‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

2018/12/26

أمل بقلم: رحاب محمد البسيونى

أمل
رحاب محمد البسيونى
كعادتها لم يلحظ وجودها أحد، انسلت وسط المدعوين واتخذت مقعدا بجوار أمها ،تأملت المكان مليا ،أخذت تتفحص خلسة وجوه الفتيات وهن يتمايلن ويتمازحن بوجوه مستبشرة وأعين ملؤها الأمانى ،توقفت عيناها على وجه العروس ،تفحصتها بعمق ... العين،الأنف،الفم  ...حاولت أن تستبدل ملامح العروس بملامحها هى،لم تستطع...حاولت ثانية ،لكنها فشلت ،إذ كلما استجمعت جزء تلاشى الآخر ،فقدكان خيالها أصدق و أقرب إلى الواقع منها ،حاولت أن تنفض عن رأسها الفكرة زاد شعورها بالوحشة،وزادها الصخب والموسيقى اضطرابا،عزمت أن تخرج من هذا الجو...نهضت وتلمست طريقها ببطء وسط الزحام ،اشتبكت ملامحها بأحد المقاعد،حاولت أن تدفع بنفسها لكنها انكفأت على وجهها ...هنا فقط انتبه لها الجميع وضحكوا كثيرا ...قاومت ارتعاشة جسدها ،نهضت ،عادت الى حيث كانت تجلس منكمشةعلى نفسها ،نظرة لوم لاتخفى صدرت من أمها ...عاد الجميع إلى ما كانوا عليه...حاولت أن تدفع بعبرات عينيها نحو الداخل (ليس الآن) همست لنفسها
انسلت من الزحام الى الخارج حيث الهواء يلفح وجهها، يبتعد الصخب عن أذنيها شيئا فشيئا ومعه يخف ماجثم على قلبها من ثقل ،آثرت الأزقة المظلمة لتعبر منها إلى دارها ،ترتكز بساقها السليمة وتجر ساقها العرجاء ،وبينما تتبين طريقها بصعوبة احتشدت السحب أمام عينيها وبدأت دموعها تهطل بغزارة...

صورة إوزة بقلم: عبد العزيز دياب


صورة إوزة
عبد العزيز دياب
تستطيع الأم في لحظة معينة أن تكون إوزة، ويأتي عيال الشارع ليكونوا إوزات خفيفات الظل، فرحين بالأدوار الصغيرة التي منحتهم الأم إياها، لكن إخوته البنات رفضن أن يكن إوزات، تهامسن: ماذا يتبقى لديهن لو كن إوزات، هن يكتفين بالصمت والمشاهدة والغضب الداخلي لأن الولد قد وصل إلى مرحلة من الدلع ينبغي الوقوف عندها، هكذا قالت المتفلسفة منهن، قامت بتنحية كتاب "ميراث الخسارة" ل "كيران ديساى": هل أقرأ رواية لكاتبة هندية وفى النهاية أقوم- يا للمهانة- بعمل إوزة؟!
كل ذلك لأن الولد الحيلة لم يستطع التقاط صورة لإوزة تركض على حافة البحيرة، اندفعت تركض بعد أن كانت داخل الكادر، اندفع الولد يركض وراءها وينكفيء، ينهض وينادى عليها: انتظري يا إوزة لا تخافي... سنكون أصدقاء لو انتظرت دقيقة واحدة.
   "هأ... هأ... هأ"، تطارده سخرية القائمين على حافة البحيرة.
   الإوزة لا تفهم معنى الحلم الذى أرهق الولد في نومتهالإسبوع الفائت بأن إوزة مثلها، ربما كانت هي نفسها الإوزة التي تركض وراءه تريد أن تخطف الجيتار الذى يعزف عليه مقطوعة رائعة، فكر الولد في الحلم: ربما كانت الإوزة تجيد العزف فلماذا يركض بالجيتار هربا منها، لكن الأم قبل أن يتخذ قراره مع الإوزة أيقظته للذهاب إلى المدرسة...
   قارئة كتاب "ميراث الخسارة" كانت تستهويها مسالة الغوص في رؤى وأحلام الآخرين متأثرة بقراءتها "ابن سيرين"و "سيجموند فرويد"، ربطت ما بين قراءات الولد للقصص في مجلات "قطر الندى" و "العربي الصغير" و "صور الكومكس" و "الألغاز" وما رآه في حلم الإسبوع الفائت.
الكل كان يسعى لإرضاء الولد، الأخ الأكبر الموظف صاحب الكادر المرموق كان مهموما ب (فك الاشتباك ما بين الولد وبين إوزة رآها في الحلم حسب تعبير الفيلسوفة قارئة "ميراث الخسارة")، منح الولد كاميرا فوتوغرافية حديثة ليصطاد داخل الكادر المرسوم في بطنها إوزة، فكان يركض وراءها وهى تضرب بجناحيها الفضاء، تنفلت من داخل الكادر تاركة غضبه وإحباطه.
جلس يبكى وليسامح الله كل من جعلمن إوزة حكاية، إوزة كانت تركض على شاطئ البحيرة، أو تركض وراءه داخل حلمه لتخطف منه الجيتار دون أن يعرف إن كانت تجيد العزف أم أن لها غراما مع الجيتارات، أو الكمنجات، أو الأكورديونات.
يجب إسكات الولد بأي شكل، ولأنهم لا يمتلكون إوزة يضعونها على شاطئ البحيرة ليقوم بتصويرهااندفعت قارئة "ميراث الخسارة" إلى شاطئ البحيرة تتعرض لمعاكسات الشبان، اضطرتكذلك لدخول الغابة على صهوة سيارة جيب مكشوفة يقودها أهوج للإمساك بإوزة، ستكون عرضة في هذا المكان أن يهاجمها وحش لكن بندقية قائد السيارةتطمئنها، الأخطر من ذلك أنه ربما اختل ميزان قائد السيارة نفسه وراودها عن نفسها وهو ليس وسيمًا بقد أهيف ونظرة حالمة مثل "جون ديب" قرصان الكاريبي، أو طلعة "شكري سرحان".
الحمد لله رغم كل هذه الهواجس استطاعتالبنت اصطياد إوزة كانت تجتر ذكرياتها على حافة الطريق الذى يشق الغابة.
   بذلك انتهت أزمة الولد، قام بتصوير إوزة، لكن شيئا جديدًا ألم بهم، فقد لاحظ الناس أن الفيلسوفة قارئة "ميراث الخسارة"صارت تخرج كل صباح إلى شاطئ البحيرة عندما تنقشع الغبشة تمامًا فتكون إوزة خفيفة الظل، ربما خشية أن يأتي ولد آخر معه كاميرا تعانده، لا تفتح حدقتها إلا إذا صورت إوزة بيضاء مشاكسة.


