2008/06/10

مسابقة في أدب الخيال العلمي

مسابقة م . سند راشد للقصص القصيرة ..
في سبيل دعم المبدعين الجدد .. يسر أسرة موقع سند راشد أن تقدم اول مسابقة في القصص القصيرة من نوع ( أدب الخيال العلمي ) .. و ستتاح للفائز فرصة نشر قصته في احد اصدارات دايموند بوك بالاضافة الى مبلغ مالي يبلغ 3000 دولار امريكي ..
شروط المسابقة : - ان تكون القصة قصيرة ( مابين صفحتين الى 10 صفحة A4)، - ان تكون القصة من أدب الخيال العلمي ،- ان تكون القصة لم تنشر او تفزز باي جائزة قبل ذلك ،- يجب ان يكون المتقدم اكبر من 16 سنه - لكل شخص الحق في الاشتراك بقصة واحدة فقط - يجب الاشتراك بالاسم الحقيقي مع طلب لاخفاء الاسم اذا كانت رغبه المشارك- يجب ان تكون القصة باللغة العربية و هي مفتوحة لجميع الدول العربية أخر موعد لأستلام القصص 15 - 7 -2008 يمثل لجنه التحكيم كل من : م . سند راشد د . تامر أبراهيم و سيختار القصة الفائزة الكاتب الكبير د . نبيل فاروق
للاشتراك من هنا
نقلا عن موقع م.سند راشد

