسُ بِضَوْءٍ قُدْسِيٍّ:
ما مِنْ حَمائِمَ تَسْتَوي
عَلى بَيادِري.. إِلاَّكِ..
*
أشْتاقُكِ
وَالشَّوْقُ إِلَيْكِ
مَعْصِيَةٌ لا تُغْتَفَر!
*
مُلْهِمَتي
طِبْتِ بِفَيْضٍ مِنْ إبْداعٍ
اِسْطَعي أُنْشودَةً
تَذْرِفُ نوَّارِيَ الشِّعْرِيَّ
بَعْثِريني في لُجَّةِ الشِّعْرِ حَدائِقَ بَرِّيَّةً
تَغْمِسُ حَبَقَ عَبَراتِي الفَوَّاحَةِ
بِأَثيرِ أَحْلامِيَ العَذْبَةِ
*
عَباءاتُ نَواطيرِكِ تُهَفْهِفُ
فَوْقَ .. مَساماتِ وَجْدي
تُحَلِّقينَ مَغْمورَةً
بِشُعاعٍ مِنْ ظِلِّ دُعائي
أُرَقِّيكِ مِنْ كُلِّ يَبابٍ
بِاُسْمِ أَشْجارِيَ الوارِفَةِ
فَلْتَحُلَّ عَلَيْكِ بَرَكَةُ خُضْرَتي
:
مُبارَكَةٌ أنْتِ بي
مُبارَكَةٌ هِيَ أَنْساغُكِ / أَجْراسُكِ
وَمورِقَةٌ هِيَ الحَياةُ بَيْنَ كَفَّيْكِ
*
نَضارَةَ الحُبِّ..
أَعيديهَا في جُذوعِيَ العَلِيلَةِ
بأَغْصانِيَ العارِيَةِ
لِتورِقَ.. لِتُزْهِرَ
وَأَتَذَوَّقَكِ ثِمَارًا تُونِعُ في فَمي
*
يَا مَنْ بَحَريرِ حَرْفِها
تَغْزِلُني شَرنَقَةً
تَبْعَثُني نَحْلَةً في صَوْمَعَةِ اللَّيْلِ
هِي ذي أَطْرافُ الدَّهْشَةِ
تَسْتَعْسِلُني
كُلَّما ساحَ في مُقْلَتَيْكِ.. رَقْراقُ عَيْنَيَّ
لَوِّنيني بِعَبَثِيَّتِكِ
اُنْقُشي هَمَجِيَّتَكِ دُروبًا
عَلى تِلاواتِ نَشيدي
اُسْكُبيكِ في دَمي
لأَخْمَرَ.. لأَسْكَرَ بِسِحْرِ طُهْرِكِ!

البقرة ولدت!! بقلم/ محمود سلامة الهايشة

البقرة ولدت!!
 بقلم/ محمود سلامة الهايشة


ظلَّت البقرة "تحذق" بين آونةٍ وأخرى، تضرب الأرض بأَرْجلها، تهزُّ ذَيْلها، تنظر إلى مؤخِّرتها، ظلَّتْ على هذه الحال طوال الليل.

في الصباح:
بدأ يسيل من "حياها" إفرازٌ "رمي" كَرِيه الرائحة؛ مما أزْعَجَ جاراتها في الحظائر المجاورة والمقابلة لغُرْفتها الخاصة بالمزرعة، فجاء لها بقرتان منهنَّ، دخلتا عليها فوجدتاها في حالة عصبيَّة شديدة، فلما رَأَتا عِجْلها الرضيع بجوارها، عرفتا أنَّها ولدتْ ليلاً، فقالتْ إحداهما للأخرى:
• آه، ولدتْ مساءً ليلاً، لم تستطعْ إخراج الأغشية الجنينيَّة من رَحِمها؛ لأنها هزيلة وضعيفة؛ فهي أوَّل مرة تحمل وتَلِد.
• هذا أكيد ويُمكن أن ولادتها كانتْ مُتَعسِّرة، أو حدَثَ ضَعف واختلال للانقباضات الرحميَّة.

فصاحتْ بهم البقرة التي تتألَّم من شِدة التَّعب والإعياء:
• تتحدثان معًا وتتركاني هكذا!

