2014/10/22

أنشودة طائر حزين لوحة تشكيلية للفنانة د.سوسن أمين


رواية "أيقونة بلا وجه" لهيفاء بيطار.. واقع إمرة سجينة بمشاعر الحب بقلم: عبد القادر كعبان



رواية "أيقونة بلا وجه" لهيفاء بيطار.. واقع إمرة سجينة بمشاعر الحب
بقلم: عبد القادر كعبان
لا تزال الرواية جنسا أدبيا يرتبط ارتباطا وثيقا بالواقع الذي تعيشه المرأة على وجه الخصوص بل و يتجاوزه في كثير من الأحيان الى أبعاد مثالية تعنى بطرح أفكار و عواطف و مكبوتات بطريقة غير مباشرة و خير دليل على ذلك رواية الكاتبة السورية هيفاء بيطار الموسومة "أيقونة بلا وجه".
تدور الرواية حول شخصية "نبوغ" و هي إمرأة تتلاطمها أمواج القدر لترمي بزوجها "بدر" وراء القضبان مدة اثني عشرة سنة بسبب تهمة سياسية لفقها له رئيسه في العمل و أعوانه الفاسدون. تجد البطلة نفسها وحيدة مع رضيعها "زياد" ذي الثلاثة أشهر تواجه قساوة الحياة و مصاعبها التي لا تعرف نهاية لها.
تتواصل أحداث الرواية حيث تظهر شخصية "أحلام" المرأة اللعوب التي تثور على العادات و التقاليد و القيم  حتى أنها تحاول التأثير على صديقتها "نبوغ" بالتحرر من قيود زوجها لكن تأبى هذه الأخيرة إلا أن تظل إمرأة مفتونة بالأخلاق و مجنونة بحب ذلك السجين الذي يقع  هو الآخر متلبسا بجرم أبشع يدعى "الخيانة" بعد خروجه من السجن مع توأم روح زوجته و أعز صديقاتها "أحلام".
لقد برعت الروائية في وصف أعماق و هواجس كل شخصية و الصراع الداخلي الذي يكتنفها  حيث أن كل واحدة كانت متمسكة بالأحلام، "نبوغ" فضلت الإخلاص لزوجها و الصمود أمام قساوة الحياة على عكس صديقتها "أحلام" التي استقبلتها في بيتها و التي رفضت الرضوخ لحب رجل واحد، و لذا فضلت تذوق طعم الفضيحة مع زوج صديقتها الذي ضحت من أجله زوجته الوفية اثني عشرة سنة من عمرها.
تسيطر ثنائية الأنوثة و الرجولة بشكل آخر في هذا العمل الروائي الذي تعكسه المبدعة هيفاء بيطار  ببراعة من خلال تضحية إمرأة سجينة بمشاعر الحب مقابل خيانة رجل تحرر من قضبان السجن متناسيا معنى الحب العظيم.
نلحظ مرة أخرى  براعة الروائية في قدرتها على كسر حاجز الصمت، فنجدها تطارد شبح التحرر الذي لا يخضع لمقاييس أخلاقية ليوقع صاحبه في متاهة الخيانة على حساب أسى شخص آخر ظل سجين الحب و الإخلاص لتمسكه بالقيم طيلة اثنا عشر عاما.
"أيقونة بلا وجه" رواية مليئة إجمالا بالعديد من الأطروحات كقضية الحب و الإعتقال و الصداقة و الأخوة و التحرر و التضحية و القسوة و الوفاء و الخيانة و غيرها أين تعكس تماسك الحبكة و عمق الشخصيات بإمتياز.

اقتصاديات إنتاج اللبن النظيف بقلم: محمود سلامة الهايشة



اقتصاديات إنتاج اللبن النظيف
بقلم: محمود سلامة الهايشة
كاتب وباحث مصري

لا يختلف أحد على أهمية إنتاج حليب نظيف داخل المزارع المنتجة للألبان؛ وذلك لأن اللبن من أهم البيئات الغذائية التي توفر أفضل الظروف لنمو الكثير من السلالات البكتيرية، بالإضافة إلى أنه سريع الفساد - إن لم يتمَّ التعامل معه بشكل صحي جيد بعد الحلابة، وحتى وصوله للمصنع؛ لإجراء العمليات التصنيعية المختلفة عليه، إلى أن يصل للمستهلك في نهاية رحلته.