استلاب الذات وقهر العشيرة- قراءة في مجموعة ( قافلة العطش ) لسناء شعلان


استلاب الذات وقهر العشيرة
قراءة في مجموعة ( قافلة العطش ) لسناء شعلان


أحمد طوسون


تصدر لنا سناء شعلان في مجموعتها (قافلة العطش ) عوالم قصصية تحتفي بالحب كجوهر وقيمة إنسانية عليا ، تمثل العلاج والخلاص لذات الفرد التي تعاني استلابا وقهرا من المجتمع الذي مازالت تحكمه مجموعة من القيم التي تصادر على إنسانية الفرد ، وترسخ لعطش الذات وحرمانها من التحقق الإنساني ( الأنثى أو الذكر – لا فرق ) وتزيحه إلى الوراء وتعلي من شأن المجموع على حساب أي قيمة أخرى.
ومن خلال موتيف العطش للحب والرغبة في الإشباع الروحي والمادي للذات للخروج من أسر الاستلاب تظل شخوص سناء شعلان في بحث محموم للوصول إلى ارتواء سيكون بالتبعية صادما ومتصادما مع قيم المجتمع باختلاف صوره البدوية منها والحضرية .
يبرز هذا المعنى بوضوح في قصة (قافلة العطش) التي اتخذت الكاتبة عنوانها عنوانا دالا للمجموعة .. حيث يركز القص على الصراع الناشب بين قيمتين ، قيم القافلة التي تحدد أهدافها في استعادة كرامة القبيلة التي أهدرت بأسر النساء في الغارات على مضاربها والحفاظ على الأعراض وصونها وجمع الشتات وفك الأسيرات .
وقيم الفرد الذي تسعى ذاته للتحقق الإنساني من خلال إشباع عطشها للحب والعشق .. والذي بدوره يصنع اختلافا في المفاهيم المتعارف عليها بين الفرد وبين القبيلة ، فبينما الذات تجد حريتها في تحقق الحب وإشباعه .. فتتخلى بطلة القصة عن حريتها المادية بإرادتها من أجل ما هو أكبر وأعظم ، حيث الوصول إلى مطلق الحرية المادية والروحية في إشباع عطشها إلى الحب ، (كانت على وشك أن تعتلي هودجها ، بقبضته القوية ، منعها من إكمال صعودها وقال بمزيد من الانكسار : من ستختارين ؟ نظرت في عينيه :" أنا عطشى ... عطشى كما لم أعطش في حياتي" .. اقترب البدوي الأسمر خطوة أخرى منها ، كاد يسمع صهيلها الأنثوي وقال : عطشى إلى ماذا ؟ . قالت بصوت متهدج : عطشى إليك... )1 .
فالبطلة اختارت البقاء إلى جوار البدوي الأسمر وفي أسره لتحقق حريتها الأنثوية وتحققها الإنساني بإشباع عطشها الجارف إلى الحب والهرب من أسر آخر أشد وطأة ، أسر القبيلة بتقاليدها وقوانينها وقيودها .
أما القبيلة فترى في فك الأسر المادي تحقق لمفهوم الحرية بنظرها ، ولا تستطيع أن تتفهم دوافع بطلتها حتى وإن اشتركوا معها- كأفراد - في حالة العطش إلى الحب ، لكنهم كبتوا مشاعرهم واستسلموا لأسر الأفكار بجدرانه التي تحجب القلب والعقل .. (صرخ الأب : خائنة ، ساقطة ، اقتلوها ، لقد جلبت العار لنا . كيف تختارين آسرك على أهلك ؟! ) 2 .
هذي المنظومة من الأفكار التي تحكم القبيلة تجعل من تساؤله في المقطع السابق سؤالا استنكاريا لتصرف البطلة وتعليليا لتطرف الأفكار الذي يجعل القبيلة تصم كل من يختلف معها بالخيانة وتحكم عليه بالقتل المادي والمعنوي .
والمفارقة أن منظومة القيم هذه تتخذ من العطش إلى الحب ذريعة للمنع والحجب والمصادرة ، بدلا من تشابك الأفكار وتحاورها ، ليطال المنع ما يختلج بالنفوس من مشاعر ويصادر على ما قد يحمله الغد من تباشير لأفكار جديدة ومختلفة ، تمثلت في وأد الطفلات وهن صغيرات ، خوفا أن يكبرن يوما ويكررن فعل البطلة بالنص .. ( شعرت القافلة بأنها محملة دون إرادتها بالعطش إلى الحب والعشق ، لكن أحدا لم يجرؤ على أن يصرح بعطشه ، عند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطشى ، وعندما وصلوا إلى مضاربهم وأدوا طفلاتهم الصغيرات خوفا من أن يضعفن يوما أمام عطشهن )3 .
والسارد داخل النص يكشف عن انحيازه لقيم الفرد في مواجهة قيم القبيلة باستخدام ما يمكن أن نسميه تقنية المتن والحاشية .. فالمتن يتمثل في توصيف الحدث الأساسي بالقصة .. والحاشية تتمثل في تدخل الساردة بالتعليق الذي لا يخلو من دلالات واضحة ، فالساردة من البداية تستهل القصة بتعليق يبين أدانتها المسبقة للقبيلة ومفاهيمها واعتقاداتها .. ( كانوا قافلة قد لوحتها الشمس وأضنتها المهمة واستفزها العطش ، جاءوا يدثرون الرمال وحكاياها التي لا تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم وغضبهم وشكوكهم .)4 .
وتنهي النص بحاشية أخرى تؤكد إدانتها للقبيلة التي لا هم لها إلا ترسيخ عطش الذات واستلابها .. ( العطش إلى الحب أورث الصحراء طقسا قاسيا من طقوسها الدامية ، أورثها طقس وأد البنات ، البعض قال إنهم يئدون بناتهم خوفا من الفقر ، لكن الرمال كانت تعرف أنها مجبرة على ابتلاع ضحاياها الناعمة خوفا من أن ترتوي يوما )5 .
التصادم بين قيم الفرد وقيم المجتمع يبدو واضحا في قصة ( سبيل الحوريات ) ، فافتقاد البطلة إلى الحب ( موتيف العطش ) يؤدي إلى عدم تكيفها مع المجتمع وخروجها عن تقاليده وقوانينه ، بالمقابل ينظر إليها المجتمع على إنها مجنونة لعدم إيمانها بقيمة وتقاليده ، ويظل المجتمع يمارس دور المتفرج السلبي تجاه الفرد الذي يعاني اغترابا واضحا عن المجتمع بقيمه ورؤاه ، وتظل الذات في استلابها وتشيؤها أسيرة الوحدة والاغتراب . ولا تملك ( هاجر ) بطلة القصة من سبيل لمقاومة قهر المجتمع ( بسلبيته )- ( هي مجنونة اسمها هاجر المجنونة ، لا أحد يعرف عنها أكثر من ذلك ، نهاراتها تقطعها بين سبيل الحوريات وفي الليل تتكور في ركن منه وتنام ملء شواردها ،لأكثر من مرة حاولت شرطة المدينة أن تبعدهاعن المكان لانها تسيء الى السيلح الذين يقصدونه ، لكنها تعود ........ ولم يعد أحد معنيا بابعادها ، حتى الشرطة نسيت الأمر )6 - إلا التعري الذي يفضح الغضب ويبدو كصورة لنفي العالم حولها والتعامل معه ومع مكوناته بعدم انتماء حقيقي وبخوف مصحوب بفزع ، وتصبح مظاهر الجنون وسيلة للحفاظ على الذات وإن استمرت معاناتها ويكشف تعري هاجر تعري المجتمع من القيم التي تعلي من شأن الفرد وحقه في الحياة الكريمة و الحب الذي يصبح في كثير من الأحوال مرادفا للحرية .