فالتفتتا إليها تسألانها:
• هل تناولْتِ السوائل الدافئة بعد الوضْع؟
• لا، لَم أتناولْ أيَّ شيءٍ، لكنِّي أشمُّ رائحةً كَرِيهة جدًّا، ولا أعرف السبب، أخاف أن تكونَ من عِجْلي الصغير.

فردَّتِ الأولى:
• لا تخافي، لَمَّا طال احتباس المشيمة داخل الرَّحم، بدأتْ في التحلُّل.

فاقتربت الثانية منها ووضعتْ رأسها على جِسْمها:
• ارتفعتْ درجة حرارة جسمكِ.
• هيَّا نسعفُها؛ لأنها سوف تُصاب بالتسمُّم.

فصاحتِ البقرة المتعبة:
• سأموت.
• اهدئي، لَم يمرَّ وقتٌ طويل على الولادة، الخوف إذا مَضَى 48 ساعة، فالتأخير يُسبِّب انقباضَ عُنق الرحم، وتَعذُّر إخراج المشيمة.

فتركتاها وخَرَجتا، ذهبتِ الأولى وبدأتْ تبحث في مَخزن العَلَف عن حبوب فول فلمْ تجدْ، لكنَّها عثرتْ على حبوب شعير، فقامتْ بغَلْيها، فحملتْ هذا المغْلِي ووضعتْه أمامها لتشربَه.

أما الثانية، فأحضرتْ من صيدليَّة المزرعة، قامتْ بِحَقْنها تحت جِلْدها.

فسألتها الثانية:
• لماذا تحقنينها؟ يَكْفي مَغلي الشعير.
• الحقنة زيادة في الْحَيطة؛ لنساعدها على نشاط الانقباضات الرحميَّة.

• هذه حُقنة الهيبوفيزين؟
• لا لَم أجدْه، بل هي حقنة بها 5سم3 من لوبوسترة.

• أين الطبيب البيطري؟
• سيأتي حالاً، فهو الذي أعطاني الحقنة، طلب منِّي حَقْنها حتى يَصِل.

دقائق ودخل عليهم كبيرُ الأطباء البَيْطريين، وهو أكبر الطلائق الذكور بالمزرعة، قام على الفور بإزالة الأقذار وبقايا الرَّوث العَلِقة بالحيا والمناعم، بواسطة محلول مُطَهِّر "بوتاسيوم برمنجنات 1: 2000"، ثم طهَّر يديه وذِرَاعيه بعناية ودَهَنهما بالفازلين، أدخل يده بمنتهى الرِّفق في الرحم، وخَلَّص الأغشية من الفلفات الرحميَّة الواحدة تلو الأخرى.

فبدأتْ إحدى البقرتين بالاقتراب منه؛ لمساعدته في السحب، فقال لها:
• الْجَذْب دون عنف، الحذر؛ حتى لا يتمزَّق الرحم، أو يحدث نزيفٌ شديد.

بعد أن تأكَّد من سلامة الأغشية وعدم تمزُّقها، أو تَرْك جزءٍ منها داخل الرحم، غسَل الرحم بنفس المحلول المطهِّر الذي طهَّرَ به يدَه، دَفَع لبوس الإنتوزون داخل الرحم، ثم قال للبقرتين المعاونتين:
• تُحْقن في العضل لمدة ثلاثة أيام 5سم3 فيتامين أ د 3هـ.

• تمام يا دكتور، هل هناك أيُّ تعليمات أخرى؟
• تراقبْنَها، وتأخذن درجة حرارتها من وقتٍ لآخر، مع ملاحظة حالة الإفراز الرحمي.

• وماذا نقدِّم لها من طعام وشراب؟
• يجبُ أن يكونَ الأكل سهلَ الهضم نظيفًا، وتقدَّم لها الأعلاف الخضراء مع مُرَكزات الأعلاف؛ لتقوية الماشية، بالإضافة إلى الأملاح المعدنيَّة والأحماض الأمينيَّة.

هَدْهَد الطبيب على البقرة وهو يبتسم:
• حمدًا لله على سلامتكِ، أراكِ غدًا - إن شاء الله.