ولإنتاج لبن نظيف هناك بُعدان: بُعدٌ فني داخل المزرعة، والذي يترتب عليه البُعد الثاني وهو البُعد الاقتصادي.

فهناك أربع وسائل رئيسة مستخدمة لإنتاج لبن نظيف في المزرعة يحتوي على أقل عدد ممكن من الميكروبات، وهي: العناية بصحة ونظافة الحيوان، صحة ونظافة العمال القائمين برعاية الحيوان وحَلْبه، مكان الحليب، أواني الحليب في المزارع الصغيرة والمحالب الآلية في المزارع الكبيرة.

وهناك عدة مُعاملات تُجرى على اللبن منذ حلبه حتى وصوله للمصنع: عملية الحليب، تصفية اللبن في المزرعة للتخلص من الشوائب المرئية، تبريد اللبن في المزرعة.

ينزل اللبن من الضرع بدرجة حرارة الجسم، وهي حرارة مناسبة ومثالية لنمو الكثير من الميكروبات الضارة وغير المرغوب فيها والتي تصل للبن من البيئة المحيطة.

ولإظهار الأهمية الاقتصادية لهذا الأمر؛ تحضرني قصة حدثت بالفعل، حكاها لي أحد الأصدقاء وهو استشاري في الثروة الحيوانية، حيث اتصل به أحد أصحاب المزارع المنتجة للألبان يطلب منه استشارة بخصوص خصم الشركة التي يورد إليها اللبن عشرة قروش عن كل كيلوجرام لبن مقابل عدم نظافة اللبن، فلنا أن نتصور حجم الخسائر التي تتكبدها مزرعة كهذه، فإذا افترضنا أنها تنتج يوميًّا ثلاثة أطنان من الحليب فقط، أي 3000 كجم × 10 قروش = 30000 قرش ÷ 100 قرش (جنية) = 300 جنية يوميًّا، أي 9 آلاف جنية شهريًّا كخصم لعدم نظافة اللبن.

بالفعل ذهب هذا الاستشاري للمزرعة، وتابع سير عملية الحلابة واكتشاف الخلل، وبدء في وضع برنامج ينفذه العمال في المحلب الآلي بشكل أسبوعي، فتحسن اللبن بصورة مذهلة وتوقفت الشركة التي تحصل على اللبن من خصم العشرة القروش عن الكيلوجرام لبن، بل مع استمرار التحسن وارتفاع جودة اللبن المنتج أضافت الشركة خمسة وعشرين قرشًا على سعر اللبن، كبدل نظافة.

يعني ارتفاع الربح وإيرادات المزرعة عن كل كجم لبن منتج (35) قرشًا بدلاً من خصم (10) قروش.

وبعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد بعد رفع وعي العمال ومحاربة العادات السيئة والاهتمام بنظافته المحلب، طلب الدكتور الاستشاري من صاحب المزرعة صرف مكافآت مالية لهؤلاء العمال نظيرَ هذا التطور في عادات المزرعة، إلا أنه رفض وأصرَّ على ذلك، فقام العمال بتلويث الآلات والمعدات بالمحلب أكثر مما كان عليه الأمر قبل تعليمهم البرنامج، الذي من خلاله يُنتَج لبن نظيف؛ لأنهم أصبحوا على علم بالعمليات الفنية التي تنظِّفُ وتطهر، وبالتالي يقومون بالتلويث أيضًا بعلم، فتدهور الوضع بالمزرعة ورجعت إلى سابق عهدها!



