2016/08/02

الرحى قصة بقلم: عبد القادر صيد

الرحى 
 عبد القادر صيد

   تضعين رأسك للنوم، وتشرعين في عدّ ضحاياك لتتوسدي قوائمهم الطويلة تحسبين أن ذلك يخلّد شبابك ، و يمنع قافلة الزمن من التقدم ، لا يهمني كثيرا شعورك هذا ،و لكن يطيب لي يا  سيدتي أن أعلن تمردي   و أخبرك عن الشيء الوحيد الذي بقي عندي منك، إنه  ذكراك ، لقد أضحت تبرم الهدنة تارة ، و تشعل الحرب تارة أخرى ، تكر و تفر ..تفعل ذلك من طرف واحد ، هي عندي قنبلة موقوتة تعطلت ساعتها و أثناء محاولتي اليائسة لتعطيلها أتصبب عرقا، أقف وقفتي السلبية مدشنا مرحلة المراهقة أتسلل إليها كأي عربي من النافذة خجلا مما يعتريه من تغيرات غريبة لأول مرة  يحسب أنه مسؤول عنها ، لا شيء أحسنه سوى الشكوك و التساؤلات و جلد الحرف .. موهبتي الوحيدة و العريقة هي تأجيل الحسم في الإجابات على الرغم من أن تساؤلاتي بسيطة جدا مثل :لماذا تفردني بهذه النظرات ؟ هل نظراتها إليّ عادية ؟ ألا يمكن أن تكون عقدي العنكبوتية نسجت حولها خيوطا وهمية واهية ؟ في أغلب الأحيان كنت أعرف الإجابة ،ولكن يلذ لي أن أنحرف عنها ، يمكنني أن أرجع ذلك إلى عدم الثقة بالنفس ، أو على العكس أوعزه إلى إفراط في الثقة بها ، فأحيانا كثيرة يقودان إلى نفس النتيجة ،أثق كثيرا بنظرتي إلى شخصي ، و لكن لا أثق في نظرة هذا الكائن الأنثوي إليّ ، و لا أثق في ثباتها على إحساسها اتجاهي، بل أحيانا يخيل إلي أنها تبطن لي السخرية أكاد أسمع ضحكاتها مع صديقاتها.                         .   
   يقول قاموس عينيها أن ما اعتراك هو قالب الحب و ليس الحب .. شعور يقبل أي واحدة ، مؤشره عيناك المنبهرتان المتفجرتان أمام أنوثتها حبرا تغلب عليه الكريات الحمراء ، أعتقد أن قاموسها  الذي تحاكمني به قديم جدا و غير محيّن ، أو هو مضبوط على فئة الغواصين الذين تسبح على زنودهم سمفونية الوشوم الغائرة و المسمومة لا المصطافين الذين يملؤون عيونهم من تموجات الشاطئ تاركين لها وريقات غالبا ما تغفل عنها ثم تتبخر ذكراهم إلى السحاب..أبدا ولّت حروفي وجهها نحو السحاب ابتداء ما دام مسيرها دوما إليها . لم أجرؤ أن أقول لقاموسها أنك خائن و مقصر،    و لكنه كأي قاموس في الدنيا يحاول أن يقرب فيخطأ ،  غير أن الخطأ في  قراءة العيون خيانة.                                      ..
  كل الأطياف متبرئة من أصحابها ، إلا أنت ،فما زال طيفك حليفك، تتصرفين به كيفما شئت ، إن رضيت حبسته عندك كقط أليف ، و إن غضبت أرسلته إليّ يستأنس بي و يتجسس عليّ ، آمنت أنه لا وجود لأطياف مقطوعة من شجرة ، و إنما هناك أشخاص بلا أطياف تنوب عنهم و تدافع عن مواقفهم في غيابهم ،دون شك أنا أولهم..
    تحدثني عيناك عن مشروع انتقام ، هو انتقام لمجرد عجزي عن البوح ، إنه نوع مبتكر من الحب ، يتعسف في تطبيق عبارة ( ومن الحب ما قتل )،   فالطرف المقابل  يبقى آخرا ما لم يبح ، و يصبح بعد فوات وقت البوح خصما يجب أن يتحرز لنفسه بل و تعلن عليه الحرب ..لا مجال في عالم العواطف للتوسط و الاعتدال و لا حتى للتعقل ..
  آفة الحب البطء ..البطء عندي هو سيد الموقف ، تحرك مثقل بنكهة الانقراض إذا سمح للانقراض أن تكون  له نكهة مصنفة على مستوى لسان العواطف النبيلة ..فليسقط الحب من طرف واحد ،وإن لم يسقط فليبدلوا له اسمه ،و ليطلقوا عليه في انتظار سقوطه اسم الجحيم ، فهو اللائق به        و الأقرب إلى وصفه ، و ليكن ما يكون من نقد المنافقين و اللاعقين لأحذية الحسناوات ..
  لن أتدخل بعد اليوم  لإيقاف هذه الرحى التي تعمل داخل قلبي بالمجان طاحنة أوراق الورود الجافة  الآيلة للتكسر بسبب نقص قطرات الندى ،     سأتحداها أن تجدد نفسها تلقائيا ، لأنني لن أشفع لعين ملحدة بأربابها الذين صنعوها ، و جعلوها في قلب الحدث ، لن أشفع لشيوعية تنسج من شبكية عينيها كساء لكعبة موازية يؤمها بؤساء الحسن و الهوى ..لن أكون أبدا عبدا لعين تسبح بحمد رمشها ، و سأرفض التطبيع مع شبيهاتها ..
   أرى عيينك في الأعوام الأخيرة منهكة  ،بسبب احتكار  أثقلها باللاجئين الحالمين  الذين تغرق بهم كل مرة ، و تذوب أحلامهم كما الملح في بحرها لتعزز فيها مادة الدمع المصطنع ، ثم لا يلبث  أن  يعاود  هواة غرق أخرون الكرّة من الجديد، إنها لعبتك المفضلة ..لعبة طفلة صغيرة مع حصالتها ، تدخل النقود و هي مفتونة برنين سقوطها ، ثم تخرجها بصعوبة شديدة لتكرر التمتع بإدخالها من جديد.
  نامي أيتها السعيدة التي ألهاك الجمع ، و لا تجهضي حلمك الساحر لمجرد ضياع قطعة نقدية تملصت و اختبأت في مكان ما ، سيبقى يسليك أنها قابعة في غرفتك ، حتما ستصصدم بها رجلاك يوما و ترجعينها إلى بيت الطاعة ، ثقي تمام الثقة أنني لن أكون أنا ،هي حتما ضحية قديمة ،أما إن تفرست جيدا  و تأكدت من أنني أنا فاستيقظي من نومك ، و أعيدي النظر إلى العملة من الوجه الثاني ، فوجهي الحقيقي لم و لن يقوم بانقلاب ضدي يوما .. ما تجهلينه أيتها المسكينة أنني لا أسمح للأطياف  بالإقامة في حجراتي حتى تمر على فترة التربص داخل حروفي ، بعدها أنفض الحروف فتتناثر على الحقول البيضاء ، وحدها من تلتصق بالحرف تبقى في الحجرات ، و الأكيد أنه لست أنت و إلا كان الناس عرفوك يا نكرة في الحب ..أما أن مسألة الالتصاق بالحروف حدثت أو مازالت أو تكررت ، فهذا السؤال لا يعنيك    و لا ينفعك .. هيا أكملي نومك و حافظي على تعدادك ففي الصباح قد تطلع شمس  تفضح سحليات الحب القبيحة ..

هناك تعليق واحد: