2013/04/14

هوامش على متن رواية كافكا "المحاكمة" بقلم: عصام الزهيري

هوامش على متن رواية كافكا "المحاكمة"
بقلم: عصام الزهيري
1
قرأت رواية "المحاكمة" لفرانز كافكا في كتيب جيب صغير مصفر وقديم التقتطه من عند واحد من باعة الكتب القديمة على سور الجامعة. يمد هذا الكتيب قارئه بالحنين بأوراقه المتصلبه الصفراء ذات الرائحة الطباعية القديمة التي تشبه رائحة الشيكولاته، وبرمز الدار المنقوش أعلى يمين الغلاف وعبارة عن رسم مظلل لتمثال أبو الهول داخل دائرة. وأيضا يمكن أن يمد قارئه بالأسى ، فالتاريخ المطبوع لرقم الإيداع على الصفحة الأخيرة من الكتيب أعلى عنوان "مطابع الأهرام التجارية" يشير إلى عام 1970، إذن كنا حتى عام 70 نمتلك سلاسل ترجمة شعبية لدور نشر خاصة تطبع وتوزع وتبيع لقرائها روايات مثل "المحاكمة"! ، وكان لدينا قراء يشغفون بطباعة وتوزيع وبيع وشراء مثل هذه الروايات المترجمة ذات الوزن الثقيل أدبيا وفنيا وإنسانيا! . ثم إن اسم المترجم الذي لا أجازف لو قلت إنه مجهول ويبدو أن لعنة من اسمه أصابته هو (جرجس منسي) ، من هو جرجس منسي؟ يبدو لي أنه كان واحدا من كثيرين وجدوا في ترجمة الروايات الممتازة (أيام كان للروايات الممتازة قارئ) مشروعا ربحيا جيدا. واحد من كثيرين ربما لم يكن يهمهم دخول تاريخ الأدب أو الثقافة أو الترجمة كمترجمين عظام بقدر ما كان يهمهم دخول سوق أرباح النشر كموزعين كبار غير أن بوابة الوصول إلى الاثنين ، تاريخ الأدب وسوق الأدب ، كانت لا تزال حتى هذه الآونة بوابة واحدة : الإجادة
 2
تنتمي رواية "المحاكمة" الهامة في تاريخ الجنس الروائي العالمي كله إلى طبيعة الروايات التي تتجاوز الرمزية كما عرفها تاريخ الأدب في أعمال مثل "كليلة ودمنة" إلى أفاق أبعد وأوسع وأكثر تعقيدا وتشابكا وذكاء ومهارة داخل حقل الرمزية ذاته. حيث أنها تطمح إلى خلق نظام رمزي كامل قائم بذاته ومستقل عن المرموز إليه أو عالم رمزي مواز يعمل بنفس قوانين وآليات العالم المرموز إليه، ويزدحم بالتفاصيل والأحداث الخاصة به، وتقع بداخله تفاعلاته التي تنتمي إليه هو لكنها تحاكي بالتوازي ومن بعيد تلك القوانين والتفاصيل والأحداث والتفاعلات التي تقع في عالم المرموز (وأفضل مثال في العربية على روايات من هذا النوع هي رواية أولاد حارتنا للعملاق نجيب محفوظ).

من هنا يعد من الاختصار المخل فنيا ودلاليا القول بأن "المحاكمة" التي يقصد إليها كافكا إنما هي الحياة فقط وأن قضيته تقتصر على لغز الوجود الإنساني في هذا العالم، وأن التهمة الموجهة إليه (والتي لا يعرف البطل جوزيف ك ما هي تحديدا!) هي لغز المصير البشري. اختصار مخل لو قلنا ذلك وسببه أن برواية "المحاكمة"عالم واسع كبير بطله هو جوزيف ك. الذي يمثل نموذجا للإنسان المتمرد الطامح والعقل البشري الفعال الذي يوصم داخل عالمه عادة بأنه : قليل الصبر، بينما هو في حقيقته يعايش حالة مستمرة من القلق الوجودي، من الاهتمام الجدي العميق ، من البحث المستمر عن "إخلاء سبيل نهائي"، يعايش حتى أعمق أعماقه أملا إنسانيا مشروعا في العدالة وفي الخلاص (هنا والآن) وداخل هذا الوجود وليس في غيره.
 3
آخر ما يراه جوزيف ك. في طريقه إلى الخروج من عالم المحاكمة، عالم الحياة، أي في طريقه إلى الموت، هو شبح "فراولين بورستنر" هذه المرأة التي انجذب إليها انجذابا طاغيا نابعا من أعماق روحه، انجذابا لا تقدم له الرواية تفسيرا لأنه كالحياة ليست في حاجة إلى تفسير بقدر ما تحتاج إلى أن نحياها ، والرواية لا تقدم التفسير كذلك لأنها لا تطمح إلى تفسير الواقع بقدر محاكاته أو تمثيله. لكنها تشير بأكثر من طريقة إلى أن "فراولين" هي المرأة الحلم أو التطلع، المرأة المختلفة عن كل من عرف جوزيف ك. من النساء بل من الكائنات خلال حياته. المرأة الوحيدة التي كان في مقدورها أن تدخله عالما من الحقيقة له قوانين وإدراكات لا تشبه قوانين الوعي الذهني وتجعله يميل عليها وينهل من شفتيها قبلة، المرأة التي أثارت صاحبة البيت سخطهوكراهيته عندما لمحت – مجرد تلميح – إلى وجود علاقة لها برجال غيره، المرأة التي لم يتمكن جوزيف ك. من لقائها كما يحلم وظلت الظروف تلعب مع عداء المحيطين مع خوف"فراولين" ذاتها من اللقاء حائلا عنيدا بينهما، المرأة السر التي لم يستطع – لسوء حظه – أن يكتشف علاقتها بالمحاكمة والقضية لكنه لاحظ بشكل غامض أن "ملاقاته مع فراولين بورستنر بدت وكأنها تتأرجح مع القضية نفسها".