لذلك حينما تقابل هاجر ذاتا أخرى لفنان يعيش اغترابا ما مع المجتمع ، لكن ذاته الفنانة بما تملكه من قيم حب وخير ورغبة بالحياة ، تنتشل هاجر من استلابها وتتوافق مع ذاتها مرة أخرى بعد أن تحقق إشباعها المادي والمعنوي .. (دخلت هاجرإلى الشقة بكل رضى وسعادة ولم تخرج منها أبدا واختفت هاجر وافتقدها سبيل الحوريات وإن لم يفتقدها أحد أخر ، لأن المجانين لا يفتقدهم الناس )7 .
هذا التصادم والصراع يأخذ شكل مغاير في قصتي ( تيتا ) و ( تحقيق صحفي ) .. حيث يدور الصراع في القصة الأولى بين الطبيعة بعفويتها متمثلة في تيتا التي تفتقر إلى المدنية والتحضر لكنها تملك الأيمان بحب الحياة وتؤمن بالطبيعة بعفويتها الجامحة وقدرتها على مداواة الأمراض ، تلك الطبيعة التي نجحت في الأفلات من سطوة المدنية وقيودها وأدرانها ، في مواجهة العلم المتمثل في الطبيب الأوربي الأشقر، صراع تم تناوله في كثير من الكتابات العربية لعل أشهرها رائعة يحيى حقي ( قنديل أم هاشم ) ، لكن الساردة في النص تنحاز انحيازا كاملا للعشق والحب ، لعفوية الطبيعة وبرائتها البكر وقدرتها على أرواء العطش الكامن بالنفوس ، فالعلاقة التي تبدأ بكراهية الطبيب لتيتا ولخرافاتها تنتهي بإستسلام الطبيب لساحرته الجميلة وأيمانه بخرافتها لينتصر الحب.. ( خطا خطوتين الى داخل خيمتها ، كان يتفرس في قسماتها بنظرات جائعة ، قالت له بتلعثم وبشجاعة مزعومة : ها قد جئت إذن ، هل أقرأ لك كفك ؟ قال : بل جئت لأخطفك يا ساحرتي الجميلة .) 8 .
وكذلك الحال في قصة (تحقيق صحفي ) تهجر البطلة زوجها وعملها وحياتها ومدنيتها بعد أن صادفت في رحلة عملها إلى أرض تيغمار بالصحراء الغربية الحب الذي لاتقيده القيود ، الحب الخالص الذي انتظرته وظلت تحلم به .
حب يوحد الموجودات :
تقدم سناء شعلان في مجموعتها بانوراما متعددة المشاهد للحب والعشق ، لكن الحب الذي يربط بين الرجل والمرأة في النصوص حب أسطوري يمثل البؤرة التي تنسج حولها البنى السردية ، لكنه ليس الحب المتعارف عليه في العلاقة ما بين الرجل والمرأة .. إنه حب تصنعه مخيلة شخوص النصوص وأحلامهم ، ويصبح مخلوقا له صفاته الأسطورية وحياته المادية والروحية ، من أجل ذلك تسعى شخوص الكاتبة لترصده ومناجاته وعلى استعداد لتقديم حياتها قربانا لمخلوقهم الذي يعني الوصول إليه والأمساك به الوصول إلى اكتمال يهبهم خلودا .
لكن الحب بطبيعته مراوغ ، ذو لمحة صوفية تنطوي على أن الشيء يحمل داخله نقيضه ، فتمام اكتماله نقصان وفي نقصانه اكتمال .
ويتسع معنى الحب داخل النصوص إلى أفاق أبعد تصل به إلى بعد روحي يوحد بين الموجودات بكافة أشكالها ، من بشر وجماد وآلهة أسطورية ، يذيب ما بينها من فوارق ويصهرها في بوتقته ، ينزل بالألهة إلى مصاف البشر ويصعد بالبشر إلى مصاف الألهة .. يحول الجمادات إلى كائنات من دم ولحم ويضفي عليها شيئا من انسانيته ، ويجمد البشر إلى كائنات شمعية بلا قلب .
فلا نجد فارقا كبيرا ما بين عطش خيال المآته في قصة ( الفزاعة ) الذي عاش مصلوبا في أرض معشوقته ، وكيف نجحت دندنات معشوقته ولمساتها العفوية أن تجعل الحياة تدب في أوصاله ، وتهبه قلبا ينبض بالحب والغيرة فيتخلى عن صفاته كجماد ليصبح كائنا من مخلوقات الحب والعشق.أو مابين بطل قصة ( زاجر المطر ) الذي يتخلى عن انسانيته ليتحول إلى كائن شمعي مختارا ، اشباعا لعطشه إلى الحب بعد أن صادفه العشق مع مخلوقته الشمعية .
والبنى السردية في قصتي ( الفزاعة ) و( زاجر المطر ) تعتمد على التماس والتقاطع والنسج المغاير مع أسطورة بجمليون الذي تروي القصص عنه إنه أعجب بتمثال من العاج لأفروديتي نحته بنفسه فشغفه حبا ورجا الألهة أن تهبه الحياة ، فلما أجابت الألهة رجاءه تزوج التمثال الذي صنعه بيده .
كذلك يتلاشى هذا الفارق بين الكائنات في قصة (رسالة إلى الأله ) ، فيتساوى عطش الأله زيوس كبير ألهة الأغريق للحب مع عطش البطلة داخل النص للعشق ، فالعشق يذيب الفوارق ما بين البشر والألهة .
فكما جعلها العطش إلى العشق تكفر بزيوس الأله بما يمثله من قوة وسلطة لاتمس ، وبما يملك من جبروت قادر على أن يهبها العشق المطلق ، وتلعنه .. ( أمسكت بدواة وقرطاس وجلست إلى طاولتها الخشبية وكتبت بغضب وتحد يناسبان يأسها وإن لم يناسبا طبعها واستكانتها : رسالة إلى زيوس ... أنا وحيدة ...اللعنة عليك كيف تتركني أعاني من كل هذه المعاناة ؟ أريد حبا واحدا يملأ ذاتي ، يهصر أشواقي وذاتي ،يسكن ما بيني وبين جسدي ،أريد حبا يقتلعني من أحزان جسدي ووحدة ساعاتي ،أريده حبا قويا جبارا لا يعرف الألم ، أريده حبا يمسك بتلابيب روحي ويخلق حشرجات دامية في نفسي ، اللعنة عليك ، استجب لي ولو لمرة واحدة ) 9 .
العطش ذاته جعل زيوس يكفر بصفاته الألوهية ويتمنى أن يصبح عبدا لأله آخر قادر على أن يهبه حبا حقيقيا واحدا .. ( في لحظات قدرها البشر بآلاف السنين من صمت الأله زيوس واحتجابه دونهم ، تذكر كل من عشق من نساء والآهات ، كانت سلسلة طويلة من العشق والعشيقات ، عشق هيرا ،ويوربا ، ولاتوفا ، وإنتيوبي ، وديون ،ومايا ،وتيمس ،و يورنيوم ، ومنيوزين ،و أورينوما ، وسيميلي الجميلة ، والكمينة ، وداناي ، وليدا ، والكثير الكثير من اللواتي نسى أسماءهن . ذاق آلاف النساء ، عرف كل آهات وانكسارات العشق ،ولكنه ما زال يتمنى العشق ،ما زال يحلم بلحظة حب ، تمنى لو كان له هو الأخر إله ليرسل إليه رسالة يتضرع فيها كي يذيقه العشق الحقيقي ولو لمرة واحدة في الحياة . )10 .
هذا الأله الذي يتوق الى الحب أجاب استغاثة الأنسية وخلق لها هاديس إله الموت ليقبض روحها ، في دلالة واضحة وكاشفة .. كما أنه لم يستسلم لحالة الضعف التي داهمته وقهر رغبة العشق بالشرب وبأوامر زاجرة تمنع وصول رسائل العشاق إليه ، بينما الأنسية واجهت مصيرها برضاء .
وما يلفتنا في النهاية أن الكاتبة تعتمد في أغلب النصوص على بنية سردية ذات طابع أخباري ، السارد فيها من خارج النص يدير دفة الحدث ويوجهه و اللغة شاعرية تحتفي بالجماليات التقليدية للسرد .