2018/12/18

الموصل تحترق قصص قصيرة جداً بقلم:طلال حسن


الموصل تحترق
قصص قصيرة جداً
طلال حسن
إلى من احترق في حريق الموصل الشهيدة
الشمعة
    كالشمعة أضاء ، وأطفىء كالشمعة .
الظلام
    من الظلام نأتي ، وإلى الظلام نعود .
الباب
    دُفع الباب ، في ظلام الليل ، وانتظرتُ ، لكن أحداً لم يأتِ .
دموع الشمعة
    بكتْ الشمعة ، وراحتْ تذرف الدموع الساخنة ، حتى انتهت .
الفرح
    خذ نصيبك من فرح اليوم ، فقد يأتي الغد ، وينسى أن يأتي معه بالفرح .
مريم
   يا أم المسيح ، يا أم المحبة ، موصل المحبة تشتعل ، فصلي من أجلها .
حواء
   سألت الطفلة أمها : ماما ، لماذا أكلتْ حواء التفاحة ؟
فردت الأم قائلة : لأنها حواء ، يا بنيتي .
منارة الحدباء
   ازداد انحناء منارة الحدباء في الموصل خجلاً ، وهي ترى الكتب تمزق ، وتقدم طعاماً للنيران .
إبليس
   قال الطفل لأمه : لو كنت إبليس لسجدتُ لآدم .
فقالتْ له أمه : لست إبليس ، يا بني .
الجني
   منذ أن وعيتُ ، وأمي تحذرني من الجنيّ ، ورحلتْ أمي ، وكبرتُ ، وشختُ ، والجنيّ في داخلي ، لا يريد أن يرحل عني .
الأفق البعيد
    نظرت إلى الأفق البعيد ، وسرعان ما فتحت جناحيّ ، وانطلقت نحوه كالسهم ، فالأفق ـ مهما كان بعيداً ـ لم يوجد إلا لنحاول الوصول إليه .
تراث
   نحن نقدس التراث ، ونحرص عليه ، حتى إننا لم نخدش واجهة الموصل ، المطلة على نهر دجلة ، بمبنى حديث واحد ، منذ أكثر من قرن من الزمان .
قنبلة
   علمتْ قنبلة ، بأنها ستُرمى فوق قرية ، فيها نساء وأطفال وشيوخ ، فانفجرتْ غضباً ، وحطمت الطائرة التي تحملها بمن فيها .
شجيرة
   سارتْ دبابة بجنازيرها القاتلة ، فوق شجيرة ورد مزهرة ، فسحقتْ أزهارها ، لكن شذا تلك الأزهار ، ظلّ يملأ الفضاء .
إجازة
   أراد الجنديّ الشاب ، أن يأخذ في إجازته ، هدية من صديقه إلى أمه في القرية ، لكنه بدل الهدية ، أخذ لها ملابسه الملطخة بالدماء .
هرّ
   ربض هرّ ، وقد أبرز مخالبه ، وكشر عن أنيابه ، أمام بلبل ، وقال له : غردْ وإلا قتلتك .
لو كنتَ بلبلاً ، ماذا تفعل ؟
الشمعة القتيلة
   أضاءتْ شمعة ، في مواجهة طفلة ، أصيبتْ بشظايا قاتلة ، ولما أغمضت الطفلة عينيها المنطفئتين ، انطفأت الشمعة ، وتجمدتْ دموعها الساخنة ، التي سالتْ على جسدها النحيل .
زهرة بابنج
    تمنتْ زهرة بابنج ، لو أنها لم تنبتْ هذا العام ، في جحيم الموصل ، فقد داستها بساطيل الحرب المجنونة ، وسحقتْ جمالها وشذاها الفواح .
جمبد
    وردة جمبد موصلية ، أهدتْ عطرها الفواح ، لجندي من الناصرية ، حمى فاختة وفرخيها في العش ، من غراب ليلي اللون ، أراد الاعتداء عليهما .
أم
    أم من العمارة ، أرسلتْ رسالة إلى ابنها المقاتل ، قالتْ له فيها : ولدي ، أنا أمك في الموصل ، فاحمني من النيران السوداء .
البرد
    بردُ الموصل شديد يرحم ، هذه الأيام ، وغدا عيد الميلاد ، فتعال أيها السلام ، إن الأطفال في الموصل بحاجة إلى دفئك .
العاصفة
    هبت العاصفة ليلاً ، وطرقتْ بابه ونافذته بعنف ، لكنه لم ينتبه إليها ، فقد كان مستغرقاً في الحديث إلى زوجته ، التي رحلت منذ سنين ، وهي تضع طفلهما الأول ، عن ولدهما الذي ذهب إلى الحرب ، ولم يعد .
الوعل
    خرج الوعل العجوز من ملاذه في سفح الجبل ، قبيل الفجر ، يبحث في العاصفة عن وعل رآه في منامه ، يمرّ من أمام ملاذه ، من يدري ، لعله صغيره ، الذي قيل له أن الذئاب قد فتكت به ، وافترسته .
وذوا بالصمت
    جلس بينهم صامتا ، وهم يتحدثون عن الأعداد الهائلة لقتلى العدو في المعركة الأخيرة  .
والتفت إليه أحدهم ، وقال : لم تتكلم أنت ، قل شيئا .
فقال : لم تتحدثوا عن عدد قتلانا .
فلاذ الجميع بالصمت .
لماذا انقرضت الديناصورات ؟
   سُئل حكيم : لماذا انقرضت الديناصورات ؟
فأجاب الحكيم : انقرضت لأن بعضها كان يأكل البعض الآخر .
وصمت لحظة ، ثم قال : وسينقرض الإنسان لنفس السبب .
بندقية
    نظر الطفل إلى بندقية ، في محل وسط المدينة ، وقال لأمه : ماما ، اشتري لي هذه البندقية .
وبصورة لا إرادية نهرته قائلة : كلا .
ونظرت الأم إلى طفلها ، ورأته حزينا ، محبطا ، فأخذته بين ذراعيها ، وقالت : أبوك ، في الحرب ، قتلته بندقية قناص ، يا بنيّ .
اينانا
    زارت إينانا في العقود الأخيرة ، معابدها في مدن وادي الرافدين ، ووقفت على خرائب إحدى المدن ، وقالت : يبدو أن أختي ايرشكاكال ، إلهة العالم الأسفل ، إلهة الموت ، تمد نفوذها على مملكتي شيئا فشيئا .
اللعبة
    سقطت قنبلة فوق بيت ، فأصابت شظية منها طفلة ، كانت تلعب مع طفل في إحدى غرف البيت ، وسقطت الطفلة جثة هامدة .
فهزها الطفل بيده الطفلة ، وهو يقول : انهضي ، نحن لم نكمل لعبتنا بعد .
برتقالة
    اشتهى طفل برتقالة ، فخرج أبوه إلى الحديقة ، ليأتيه بواحدة من شجرة البرتقال ، ورآه قنّاص ، فصوب بندقيته إليه ، وضغط على الزناد .
منذ ذلك اليوم ، والطفل الذي صار أبا ، يكره البرتقال ، ويقربه أبداً .
المقعد الخالي
    في بيتي ، منضدة طعام صغيرة ، حولها ستة مقاعد ، المقعد الأول لي ، والمقعد الثاني لزوجتي ، ومقعدان لولديّ ، ومقعدان لبنتيّ ، لكن أحد مقعدي ابنيّ بات خالياً ، فحين  اجتاح ذوو الأعلام السوداء مدينتي ، أخذوا ابني ، ولم يعيدوه لي حتى الآن ، ترى متى أرى هذه المقاعد الستة كاملة مرة أخرى ؟ 
النهار               
     ككل صباح ، استيقظتْ زهرة النيلوفر ، وصعدتْ من أعماق المياه العذبة ، التي تنبتُ فيها ، وتفتحت أوراقها ، وهمّ الطائر الصغير ، الذي قضى ليلته عندها أن يطير ، لكن الزهرة ضمتْ أوراقها عليه ، إذ رأت السماء ملبدة بغيوم الحرب السوداء ، وقالت وهي تغوص ثانية في المياه العذبة : أيها الطائر ، ابقَ الآن بين أوراقي ، إن النهار لم يأتِ بعد .
اللعبة
    سقطت قنبلة فوق بيت ، فأصابت شظية منها طفلة ، كانت تلعب مع طفل في إحدى غرف البيت ، وسقطت الطفلة جثة هامدة .
فهزها الطفل بيده الصغيرة ، وهو يقول : انهضي ، نحن لم نكمل لعبتنا بعد .
الذئب
    قال الطفل لأبيه ، بعد أن حكى له قصة نوح الطوفان : لماذا حمل نوح الذئب في فلكه ، يا بابا ؟
وفكر الأب مليا ، ثم قال : ربما لم يكن الذئب ذئبا ، في ذلك الوقت ، يا بني .
جسور
    خمسة جسور في الموصل ، تربط الضفة الشرقية بالضفة الغربية .
خمسة جسور حطمتها الحرب في الموصل ، تفصل ضفتها الشرقية عن ضفتها الغربية ، ترى متى تلتقي الضفتان ؟ من يدري ، أسالوا الحرب .
الراء
   ثار حرف الراء منفعلاً ، في معمعة الرصاص والإنفجارات ، على كلمة " حرب " ، فانتفض عليها ، ونزع نفسه من بين حرفي " الحاء والراء " ، وهدأ حين صارت الكلمة " حب " .
نخلة                          
    جندي من البصرة ، رأى نخلة مقطوعة الرأس في أحد شوارع مدينة الموصل ، فعانقها دامع العينين ، وقال : أيتها الشهيدة ، لك أخوات شهيدات في مدينتي .. البصرة .
الجسر الحديد
    الجسر القديم ، أو الجسر الحديد ، في الموصل ، بعمري تقريباً ، اليوم أعلن الحداد على نفسي ، فالجسر الذي في عمري ، قصفته نيران الحرب من الجهتين ،  وعطلت فيه الحياة .
ما العمل ؟
   في حيرة ، وندم ، شديدين ، نظر إلى يديه المرتعشتين الملطختين بالدماء ، وقال : أردتُ أن أكون زارع ورد ، في حديقة واسعة مفتوحة ، وإذا بي أغدو جزاراً في معركة واسعة مفتوحة ، لا يبدو أن لها نهاية ، يا ويلي ، ما العمل ؟
الموعد
    عند منتصف الليل ، والعاصفة الثلجية على أشدها ، خرجت من فراشها الدافىء إلى موعدها ، تحت الشجرة الضخمة ، المطلة على النبع ، تنتظره لتودعه ، فغداً صباحاً سيذهب إلى الحرب ، التي لا يعود أحد منها .
في اليوم التالي ، وقد أشرقت الشمس حزينة باردة ، رأوها تقف تمثالاً من الجليد ، تحت الشجرة الضخمة ، المطلة على النبع .
الإطلاقة
    خفق قلبه برقة وحنان ، وهو يربض على الساتر الترابي ، وبندقيته بين يديه ، إذ تراءت له نوره ، وغردت عيناه ، سأصطادكِ يا نوره ، في الإجازة القريبة القادمة ، وأحوّل خاتمك الذهب ، الذي يحمل اسمك الذهب ، من يميني إلى يساري ، و ..
وكفت عيناه عن التغريد ، إذ جاءته رصاصة قناص ، أصابته في قلبه .
الكهف
    خرج من الكهف ، بعد أن لاذ به هرباً من الإنسان ، الذي يقتل أخاه الإنسان ، قبل أكثر من خمسة آلاف سنة ، وإذا الإنسان مازال يقتل أخاه الإنسان لسبب أو لآخر ، فعاد إلى الكهف ثانية ، الذي قد يخرج منه بعد خمسة آلاف سنة أو أكثر ، لعله يجد أن السلام قد عمّ بين الإنسان وأخيه الإنسان .
السمكة الملائكية
    في جولتها اليوم ، رأت سمكة القوبي الصغيرة السمكة الملائكية ، فتوقفت تتأملها ، كأنها فراشة تشع بألوان قوس قزح ، وما أدهشها منها ، أنها حين رفعت نظرها إليها ، ورأتها لم تفرّ منها ، كما تفعل الأسماك الأخرى .
وحكتْ لأمها ما جرى ، فقالت الأم : إن السمكة الملائكية ، لا تأكل غير الأعشاب .
وبدا للأم أن صغيرتها لم تفهم بالضبط ما تعنيه ، فقالت : الأسماك الأخرى ، التي تقتات على الأسماك الصغيرة تتجنبنا ، لأننا أسماك سامة .
العاصفة الثلجية
    استيقظتْ عند منتصف الليل ، على العاصفة الثلجية ، تعوي في الخارج كقطيع من الئاب الجائعة ، وتنثر الثلج والبرد في كلّ مكان .
 وتراءتْ لها أمها ، في ليلة كهذه ، وهي تئن من المرض ، فقالتْ لها : ماما ، سأشعل الموقد ، لعلك تدفئين .
فقالت لها أمها بكلمات كالأنين : لا يا بنيتي ، تعالي إلى جانبي ، ودفئيني .
ونهضت من فراشها ، ومضتْ عبر الليل والبرد إلى أسفل التل ، حيث ترقد أمها ، وتمددتْ فوق القبر ، لعلها تدفىء أمها ، كما كانتْ تفعل دائماً ، عندما تهب العاصفة الثلجية .
الشجرة الملعونة
   توقف الشيخ أمام الشجرة ، متوكئاً على عكازه ، وقد وقف وراءه تماماً رجل ذو لحية كثة ، وملابس سوداء كالليل .
وتساءل الشيخ : أهذه هي الشجرة ؟
فمال عليه الرجل ذو اللحية الكثة ، وقال هامساً : نعم ، إنها هي ، يا شيخ .
فصاح الشيخ : اقلعوا هذه الشجرة .
وتقدم شاب من بين الواقفين هناك ، واحتج بكلمات مترددة : لكن هذه الشجرة شجرة مثمرة .
فصاح الشيخ ، دون أن يلتفت إليه : لقد زرعها غريب ، وما يزرعه غريب في أرضنا ملعون ، ويجب القضاء عليه .
الدراجة الهوائية
    فُخخِتُ رغماً عني ، ورُكنتُ إلى جانب الرصيف ، في شارع فرعيّ ، يا للعار ، أنا دراجة هوائية ، ولم أصنع لمهمة قاتلة كهذه .
وأقبل من بعيد ، يحمل بيده كتاباً ، إنني أعرفه ، هذا الرجل الأشيب ، إنه أديب أطفال ، يحب الأطفال ويحبونه ، ولم يؤذِ في حياته نملة .
وجنّ جنوني ، لا ، لن أنفجر ، وانفجرت رغماً عني ، وتطايرت عاصفة من الرمال والشظايا ، يا ويلي ، كاتب الأطفال ، هدأتْ العاصفة ، وتساقطتُ ذرات رمل وشظايا ، ها هو كاتب الأطفال ، يقف في مكانه ، وتنهدتُ مرتاحة ، فالأطفال ، الذين أسعدتهم قصصه ، سيستمرون في قراءة قصصه الجديدة الجميلة .
الوهم
    دخل على زوجته المطبخ ، قلقاً ، مربدّ الوجه ، فرمقته بنظرة خاطفة ، وقالتْ : خيراً .
فقال وهو يمسك بالموبايل : هددني أحدهم في الموبايل .
ورمقته ثانية ، فقال : الآن .
وانصرفتْ إلى عملها ، وهي تقول : لكني لم أسمع موبايلك يدق .
فقال بشيء من الانفعال : دقّ ، وفتحته على الفور ، وسمعته يهددني .
ومدت الزوجة يدها ، وأخذت الموبايل منه ، وحدقت فيه ، ثم قالتْ : لم يحدثك أحد .
وأخذ منها الموباي مندهشاً ، وحدق فيه ، وقال بصوت متردد : حدثني بصوت لم أسمعه من قبل .
وصمتَ لحظة ، ثم تمتم كأنما يحدث نفسه : إياكَ أن تخرج اليوم من البيت .
وعادت زوجته إلى عملها ، وقالت : دعك من هذا ، إنها أوهام .
وقبيل منتصف النهار ، خرج الرجل من البيت ، دون أن تحاول زوجته منعه من الخروج ، لكنه لم يعد أبداً إلى البيت .
كتب من طين
    أفاق الملك الآشوري آشور بانبال ، حين علم أن الكتب  في الموصل تحرق ، فقالوا له : اطمئن ، إن  كتبك الطينية ليستْ محفوظة في متاحف الموصل ، الذي دمرته النيران .
فعاد الملك الآشوري من حيث أتى ، مطمئناً ، فمكتبته التي جمع ألواحها من جميع مدن العراق القديمة ، لم تدمرها نيران التخلف .
جامعة الموصل
    نُسفتْ جامعة الموصل ، بجميع مبانيها ، وقاعاتها ، وكتبها ، لكن من نسفها نسي ، أن الجامعة هي آلاف الطلاب  والطالبات ، الذين تخرجوا منها ، عبر عقود عديدة من السنين ، ترى كيف يمكن الوصول إليهم ، ونسفهم الواحد بعد الآخر ؟
طفل
    وقف طفل ، في حدود الرابعة من عمره ، وسط حديقة منزله ، ورأى صاروخا متجها إليه ، فرفع يده ، وقال له : توقف .
وتوقف الصاروخ ، فأشار له الطفل أن يستدير ، ويبتعد ، فاستدار الصاروخ ، ومضى مبتعدا .
قالت له أمه : لكن الصاروخ القاتل قد يسقط على بيت واحد من الجيران .
فقال الطفل :  ، لقد أشرت له أن يسقط في الصحراء ، خارج الموصل .
النيران
    جلس مجموعة من الرجال ، في حفرة طافحة بالأوحال ، أثناء إحدى المعارك المستعرة ، فقال أحدهم : الحرب غابة تأكلها نار سوداء  .
فرد عليه رجل : عليك ، ستنطفئء هذه النار ، إن عاجلاً أو آجلاً  .
ونظر إليه الآخرون صامتين ، فقال : قد تمطر فتنطفئ النار ، وإذا لم تمطر ، فستنطفئ النار أيضا ، إذ بد أن تنتهي الغابة ، مهما كانت كبيرة .

تموز
    ركع الكاهن أمام إينانا ، وقال : موتي ، لقد قتل تموز .
فقالت إينانا : هذه قصة قديمة ، أعرف ، لقد قتله خنزير بري .
فقال الكاهن : يا موتي ، هذه المرة لم يقتله خنزير بريّ ، وإنما قتله  كائن طائفي .
فأشاحت إينانا بوجهها ، وقالت : فليبق تموز في العالم الأسفل الآن .
كلهم أودي
    ذهب واحد من ذوي الرؤوس السود إلى معبد الإله مردوخ ، وركع أمامه ، وقال : موي ، الكهنة يمتصون دماءنا ، والملوك يحرضون بعضنا على البعض الآخر ، وكلهم يخدمون الغرباء .
فقال الإله مردوخ : اسمع يا ولدي ، كلهم أودي .

متحف التاريخ الطبيعي
    دخل طفل مع أمه ، إلى متحف التاريخ الطبيعي ، في يوم من أيام المستقبل ، ووقف أمام مجموعة من الكائنات الغريبة .
فتساءل الطفل : ماما ، من هؤء ؟
فقالت الأم مشيرة إليهم واحدا بعد الآخر : هذا كاهن الإله مردوخ ، وهذا كاهن الإله اوزوريس ، وهذا كاهن الإله هبل ، وهذا الديناصور ، وهذا الماموث ، وهذا النمر السياف ، وكلها كائنات انقرضت قبل ملايين السنين .
المطر الأسود
    عندما تمطر السماء ، يقول أهل الموصل : خير ونعيم .
ترى ماذا يقولون الآن ، والسماء تمطر رصاصا، وقنابل ، ونارا ، ومطرا أسود ؟
رجل من الموصل
    رجل تجاوز السبعين ، يجلس وحيدا بباب بيته ، والمعركة مستعرة في الأحياء القريبة ، اقترب منه جندي شاب ، وقال له : ادخل بيتك ، يا عمي ، حياتك هنا في خطر شديد .
ونظر الرجل السبعيني إليه ، وعيناه تكادان تنطفئان ، وقال : ماذا أفعل بحياتي ، يا بني ؟ لقد قتلوا أبنائي الثلاثة ، وأخذوا زوجتي وابنتي ، إنني وحيد الآن ، أهذه حياة تستحق أن أحرص عليها ؟
يد بيضاء
     يدي بيضاء ، ونظيفة ، وأردتها أن تبقى بيضاء ونظيفة ، لكنها مع اشتداد الحرب راحت  تتلوث بالدماء ، والآن لم تعد يدي بيضاء ونظيفة ، ماذا أفعل ؟ هل أقطعها ؟
رفض
    ألقيتُ على بيت وسط المدينة ، فاخترقتُ السقف ، واقتحمتُ إحدى الغرف ،  وتلفتُ في الظلام باحثة عن الأعداء ، فرأيتُ امرأة مسنة ، وفتاة شابة  ، تحضن طفلا وطفلة ، وتحميهما مني بجسدها ، أهؤء هم الأعداء ؟ فإنغرزتُ في الأرض ، ورفضتُ أن انفجر .
جندي
    رأى جندي امرأة عجوزا ، تسقط في الشارع ، فترك موقعه ، وقلبه يخفق عطفا عليها ،  وأسرع لنجدتها ، ورآه قناص ، يتربص وراء بندقيته القاتلة ، فأطلق عليه النار ، وأصابه في قلبه .
الحارس العجوز
    على عادته كل يوم ، استقبل الحارس العجوز ، طفل الجيران بأعوامه الأربعة ، فوضع بندقيته جانبا ، ومد يديه المحبتين  ، وضمه إلى صدره ، و ..
 وجمدت عيناه ، فقد برز فجأة مسلح يغطي وجهه بكوفية ، والطفل الصغير لصق قلبه العجوز ، فأنزل الطفل بهدوء  ، وقال للمسلح : أتوسل إليك ، يا ولدي ، دع الطفل يبتعد عني  أولا ..
وقبل أن يكمل الحارس العجوز كلامه ، أطلق المسلح رصاصة ، أصابت من الحارس قلبه العجوز .
الحرب الدائمة
    ابني عمر ، كنا نخبئه في مكان آمن من البيت ، عندما تأتي الطائرات الإيرانية ، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي ، والآن ابني عمر يخبىء ابنه الصغير محمود ، في مكان آمن من البيت ، عندما تتساقط في جحيم حرب الموصل ، قنابل الهاون وصواريخ الطائرات وزخات الرصاص ، ترى أين سيخبىء محمود ابنه الصغير في المستقبل من الحرب الدائمة ؟
مدينة الألعاب
    مدينة الألعاب في مدينة الموصل ، تطل على نهر دجلة ، يسودها الآن صمت القبور وحزنها ، وبدل أن تسمع فيها زقزقة العصافير ، وكركرات الأطفال وأفراحهم ، يصم الأسماع أصوات الرصاص والقنابل والصواريخ والطائرات الحربية .
بابا نويل
    أعياد الميلاد تقترب ، تقترب جدا ، ومن جديد سيولد الطفل في المغارة ، وستهل أفراح العام الجديد ، وسيمر بابا نويل على أطفال العالم ، ويقدم لهم هداياه ، لكنه لن يمر بمدينة الموصل هذا العام ، ولن يقدم هداياه لأطفالها ، فهو يمر بالمدن التي  تشتعل فيها نار الحرب السوداء والدمار .
السيف والنغم
    وسط الرصاص و القنابل والصواريخ ، وغيوم المعارك السوداء ، وقف أبو تمام فوق منصته في كورنيش الموصل ، ينشد متحمسا : السيف أصدق أنباء من ..
 ومن منصته ، قرب محطة قطار الموصل ، قاطعه ملا عثمان  الموصلي قائلا : كلا ، يا أبا تمام ، النغم أصدق ، ففيه الخير ، والمحبة ، والجمال ، والسلام .
منارة الحدباء
    ازداد انحناء منارة الحدباء خجلا ، وهي ترى الكتب تمزق ، وتقدم طعاما للنيران ، في الموصل .
الحمامة
    جُنت النار مستعرة ، وهي تلتهم الكتب ، التي ألقيت إليها ، في محرقة الموصل ، وامتدت ألسنتها إلى كتاب للأطفال عنوانه " الحمامة " ، وما أن مسته ، حتى طارت الحمامة البيضاء من الغلاف ، وحلقت بعيدا ، وهي تقول : لقد قتلني الصهاينة في فلسطين ، أريد أن أقتل ثانية في الموصل .
من الاهوار
    جاءت امرأة مسنة من الاهوار ، فقد قالوا لها ، إن أبنها أصيب في الموصل .
وقالت للقائد : أريد ابني .
ونظر القائد إليها ، ثم وضع بين يديها ملابس ابنها ، وفيها رائحته ، وبقع من دمه ، فأخذتها ، وقفلت عائدة به إلى الأهوار .
دجلة يجري حزينا
    دجلة الخير ، حين كان يمر بالموصل وجسورها الخمسة ، كان يجري شابا فرحا متوثبا ،  والآن حين يمر بها ، يجري شيخا ، مهدما ، حزينا ، محبطا ، فجسورها الخمسة ، التي كان يعبرها الناس ليلا ونهارا ، قتلتها الحرب ، وحتى القوارب التي تعبر بالناس ، تشق الماء متوجسة ، قلقة ، خائفة ، إذ تتعرض  للنار بين حين وآخر  ، فتغوص قتيلة بمن فيها إلى الأعماق المظلمة .
لمن تقرع الأجراس ؟
 في الموصل تقرع الأجراس الآن .. 
   لطفل ، ولد في المغارة ، ترج طفولته وهو في المهد ، قنبلة هاون طائشة .
لطفلة نامت ، ودميتها تنام فوق صدرها ، تفز مرعوبة حين ترى في المنام ، رصاصة قناص تقتل دميتها الصغيرة .
لصبية تنام ، رغم انتصاف الليل ، فحلمها الأول ندى ، يرفرف فوق نيران الحرب في الموصل .
لزوجة شابة ، تنام على دموع خوفها ،  فزوجها الشاب ، جندي يقاتل في الجبهة الشرقية من الموصل .
لامرأة في شتاء عمرها ، أخذت حرب إيران زوجها ، وسرقت حرب الكويت ابنها ، وها هو حفيدها يقاتل في أحد شوارع الموصل .
لأم صبية تحمل طفلها الأول ، جنينا في رحمها ، وتركض هاربة تحت نيران الحرب ، بحثا عن نخلة تضع طفلها في ظلها الآمن ، فلا تجد ، في حرب الموصل ، غير أعجاز نخل خاوية .
فارس
   فززتُ من النوم ، على ابنتي صفاء ، تنهنه باكية ملتاعة ، فاعتدلتُ مقترباً منها ، وتساءلت : صفا ، ما الأمر ؟
فأجابتني من بين دموعها ، وهي تتلفت منهنهة باكية : فارس ، يا بابا .
وهززتُ رأسي صامتاً ، فقالت صفاء ، وهي مازالت تنهنه باكية : صاح ماما ، وهو في حضني ، فظهرت ماما في البعد ، وأشارت له أن تعال ، فهبّ من حضني ، وطار إليها ، فمدت يدها ، واحتضنت يده ، وغابا في الظلام .
لذتُ بالصمت لحظة ، فزوجتي ، أم فارس ، تحت الأنقاض منذ أكثر من ثلاثة أيام ، بعد أن سقطت قنبلة على بيتنا العتيق ، وهدمته تماماً ، وربتّ على رأس صفاء ، وأنا أقول لها : فارس عند عمته منذ ثلاثة أيام ، فمنطقتهم أكثر أمناً من منطقتنا .  
حمام العليل
    صاح القطار قومي انزلي
    كوي اوصلنا حمام علي
وحمام علي هي حمام العليل ، التي كان يقف القطار عندها ، حين يأتي من الموصل ليلا ، متجها إلى بغداد
فينزل عشرات المصطافين ، أو المصابين بالأمراض الجلدية ، ليتطببوا بمياهها المعدنية ، أو يسهروا في الليالي المقمرة فوق " تل السبت " لكن حمام العليل اليوم ، عليلة ، فمن يعالجها ويشفيها ؟ و تل السبت نفسه ، لم يعد أحد يسهر فوقه ، حتى في الليالي المقمرة .
الكناري
    قتلتْ شظية عبوة ناسفة طائرَ كنري ، بكاه صاحبه الطفل بحرقة ، وحين هدأ قليلا ، سأل أباه : بابا ، هل يذهب كناريّ إلى الجنة ؟
ونظر أبوه في عينيه ، ورأى فيهما غيوما سوداء توشك أن تمطر حزناً ، فقال له : نعم ، يا بني ، كناريكَ سيذهب إلى الجنة ، وسنلتقي به هناك .
حيرة قنبلة
    انطلقتْ القنبلة في الهواء ، وتحيرتْ أين تسقط ، هل تسقط فوق مدرسة ؟ أم مستشفى للأطفال ؟ أم حديقة عامة ؟ أم دار للعجزة أم  .. ومازالتْ القنبلة في الهواء حائرة ، تدري أين تسقط .
طائرة حربية
    انطلقتْ الطائرة كالسهم ، عبر سماء الليل المرصعة بالنجوم ، يقودها طيار شاب ، جاء من بلد بعيد ، عينوا له الهدف ، مدرسة للأطفال ، حُولتْ إلى مصنع للأسلحة ، وفيها عدد من المسلحين ، وها هو الهدف ، وضغط على الزر ، وإذا الهدف بمن فيه وما فيه ، شظايا ملتهبة ، تتطاير في الفضاء ، واستدارت الطائرة ، وعادت عبر سماء الليل المرصعة بالنجوم ، من حيث أتت .
سامحوني
    سقطت قنبلة هاون ، فوق دار للأيتام ، فقتلت حارس الدار ، وثلاثة من المستخدمين ، وخمسة أطفال ، وقطة وصغارها الأربعة ، فشعرت القنبلة بالحزن والخجل ، وقالت للجميع : سامحوني ، ليس الأمر في يدي .
عد إلينا يا بابا
    قبل أن يصعد إلى طائرته ، فتح الطيار الشاب ، القادم من فرنسا ، تلفونه النقال ، وقرأ فيه رسالة من ابنته في باريس ، تقول له فيها : عد إلينا ، يا بابا ، إنني أنتظركَ .
وانطلق الطيار الشاب بطائرته  ، وعينا صغيرته الجميلتان تفارقانه ، وألقى صواريخه على الهدف ، دون أن يدري ، أنه قتل في من قتل طفلة في عمر ابنته ، كانت هي الأخرى تنتظر أباها ، الذي يقاتل في حرب الموصل .
أم جريح
    سمعت امرأة ، أن ابنها جريح في المستشفى فأخذت علبة حلوى يحبها ، وذهبت إليه ، لم تجده في المستشفى ، ورأت شابا جريحا في عمره ، فانحنت عليه ، وعيناها غارقتان بالدموع ، وقبلت رأسه الجريح ، وقدمت له علبة الحلوى .
حزن
    حزن جسر الموصل القديم ، الذي تجاوز عمره الثمانين عاماً ، عندما علم بأن إخوته الأربعة ، الأصغر منه سناً ، قد ضُربوا بقنابل الطائرات ، وسرعان ما جاءته الطائرات ، وألحقته بإخوته الأربعة ، وضربته من طرفيه .
اهجم
    صاح الضابط بأحد الجنود ، في معمعة المعركة : اهجمْ ، تكن جبانا .
وقبل أن يهجم ، التفت الجندي إليه ، وإذا عيناه تشبهان عيني ابنه ، وهجم الجندي ، وقتل في ذلك الهجوم .
وكلما نظر الضابط في عيني ابنه ، تراءت له عينا ذلك الجندي الشاب ، وأدرك أن تلكما العينين لن تغيبا عنه حتى النهاية  .
رصاصة
    طوال سني الحرب ، لم يكن يحذر الرصاص ، ويقول : أنا سيد ، وجدي رسول الله ، ولن تقتلني رصاصة مهما كانت .
وانتهت الحرب ، وضجّ الجنود بالفرح ، وراحوا يطلقون النار في الهواء ، وإذا رصاصة طائشة تصيب السيد ، وترديه قتيلا .
الخاتم
    انتظرت الفتاة الشابة ، أن يأتي خطيبها الجندي الشاب في إجازة ، ويقدم لها نيشان الخطوبة ، ويضع في يدها الخاتم ، الذي يحمل اسمه .
في المنام ، تلك الليلة ، رأته يغطي رأسها بإشار أسود ، وفي اليوم التالي ، علمت بأن رصاصة قناص أصابته في قلبه .
الحمام
    تعودَ الحمام ، في كل إجازة لصاحبه الجندي ، أن يرفرف فوقه ، ويتناول الطعام من يديه .  
لكن الوقت مرّ ، ولم تأت الأجازة ، فمن أين له أن يعرف أن صاحبه الجندي ، قد استشهد في مدينة الموصل .
عصفورة
هبت العصافير من أعشاشها خائفة ،عندما انفجرت في البستان قنبلة هاون ، عدا عصفورة واحدة ، ظلت في عشها ، لم تهرب منه ، وكيف تهرب وإحدى بيضاتها الثلاث قد فقست ليلة البارحة ؟
جامع النفايات
    طفل في العاشرة ، يطرق بابي كل يوم ، ويقول : نفايات .
والنفايات نعطيها عادة لهذا الطفل ، مع مبلغ صغير من المال ، بدل أن نعطيها لسيارة البلدية ، سألته مرة : ألست في المدرسة ؟
 فرد قائلا : تركت المدرسة ، فأبي مقعد ، وأنا أعيل إخوتي الصغار .
 ومع اشتعال الحرب اختفى الطفل ، وحين عاد الهدوء بعض الشيء ، لم يعد لجمع النفايات ، وعرفت فيما بعد ، انه مد يده مرة في برميل نفايات ، لعله يعثر على لقمة يسد بها جوعه ، فعثرت عليه عبوة ناسفة ، كانت مزروعة في البرميل .
بائع الكاز الصغير
  البرد قارس اليوم ، والمطر ينهمر بشدة ، وبائع الكاز الصغير ، الذي ربما تجاوز العاشرة بقليل ، ينقل الكاز من عربته في باب البيت ، إلى برميل كاز فارغ ، في آخر الحديقة .
ولأني خجلت أن أراقبه ، وهو ينقل الكاز ، في هذا البرد والمطر ، طلبت من زوجتي أن تراقبه ، فقالت لي :
والله  أستطيع ، إنني أخجل من مراقبته .
وجاءني بائع الكاز الصغير ، وماء المطر يقطر منه ، وقال لي : امتلأ البرميل ، وأغلقته .
فنقدته ثمن الكاز ، وشكرته ، وتمنيت له التوفيق ، و .. وحين هدأ المطر ، وفتحت برميل الكاز ، لم أتمالك نفسي من الضحك ، فالطفل ، بائع الكاز الصغير ، الذي خجلت أن أراقبه ، لم يضع في البرميل قطرة واحدة من الكاز .
استجداء باللغة الكردية
    في محل لصبغ الأحذية ، في منطقة الدواسة ، جلست أصبغ حذائي ، وتوقفت بباب المحل صبيتان كرديتان ، ومدتا يديهما ، وراحتا تستجديان باللغة الكردية ، التي افهمها ، وإذا صاحب المحل ، وهو كرديّ ، يصيح بهما ، ويطردهما بخشونة .
وابتعدت الصبيتان ، فقلت لصاحب المحل : لماذا طردتهما هكذا ؟ إنهما تستجديان .
فرد صاحب المحل قائلا : إنهما تشتمانك باللغة الكردية ، يا أستاذ .
مخيم
    التقى لاجئان ، من دولتين مختلفتين ، في مخيم للاجئين ، في إحدى الدول الأوربية ، ونشأت بينهما علاقة وطيدة .
سأل الأول الثاني : لماذا هاجرت من وطنك ؟
فقال الثاني : حكومة وطني شيوعية ، وأنا معاد للشيوعية .
وصمت لحظة ، ثم سأل الأول : وأنت ، لماذا هاجرت ؟
فأجاب الأول : لأن حكومة وطني معادية للشيوعية ، وأنا شيوعي .
مظاهرة   
    أربعون نبيا ، هم أنبياء الموصل ، جاؤوها عبر مئات القرون ، خرجوا اليوم من مراقدهم ، وساروا في مظاهرة ، وسط المدينة ، رغم المعارك التي تمطر عليهم نارا ، يهتفون ضد الحرب ، رافعين شعار .. السلم في الموصل .
الانفجار
    سيارة مفخخة ، انفجرت في سوق شعبي ، وسط العاصمة ، فتطايرت الحمامات فزعة ، ومعها تطايرت أشلاء الناس ، والدراجات ، والسيارات ، والمطاعم ، والمقاهي ، وبسطات الباعة الفقراء .
وعلى عجل جاءت الشرطة ، ووقف شرطي شاب مذهولا ، ووسط الأشلاء المتناثرة المدماة ، رأى امرأة ستينية تركض متعثرة ، وخيوط الدم تسيل من عباءتها ، فهتف بها : أيتها الخالة ، تمهلي ، أنت جريحة .
لم تتمهل المرأة الستينية ، وظلت تركض متعثرة ، فلحق الشرطي بها ، وأمسك كتفيها الضامرين ، وقال : تعالي معي ، الدماء تسيل منك ، سآخذك إلى المستشفى ..
وتوقف الشرطي مصعوقا ، وقد جحظت عيناه ، فقد سقط من تحت عباءة المرأة الستينية ، ذراع فتاة شابة تتلامع فيه أساور ذهبية ، ملوثة بالدماء .

       هذه قصة حقيقية ، رواها لي ضابط شرطة في بغداد .
العلم
    - مرحبا أستاذ .
توقفتُ ، والتفتُ إلى مصدر التحية ، ودمعتْ عيناي إذ رأيت شابا ، مازالت ملامح الطفولة على وجهه ، يقف أمامي مزهوا بملابسه العسكرية الجديدة ، انه تلميذي ، علمته سنوات ، والتحق بالجيش قبل أشهر .
أجبته : أهلا بني ، كيف حالك ؟
فرد قائلا : بخير ، أنا الآن أخدم العلم في الجبهة ..
ثم ضحك ضحكته الطفولية ، وقال : وراتبي أكثر من راتبك ، يا أستاذ .
وضحكتُ لتفاخره الطفولي البريء ، وشددتُ على يده ، وقلتُ : أتمنى لك التوفيق ، يا بني .
لكن عينيّ اللتين دمعتا لمرآه بالثياب العسكرية ، انبثق الدمع منهما حارا ، حين علمتُ بعد أشهر ، أنهم جاءوا به من الجبهة ، ملفوفا بالعلم .
حوار في الظلام
    لم أسمعها تتململ ، رغم الانفجارات القوية المتواصلة ، لكني أعرف أنها مستيقظة ، في عتمة سريرنا العتيق ، الذي تجاوز عمره الخمسين عاما ، والتمع برق في السماء ، فلمحتها متكومة تحت الفراش إلى جانبي ، تتمتم مرعوبة : يا ويلي ، يا ويلي ، ستقتلنا هذه القنبلة .
ربت على كتفها المرتعش ، وقلت : هذا رعد ، نامي .
وقالت شاكية : الانفجارات لم تتوقف الليلة .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : لتسقط علينا قنبلة ، وتخلصنا من هذه الحياة .
وصمتت ثانية ، ثم قالت : حمدا لله ، لم يصر لنا ولد ..
 وتابعت كأنما تحدث نفسها : لو كان لي ولد ، أو بنت ، وأصيب أحدهما بانفجار ، سأجن ..
قاطعتها برفق : ليس لنا ولد ، نامي الآن ، نحن في منتصف الليل .
وتابعت قائلة بصوت منفعل ، تخنقه الدموع : سأفقد عقلي ، وأجن تماما ، إذا أصابت قنبلة ابني أو ابنتي ، و ..
وصمتت  ، ثم قالت مرعوبة : أنصت ..
وأنصت ، فقالت : قنبلة تقترب ..
فقلت: انه صاروخ طائرة ..
فقالت: إنها تقترب .. تقترب ..
فقلت : اطمئني ، سيسقط الصاروخ بعيدا ..
 وقبل أن أنهي كلامي ، حدث انفجار هائل ، ثم .. سادنا الظلام التام والصمت .
الحوت
    خرج النبي يونس من نينوى غاضبا ، بعد أن نُسف مرقده في الموصل ، واتجه نحو البحر مباشرة ، فهتف به محبوه : توقف ، يا يونس ، لا  تذهب إلى البحر ، سيبلعك الحوت .
لكن النبي يونس لم يتوقف ، ومضى قدما نحو البحر .
أنام
    منذ أيام .. وأيام .. وأيام ، وأنا  أنام ، فالحرب مستعرة في داخلي ، وفي الموصل ..
ومن الليل تناهى إليّ صوت طائري ، الكناري : أنت امرأة عجوز ، ووحيدة ، نامي الآن ، نامي ، لعلك ترتاحين ..
 أنا  أنام ، يا طائري ، لأني أخاف أن تصيب شظية صوتك فتقتله ..
وأنا  أنام ، خشية أن تسقط قنبلة ، على بيتي العجوز ، فتهدمه ، وتقبرني تحت ركامه ..
أنا  أنام ، فابني الوحيد أخذته زوجته مع صغيريه إلى أهلها ، في حي الكرامة ، فهناك كما تقول ، الحرب اخف ..
 أنا  أنام ، فابنتي وأطفالها الأربعة ، في حي الزهور ، وسط القنابل والصواريخ والرصاص ، والموت ..
أنا  أنام ، فأختي العجوز الأكبر مني ، في بيتنا القديم ، في حي الميدان ، قرب النهر ، تعيش وحيدة فيه ، وسينهار بنفخة قنبلة ، قلت لها: تعالي معي ، فبيتي كبير ، وأنا وحيدة ..
فقالت لي : لن أترك بيتنا القديم ، ففيه رائحة أمي وأبي .
وأنا أنام .. ربما لأني متعبة .. متعبة .. متعبة .. و.. ونمت .. أخيرا نمت .. وفي منامي سقطت على بيتي العجوز قنبلة ، أم أنه صاروخ ؟ فتهدم ، وقبرني تحت الركام .

اوتونابشتم
  اقبل اوتونابشتم وزوجته من أعالي الأنهار ، حيث يعيشان خالدين  ، ورأى مدن ما بين النهرين ، وإنسان ما بين النهرين ، ورأى ما جرى وما يجري وما سيجري ،  فتوقف حزينا ، محبطا ، ثم قال لزوجته : تعالي نعد من حيث أتينا ،  يُخيل إليّ أنني أخطأت ، ربما لم يكن لي أن أبني ذلك الفلك .
الحياة لليث
    على عادته ، استيقظ ليث بأعوامه الخمسة ، وشعره الذهب ، وعينيه الربيعيتين ، ونظر عبر النافذة ، وصاح فرحا : ماما ، الشمس مشرقة اليوم .
وأدركت الأم ما يعنيه ، فقالت :لكن البرد شديد ، و ..
وهب ليث من فراشه ، وقال :  رصاص و قنابل و صواريخ .
 وخرج ليث إلى الحديقة ، يلعب بكرته تحت أشعة الشمس الدافئة ، وأمه تقف على مقربة منه ، وقلبها يخفق خوفا ، فليث ابنها الوحيد ، وقد جاءها بعد سنين من الصبر والمعاناة ، ووقتها قالت لها الطبيبة : لن يكون لك طفل آخر .
 ومن بعيد جاء صاروخ ، وراح يقترب من الحديقة ، التي يلعب فيها ليث ، و ..
 ورفعت القلم .. لن أستمر بالكتابة ، ونظر القلم إليّ ، فقلت منفعلا : انه وحيد والديه .
وقال القلم لي : هذا ليس شأنك ، أنت كاتب ، أكتب ما حدث ..
ونهضت غاضبا ، وكسرت القلم ، وأنا أقول : لن أتم القصة ، ولن أسمح بموت ليث ، مهما كلفني الأمر .
محمود والصاروخ
    بحثت الأم عن ابنها محمود داخل البيت ، دون جدوى ، وخفق قلبها خوفا ، فهو لم يتجاوز الخامسة من عمره بعد ، والتمعت عيناها ، انه في الحديقة ، والحرب مستعرة .
وطارت إلى الحديقة ، وإذا محمود يقف تحت الشمس ، وقد رفع إحدى يديه إلى الأعلى ، يا للويل ، وصاحت : محمود ..
وقال محمود ، دون أن يلتفت إليها : الصاروخ كان متجها نحو بيتنا ، فرفعت يدي ، وقلت له ، توقف ..
 واتسعت عينا الأم رعبا ، وتابع محمود : وتوقف الصاروخ ، فأشرت له أن يستدير ، ويذهب بعيدا عن بيتنا .
واقتربت منه أمه ، وقالت : لكن الصاروخ سيسقط على بيوت الجيران .
فنظر محمود إلى أمه ، وقال : قلت له ، أن  يسقط على بيوت الجيران ، بل في أرض خالية ، بعيدا عن الموصل .
أنا أعرف ..
    صباح كل يوم ، مع شروق الشمس ، وعلى مدار السنة ، يخرج من بيته ، متوكئا على أعوام عمره ، التي تجاوزت التسعين ، متجها بخطواته الثقيلة إلى دار العجزة ، حيث تعيش زوجته منذ ثلاث سنوات تقريبا ، بعد أن أصيبت بالزهايمر ، وعجز عن العناية بها .
انه يحضر إليها كل صباح ، ليطعمها بيده ، ويتناول معها طعام الفطور ، وذات يوم ، قالت له رفيقتها ، التي تشاركها في الغرفة : يبدو لي أن مجيئك عبث ، فهي كما ترى مريضة جدا ، و تعرف الآن من أنت .
والتفت إلى زوجته ، التي كانت في عالم آخر ، وتأملها مليا ، ثم قال : نعم ، إنها تعرف الآن من أنا ، لكن أنا أعرف من هي .
النغزة
    ما إن وقعت عيناي عليه ، مسجى على العشب ، متمددا كالنائم ، حتى داهمت النغزة قلبي من جديد ، الطبيب سوف يقول لي كالعادة : انه العمر .
 لكنه يعرف ، ولن يعرف ، أن هذه النغزة ، داهمتني لأول مرة منذ سنين بعيدة ، عندما كنت أقاتل مع الأنصار في الجبل ، وأنها رافقتني سنين وسنين وسنين ، لقد داهمتني لأول مرة ، عندما رايته متمددا كالنائم على مرجة ندية من السفح ، ووجهه مندى بقطرات من دمه ، انه احد أفراد الدورية الحكومية ، التي تبادلت معهم إطلاق النار ، منذ أكثر من ساعة ، في هذا الطرف المنعزل من الجبل ، وعندما انتهى كل شيء ، انحدرت إلى السفح ، ورايته متمددا على المرجة .
مددت يدي ، ابحث في جيوبه عن هويته ، وهنا داهمتني النغزة في قلبي لأول مرة ، ولم تفارقني حتى الآن ، ففي جيب صغير ، خفي ، من قمصلته العسكرية ، فوجئت بوجود العدد الأخير من جريدة طريق الشعب السرية .
صداع
    أقلقه تفاقم صداعها ، وحظتْ قلقه ، فقالتْ له : تقلق ، انه ضغط الدم .
ولكي يطمئن نفسه ، قبل أن يطمئنها ، قال وهو يربت على يدها المرتجفة : عليك ، سأذهب إلى الصيدلي ، بعد قليل ، وآتيك بحبوب الضغط ، التي وعدني بها .
وأمسكت يده ، وقالت : المعارك مشتدة اليوم ، أرجىء هذا إلى الغد .
فقال وهو يغادر البيت بسرعة : أنت بحاجة إلى الدواء هذا  اليوم .
وأسرع إلى بيت الصيدلي ، واخذ منه حبوب الضغط ، ثم  قفل عائدا إلى زوجته ، ستتناول زوجته حبة واحدة ، وكالعادة سينخفض الضغط ، وسيطمئن عليها ، وعلى صغيره الذي ينمو في أحشائها ، ومن بعيد سمع صوت قنبلة هاون ، وارتفع صوت انفجار هز المدينة ، ياويل من  سقطت  فوق بيته هذه القنبلة .
وركض نحو بيته ، وقلبه يخفق بشدة ، وبدل بيته ، الذي تنتظره فيه زوجته ، وصغيره الذي ينمو في أحشائها ، وجد كومة من الحجارة ، ترتفع من أطرافها سحب من الغبار والدخان .
البحث عن عمل
    عرفتُهُ حين دخلتُ الغرفة ، ورأيتهُ جالساً وراء المكتب ، ويبدو أنه عرفني حالما رفع عينيه ، ورآني عند الباب ، فتساءلت عيناه البنيتان ، قبل أن تتساءل كلماته : منى !
ابتسمتُ ابتسامة شاحبة ، وقلتُ : عفواً ، لم أعرف أنكَ تعمل هنا .
ونهض من مكانه ، وقال : تفضلي .
تقدمتُ من مكتبه ، وأنا أقول : جئتُ في الحقيقة .. أبحثُ عن عمل .
وتمتم بصوت خافت : تخرجنا معاً ..
وقلتُ : أنت عُينت وأنا تزوجت ..
وصمتُ لحظة ، ثم قلتُ : أغتيل  زوجي ، وترك لي ثلاثة أطفال .
وبدت سحابة حزن في عينيه البنيتين ، وقال كأنما يحدثُ نفسه : أنا أيضاً ماتت زوجتي ، وتركت لي طفلين .
ولذت بالصمت ، فنظر إليّ ، وقال : أعطيني رقم هاتفك ، وسأتصل بك إذا وجدت لكِ عملاً يناسبكِ .
لم أنم ، ذلك اليوم ، حتى منتصف الليل ، وكأني كنتُ أنتظر مكالمته ، وحين دق جرس تلفوني ، وعرفت أنه هو ، قلتُ له فوراً : يبدو أنكَ وجدتَ لي عملاً .
لم يجب على تساؤلي ، وإنما قال : لي بيت بسيط ، فيه حديقة صغيرة ، وعندي كما تعرفين طفلين ، انضمي إليّ ، وسيكون لنا خمسة أطفال .
لذتُ بالصمت ، فأنا لم أتوقع هذا العمل ، وجاءني صوته دافئاً مطمئناً : أنتظر جوابك .
ومهما يكن ، فها أنا أعيش في بيت بسيط ، فيه حديقة صغيرة ، وبدل أولادي الثلاثة ، صار لي خمسة أولاد ، وأب طيب يرعاهم جميعاً .

في انتظار كودو
   جاءت بعد انتظار سنين ، فأراد أن يسميها أمل ، لكن زوجته ، غفر الله لها ، أصرت أن تسميها صبرية ، تيمنا باسم خالتها الحبيبة الراحلة صبرية .
وكما تنمو فتيات الحكايات ، راحت صبرية تنمو وتكبر ، ودخلت المدرسة ، وكانت الأولى دائما ، في الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، وحتى عندما دخلت كلية الهندسة ، كانت الأولى على مجموعتها ، وأخيرا أخذت الشهادة الجامعية ، ووضعتها في إطار زجاجي جميل ، وعلقتها على حائط غرفتها ، وجلست .. تنتظر جودو .
إلى أين ؟
    تألمتُ عندما عنفها الموظف الصحي ، لا لخطاء ارتكبته ، وإنما لمزاجه العكر ، الذي يحتمل ، وخرجتْ المرأة المسنة منكسرة ، دامعة العينين ، وبعد أن أخذتُ دوائي خرجت متعكراً من المستوصف .
وعلى الرصيف ، رايتها تسير أمامي بحيرة وبطء ، وحين حاذيتها ، قلت لها : عليك منه ، انه عكر المزاج هكذا دائما .
وتنهدت المرأة المسنة ، وقالت : هذا حظي الأسود ..
وصمتت لحظة ، ثم قالت وكأنها تحدث نفسها : لو كان لي شيء من الحظ لبقي زوجي على قيد الحياة ، كان يدللني ، وخاصة بعد أن صار لنا ولد وبنت ، والآن وقد رحل ، وتزوجت ابنتي ، وتزوج ابني ، احد يريدني ، زوجة ابني تحتملني ، وزوج ابنتي يريدني ..
وتوقفت ، وراحت تتلفت حائرة ، وهي تقول : إلى أين اذهب ؟
أبو فارس
    جاءني أبو فارس مرة ، وجلسنا كالعادة في حديقة منزلي ، وقال لي عبر دخان سكارته ، وفنجان القهوة أمامه : طلال ، يبدو أنني خرفت .
ضحكت ، وقلت : اطمئن ، يا أبا فارس ، أنت آخر من يخرف منّا .
فقال : اسمع ، كنت اليوم في باب الطوب ، لأستقل سيارة إلى البيت ، وإذا أحدهم ينقض عليّ ، ويأخذني بالأحضان والقبلات الحارة ، وهو يقول : كيف حالك ، يا أبا فارس ؟ مشتاق جداً إليك .
نظرت إليه مليّا ً ، لم أعرفه ، أهو يُمثل عليّ ؟ أم أنه صديق قديم ، لم أره منذ فترة طويلة حتى نسيته ؟ مهما يكن ، وعلى عادتي في حالة كهذه ، قلت له : أخي صدر لي كتاب جديد ، وأريد أن أهديك نسخة منه ، أعطني اسمك الثلاثي لأكتب لك الإهداء .
فقال لي مستغرباً : ماذا جرى لك ، يا أبا فارس ؟ أيعقل أنك نسيتني ؟
فقلت له : أخي لم أنسك ، وكيف أنساك ؟ فقط أعطني اسمك الثلاثي لأهديك الكتاب .
فقال لي مستنكراً : أبو فارس ، أنا عبد الباري .
وضحكتْ ، فعبد الباري هو صديق عمره ، وهو أيضاً موظف معه في نفس الدائرة لأكثر من " 25 " عاماً ، فهل خرف أبو فارس ؟  
    رائد
   رغم الغبار الكثيف ، وأزيز الرصاص ، والإنفجارات المتتالية ، تناهى إليّ الصوت الفاجع لجارتنا " أم رائد " : النجدة .. مات ابني .. مات رائد .
وتفجرتْ الدموع في عينيّ ، وأسدلت ستاراً أمام نظري ، الذي أغشاه الغبار الكثيف ، والانفجار الهائل ، الذي دمّر بيتنا وبيوت الجيران .
وخرجت من بين الأنقاض ، التي أبعدتها أمي عن جسدي النحيل ، ووقفتُ والغبار يرتديني فوق ملابسي الممزقة ، وتحسستني أمي مرتجفة قلقة ، وهي تقول : اطمئني ، يا بنيتي ، أنتِ سالمة .
وارتفع صوت " أم رائد " المدمى ، المجروح ، فوق أزيز الرصاص ، والانفجارات المتتابعة : رااائد .
رائد ، الشاب ، يكبرني ربما بأكثر من سنتين ، انتبهتُ إليه ، وأنا في حدود العاشرة ، يطيل النظر إليّ بعينيه الخضراوين ، أشحتُ عنه بوجهي في البداية ، لكن مع الزمن استهواني نظره إليّ ، بل ورحت أبادله النظر بين حين وآخر .
ارتفع صوت " أم رائد " : رائد .. رائد ..
وارتفع بكائي ، لم تلتفتْ أمي إليّ ، فقد انهمكتْ بسحب أخويّ من تحت الأنقاض ، وتحسستْ جسديهما الضامرين ، وهي تغمغم : حمداً لله ، أنتما بخير .
وصاح أحد أخويّ : بابا .
وكان بابا قد نهض مترنحاً من بين الأنقاض ، والدماء تغط وجهه ولحيته الكثة ، التي وخطها الشيب ، وقال : اطمئنوا ، أنا بخير .
ومع ارتفاع عويل " أم رائد " ، ارتفع بكائي ، وأغرقت الدموع عينيّ ووجهي المغبر ، فالتفتت أمي إليّ ، وقالت : كفى ، يا بنيتي ، أبوكِ وأخواكِ بخير .
وارتفع بكائي أكثر وأكثر ، حتى غدا كالعويل ، حين ارتفع الصوت الفاجع : رائد .. رائد .. رائد . 

  عبد يابا
     فزّتْ مرعوبة ، وهي تشهق من أعماقها ، حين زلزل الدنيا انفجار ، كأن القيامة قد قامتْ ، وهتفتْ مستنجدة بصوتها المختنق : عبد يابا .  
اعتدلتْ في فراشها الرث ، ومسحت بيديها الشائختين ، اللتين شارفتا على التسعين ، وجهها الذي ملأته السنون الصعاب بالأخاديد العميقة .
يا له من كابوس ، وتنهدتْ من أعماقها اليابسة ، متى ينتهي هذا الكابوس ؟ وأغمضتْ عينيها المتعبتين ، سينتهي ، كما انتهى غيره ، وكما انتهى كلّ من كان حولها ، وغدت حياتها صحراء .
وتلفتتْ حولها ، أهو الليل ؟ الظلام يعمّ الغرفة ، لكنها عندما غفت ، ربما منذ أقل من ساعة ، كان النهار في كلّ مكان ، داخل غرفتها ، وفي الفناء ، وفوق أغصان شجرة التوت المعمرة ، وأوراقها الزاهية الخضرة ، وحتى على زقزقة العصافير .
وتحاملتْ على نفسها ، ونهضتْ بصعوبة متقطعة الأنفاس ، الهواء هنا ثقيل ، يخنقه الغبار ، ترى من أين جاء الغبار ؟ فلتخرج إلى الفناء ، وتجلس قليلاً تحت شجرة التوت المعمرة ، وتستنشق بعض الهواء النقي ، المفعم برائحة أوراق شجرة التوت ، وثمارها الصغيرة  ، التي لم تنضج بعد .
وتوقفتْ متلفتة ، مذهولة ، وقد اتسعت عيناها الكليلتان أين باب الغرفة ؟ وأين الشباك الصغير ، المطلّ على الفناء ، الذي تتوسطه شجرة التوت المعمرة ؟ 
ما مرّ بها إذن ، لم يكن كابوساً ، بل أسوأ من الكابوس ، فالكابوس مهما كان ثقيلاً وطويلاً ، يمكن أن تفيق منه وينتهي الأمر ، كان إذن حقيقة ، نعم ، حقيقة ، لابدّ أنّ قنبلة طائشة ، لم تسقط هذه المرة بعيداً ، وإنما سقطت  على بيتها بالذات ، وحدث ما حدث .
عادت إلى فراشها ، وتهاوت فوقه متمتمة ، مستنجدة من أعماقها : عبد يابا .
وأغمضت عينيها ، اللتان تكادان تنطفئان ، عبد ، عبد الرزاق ، ابنها الأخير ، جاء على العكس من أخويه الأبرشين ، أبيض البشرة ، أسود العينين والشعر ، لم تصدق عينيها حين ولدته ، وبعد أيام أخذته إلى السطح ، حيث الشمس ساطعة ، ومدت أصابعها المرتعشة القلقة ، وفتحت عينيه ، وحدقت فيهما طويلاً ، وخفق قلبها فرحاً ، إنه طفل طبيعيّ ، وليس أبرشاً مثل أخويه .
عبدته ، عبدتْ ابنها عبد الرزاق ، وكلما كانت تعثر ، أو تفاجأ ، كانت تشهق صائحة : عبد يابا .
وتململت في فراشها ، أين عبد ؟ أين عبد يابا ؟ رأته في أعماقها المتصحرة طفلاً .. صبياً .. يذهب إلى المدرسة ، وظلت ترضعه حتى السابعة من عمره .. ورأته في شبابه .. وأي شباب .. وأنّتْ في كابوسها ، حين صكّ سمعها هدير سيارة ، ثم توقف عجلاتها ، وهي تصرخ مدخنة فوق الإسفلتْ .
واعتدلت في فراشها ، ها هو ابنها عبد ، ينهض من تحت السيارة ، ويُقبل عليها مسرعاً ، يمدّ إليها يديه الشابتين المحبتين ، وتناهىت إليها أصوت تقترب ، ومن أعلى السقف ، فُتحت ثغرة ، أطلّ منها النهار ، فتمتمت بصوت مرتعش : عبد يابا .

   الطفل
   خرجتُ من الغرفة ، لأحضر كوباً من الماء لزوجي ، الذي كانت الحمى تشويه طوال أكثر من يومين ، وأبقيتُ طفلي الرضيع إلى جانبه .    
وقبل أن أصل إلى المطبخ ، حدث انفجار هائل ، سبقه أزيز كأزيز العاصفة ، وعلى أثر الانفجار ، وجدتني أرتفع أمتار في الهواء ، ثم أتهاوى على الأرض مع تهاوي البيت برمته .
بقيتُ خامدة قرب الأنقاض ، وقد ساد صمت كصمت القبور ، تحاملتُ على نفسي ، وجسمي كله يتصارخ من الألم ، وتلفتُ حولي ، أين الغرفة ؟ أين زوجي ؟ أين طفلي الرضيع ، الذي انتظرته سنوات ؟ لا شيء حولي غير ركام من الحجارة كأنه القبر .
تناهتْ إليّ أصوات من تبقى من الجيران ، يتصايحون ويولولون ، وارتفع أكثر من صوت يصيح : اهربوا .. اهربوا .. الدواعش قادمون .
هربتُ مع الهاربين ، وقد طاش عقلي ، فلو رآني ، في تلك اللحظة ، أحد الدواعش ، وأنا أركض كالمجنونة ، بدون عباءة أو خمار ، حافية حتى بدون جوارب ، لجلدني مائة جلدة ، أو .. أو قطع رأسي .
لاحقتنا رصاصات رشاش ، فاندفعتُ إلى زقاق جانبيّ ، تداعت جدران بعض بيوته الآيلة للسقوط ، وغطت أجزاء كبيرة من الزقاق .
وتحت أنقاض أحد الجدران ، رأيتُ امرأة شابة ، مسحوقة تحت الحجارة ، وإلى جانبها يزحف طفل رضيع ، في عمر ابني تقريباً .
توقفتُ متقطعة الأنفاس ، وعيناي المشدوهتان تتابعان الطفل الزاحف قرب جثة أمه المسحوقة ، وهو يبكي بحرقة ، لاحقتني رشقة من الرصاص ، فانحنيتُ على الأرض ، ولذتُ بالفرار ، لكني توقفتُ في نهاية الزقاق ، رغم أن الرصاص لم يتوقف ، وقفلتُ عائدة إلى الطفل .

 البومة
  ـ أو .. هو .. هو .. هو
فزّتْ من نومها ، وقلبها يخفق بشدة ، آه .. منذ صغرها وهي تكره البومة ، وتتشاءم منها ، كلما سمعت نعيبها في الليل .
انقبض قلبها ، وتذكرت ما قالته جدتها يوماً : نعيب البومة البشع إشارة شؤم ، يعني أن أحداً قد مات ، أو أن أحداً سيموت .
ارتفع نعيب البومة ثانية ، فتمتْ بصوت مرتعش ، وهي تتلفتُ في الظلام : ضياء ..
لم يغمض لها جفن رغم شعورها بالوهن ، ومع الفجر تناهى إليها أزيز الرصاص ، وأصوات الانفجارات ، من أحياء الساحل الأيسر ، القتال الطاحن مستمر ، وسيأتي على المدينة كلها .
تحاملت على نفسها في الصباح ، وارتدت ملابسها الليل ، ووضعت الخمار على وجهها ، وتسللت إلى ابنها ضياء في مدينة تلعفر .
وتمزق قلبها ، وهي تراه في ملابسه الأفغانية ، ولحيته الكثة المغبرة ، فعانقته دامعة العينين ، وقالت له بصوت مرتعش : بنيّ ، قتل أبوك وأخوك .
وحدق فيها بمرارة ، وقال : استشهدا ..
وصمت قليلاً ، ثم قال : أعرف .
وقلت له بصوت مرتعش ، مغالبة دموعها : تعال معي ، يا بنيّ ، لم يعد لي أحد .
فردّ قائلاً بمرارة أشد : كلا ، سأبقى في البيت ، الذي دفعتماني إليه . 
لم تدرِ مت غفت ، حين فزتْ فجأة ، وقلبها يخفق بشدة ، وتمتمت : ضياء .
ومن أعماق الليل ، هدر نعيب البومة : أو .. هو .. هو .. هو .

 الفاختة
   وقفت الفاختة على حافة عشها ، الذي بنته بين أغصان شجرة التوت ، التي تتوسط الفناء ، ورفعت رأسها إلى أعلى ، وراحت تهدل : كوكوختي .. كوكوختي ..
انتبهتْ من غفوتها القلقة ، وهي في فراشها الدافىء رغم الزمن الذي مرّ عليه ، وأنصتت إلى هديل الفاختة ، الذي يأتيها من الفناء : كوكوختي .. كوكوختي ..
ودمعت عيناها الشائختان ، آه كم كانت أختها الراحلة أمل تحب هذا الهديل ، هي أيضاً تحب هديل الفاختة ، ربما لأن الراحلة أمل ، الأكبر منها بسنين قليلة ، كانت تحب الهديل ، وكانتا في الصغر ، تجلسان تحت الشجرة ، وتهدلان معاً كالفاختة ، فتقول أمل ..
                   : كوكوختي .. كوكوختي
فتجيبها           : عين أختي
تقول أمل        : اشتاكلين ؟
فتجيبها           : حب الله
تقول أمل        : اشتشربين ؟
فتجيبها           : ماي الله
ثم تقولان معاً   : كوكوختي .. كوكوختي .
وظلتا تهدلان ، تحت شجرة التوت ، حتى بعد أن رحلتْ أمهما ، ولحق بها أبوهما ، وكأنه لم يحتمل الحياة بعدها ، آه لو لم يسكتها قناص ، أصابها في صدرها من جهة القلب ، لكانتا الآن تهدلان تحت الشجرة .
سكتت الفاختة ، حين ارتفع أزيز رصاص في السماء ، وخيل إليها أن رشقات منه أصابت أغصان شجرة التوت ، فشهقت متمتمة : الفاختة .
وعلى الفور ، تحاملت على نفسها ، وخرجت إلى الفناء ، وإذا الفاختة ملقاة على الأرض ، والدماء تغطي ريشها الرمادي الجميل .
ومدت يديها المرتعشتين ، ورفعت الفاختة عن الأرض ، وراحت تحدق فيها ، وعيناها غارقتان بالدموع ، وهي تهدل بصوت دامع حزين : كوكوختي .. كوكوختي ..
                                                          
القناص
  تحت إلحاحي حضر معي إلى الحفل ، الذي أقيم سراً للقناص الغربي ، وقد انتمى إلينا قبل حوالي السنة ، وقنص خلال هذه المدة " 40 " شخصاً .
وجلس إلى جانبي صامتاً ، في غرفة واسعة مسدلة الستائر ، خوفاً من طائرات الحلفاء ، التي كانت تحوم فوقنا باستمرار ، وتنزل بنا أفظع المصائب .
وأصغينا إلى القناص الغربي ، يتحدث بلغة عربية مكسرة ، وقال بأنه كان قناصاً في جيش بلده ، وأحيل على التقاعد ، لكنه لم يحتمل البطالة بدون قنص ، فتطوع للقتال إلى جانبنا .
والتفتُ إليه ، وقلتُ له هامساً : لقد قتل سبعة أو ثمانية من جنود السلطة .
ولمحتُ ومضة تبرق في عينيه ، ثم تساءل بصوت متردد : والبقية ؟          
أجبته بصوت خافت : كما تعرف ، لابدّ أنهم من الهاربين إلى جند السلطة .
وأطرق رأسه متمتماً ، كأنه يحدث نفسه : هذا القناص الغربي ، يعني قتل أكثر من ثلاثين من أبناء مدينتي هذه ، بينهم نساء وشيوخ وأطفال .
وهبّ من مكانه ، وقد إربدّ وجهه ، وغادر الغرفة ، وبعد قليل تناهى إلينا صوت اطلاقة مسدس مكتومة ،فأسرعت إلى الخارج ، ورأيته ملقى في بركة موحلة ، وحول رأسه بقعة من الدم ، ومسدسه إلى جانبه .

                          
   المعجزة
    بعد أن هدأ القصف ، وأبعِد القناصون عن الحيّ ، تسلل مجموعة من الجنود بين الخرائب ، وراحوا يتجولون وأسلحتهم بين أيديهم .
وتوقفوا ينصتون ، حين خيل إليهم ، أنهم يسمعون بكاء طفل رضيع ، صادر من تحت أنقاض أحد البيوت القريبة ، التي هدمها القصف .
وأسرعوا نحو الأنقاض ، وراحوا ينبشون بأياديهم الملهوفة المشفقة حول مصدر الصوت ، وإذا طفل رضيع في حدود السنة ، يصرخ مستنجداً ، وقد غطاه الغبار من رأسه حتى قدميه .
انتشلوه برفق من بين الأنقاض ، ونزعوا عنه ملابسه الممزقة المغبرة ، وجاءه أحدهم برضاعة فيها شيئاً من الحليب ، من أين جاء بها ؟ لا أحد يعرف ، وراحوا ينظرون إليه مبتسمين فرحين ، وهو يرتشف الحليب بنهم ، وينظر إليهم الواحد بعد الآخر .
قال أحدهم : هذه معجزة .
تساءل جندي : والآن ، ماذا نفعل به .
أجاب أحدهم : الأفضل أن نأخذه إلى الميتم .
علق آخر : الميتم قصف ، وقتل الكثير ممن فيه ، والتحق الباقون بالمهجرين .
وران صمت ثقيل حائر ، والطفل مازال ينظر إليهم الواحد بعد الآخر ، فتقدم أحد الجنود ، وقال : لدي ثلاث بنات ، وطالما حلمت أن يكون لهن أخ .
وربت بحنان على رأس الطفل ، وقال : هذا أخوهم .  


 أم ايزيدية
    سمعته يلهث ويئن ، وهي فوق ظهره بجسدها الثقيل المشلول ، خاطبته بصوتها الشائخ المعذب : كفى ، يا بنيّ ، دعني أمتْ هنا .
لم يردّ عليها ، وواصل طريقه بخطى ثقيلة متعثرة ، بين مئات النازحين من الأطفال والنساء والشيوخ ، فتابعت قائلة : أنتَ شاب ، والحياة لك أنتَ وليس لي ، أنزلني ، يا بنيّ ، ستموت من التعب .
ومرة أخرى لم يردّ عليها ، وهزتْ رأسها المتعب ، إنه عنيد كأبيه الراحل ، فها هو يحملها على ظهره منذ ساعات ، وسط الجموع الهاربة ، التي لاحقتها على الجبل ، قنابل الهاون ، وبنادق القناصة ، وكأن لم يكفهم المجازر التي ارتكبوها في القرى القريبة .
ومنذ الفجر ، جاءهم النذير من كلّ مكان : اهربوا ، اهربوا بسرعة ، إنهم قادمون .
وعلى عجل ، وتحت جنح ظلام أول الفجر ، لاذ الجميع بالهرب ، متجهين إلى الجبل ، وأسرع ابنها إليها ، وهي جثة حية ،  متمددة في فراشها ، وحملها عنوة على ظهره ، فصاحت به : بنيّ ، لن تقوى على حملي ، دعني أمتْ هنا .
وقال لها ، دون أن يتوقف : الجميع يهربون إلى الجبل ، لن أهرب وأتركك هنا .
وتوقف لاهثاً عند أعلى مرتفع ، يطل على واد سحيق ، وأنزل أمه عن ظهره قرب شجرة وارفة ، وتهاوى على مقربة منها في ظل صخرة كبيرة ، وأغمض عينيه ، لابد أن يرتاح قليلاً ، إذا أراد أن يواصل الطرق ، وأمه فوق ظهره .
وانتبه بعد حين ، إلى أزيز طائرة تحوّم فوقهم ، وفتح عينيه المتعبتين ، وخفق قلبه بشدة ، أين أمه ؟ لقد وضعها بنفسه قرب الشجرة ، وهبّ من مكانه ، وأطلّ من أعلى المرتفع ، وأبصرها بعينيه الملتهبتين ، جثة مدماة هامدة في أسفل الوادي .

 البيت ـ القبر 
    رغم احتجاج زوجته ، ونصائحها القلقة ، وبكائها الخائف ، أصرّ على السفر إلى الموصل ، إلى الجحيم ، الذي لا يهمد أواره .
قالت له من بين دموعها : ابق معنا هنا ، الأمور مازالت خطرة .
فقال : لقد توقف القتال .
قالت : أنت تتركنا للمجهول .
فقال : لابدّ أن أعرف مصير أمي .
لقد أصرت أمه ، بعنادها المعروف ، على أن تبقى في الموصل ، ولا تهاجر معه إلى دهوك ، رغم أن القتال كان قد اشتعل في الساحل الأيسر من المدينة .
ووصل إلى الموصل بشق الأنفس ، واستطاع أن يتسلل إلى الساحل الأيمن ، ويصل إلى بيتهم القديم ، في حيّ قريب من الجامع الكبير ، الذي لم توفر فيه الحرب بيتاً واحداً ، وحولته إلى ركام من الحجارة .
وعلى مقربة من حيهم ، رأى امرأة عجوز ، تسير متكئة على شيخوخته ، سلم عليها : مرحباً أم سالم .
توقفت المرأة العجوز ، وحدقت فيه ، وتمتمت : محمود ! بني ، ابن الغالية .
قال للمرأة العجوز : جئتُ أطمئن على أمي .
هزت المرأة العجوز رأسها ، فقال : أليست في البيت ؟
فقالت المرأة العجوز : الغريب أن بيتكم هو الوحيد الذي لم يتهدم .
ورغم أن الخبر كان مشجعاً ، إلا أنه لم يرتح لنبرة صوتها ، وتابعت المرأة العجوز قائلة بنبرة حزينة : تركت بيتها ، مع بداية القتال ، وذهبت إلى بيت والدها ، لتطمئن عليه وعلى والدتها ..
وسكتت العجوز ، فاستأنف طريقه نحو بيت جده ، فقالت المرأة العجوز : لا تذهب إلى بيت جدك ، يا بنيّ ، لقد سقط صاروخ فوقه ، وحوله إلى قبر لمن فيه .

 الهرّ العجوز
    أفاقتْ منقبضة الصدر ، رغم أنها لم تسمع " ميو " هرها العجوز ، وهي تسميه العجوز ، ربما لأنها هي نفسها عجوز ، وربما أيضاً لأنها لا تريده أن يكون " هراً " ، حتى في شباط .
وتحاملتْ على نفسها ، وخرجت من غرفتها ، التي يسودها الظلام تقريباً ، فالكهرباء مقطوعة ، وكذلك الماء ، ولو كان الأمر بيدهم لقطعوا الهواء أيضاً ، هذا ما تقوله بينها وبين نفسها ، فهي مثلها مثل غيرها ، من الرجال والنساء ، تخاف الجلد .
ودارت في فناء البيت ، الذي يغطيه غبار الحرب وسخام نيرانه ، التي لا تتوقف عن الاشتعال ، وتلفتت حولها ، لا أثر للهر العجوز ، اللعين ، يبدو أنه مازالت فيه بقايا " الهر " الذي كانه .
ونظرت إلى السلم المتآكل ، الذي يؤدي إلى السطح ، إنه عادة يجلس هنا في الأيام المشمسة ، لكن لا وجود له اليوم ، آه شباط على الأبواب ، ولابد أنه يتسكع الآن بين خرائب البيوت ، التي داستها عجلات الحرب ، يبحث عن هرة ساقطة .
وقفلت عائدة إلى غرفتها ، وهي تتمتم : سيعود إن عاجلاً أو آجلاً ، فلم يعد هناك لا هرّ ولا هرة في المدينة ، لقد قضت المجاعة عليهم جميعاً . 
لم يعد الهرّ في ذلك اليوم ، ولا في اليوم الذي تلاه ، وإنما عاد بعد أسبوع تقريباً ، وبدل البيت ، الذي عاش فيه عمره كله ، رأى كومة من الحجارة ، وبحث عن المرأة العجوز ، وعثر عليها أخيرا ، فقد رأى يدها المسحوقة المدماة تبرز من تحت الأنقاض ، وحاول الوصول إليها ، لعله يوقظها ، لكن دون جدوى .  
   

 الطفل

   تعثرتْ بعباءتها مرة أخرى ، وكادت تتهاوى على الأرض ، لو لم أسرع إليها ، عبر أمواج الناس المتلاطمة ، وأسندها بيديّ .
لكنها أبعدتْ يديّ عنها بغضب ، وحاولت أن تتماسك ،  وتنهض من عثرتها ، وتواصل ركضها المجنون ، وسط جموع الراكضين ، وتصيح : ابتعد عني .. ابتعد .
لم أبتعد عنها ، وبقيتُ أهرول خلفها ، خوف أن تسقط على الأرض ، وتسحقها أقدام الهاربين من الهاونات ورصاصات القناصين ، وقلت لها : ارفعي عباءتك قليلاً ، وإلا تعثرتِ بها مرة أخرى .
وبدل أن ترفع عباءتها ، نزعتها بيدها المضطربة ، وألقت بها على الأرض ، بل ونزعت الشال الذي يغطي شعرها ، وطوحت به بعيداً ، فصحتُ بها : أيتها المجنونة ، ماذا تفعلين ؟
وتوقفتْ وسط تدفق الناس ، رجالاً ونساء وأطفالاً ، الذين يهربون من المسلحين ، محاولين الوصول إلى المواقع التي وصلت إليها القوات المسلحة .
وسرعان ما استدارتْ ، ثم راحتْ تسير ضد تيار الناس المتدفق كالسيل العرم ، وعيناها تشتعلان بنيران قلقة مجنونة ، وهي تتمتم : طفلي .. طفلي .. طفلي .
وجنّ جنوني ، هذه المخبولة سيقتلها المسلحون ، إذا رأوها تسير بلا وشاح وعباءة ، وهرعتُ إليها ، وطوقتها بذراعيّ ، فراحت تضربني بكلتا يديها المتشنجتين ، وهي تصيح بجنون : دعني .. لن أترك طفلي .. يجب أن أنقذه .. دعني .. دعني .
وتوقفت امرأة عجوز ، كانت تسير متوكئة على عصاها ، وقد اتشحت بالسواد من رأسها حتى أخمص قدميها ، ونظرت إلينا ، وقالت : يا ظالم ، دعها تذهب إلى طفلها ، وتنقذه من الموت .
فأجبتها ، وزوجتي تتواثب بين يديّ ، محاولة الانفلات مني : أيتها الجدة ، طفلنا قتل قبل أكثر من شهر ، وهو الآن مدفون تحت الأنقاض .

                                  


  الطفلة الضالة
   كدتُ اجن من الرعب ، بعد أن تهتُ عن أمي وأختيّ ، وسط مئات بل آلاف الناس المندفعين ، المتلاطمين كالأمواج ، وهم يفرون من جحيم القتال ، بحثاً عن مأوى آمن يلوذون به .
لابدّ أن أمي تبحثُ عني الآن ، كما أبحث أنا عنها ، ورحتُ أنصتُ ، وأنا أركض بين الجموع ، لعلي أسمع صوتها ، وهي تناديني باسمي .
ورغم أزيز الرصاص ، وأصوات الانفجارات ، وصراخ الأطفال والنساء ، تناهى إليّ صوتها ، نعم ، هذا صوتها ، إنني أميز صوتها الأشبه بالتغريد من بين آلاف الأصوات ، صحيح إنها لم تكن تغرد ، لكن هذا صوتها ، وهي تصيح باكية : ماما .. ماما .
وتلاشى ما حولي ، حتى أمي وأختاي ، وانطلتُ أشقّ أمواج الناس المتلاطمة ، نحو مصدر الصوت الباكي ، لابد أن أجدها مهما كان الثمن .
ورأيتها ، رأيتها تقف مرعوبة وسط تيار الناس المنفلت الهائج ، وهي تصيح : ماما .. ماما .
وتوقفت وسط التيار ، أنظر إليها ، نعم ، إنها هي بشعرها الذهبي ، وعيناها الخضراوان ، وبشرتها العسل ، رغم أن الأتربة كانت تغطيها تماماً ، من أعلى رأسها ، حتى أخمص قدميها .
اقتربتُ منها متردداً ، وتوقفتُ قبالتها صامتاً ، وما إن رأتني حتى هدأت ، ومسحت عينيها الدامعتان ، فقلتُ متردداً : ابتهاج ..
وشفتْ ملمحها  ، وتمتمت : أنت ..
يبدو أنها لا تعرف اسمي ، رغم أن بيتنا وبيتم في الحيّ نفسه ، فاقتربت منها قليلاً ، وقلت : أنا .. حسن .واقتربت مني ، كأنها تلوذ بي من تلاطم الأمواج ، وقالت : أنا أعرفك .. أعرفك جيداً .
فقلتُ لها : أنا أيضاً أعرفكِ ، لقد رأيتكِ كثيرا .
وتلفتتْ حولها ، وقالت : لقد ضللتُ ، ولم أعد أعرف أين أمي وأبي وأخوتي .
لم أقل لها ، أنا أيضاً ضللتُ ، وإنما قلتُ أطمئنها : لا عليكِ ، سنجدهم .
وهنا سقط صاروخ على بناية في نهاية الشارع ، وأحدث دوياً هائلاً ، وصرخت ابتهاج مرتعبة ، وقد تزايد تلاطم أمواج الناس حولنا ، وتعالت صرخاتهم ، فمددتُ يدي ، وأمسكتُ بيدها ، وقلتُ لها : لا تخافي ، الانفجار بعيد ، تعالي نهرب مع الهاربين .
وانقادت لي مستسلمة ، ويدها في يدي ، واندفعنا مع الأمواج الصاخبة المذعورة ، وسمعتها تهتف بي : حسن ، أرجوك ، لا تدعني وحيدة .
وأجبتها دون أن أتوقف : لا تخافي ، لن أدعكِ مطلقاً ، مهما كانت الظروف .