كفرمندا تحتفي بكوكبة ادبائها وكتابها



كفرمندا تحتفي بكوكبة ادبائها وكتابها
بمبادرة ودعم رئيس المجلس المحلي , رئيس هيئة ادارة المركز الجماهيري فيكفرمندا السيد طه عبد الحليم , وحضور مفتش المعارف د. هاني كريدين , والقائم بأعمال رئيس المجلس السيد محمد قدح , ومدير المركز الجماهيري السيد عادل سمحات , واعضاء ومديري اقسام المجلس المحلي , ومديري ومديرات المدارس في القرية , اضافة الى المثقفين وداعمي الحركة الادبية وجمع مهيب من الضيوف واهالي القرية الافاضل , تزركشت قاعة سميح القاسم في المركز الجماهيري بكوكبة من ادبائها الذين حلوا ضيوفالامعين عليها , تكريما لهم على نتاجهم الأدبي وفيض عطائهم وابداعهم في شتى الالوان الادبية : الشعر , النثر, التاريخ, النقد, الزجل, السيرة الذاتية وادب الاطفال وغيرها . هذه الابداعات سمت في اجواء كفرمندا وتجلت بأمسية ادبية فاح منها شذى الكلمات الندية وعبق الاقلام الادبية .
وفي كلمة الافتتاح شكر السيد طه عبد الحليم ادباء كفرمندا على عطائهم الادبي الزاخر , وتمنى لهم متابعة مشوارهم الادبي وانتاجهم الغزير , ذلك انه يرفعمن مكانة كفرمندا ويجعلها نبراسا يحتذى به من قبل الاخرين .
واضاف السيد طه عبد الحليم : " انها لمناسبة عطرة ان اتواجد بين مجموعة ادباء وكتاب بلدتنا , الذين نجتمع اليوم من اجل تكريمهم , كبادرة متواضعة منا من اجل رفعة وسمو الادب في قريتنا " . كما وقد قدم رئيس المجلس خلال هذه الامسية درع الأدب للكاتب سهيل عيساوي الذي نال جائزة الابداع لسنة 2014 من قبل وزارة الثقافة في البلاد .كما ورجا الله المزيد من العطاء الابداعي الخلاق للكاتب سهيل عيساوي .
هذا وقد صدحت الامسية بباقات من القصائد والكتابات التي نبس بها ادباؤنا , ففاضت براقة من افئدتهم , مزدانة بلوحات فنية تحمل اسمى معاني الفكر والولوج الى الحنين والتراث والاصالة .
اما الشعر فقد غزا الجميع وكان له الحظ الاخر على مسامع الحاضرين , حيث تجلت اشعار الادباء , ببديع الالقاء وحسن اختيار الكلمات . فالأديب شكيب عبد الحليم , شاعر الحياة , الاديب عادل جميل زعبي – شاعر محاكاة الواقع , والاديب فتحي سليمان زيدان  - كاتب الحنين والعراقة , والاديب محمد علي زيدان  - شاعر الزجل , والاديب محمد مبدا زيدان كاتب التجربة والسيرة , والاديبة مقبولة عبد الحليم – شاعرة الاحساس المرهف , الشاعر محمد جمال زعبي – شاعر الشباب , قاموا جميعا بإتحاف الحاضرين بمجموعة القصائد التي القوها , بكلمات بليغة يكتنفها الحنين والامل والتفاؤل والحث على العلم والعمل .
اما الادباء صالح مراد وعلي قدح فقد تناولا قصص الواقع والتجارب الادبية ذات الاثر البالغ في مشوارهما وحياتهما الأدبية , إضافة الى وقع القلم وانسيابه على القرطاس لينير شرائح المجتمع بكافة اطيافه ، وتحدث  الاديب صالح  احمد  عن  الابداع  واهميته.
وعن ادب الاطفال , فقد عبرت الأديبة غادة عيساوي , والأديب سهيل عيساوي الحائز على جائزة ناجي نعمان لأدبالأطفالالأخلاقي على مستوى العالم العربي والتي طبعت قصته ( ثابت والريح العاتيه ) في بيروت بطبعة خاصة كما وأقرت قصصه في مشروع مسيرة الكتاب ودخلت ضمن الكتب التي تم إقرارها في مدرسة الرازي الجماهيرية البعينة . فقد تحدثا عن حقيقة تأثير أدبالأطفال على سلوك الأبناءواثره على نفوسهم وتنشئتهم على الأخلاق الحميدة والقيم الاجتماعية وحب الغير واحترام الرأي الاخر .
الأستاذ محمد يوسف قدح القائم بأعمال الرئيس قد بارك الأدباء المكرمين راجيا المولى عز وجل ان يمدهم بالصحة والعافية وان يديم عطاءهم لمجتمعهم , وأشاد أيضا  بالدور الرائع الذي اداه عريف الحفل الاستاذ والمربي محمود سمحات نائب مدير مدرسة الرازي الابتدائية البعينة , الذي تألق في مقدمته  وتقديمه لاحقاًللأدباء ومن خلال المداخلات التي تخللت الحفل وقد كان له  ولا نبالغ كبير الدور في نجاح وتميز هذه الأمسيةآملين له المزيد من التألق في مثل هذه المناسبات الأدبيةليتحفنا من مكنونه الثقافي والأدبي الزاخر .   
ومسك ختام هذه الأمسية . فقد توج بتكريم الأدباء وتسليمهم الدروع تعبيرا عن وفائهم الأدبي وغزارة إبداعهم .
ومن الأهمية بمكان ان نشير الى ان تنظيم هذه الأمسية تم بمساندة ومؤازرة الأستاذ والمربي الفاضل عبد عبد الحليم , والسيد نصري عبد الحليم- مركز المنتدى الثقافي , الذين عملا جاهدين وبتفان من اجل إخراج هذه الأمسيةإلى حيز التنفيذ كما نشكر السيدين احمد سعيد زيدان ومحمود يحيى قدح على مساهمتهما الكبيرة في تنظيم هذه الأمسية.

