2016/08/21

رايات الموتى (ضياع الروح بين متاهات الزمن، ووحشة المكان، وفقدان الرغبة في الحياة) بقلم: د.محمود عبد الباري



رايات الموتى

(ضياع الروح بين متاهات الزمن، ووحشة المكان، وفقدان الرغبة في الحياة)
بقلم: د.محمود عبد الباري
رايات الموتى تُرْفَعُ حاملةً شعاراتِ اللاأمل اللاحلم فاللارغبة في الحياة، وبين حياتين لكل منهما معاناتها تتكشف الآلام والأزمات، آلام فراق المحبوب يحملها قلب شاعر آمن بمن أحب، وآلام حقدِ تعيسٍ لم يعرف يوما ما الحب، بين وليام سميث القتيل، وسعيد القاتل نكتشف معاناة الإنسان منذ الأزل، بين الحب والبغض، والوفاء والغدر، والسمو والخطيئة.
رفع وليام رايته منذ كتب قصيدته التي تنبأ فيها بموته، قصيدة (موت شاعر)، لكنه لم يحمل في قلبه كرها ولا حقدا على أحد، وإن كانت معاناته مصدرها هذا العالم الذي ظل يشعر فيه بالحيرة، والذهول والضياع، تشتد الحيرة مع فقدان (جانيت) ذلك الملاك الذي قرر أن يفارقه بلا رحمة جزاء خطيئته مع روح خبيثة لم تحمل له غير الرغبة في الموت، روح سعت من أول وهلة إلى استغلاله والتحليق فوق أجنحة روحه التي ظلت تبحث عن المثال، المعاناة هنا شكلتها المرأة منذ أول وهلة، والمصير دفعته إليه حبيبته وإن لم تشاركه فيه، وكأنها كانت تدفعه ليدفع ثمن خيانته لها مع جاسمين بريان.
أما سعيد فقد رفع رايته مدفوعا بالغل، والرغبة في الانتقام من الحياة ومن فيها، أسموه سعيدا هو الذي لم يذق يوما إلا الشقاء، في قاهرة مغلوبة على أمرها مثل أهلها، تبدأ قصته من حيث أول نهايته، في تلك الحافلة التي يتصيد فيها فرائسه من النساء المغلوبات على أمرهن، يتحرش بهن، فلا يملكن لأنفسهن إلا أن يرضخن لما فرضه عليهن الفقروضيق المكان وما به من الزحام، وما اقتضته تقاليد تمجد الصمت على ما لا يجوز الحديث عنه اتقاء لسهام الاتهام التي تهتك العرض، ولا تصون السمعة لأولئك اللواتي يئسن أو كدن ييئسن من قدوم ابن الحلال.
كانت معاناة سعيد (المعتدي) مع المرأة ليست كمعاناة وليام(المعتدى عليه)، فسعيد يركب الحافلات مبتغيا أرداف النساء كالذئب، لا يهمه سوى أن يبلغ حد الارتواء، وعندما افتضح أمره كان من السهل أن يستحيل طعما يصطاد به الضابط ذو الشارب الصقري سيد الذئاب (أبا مصعب)، فبين التهديد والترغيب، لا يملك من اعتاد على الخضوع لإرغامات الحياة إلا أن يكون ما ينبغي للطعم أن يكون عليه، دخل سعيد إلى القسم لا يملك من الحياة إلا أما فانية، وشهادة تقدير لأب قتيل كانت أقرب إلى السخرية منها إلى التكريم بسبب موتته المخزية في بالوعة الصرف الصحي التي كان يعمل بها، لم يرث عنه إلا فقرا وخزيا وملامح وجه ذميمة، ومسئولية أكبر من حجمه وسنه، لاح سعيد المقيم في نفس الحي الذي يقيم فيه الشيخ أبو مصعب عميلا مثاليا لذلك الضابط يخترق به الجماعة ويتعرف أخبارها، وبين الإغراء والتخويف لا يملك إلا الموافقة على كل ما يطلب منه، وهناك عند أبي مصعب يخضع سعيد لإغراء من نوع جديد يحبه إنه يحقق له حلم الزواج من امرأة لن يكلفه الزواج منها شيء، إنها زينب تلك الأرملة البائسة، والحبيبة التي غلبها الأهل والفقر على أمرها، ها هي تقع أسيرة في يد سعيد