انشغال "جوزيف ك." بالمحاكمة الوجودية وبتفاصيل وألغاز قضيته المبهمة حالت بينه وبين اللحاق بـ"فراولين" أو تتبعها واكتشافها، ففي اكتشافها يلوح أمل اكتشاف حلمه في العدل والبراءة وجلاء سر محاكمته الغامض . بغموض آسر يلوح لجوزيف أنه يكمن في علاقته بفراولين حل لم يخمنه ولم يقترب منه لقضيته. ويبقى مشهد ظهور "فراولين بورستنر" المفاجئ واختفاءها السريع أثناء ذهاب جوزيف لينفذ فيه حكم الموت ، مظهرا دالا على شقاء وتعاسة "جوزيف" وعلى خسارته لعمره وتضييعه لأمل "فراولين" الذي لاح ثم اختفى ليقاد إلى موته "مثل كلب حقير" وهي العبارة الأخيرة التي يختم بها كافكا حياة بطله الملغزة. 
 4
يمثل "جوزيف ك." ، بحساسيته المطلقة وتوفز أعصابه ومواقفه الحاسمة ووجوده المرهف ، العقل الفعال أو النفس القلقة أو الروح التي تعايش حساسية الوجود وتقلباته حتى الأعماق. ويقدمه لنا كافكا في بداية قضيته ، التي لم تدم أكثر من عام قبل أن يحكم بموته ، مقارنا إياه بآخرين كثيرين لهم علاقات بـ"المحاكمة"، يراها كل منهم من زوايته الحرفية المختلفة (كالمحامي والقاضي والتاجر والموظف والكاهن والفنان) ويفسرها كل منهم بخبراته المغايرة وحسب موقعه من القضية .

تبدأ الرواية بهذه العبارة "لابد وأن أحدهم افترى الأكاذيب على جوزيف ك. لأنه دون أن يرتكب أي خطأ قبض عليه في صبيحة يوم مشمس". ويقود التفسير الرمزي لعبارة كهذه قارئ الرواية - بعد أن يفرغ منها ويكتشف أعماقها - إلى أعماق رمزية سحيقة داخل الرواية.

فالقبض على جوزيف ك. لا يعني أنه أصبح سجينا أو أن أمرا مختلفا سيطرأ على نمط حياته العادي، سيظل يذهب إلى عمله ويعود منه ويباشر حياته المعتادة واحتكاكه بالناس، وكل ما سيتغير أنه أصبح متهما في قضية، مطلوبا للمحاكمة، وهو ما سيؤثر جذريا على كل شيء في حياته وعلاقاته، وما سيؤدي إلى انشغاله عن عمله للتفرغ لمتابعة القضية. فهل يوازي القبض على "جوزيف ك." ويعني يقظة الوعي الحقيقي أو الجذري أو الشامل بالعالم أو تحرك القلق الوجودي داخل النفس الإنسانية، وانتباهته المفاجئة من غفوة التكرارية واعتيادية مرور الأيام في عمره البالغ القصر في حقيقته والمديد بأوهام التكرار والمعايشة؟ أم يفسر مشهد القبض عليه هذا الموت الذي أتى بعد عام واحد من هذا القبض أو هذه اليقظة ليصبح هذا المشهد هو الخيط الذي ألتقطه للعبور من هذه الحياة إلى الموت؟

المقارنة التي تخلقها الرواية بين "جوزيف ك." وبين متهم آخر في قضية مماثلة هو التاجر الجوال "بلوك" ربما تلقي ضوء على إجابة هذه الأسئلة. لقد انشغل"بلوك" مثل "جوزيف" بقضيته التي استمرت دون تقدم لخمس سنوات، إنه يتحدث قائلا : "وبعد أن كنت أستعين بعدد كبير من الكتبة لم يبق لدي سوى مساعد واحد. ان سحب الأموال فقط لم يتسبب في تدهور العمل. بل إن تشتيت نشاطي هو الذي أدى إلى ذلك. فلو أن المرء ركز نشاطه في دفع قضيته إلى الأمام فلن تبقى له قدرة على فعل أي شيء آخر." وقد يكمن هنا معنى آخر وراء كلمة "القبض" فقد تؤدي اليقظة الوجودية للضمير الإنساني إلى ارتباك في أنشطة حياة الشخص المتيقظ كنتيجة لتفرغه لمجهوده النفسي والذهني المستهلك في"متابعة قضيته". وقد غرق "جوزيف ك." في مشكلة إهماله لعمله البنكي نتيجة متابعته لقضيته وإن كان لم يخسر كل شيء أو يتحطم عمله في النهاية كما حدث للتاجر "بلوك". لكن هذا الاختلاف بين "المتهميّن" لم يكن غير اختلاف جزئي دال على شخصية كل منهما. والواقع أن التاجر "بلوك" كان واحدا من متهمين كثيرين أشارت لهم الرواية "أصبحت مشاكل القضايا طبيعة ثانية لهم". بينما كان "جوزيف ك." كما يصفه محاميه واحدا من هؤلاء الذين جعلهم : "العقاب المسلط عليهم أكثر جاذبية، ولابد أن يكون مجرد الاتهام هو الذي يضيف إلى جاذبيتهم".

جاذبية"جوزيف ك" مقارنة بـ"بلوك" تكمن فيما تبقى لديه من قوة شخصيته، من إصراره على الوصول بالقضية إلى نهايتها، ما تبقى لديه من أمل في قدرته الإنسانية – مهما كانت محدوديتها - على إنجاز المهمة والوصول بسلام إلى فض مغاليق اللغز الكبير، ما تبقى لديه من قدرة على التمرد من أجل إزاحة عقبة تكمن في طريقه إلى تحققه الذاتي، إلى اكتشافه، إلى براءته في القضية، إلى تحرره وإخلاء سبيله النهائي.
 5
المساعدة التي يمكن أن تقدمها المرأة في المحاكمة كانت هي المساعدة الوحيدة الناجزة بالنسبة لجوزيف ك. فخلال الرواية كلها لم يتلق بطلها مساعدة حقيقية في معرفة أبعاد ما هو فيه إلا من نساء، ولم يتلق نصائح فاعلة خاصة بقضيته إلا منهن. هذه المعرفة التي يتقبلها "جوزيف" من المرأة باندهاش وترحاب دائما والنصائح التي يتقبل بعضها ويرفض بعضها، تشي بنظرة كافكا للمرأة بوصفها مخزن أسرار الواقع أو حائزة أسرار معرفة الحياة، رغم أنها لا تقوم في الرواية بدور فاعل أو محوري داخل عالم المحاكمة الذي تفوح من صلابته وقسوته وألغازه وظلاميته وفساده روائح ذكورية زاكمة.

"لا تكن صلبا جدا في المستقبل فليس في مقدورك الصمود أمام هذه المحكمة يجب عليك أن تعترف بجرمك في أول فرصة تتاح لك. وحتى تفعل ذلك ليس هناك أمل في الإفلات من مخالبهم على الإطلاق. وحتى لو اعترفت فإنك أيضا في حاجة إلى مساعدة من الخارج ،ولكن لا تشغل بالك بهذه المسألة فسوف أتدبر أنا الأمر"

هكذا أتت نصيحة "ليني" سكرتيرة المحامي الذي يستعين به "جوزيف" على قضيته. غير أن جوزيف لا يستجيب أبدا لنصيحة "ليني" التي استجاب لها المتهمين الآخرين الذين يمثلون أمام المحكمة ويمرون كعملاء بمكتب المحامي ومنهم التاجر الجوال "بلوك". لا يستجيب "جوزيف ك." لنصائح "ليني"ومن قبلها لنصائح زوجة حارس المحكمة لأنه عقد العزم على أنه "على المحكمة أن تعرف لأول مرة في تاريخها متهما يدافع عن حقوقه حتى النهاية".