                                    

  رجل من الماضي
    بعد انتهاء دوامها في المستشفى ، لم تستقل سيارتها ، وتذهب إلى البيت كالعادة ، وإنما اتصلتْ بزوجها في المستشفى الخاص ، وقالتْ له : لن أعود هذه الليلة .
وتساءل زوجها مندهشاً : لماذا !
فقالت باقتضاب ، وبصوت حاولت أن تكتم تأثره : هناك أمر طارىء .
وعند حوالي منتصف الليل ، جاءتها الممرضة ، التي كانت تسهر على " الأمر الطارىء " ، وقالت : دكتورة ، يبدو أن الجريح بدأ يفيق .
وأسرعت الطبيبة إلى غرفة الجريح ، وجلستْ إلى جانه ، ورأته يتململ متوجعاً ، وحين فتح عينيه المتعبتين ، ورآها تجلس إلى جانبه ، كفّ عن التوجع ، وتمتم مذهولاً : بتول !
فمالتْ عليه قليلاً ، وقالت : الطبيبة بتول ، يا أخ أحمد .
ولاحت ابتسامة شاحبة على شفتيه المتيبستين ، وقال : مرت سنين وسنين ..
وصمت لحظة ، ثم قال : كنتُ معلماً .. عندما تقدمتُ إليك أول مرة .
فقالت وكأنها تعتذر : أردتُ أن أكمل دراستي .
وتابع قائلاً ، وكأنه لم يسمع كلامها : وذهبتُ إلى الكلية العسكرية ، وبعد أن تخرجتُ ضابطاً ، تقدمتُ إليك مرة أخرى .
فقالت بصوتها الشبيه بالاعتذار : كنتُ وقتها طالبة في كلية الطب .
صمت ، وهو يئن ، صمت طويلاً ، ثم أغمض عينيه المنطفئتين ، وهو يتمتم : لي ابنة اسمها .. بتول .
وران الصمت ، صمت عميق وحزين ، وتقدمت الممرضة ، وسحبت الشرشف الأبيض فوق وجهه ، ونهضت الطبيبة بتول ، دامعة العينين ، والألم يعتصر قلبها ، فقد فاتها أن تقول له ، أن أصغر أبنائها اسمه .. أحمد .

                             
  الجرو الصغير                           
   عرفتُ أنني تحت ركام البيت ، وأنني ـ ربما ـ مازلتُ حياً ، حين تناهى إليّ ، وكأن ذلك من آخر الدنيا ، نباح جروي الصغير : عو .. عو .. عو .
تُرى ماذا جرى ؟ لقد سمعتُ أزيز طائرة ، يرتفع بالتدريج ، بعد أن غادر أبواي البيت ، ليزورا جدتي في الحي المجاور .
وقالت لي ماما ، وهي تخرج من الغرفة : بنيّ ، ابقَ هنا حتى نعود .
وقبل أن يغلق بابا الباب عليّ ، قال لي : الجرو في الخارج ، لا تدعه يدخل إلى البيت .
آه من بابا ، لا أدري لماذا يكره الجرو ، من يدري ، لعل جرواً مجنوناً عضه ، وهو طفل صغير ، ولم ينسَ تلك العضة ، حتى بعد أن كبر ، وصار أباً .
أما هذه الجرو ، الذي ينبح الآن في الخارج ، فقد رأيته في يوم ممطر ، وكنتُ أسير مع أبي ، ويدي الصغيرة في يده الكبيرة الدافئة ، وهو نفس الجرو ، الذي قال لي أبي قبل قليل : لا تدعه يدخل البيت .
ونظر إليّ الجرو ، بعينيه الصغيرتين اللامعتين ، وكأنه يقول لي : خذني معك ، إنني وحيد .
وتوقفتُ ، وعيناي متعلقتان بعينيه ، فقال بابا : هيا ، تحرك ، أمك تنتظرنا الآن في البيت .
لم أتحرك من مكاني ، وإنما قلت : بابا ، دعنا نأخذ هذا الجرو المسكين .
وبدا الانزعاج على أبي ، إنه معادٍ للجراء ، وردّ بصوت حاسم : كلا .
فقلتُ له ، محاولاً إقناعه : المسكين ، إنه وحيد .
وثانية ردّ بابا : كلا .. كلا .
ونظرتُ إلى بابا ، وقلت : الله قال ..
وحدق أبي فيّ مندهشاً ، وتساءل : ماذا قال الله ؟
فأجبته بلهجة معلمة الدين في مدرستنا ، الست فاطمة : قال الله ، إذا رأيتم جرواً فخذوه .
ولا أدري لماذا ابتسم بابا ، لكنه جرني بشيء من الحزم ، وقال : الله لم يقل ذلك ، هيا .
وتبعتُ بابا مكرهاً ، وداخلني شيء من الفرح ، حين رأيت الجرو الصغير ، يهرول ورائي ، وماء المطر يقطر من فرائه السميك .
وارتفع نباح الجرو ، وهذه المرة لم يكن من آخر الدنيا ، وإنما من مكان قريب ، وتناهت إلى سمعي ، أصوات معاول ومجارف تعمل في الركام المحيط بي ، آه إنهم سيصلون إليّ ، وينقذونني إن عاجلاً أو آجلاً .
                                3 / 11 / 2017
                       
 الجدة ماري
   على عادتها كلّ يوم ، تحاملت الجدة ماري على نفسها ، وارتدت ملابسها السوداء ، التي ظلتْ ترتديها ، منذ أن رحل زوجها سليم ، قبل خمس وعشرين سنة .
وخرجتْ من البيت ، بعد أن سحبتْ بابه الخشبيّ الثقيل ، لم تغلقه بالمفتاح ، فمن سيسرقها ؟ وماذا لديها في البيت يمكن أن يُسرق ؟
ومضتْ بخطواتها الثقيلة الشائخة نحو الكنيسة ، إنها تمضي في هذا الطريق منذ سنين طويلة ، طويلة جداً ، منذ أن وعتْ على الدنيا ، وكانتْ أمها تقول لها : ماري ، اركعي أمام الرب يسوع ، واطلبي ما تشائين ، وسيعطيكِ كلّ شيء ، إنه الرب .
وفي حياتها الطويلة ، طلبتْ الكثير من الرب ، وأعطاها كلّ ما طلبتْ ، طلبت أن يبقى أبوها وأمها ، وقد بقيا حتى شاخا ، وطلبت أن تتزوج ابنتها جمبد ، وقد تزوجت ، وأنجبت تسع بنات ، وصبي رقيق جميل كالبنات أسمته يوحنا .   
وطلبتْ من الرب ، وألحتْ في طلبها ، بل نذرت له خمس شمعات طويلات ، أن يهدي ابنها ياقو ، ويقنعه بعدم الهجرة إلى أمريكا ، فأمريكا ليست أفضل من بغديدا ، وبناتها لا البيضاوات ولا السوداوات أجمل من بنات بغديدا .. لكن الرب ، لسبب لا تدريه ، لم يستجب إلى دعائها ، وهاجر ياقو إلى أمريكا .
ومرتْ الجدة ماري ، وهي تسير متثاقلة ، متوكئة على شيخوختها ، بثلاث رجال ملتحين ، يرتدون الملابس السوداء ، ويحملون الرشاشات على أكتافهم ، فتوقفوا حين رأوها ، وراحوا يتابعونها بنظراتهم الغاضبة ، وبدا أنها لم تلاحظهم على الإطلاق  .
فقال الأول : الجميع غادروا المدينة ، حال دخولنا لها ، إلا هذه العجوز الخرفة .
قال الثاني : إنها ترفض المغادرة ، رغم تهديدنا لها ، وهي تعيش وحدها في البيت .
وقال الأول : إنها ليست وحدها ..
ونظر إليه الثالث ، فتابع قائلاً : إنها مع أمها وأبيها وابنها وابنتها ، التي لها تسع بنات وولد واحد ، هذا ما تقوله العجوز .  
وشدّ الثالث رشاشته على كتفه ، وقال وهو يسير مبتعداً : لقد صبرنا عليها مدة طويلة ، خذوها ليلاً ، والقوها على مشارف أربيل .
وعند منتصف الليل ، جاء مسلحون بثيابهم السوداء ، ولحاهم الكثة المغبرة ، وأسلحتهم الرشاشة ، وأخذوا الجدة ماري قسراً ، من بيتها الذي عاشت فيه عمرها كله ، وألقوها على مشارف أربيل .
وبعد أكثر من ثلاث سنوات ، عادت الجدة ماري إلى بيتها القديم في بغديدا ، وقد عانت طويلاً من الفاقة والشيخوخة والوحدة ، ونامت تلك الليلة مرتاحة في غرفتها العارية ، فقد كان حولها زوجها وابنها ياقو وابنتها ، ومعها بناتها التسع ، وابنها يوحنا ، الجميل والرقيق كالبنات .


                         

  شيته
   على عجل ، ألقيتُ عباءتي السوداء ، على ملابسي السوداء الخلقة ، وانتعلت " بابوجي " ، وخرجتُ بسرعة من الغرفة ، وفي الحوش ، رأتني زوجة ابني ، وزجرتني قائلة : خيراً ، إلى أين ؟
وأجبتها دون أن أتوقف : شوهد الحجي في بابا الطوب ، سأذهب إلى هناك ، لعلي أعثر عليه .
ورغم طرشي ، سمعتها تدمدم : ابتليتُ بالخرفين .
فتحت الباب الخارجي ، وانطلقتُ بسرعة نحو باب الطوب ، لقد خرج زوجي الحجي من البيت ، بملابسه الخفيفة ، رغم أننا في شباط ، وشباط الموصل شباط ، ولم يعد ، وها قد مرّ يومان وربما أكثر ، ولم يتناول دواءه ، آه لقد خرف تماماً .
ها هو باب الطوب ، وتوقفتُ في الساحة المكتظة متلفتة ، لقد درتُ في جنباته مرات ومرات ، حتى كلًت قدماي الشائختان ، ولا أثر له في أي مكان ، ترى أين هو ؟ لا عشتُ عليه .
ومالت الشمس للغروب ، سيحلّ الليل قريباً ، فنحن في الشتاء ، وقد أتيه أنا أيضاً ، وهممتُ أن أقفل عائدة إلى البيت ، حين رجّني صوت خشن : حجية ، أين تظننين نفسكِ ؟ في باريس الكفار ؟
فأجبته ، وأنا أحدق في ملابسه السوداء ، ولحيته الكثة السوداء : لا يا ابني ، أنا في الموصل .
واقترب مني ، وقال : لو رآكِ غيري ، لأخذك إلى الحسبة ، ولجلدتِ عشرين جلدة .
وركضتُ متعثرة ، مبتعدة عن اللحية السوداء ، وأنا أقول مولولة : يا ويلي ، لن أحتمل خمس جلدات .
ولاحقني صوته الأجش آمراً : غطي وجهكِ ، الذي سيكوى بالنار في الآخرة ، أنتِ عورة .
آه ، يا لحمقي ، لقد نسيت غطاء الوجه في البيت ، وزوجة ابني لم تنبهني إلى ذلك ، لابد أنها متعمدة ، تريدهم أن يجلدوني ، لأموت وتتخلص مني ، لقد طردتني قبل أيام ، والمطر يهطل بشدة ، فأوتني امرأة طيبة في بيتها عدة أيام ، فلأسرع إلى البيت ، وإلا رآني أحد هؤلاء الملتحين ، وأمر بجلدي .   
عند الباب ، وقد حلّ الليل ، رأتني زوجة ابني قادمة ، فصاحت بي : أيتها الخرفة ، أين كنتِ ؟
فدلفتُ إلى الفناء ، وأنا أقول : بحثتُ عنه في باب الطوب ، لكني لم أعثر له على أثر .
فأغلقت الباب بعنف ، وقالت : لقد عثروا عليه .
توقفت متسائلة : أين ؟ أين هو ؟
فقالت بلامبالاة : في الطب العدلي .