يتحرش بها في بيته كيفما شاء رغم كل ما تعانيه من آلام تتحمل في صمت، أو تنفلت منها الآهات مرغمة راضية بذلك القضاء، وأخيرا يكتشف سعيد أن تلك المرأة التي تزوجها لم تمنحه إلا جسدا متهالكا بلا روح، لقد كان قلبها مع ذلك الشاب (أحمد الرفاعي) المرشد السياحي الذي رآها تجلس معه في شرفة المستشفى قبل أن تغادر الحياة، حمل سعيد بعدها في قلبه كرها للنساء، وعزوفا عنهن، وعن الحياة ومن فيها، بدا له الموت غاية يجب أن تدرك للخلاص من وحشة هذه الحياة، وبين إغراءات الشيخ، وتهديدات الضابط تظل روحه مضطربة مثل بندول الساعة بين الرغبة في النجاة والخوف من العقاب، كل منهما صور له النجاة بطريقته الخاصة، وكل منهما العقاب له مفهومه الخاص، ليميل بندول سعيد نحو النجاة من هذه الدنيا إلى جنات الخلد ليرى فيها ما وعده الشيخ، ويتجنب فيها عذابين، عذاب المعتقل في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة.
لقد كان سعيد مرسلا إليه، وكان عليه أن يؤمن بموضوع القيمة من أحد طرفين أحدهما عن يمينه يمثل خليفة الله في أرضه يدعوه إلى جنة الله التي سيرى فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والآخر رآه عن يساره يدعوه إلى الإبلاغ عن رفاقه مقابل ذلك المال الكثير الذي ينتفخ به جيبه، وأن يتجنب أن يكون أحد مرسلي الصرخات، والآهات التي شقت سمعه حين تركوه في المعتقل لبضعة أيام حتى يحسم أمره، وكانت النتيجة هي أنه اختار طريقا يجنبه عذاب الدنيا ومن فيها، ويعده بنعيم الآخرة، فاكتسب أبو مصعب ذاتا قادرة على تحقيق رغباته التي لا تشتهي سوى رائحة الدماء التي تتناثر، والصرخات التي تتصاعد، والعيون التي تجحظ من شدة الخوف، ولم يجد له معيقا بل كان الضابط ذو الشارب الصقري معينا له حين أهداه شابا ناقما على الحياة وعلى أهلها لينفذ له ما ابتغى.
سعيد المعتدي في هذا المستوى ما هو إلا معتدى عليه، ضحية للفقر، والجهل، والاستغلال سواء من الضابط الذي رماه طعما، أو من الشيخ الذي تغذى عليه.
·       مسارات السرد:
يسير السرد وفق مسار متعرج زمنيا كاشف عن تلك المتاهة التي يفرضها الزمن على جميع شخوص الرواية، فالراوي يبدأ من لحظة الاعتداء ثم يمضي بنا في رحلة نحو ماضي كل من المعتدى عليه (وليام) والمعتدي (سعيد)، يتخللها بعض القفزات نحو مستقبل هو في حكم الماضي قبل لحظة الاعتداء، ويتنقل بنا من مكان إلى مكان، أماكن يغلب عليها الوحشة والضيق، يغلفها الحزن، ويغشاها الهم، وأماكن تزينها ذكريات الفرح والحب، ومتعة الحياة، لتتكشف الأحداث الماضية موزعة على التوازي بين كل من وليام وسعيد من ناحية، وزينب وسارا من ناحية أخرى، وجانيت وجاسمين بريان من ناحية ثالثة، وسعيد ووليام والرفاعي من ناحية رابعة، وقد اعتمد الرواي العليم على تقنية السرد المتعرج هذه لينقل لنا خيوط تلك المعاناة التي أدت بأبطالها إلى أن يرفعوا جميعا رايات الموتى، فكل منهم كان ميتا بدرجة ما، فسعيد ميت بشقائه وبؤسه وفشله وجبنه وغدره، ووليام مات حين خان حبيبته، وأوشك على موت محقق حين فارقته ليتلقى الطلقات الغادرة في المعبد وحيدا كما تنبأ، وزينب ماتت منذ فرض عليه الزواج بذلك الرجل الذي يكبرها مجبرة على ترك من أحبت، وأحمد الرفاعي مات حين فارقته، ومات أكثر حين نسي زينب فيما استرقه من الحب مع سارا، وحين قرر التخلي عن زينب والهرب من المستشفى بعد وفاتها، وجاسمين بريان مات ضميرها حين جاءت متطفلة على أعمال ويليام، وأخيرا على حياته التي تمنت لها الموت أكثر مما كانت تتمنى لها الحياة، أما جانيت فأخذت تتذوق مرار الموت في كل لحظة مرت على ويليام وهو يصارع الموت، فكانت هي ذلك الملاك الحارس الذي يحول بين الرصاصة وغشاء قلبه، هي تلك الروح التي أخذت ترد إليه الحياة:
     "يا صاحبة الوجه الملتفت، يا من أتيت تحملين العتاب، إن روحك كانت تلاحقني، تلملم أشلائي من هنا ومن هناك، تحول بين الرصاصة والقلب" 326ص
كان الراوي في رايات الموتى يتحدث غالبا بالضمير هو، ولكنه كان يتخلى أحيانا عن ذلك الحياد المزعوم بأن يتحدث بالضمير أنا في نفس السياق الذي يتحدث فيه بالضمير هو تعليقا على الحدث واستشرافا لما سيؤول إليه البطل بعد حين؛ ففي ص 36:
(( تُرَى لو استطاع سعيد الهرب الآن؛ فهل سيغض القدر بصرَه عنه ويبحث عن شخص آخر يؤدي دوره؟ ماذا لو انتصرت إرادة سعيد اآن على القدر؟ هل سيختل توازن العالم؟
ما نعرفه أن المذبحة تحمل إدانة واضحة لسعيد وهو يطلق الرصاص من فوهة بندقيته ليقتل وليام، علاوة على غيره، فكيف نناقش الآن إمكانية هربه من فعل دوِّن أنه فعله؟ أظن أن القدر سيلقي سعيدا ولو في باطن الأرض، ليمشي معه طائعا صوب ما قدر له أن يفعله))
فهل كان الراوي يتخلى عن حياده أحيانا ليقوم بإنبائنا بما سيحدث في المستقبل، وهو يحمل في نفسه شيئا من الشفقة على ذلك التعيس الذي دفعه القدر إلى ذلك المصير؟
هذه المفارقات التي أقامها الراوي بين الماضي والحاضر، وبين الماضي وما يحمله المستقبل كانت من تقنيات تشكيل حالة الحيرة والاضطراب التي عاناها حملة الرايات، ففي ص8:
" الناس في الشوارع غير عابئين بالحافلة البرتقالية، التي تسير ببطءٍ في شارع الوادي المكتظ بالعربات التي تجرها الخيول، عيون أفراد الفوج مشغوفة برؤية وجوه العجائز والصبايا أصحاب البلد، عقولهم تقيم بسرعة مقارنة بين تقاطيع تلك الوجوه الخمرية، وتقاطيع المومياوات والصور المرسومة على جدران المعابد، بعضهم يؤمن أن هؤلاء التعساء هم أحفاد الأجداد الذين نقشوا على الصخر مغزى الحياة وسرَّ ما بعد الموت، فيأسون لحالهم ويودون لو يوقفوا الحافلة في عرض الطريق ليسألوا أحدهم باستغراب: لماذا حدث لكم كل هذا الانحدار؟....."
لقد استطاع الراوي لدى هاني القط أن يضفر منظومات عدة في تشكيل الدلالة الروائية منها تلك الشارات الحمراء التي وضعها القتلة على رؤوسهم، والألوان، والزمان والمكان الذي انتقل بنا شرقا وغربا، ومنظومة الجنس، ومنظومة العادات والتقاليد، والدين، والقهر الطبقي، والإشارات الجسمية التي طغى عليها التواصل بالنظرات ذات المعاني المتباينة.
وقد اقتربت لغة السرد في معظم أجزاء الرواية من لغة الشعر، التي جعلت الرواية رواية شاعرة يغلب عليها نوع من الغنائية السردية، ففي الفصل الأخير مثلا نجد حوارية صامتة بين ويليام وزوجته جانيت هي أقرب إلى الدويتو الغنائي بين العاشق ومعشوقه.

الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يبرز «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»



    الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يبرز

«جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»


        يكشف الباحث  الجزائري الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــة، أستاذ النقد والشعريات وتحليل الخطاب،والأدب القديم ، واللسانيات في الجامعات الجزائرية ،في كتابه الجديد الصادر في الأردن عن منشورات مؤسسة دار الجنان للنشر والتوزيع في العاصمة عمان، عن جوانب خفية من سيرة ابن الخطيب،ويدرس بعمق كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة.
      وتظهر جدية كتاب الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة الذي عنونه ب: «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم-ابن الخطيب وكتاب الإحاطة نموذجاً-» في أنه:
1-كشف عن حياة ابن الخطيب،وتنقله بين العدوتين(المغرب العربي والأندلس) ،كما تتبع  حياته في مختلف مراحلها،وتحولاتها من حقبة إلى أخرى،وأوضح خصائص كل فترة من الفترات في ظل التغيرات ،والتقلبات الكثيرة التي شهدها العصر.
2-أشار الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقـة من خلال كتابه إلى أن الفترة التي عاش فيها ابن الخطيب(القرن الثامن الهجري)كانت فترة اضطراب،وصراع بين غرناطة الصامدة في وجه هجمات الغرب المسيحي،وحركة الاسترجاع(المسيحية)،وكانت نقطة الصعود التي توصف  بقمة الجبل الذي أتمت فيه الحضارة الإسلامية نهاية ارتفاعها،وبدأت تأخذ طريقها نحو التراجع،والانحدار،وبدأ يضمر توهجها.
3-عرّف الدكتور سيف الإسلام بوفلاقـة بمصنفات ابن الخطيب في الأدب،والتصوف،والتراجم،والطب،والشعر،والتي تزيد عن خمسين مؤلفاً،كما أشار  إلى أن هناك بعض المؤلفات نُسبت إليه خطأ لجملة من الاعتبارات،لتشابه أسماء مؤلفيها،أو لتحريف أسماء مؤلفاته.
4-كشف المؤلف  بدقة  عن المصادر التي اعتمد عليها ابن الخطيب في تصنيفه لكتاب(الإحاطة)،وذكر أنه اعتمد على مصادر كتابية،ومصادر شفوية،وكان يذكر هذه المصادر،و يتغاضى عن ذكرها أحياناً أخرى،وقد أشار مؤلف الكتاب في المتن إلى أهم مصادره الكتابية،وقدم  عروضاً موجزة عنها.
5-بين الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة منهج ابن الخطيب في كتاب(الإحاطة في أخبار غرناطة)،وتحدث عن طريقة الترجمة فيه، وذكر أنه استطاع أن يجعل كل ترجمة مركزاً لدائرة معارف(تاريخية وأدبية)تحوي نسبه،وكنيته،واسمه،وحاله،ومشيخته  ،وتآليفه،وشعره،ومحنته(إن كان قد تعرض لمحنة في حياته)،ووفاته.
6- أبرز المؤلف في هذا الكتاب خصائص أسلوب ابن الخطيب في كتاب الإحاطة،وبين  الفوارق بينه،وبين أسلوبه في كتبه الأخرى مستنداً إلى رؤية الباحث الحسن بن السائح ،وتوصل  إلى أن الأسلوب الذي كتب به ابن الخطيب  كتاب الإحاطة،يختلف عن أسلوبه في مؤلفاته الأخرى من حيث،هو أسلوب قوي،وجزل، و لم يقدم فيه الكثير من الأسجاع،ولم يسع إلى التنميق ،بل سعى إلى تقديم الفكرة،وهذا بخلاف كتبه الأخرى التي نراه فيها يسعى لإبراز قدراته اللغوية،إلى درجة يحس فيها القارئ في بعض الأحيان بالملل.
  7-تعرض  الباحث سيف الإسلام بوفلاقة إلى محتوى  كتاب: (الإحاطة في أخبار غرناطة)عرضاً،وتلخيصاً،وتوضيحاً،وتوقف  مع أهم العناصر التي اهتم بها ابن الخطيب في ترجمته للشخصيات التاريخية،والأدبية،وبيّن طبيعة   الحياة الأدبية في المغرب،والأندلس،وذهب  إلى التأكيد على نشاط الحياة الأدبية،والفكرية في القرن الثامن الهجري،وسعى إلى تقديم دلالات نشاطها من خلال الوقوف مع المستوى الثقافي الرفيع في مملكة غرناطة،وظهور عدد كبير من كبار العلماء،والمؤرخين،والشعراء،الذين قدموا صورة ناصعة،ومشرقة عن العهود الإسلامية السالفة.
         أما مؤلف الكتاب فهو الباحث الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة، من مواليد مدينة عنابة،بالجمهورية الجزائرية، نال جائزة ناجي نعمان العالمية في لبنان لسنة:2016م،ومتحصل على درجة دكتوراه في الأدب العربي القديم بأعلى تقدير،وقد شارك في مؤتمرات علمية وطنية ودولية عديدة،وأنجز بحوثاً ودراسات كثيرة نُشرت في مجلات عالمية،وأكاديمية محكمة، وللباحث الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقـة،مجموعة من المؤلفات العلمية طبعت في عدد كبير من العواصم العربية مثل:عمان،وبيروت،ومسقط،والقاهرة،والرباط ،ومن بين مؤلفاته: « مباحث في الفكر والأدب»، «الثابت والمتغير في النص الشعري الأندلسي»،« تعليمية اللغة العربية –المعوقات والحلول- »،«  دراسات عن التاريخ الجزائري المعاصر»، «وقفات مع شهادات من ثورة التحرير الجزائرية المظفرة»،« مقومات الحوار الحضاري مع الآخر»، «جماليات الإبداع الشعري عند سيف المري »،وغيرها.
     وقد كتب بانتظام في العديد من الصحف العربية،و نشر مئات الـمقالات في جملة من الصحف الجزائرية، والعربية،وله إسهامات في التأليف الجماعي،وفي إنجاز تقارير اجتماعية، وفكرية،ومشاريع علمية، ومعالجة قضايا تربويّة، وتعليميّة في مختلف المؤسسات العلمية،والهيئات الأكاديمية في سائر أقطار الوطن العربي،كما حصل على عدة شهادات تقدير على مختلف نشاطاته،وجهوده في مختلف الهيئات الثقافية،والإعلامية،والأكاديمية.