ولأنه رأى في اجراءات ووقائع القبض عليه والتحقيق معه "سياسة منحرفة توجه إلى أشخاص عديدين ، ومن أجل هؤلاء الآخرين وليس من أجل نفسي أتحدث هنا". ولأنه رأى خلف كل اجراءات المحاكمة والتي لم يكن لها علاقة سليمة بالتهمة الملغزة الموجهة إليه" تنظيم هائل يعمل ، تنظيم لا يستخدم فقط حراسا مرتشين أو مفتشين على قدر كبير من الغباء أو قضاة تحقيق أقل ما يقال عنهم أنهم يدركون نقائصهم..لكن ما هي أهمية هذا التنظيم الضخم أيها السادة؟"

لم يكن لكل هذا التنظيم أهمية بعد أن فقد صلته الحقيقية بالغاية التي أنشأ من أجلها، القضية الإنسانية ولغز الحياة والموت الذي يشبه الاتهام الذي يحمله كل إنسان فوق كاهله. لقد أصبح تنظيما يساهم في ضياع الحقيقة وليس في الوصول إليها وقد كان على"جوزيف ك." أن يعلن تمرده الذي أوصله للموت برغم كل معارف النساء اللواتي التقاهن ونصائحهن له بالتكيف مع الأمر.
6
يرسم كافكا ملامح موقف الفن والدين من "المحاكمة" ، من قضية الوجود الإنساني، من خلال لقاء "جوزيف ك" المتهم بالرسام في الفصل الثاني عشر وبالكاهن في الفصل السادس عشر.

ويتركز موقف الفن أو استراتيجيته في النظر إلى القضية في البراءة الإنسانية. وهذا هو السؤال الوحيد الذي يوجهه الرسام له ولم يوجهه له أحد آخر سواه : "هل أنت برئ؟" ويشعر "جوزيف" بارتياح شديد بعد إجابته، رغم أن البراءة لا تعني شيئا لدى المحكمة التي "ما إن توجه التهمة ضد شخص حتى تقتنع تماما بجرمه، وهذا الاقتناع لا يتغير مطلقا"! وهو ما يؤكده "جوزيف" للرسام :"براءتي لا تجعل الأمر سهلا على الإطلاق . فعليّ أن أحارب العديد من العقبات الخبيثة من جانب المحكمة ، وفي النهاية تتراكم عليّ تهم عديدة لا قبل لي بها".

ينطق"جوزيف" بمأساة البراءة الإنسانية في عالمنا التي لا تلبث أن تتعرض لشتى صنوف وأنواع الخبث والمكر والحيل، والتي تكون عاقبتها عادة هي الاتهام!. لكن"تيتورلي" الرسام يؤكد : "لكنك برئ قبل كل شيء ، وهذا هو أهم ما في الأمر"

على كل حال لا يجد "جوزيف ك." لدى الرسام ولا الفن حلا لمعضلة محاكمته لأن الرسام كان متورطا بالميلاد في رسم صور قضاة المحكمة، وهي المهنة التي ورث أسرارها عن أبيه، لم يكن "تيتورلي" موظفا رسميا في المحكمة حقا لكنه كان شبه ذلك بحكم مهنته. فالفن نادرا ما لا يتورط عبر حاجات ممثليه في الارتباط بنظام الظلم والقهر الإنساني (المحكمة) مما يجعله يتخلى عن "القضايا" ليتفرغ لرسم القضاة.

أما لقاء "جوزيف ك." بالكاهن فيمكن إثباته في هذا الجزء الرمزي الشيق من الحوار بينهما الذي يبدأه الكاهن :

-         هل تعرف أن قضيتك تسير من سيئ إلى أسوأ ؟

-         لقد خمنت ذلك بنفسي ، لقد فعلت كل ما في وسعي لكن دون نجاح حتى الآن

-         وكيف ستكون نهايتها على ما تعتقد ؟

-         لقد ظننت في البداية أن كل شيء سينتهي إلى خير ، لكني كثيرا ما تساورني الشكوك ، ولا أعرف كيف ستكون النهاية ، هل تعرفها أنت ؟

-         لا لكنني أخشى أن تكون النهاية سيئة فقد ثبت جرمك ، وربما لا تتعدى قضيتك محكمة أول درجة فلقد كانت الأدلة على جريمتك ثابتة .

-         لكنني لست مذنبا ، يجب أن يكون هناك خطأ ما ، ولو سارت الأمور بهذه الطريقة فكيف يمكن أن يسمى أي شخص مذنبا ؟ إننا ببساطة لسنا إلا رجالا هنا ، أحدنا مثل الآخر تماما .

-         هذا حقيقي لكن كلامك يشبه ما يقوله الرجال المذنبون .

بالنسبة لجوزيف كانت نوايا الكاهن الحسنة فوق كل الشكوك ، بل ويظن جوزيف ك. أنه كان يمكن أن يحصل منه على "مشورة حاسمة قد تصل به إلى حل للقضية، مشورة قد تخلصه من القضية نهائيا وتمكنه من أن يعيش بعيدا عن نفوذ المحكمة". غير ان الكاهن بدوره وبما يملك من حلول ، مثل الفنان ، كلاهما شبه موظف رسمي في المحكمة كما صارح "جوزيف ك." فهو كاهن السجن أيضا.