اللاهوت العربي في حلقة نقاشية بقصر ثقافة أسيوط

اللاهوت العربي في حلقة نقاشية بقصر ثقافة أسيوط

نظمت مكتبة عفيف الدين الشريف بقصر ثقافة أسيوط حلقة نقاشية لكتاب اللاهوت العربي للروائي والباحث يوسف زيدان وذلك بحضور مجموعة من كتاب وأدباء المحافظة صرح بذلك عاطف العزازي مدير مكتبة عفيف الدين الشريف وقال أن الحلقة النقاشية ضمن سلسلة حلقات يتم تنفيذها أسبوعياً تحت اشراف ضياء مكاوي مدير قصر ثقافة أسيوط وأوضح العزازي أن فكرة هذه الحلقات تتم بهدف التشجيع والحث علي القراءة والمعرفة للكتب الشيقة والمثيرة للجدل وذلك من خلال جماعة أصدقاء المكتبة والموكل لهم اختيار الكتاب والترويج له بين الزائرين وعبر صفحات التواصل الاجتماعي الموجودة في نطاق الاقليم الجغرافي ومن خلالها يتم تحديد موعدا اسبوعيا للمناقشة بحضور المهتمين.

2014/10/21

عبد الفتاح صبري في مرة وحيدة ...ربما أخيرة

عبد الفتاح صبري في مرة وحيدة ...ربما أخيرة

يصدر قريبًا نصوص الكاتب القدير عبد الفتاح صبري, مدير تحرير الرافد الاماراتية, عن دار الأدهم والنصوص تحمل عنوان "مرة وحيدة.. ربما أخيرة"، كتبت النصوص بنفس شعري يضرب على أوتار الحزن, والفقد والغربة, ويتحدث عن النفس في أرق ما تشعر:
يا ليل 
يكفيني أني عرّيتك
 وانك الآن
 لا أنا
 المستجير بوهني

رسائل المحبّة من الأحبّة للشاعر الأديب علي الرّضا الحسيني بقلم: عبد الله لالي



رسائل المحبّة من الأحبّة
للشاعر الأديب علي الرّضا الحسيني
بقلم: عبد الله لالي
أهداني الصّديق الكريم الأستاذ عبد الحليم صيد درّة ثمينة وجوهرة عزيزة لشاعر وأديب وكاتب أريب؛ عزيز على القلب حبيب إلى النّفس، من دوحة طاهرة وأرومة شذيّة لا يزال عبير عطرها يفوح على الدّهر علما وخلقا ومكرومات عالية، أمّا الهديّة فهي كتاب لطيفٌ تحت عنوان ( رسائل المحبّة من الأحبّة )، وأمّا الكاتب الأديب فهو الأستاذ المحامي – وهو للعِلم حامي – علي الرّضا الحسيني[1]، الذي زار الجزائر منذ أيّام وخصّ بسكرة - منبت الأجداد ومهوى الفؤاد - بجزء هام من هذه الزّيارة ( الثامن والتّاسع من أكتوبر 2014 ) ، وكانت له فيها جلسات للعلم خالصة ولمودّة الأهل والخلّان رائقة..
وقد أسفت أنّي لم ألتقِ به وكنت لذلك في شوق وعلى انتظار هو أحرّ من الجمر، إذ علمت بنيته زيارة الجزائر منذ مدّة، ولكن حالت دون ذلك الحوائل وما كُتب لنا اللّقاء، غير أنّ الكريم يترك شذاه حيث حلّ، فينتشي مِن عبيره مَن لقيه ومن فاته اللّقاء فلا يزال في قلبه منه دبيب وبين جوانحه نفح من الطّيب.
قلت أهداني الأستاذ عبد الحليم إحدى النّسختين من الكتاب اللّتين أهداهما له، فقلت في نفسي:
" ما لا يدرك كلّه لا يترك قلّه ) فإذا بالقلّ جنّة فيحاء ودوحة ظليلة من أدب نادر وعلم فيّاض وخبر تُشدُّ لتحصيله الرّحال، ذكّرنا بأدب الرّسائل القديم الذي كان له اعتبار في الأدب وشأن وأيّ شأن، فأقبلت من يوم استلمت الكتاب أنهل من معارفه، وأرشف من رضاب لطائفه، وكان من عجائب المقادير أن أجد أوّل رسالة في الكتاب من الشيخ البشير الإبراهيمي لأستاذنا علي الرّضا، وهو ما يزال في ريعان الشّباب وقد كتبها الشيخ من كراتشي، وكنتُ قد كتبتُ في الشيخ غوغل من يومٍ ( 16 أكتوبر ) فقط أبحث عن نوادر الشيخ الإبراهيمي وبعض أسرار حياته التي لا يعرفها عامّة النّاس وإنّما هي متناثرة في بطون الكتب ورسائل الأصدقاء، فلم أعثر بكبير طائل وكانت هذه الرّسالة بلَّ الصّدى وشفاءَ بعض الغليل بالنّسبة لي.
وكان ممّا جاء فيها أن قال له ناصحا حول قضيّة الجزائر في تلك الفترة:
" أرجو أن تواصلوا الكتابة عن الجزائر يوميّا إن استطعتم أو أسبوعيّا، لأنّ الكتابة تذكير، والشيء إذا لم تتعاون عليه المذكّرات ينسى..)[2]، ونستفيد من هذه العبارة دلالة قويّة على ما كان يتمتع به الشيخ الإبراهيمي من بعد النظر وعميق الفكر، وفهم لطبائع النّاس وعوامل التغيير وأساليب التأثير فيهم.
فكانت الرّسالة بالنّسبة لي استهلالا حسنا ومدخل صدق ألج من خلاله إلى عالم كلّه فكر وأدب، وعلم وبحث وخلق جمّ وخلال قلّما اجتمعت في ناس إلّا كانوا من أفاضل الخلق وأشرافهم.
والرّسائل في الكتاب كلّها تفيض محبّة ووفاء من الأصدقاء والخلّان، وكان أكثر مواضيعها بحث عن كتاب أو تحقيق لمسألة علميّة، وما أكثرها فيه، وجانب كبير منها ينشد كتب عمّه الشيخ الخضر حسين أو مؤلفاته وتراثه، وجملة من تلك الرسائل بعث بها طلبة يرغبون في الحصول على تراث ذلك الإمام العلم والجبل الشامخ والطود الراسخ في المعرفة والسّلوك، إمام عِلم وعمل قوّال فعّال، وقد أراد أصحابها أن يتزوّدوا بتراث الشيخ لإنجاز رسالة ماجستير أو دكتوراه، أو تأليف كتاب، وكثيرون منهم كانوا تحت إشراف الأستاذ العَلَم عبد الرحمن رأفت الباشا وهو من هو ..لا يحتاج إلى تعريف ويكفي اسمه ليدلّ عليه.