كتاب "شركة النشا والجلوكوز" لعمر طاهر: حكايات تعلن الحكمة مع الواقع بقلم: عبد القادر كعبان



كتاب "شركة النشا والجلوكوز" لعمر طاهر: حكايات تعلن الحكمة مع الواقع
بقلم: عبد القادر كعبان*

من يقرأ للكاتب المصري عمر طاهر "شركة النشا والجلوكوز" سيواجه منذ الوهلة الأولى نصا مفتوحا لمجموعة حكايات، يخالف عادة هذا الكاتب في طرح أعماله السابقة التي لا تخلو من عنصر التشويق والسخرية التي ترسم الابتسامة على الوجوه.

لقد صرح طاهر في احد حواراته السابقة أن عنوان هذا الكتاب جاء تخليدا للشركة الموجودة في واقعه الفعلي، حيث كان يسكن بجوارها وقد عانى الكثير منها، ومن هذا المنطلق نتساءل بدورنا ما هي المشكلة التي جعلت الكاتب يعاني من شركة النشا والجلوكوز وتصبح مادة دسمة للكتابة؟

لربما سيجد المتلقي الإجابة فور قراءة الصفحات الأولى لهذا الكتاب عن سؤالنا، حيث نجد أن السارد وهو الأنا-الآخر لعمر طاهر يعاني من مشكلة الزنة التي يصاحبها الأرق، مما جعل الطبيب يصف له منوما ليتعامل مع ذلك كتعامله مع ضيف جديد قد يلازمه دائما.

يبدأ الكاتب بسرد جملة من الحكايات لخلق جو من المتعة ونسيان حالة تلك الزنة، التي لا تخلو بدورها من التسلية والفضول والسخرية التي اعتادها القراء في أسلوب عمر طاهر، والتي يتجاوزها إلى أمور أخرى كادراك حقائق مغيبة عن عقول العامة من الناس.

يشير طاهر في حديثه عن التعليم بشكل عام إلى أن قراءة الكتب هي الاستفادة الوحيدة من التعلم، كما أن استكماله لا يعتبر ميزة مطلقة كما هو حال نموذج لكاتب نشأ عصاميا معتمدا على نفسه حتى سجله التاريخ من عمالقة الفكر العربي الحديث، كما يشير إلى ذلك السارد: "مثلا لو كان الأديب عباس العقاد أكمل تعليمه ولم يتوقف عند الابتدائية لكان أسلوبه الأدبي أسهل كثيرا مما قرأنا، ولكنه (حب يعلم) على حملة المؤهلات العليا فبالغ في أن يكون أسلوبه صعبا دون أن يخل ذلك بحلاوة المعنى، فحول ما كان يفترض أن يخشى منه إلى موضع للفخر والإعجاب..." (ص  18).

لا يخلو التلفزيون من حوارات الكآبة التي تبدد السلام النفسي في رأي الكاتب، حتى أنها تزرع بداخل المشاهد الشعور بالخطر أو المؤامرة التي لا تفارق وجدانه: "حكى لي صديق توجه لطلب يد فتاة أنه كان يجلس مع الأب والأم في الصالون، بينما الجد يتابع لميس الحديدي في الصالة، الجد سمعه ضعيف طبعا فاضطر لأن يرفع صوت لميس أكثر ما هو مرفوع، أقسم لي صديقي أنه من فرط التوتر الذي كانت تبثه لميس لم يقدر أن يقدم نفسه للأسرة بشكل صحيح، وكان مشوشا بحيث أنه نسي أن يعرض مؤهلاته وقدراته كما يعرفها وأن المقابلة كانت فاشلة بكل ما تعنيه الكلمة، وأنه قضى ليلته يحلم بكابوس واحد عبارة عن الجد وقد تلبسته روح لميس فأصبح يتكلم بصوتها صارخا فيه: (وديتوا البلد في داهية، وديتوا البلد في داهية)..." (ص-ص 19-20).

بعد هدوء تلك الزنة المفاجأة يعود السارد ليحكي لنا حكايات مع ذاكرته الرديئة التي تأبى التذكر في الكثير من الأحيان، ويرجع ذلك إلى الخوف بحد ذاته: "بخلاف كميات الغاز التي استنشقناها جميعا والتي لا بد أنها أتلفت بعض فصوص المخ أو صلبت شرايينه أو سيحت تلافيفه، بخلاف نوبات الهلع التي نتعرض لها يوميا عبر الإعلام، فهناك دائما ما يبث فيك الخوف (هنفلس، ما فيش بنزين، مؤامرة، تفجيرات، مواجهات على الهواء، بأقولك أيام سودة) الخوف يطرد من الذاكرة ملفات كثيرة ليأخذ هو مكانها، طبيعي أن يحذف المخ أمورا أقل أهمية مقارنة بخوفك على أولادك ومستقبلك." (ص 32).

الوازع الديني يحضر بدوره في حكايات "شركة النشا والجلوكوز" الساخرة من خلال حادثة كسوة الكعبة المشرفة، حيث يجعلنا الكاتب نسافر معه عبر الزمن منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصولا إلى الصناعة والتمويل السعودي اليوم: "ثار وفد من الحجاج المصريين، واعتبروا أن الكسوة واجب ديني لن ينزلوا من السفينة بدونها، فصارحهم المسئول السعودي بوجود 20 ألف جندي سعودي خارج الميناء لديهم أوامر بإطلاق النار لمنع خروج الكسوة من الميناء." (ص 60).

يعيدنا طاهر إلى زمن الهجرة النبوية وما حدث مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وصاحبه، ليؤكد للجميع أن الله معنا دائما وأبدا: "أما معية الرسول وأبو بكر فقد كانت تحت قوله: (لا تحزن إن الله معنا)، ومعية الله متحققة طوال الوقت (فأينما تولوا فثم وجه الله)." (ص 74).

استطاع الكاتب أن يقبض على تلك التفاصيل الدقيقة في مجمل حكاياته الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية والتاريخية، وكأنه يوجه المتلقي ليبحث عن الأسباب التي قد توصله بشكل أو بآخر لفهم واقعه، والذي عبر عنه طاهر بأسلوب لا يخلو من نبرة المزاح والمداعبة التي تدخل البهجة في النفوس.

يواصل طاهر حديثه عن عالم كرة القدم ليجعل من المتلقي مشاهدا ومستمعا له في آن واحد، حيث يتحسر على بريق البراءة الذي فقدته هذه اللعبة الشعبية، حتى أن اهتمام الشباب أصبح يلاحق اللاعبين ليصنعوا منهم مثلا أعلى في هذه الحياة: "...أنت في هذه المرحلة تتابع اللاعبين كأنك تراقب زملائك في العمل، خليط من المتعة والامتعاض، متعة يشوبها فرق الحظوظ الذي جعل هذا ال (ما عندوش فكرة) محبوبا جماهيريا ويحظى بشهرة ضاعت منك كل السبل إليها." (ص 86).

أما في الجانب التاريخي، يحكي لنا الكاتب عن النكسة التي يراها الكثيرون أنها مجرد كبوة لجواد أصيل، وما لحقها من انكسارات كرحيل الزعيم جمال عبد الناصر المفاجئ وضعف الاقتصاد في تلك الحقبة الزمنية: "يجب أن نحكي من جديد أن الموضوع أكبر من 6 أكتوبر، وأن الجيش المصري ربما تعثر في الطريق لكنه لم ينهزم، كان وصف النكسة هو الأصدق، إذ إن الجنود الذين خرجوا من سيناء في 5 يونيو سيرا على الأقدام هم أنفسهم الذين كانوا يعودون إليها في اليوم مرة واثنتين على مدى سنوات ست." (ص 95).

يعيد طاهر إلى الأذهان سيرة سيدنا آدم عليه السلام، ونقطة التحول في أكله للتفاحة التي جعلته يهبط على الأرض بمنظور فلسفي، كما نقرأ ذلك على لسان السارد كما يلي: "هي مخالفة نعم، لكنها كانت واقعة آجلا أم عاجلا، لأن الله اتخذ قراره في مصير آدم قبل أن يخرج آدم إلى النور، كان القرار واضحا (إني جاعل في الأرض خليفة)، قالها الله، سبحانه وتعالى، للملائكة واضحة، لم يكن قراره باستخلاف سيدنا آدم في الجنة أبدا.. أكل من التفاحة أو قاوم شهوته، كان لا بد من أن يستقر على الأرض في نهاية الأمر." (ص 96).

وظف الكاتب تكنيك الاسترجاع لحكايات قد حدثت في الماضي، حيث ينقلنا من زمان ومكان بسهولة ويسر في لمح البصر بحثا عن الحكمة المرافقة للمغزى العام، كما هو الشأن مثلا في مقارنته لكيد الشيطان وكيد المرأة، مشيرا في ذلك إلى قول أحد السلف فيما يلي: "وحينما سئل أحد السلف عن كيد المرأة قال إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان لأن الله تعالى يقول: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا)، بينما يقول: (إن كيدكن عظيم)، ولما زوجت بوران بنت الحسن بن سهل إلى الخليفة المأمون حاضت من هيبة الخلافة، فلما خلا بها ومد يده إليها قالت له: يا أمير المؤمنين (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)، ففهم حالها وأعجب بها." (ص 104).  

لقد استطاع المبدع عمر طاهر من خلال نصه المفتوح - شركة النشا والجلوكوز- تطوير أدواته ومهاراته الإبداعية في تحرير فكره من تلك الحكايات، التي جاءت لتعلن الحكمة مع الواقع من باب الاعتراف الذي لا يخلو من نبرة السخرية والطرافة في آن واحد.

المصدر
(1) عمر طاهر: شركة النشا والجلوكوز ، أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي،2015.

*كاتب وناقد جزائري

الكاتب محمود أحمد على يُكرم في المهرجان السنوي الكبير لنادي أدب البادية



الكاتب محمود أحمد على

يُكرم في المهرجان السنوي الكبير  لنادي أدب البادية

تحت عنوان جسر التواصل الثقافي المصري السعودي الأردني
تم تكريم الكاتب والأديب / محمود أحمد على في المهرجان السنوي الكبير وعنوانه هذا العام
(جسر التواصل الثقافي المصري السعودي الأردني )  الذي يقيمه نادي أدب البادية في بلبيس برئاسة الشاعر والصحفي ( سليم عواد الحويطى) رئيس النادي.
جدير بالذكر أن هذا المهرجان كرم نخبة عظيمة من كتاب وكاتبات بعض البلدان العربية ..
وقد تسلم الكاتب والأديب ( محمود احمد على ) درعا من الشاعر السعودي ( نايف عطا الله ) ودرعا أخر من الشاعر والصحفى المصرى ( سليم عواد الحويطى) .
جدير بالذكر أن الكاتب والأديب المصري / محمود احمد على قد تم تكريمه هذا العام في مؤتمر(الأدب وبناء الشخصية المصرية)  إقليم شرق الدلتا الثقافي الذي عقد في محافظة كفر الشيخ ..
وكانت أخر جوائزه التي حصل عليها هذا العم فوزه في المسابقة الأدبية الدولية لمؤسسة ( ناجى نعمان) لعام 2016 عن مجموعته القصصية( واحة الغرباء) 0
وكانت أخر إصداراته الأدبية لهذا العام المجموعة القصصية (إليكم القاتل والمقتول) لتصبح هذه المجموعة رقم (21) في إصدارات كاتبنا ( محمود احمد على ) الملقب بعاشق القصة القصيرة .صدرات