يقع الكتاب في 295 صفحة من القطع الكبير طبع في ( دار الصّديق للعلوم دمشق ) عام 2013م وقد تنوّعت رسائله ما بين مشرق ومغرب، ولكنّ حظّ المغرب فيها كان حظّ الأسد، ولعلّ ذلك يعود لأصل أستاذنا الفاضل وكثرة الأهل والأقارب في تونس والجزائر، بعض الرسائل لأعلام كبار من أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ محمّد الفاضل بن عاشور مفتي الجمهوريّة التونسيّة الأسبق، الأمير محمّد عبد الكريم الخطّابي، الدكتور عمّار طالبي، الشيخ عبد القادر عثماني، الشاذلي القليبي، الدّكتور عبد السّلام المجالي، الدّكتور محمّد مواعدة، وغيرهم ومنهم طلبة علم أو باحثون وكتّاب .. وبعض تلك الرّسائل قديم جدّا يرجع إلى سنة 1956م، وبعضها قريب جدّا يرجع إلى سنة 2012م.        
والعجيب أنّ جلّ الرسائل تتحدّث عن الكتب والبحث عنها، والحصول عليها وقراءتها أو تحقيقها أو التعليق عليها، ونشرها بين النّاس ليس فيها شيء من السياسة ولا حظّ الدنيا من قريب أو بعيد، كأنّ شارعنا الكريم وأديبنا المفضال ناسك كتاب وفارس قلم، لا ينزل عن صهواته ولا يلوي له عنان إلا لبحث يحققه أو علم ينشره.
ومن الرّسائل الجزائريّة التي شدّت انتباهي رسائل صديقنا الباحث في التاريخ الأستاذ عبد الحليم صيد، إذ نشر منها عشر رسائل كاملة لم ينشر لغيره مثلها عددا، وقد حفلت بمسائل البحث في التراث والتاريخ وتراجم الأعلام، كما احتوت على نقد لطيف لكتاب أستاذنا علي الرّضا ( أعلام زاوية نفطة )، وهو نقد مهذّب أو ملاحظات يسيرة لم يملك قلم الباحث المنقّب إلا أن يبدي بها إلى أستاذه، ويتقبّلها الأستاذ بكلّ رحابة صدر وطيب نفس، وتواضع الشجرة المثقلة بالثمار اليانعة القطوف.. !  
ولقد سطرت بقلم الرّصاص تحت كثير من المعاني اللّطيفة والنوادر الظريفة، وأحببت أن أشير إليها إشارات عجلى وأتوقف عند مراتعها وقوف الطير خرجت من أوكارها خماصا فعادت من عند مراتعها بطانا..
ومن تلك اللّطائف ما حملته إحدى الرّسائل من ذكر موقف شامخ وقويّ للشيخ الخضر حسين عندما كان شيخا للأزهر، وبلغه تآمر بعض زعماء المغرب الأقصى مع فرنسا على السّلطان محمّد الخامس[3]، فأصدر بيانا من كبار علماء الأزهر وأراد نشره في جريدة الأهرام فامتنعت الجريدة عن نشره، فأرسل البيان إلى رئيس الجمهوريّة ومعه استقالته، فنُشر البيان فورا، وهكذا تكون مواقف العلماء الأفذاذ الذين لا يخشون في الله لومة لائم ولا تسلبهم الكراسي والمناصب نخوتهم أو تميت منهم ضمائرهم..
 ولاحظت حرص الأستاذ علي الرّضا على وضع ترجمة مختصرة لكلّ صاحب رسالة بالهامش، حتى يعرفه من لم يعرفه.
ومن طرائف أهل المطابع ما ذكره أحد أصحاب الرسائل قائلا:
" ..حتّى أغواني أحدهم بشراء مكتبة خاصّة في العراق كنت أنا الذي كشفت عن مخدّراتها، ورزتها روزا أبان لي عن نفائس ما تحوي، مما لا أظنّه سيكرر مرّة أخرى فدفعتني العجلة وخفّة الشباب إلى دفع مبلغ فيها. بعد أن أخذت من شريكي العهود المغلظة بقدرته على إخراجها من أرض الشقاق والنّفاق بما تحوي من مخطوطات ومطبوعات، وصودرت في أثناء إخراجها، هذه الصّفعة الأولى ".
ومن غرائب الرسائل التي أرسلت إليه؛ الرسالة التي بعث بها محمّد الطّيب التونسي، وكان ضابطا بالجيش والأمن السعودي، وكانت تلك الرسالة بتاريخ 26/ 11 / 1990م، وقد كتب عنها الأستاذ علي الرّضا الحسيني في الهماش:
" هذه آخر رسالة كتبها في الحياة الدنيا صباحا، قبل أن ينتقل في نفس اليوم مساء إلى الرفيق الأعلى".  
ومن نوادر الرّسائل التي جاءته رسالة من الأستاذ طارق محمّد عبد الله الخويطر من السّعوديّة، وهو مولع بجمع الكتب وعليها إهداءات أصحابها، والعجيب في ذلك أنّه كان يشتري مؤلّفات الكتّاب الكبار الأحياء، ثمّ يقدّمها إليهم حتى يكتبوا عليها توقيعاتهم، وقال في رسالته أنّه فعل ذلك مع الشيخ عبد القادر الأرناؤوط والشيخ كريم راجح وغيرهما، وطلب من الأستاذ علي الرّضا الأمر نفسه، لكنّ الأستاذ علي الرّضا تحرّج من هذا الأمر وقال في الهامش ص 117:
"اعتذرت عن كتابة الإهداء على كتب تمّ دفع ثمنها لي، فكيف أقول غير الحقّ ؟ وقد أهديته كتبا فيما بعد وكتب عليها الأهداء "
وهذا من أخلاق أستاذنا الفاضل العالية وسجياه الكريمة، وقد كلّف نفسه ما لا يكلفها إلّا أصحاب النبل والأنفة، ورغم ذلك فقد كان له مندوحة فيما صار يُعرف في أيّامنا هذه بالبيع بالإهداء. ويعتبر الإهداءُ ذاتُه هديّةً فوق ثمن الكتاب المشترى. وبعض النّاس ربّما فرح بالإهداء أكثر من فرحه بالكتاب نفسه..
وفي الرّسائل التي وصلته من أبناء عمومته ( آل عثماني ) وأصحاب الزّاوية العثمانيّة، فزيادة على السّلام والسؤال عن الأهل والأقارب نجد تلك الرّسائل تزخر بالمعارف العلميّة واللّفتات الثقافيّة، ومن ذلك الرّسالة التي بعث بها المسعود العثماني – رحمه الله تعالى – ورجاه فيها إلى عدم طبع أعمال ملتقى الخلدونيّة حول الشيخ الخضر حسين إلّا بعد الاستئذان من الجمعيّة الخلدونيّة التي أقامت هذا الملتقى حتى لا يكون هناك أيّ حرج بينهم وبين الجمعيّة الخلدونيّة.
وفي الكتاب بعض من القطع الأدبيّة الرائعة وعيون الشّعر المختارة؛ نذكر منها ما جاء في رسالة الأستاذين جديع محمّد جديع ورياض محمّد المسيميري ص137:
" ..فلقد تكرّمت علينا بأمر منيع الطّلب، صعب المرام، بعيد المنال، كانت الحاجة تفلجنا إليها دائما، فبوصول الكتب سدّت شفاف المطامع، وملئت أجواء الآمال.."
ومن الحكمة قول أحدهم في رسالته ص95:
" إنّ الأقلام تنوب عن الأقدام ".
ومن الشعر ما جاء في رسالة من أحمد الطويلي ص 173:
" يا نسمة حيّ الحبيب وحيَّه * * مِنْ قَبل أن يتنفّس الفجران
واحكِ اشتياقي للحمى فعساهم * * تحنو قلوبهم لهذا العاني "
والكتاب تحفة أدبيّة، ودوحة ثقافيّة كثيرة الفوائد جمّة المنافع تدلّ على علوّ مقام المرسلة إليه وشرفه الرّفيع وأدبه الجمّ، فوق شرف المحتد وعلو الكعب في النّسب.       

  


               



[1]  -
[2]  - رسائل المحبّة من الأحبّة ص 9
[3]  - الرسائل ص 20.