هوامش :
1--سناء شعلان ، قافلة العطش ، ط1،مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من أمانة عمان الكبرى، 2006، ص12
2-السابق: ص12
3- السابق: ص13
4- السابق: ص9
5- السابق: ص13 و14
6- السابق: ص33
7- السابق: ص36
8- السابق: ص43
9- السابق: ص20 و21
10- السابق: ص23

2008/06/09

مقطع من رواية ( متى يعود الطبيب) قيد الطبع


مقطع من رواية (متى يعود الطبيب؟)

3


ساعة انغلق الباب خلفه ظل للحظات ساكنا مثل شجرة خريفية بلا أوراق.
طوى صفحة الأيام والليالي الماضية التي قضاها وحيدا كالصبار وانتظر.
ظل يستعطف السماء أن يسقط المطر وتورق شجرته الخريفية.
تأمل الحجرة بحثا عن تفاصيل.
أسرة ثلاث بملاءات بيضاء.. ربما مل اللون الأبيض الذي يطارده في كل مكان.. لم يعد له نفس الصفاء.
طالع وجه يحيى فوق أحد الأسرة، جالسا في وضع القرفصاء..
شعره لونه البياض ..يرتدى قميصا مقلما وبنطالا من الجينز الكالح، بهت لونه حتى أصبح مثل صباح شتوي ضبابي.
محمود يبدو أصغر عمرا.
يرقد على السرير الآخر مستندا بجذعه على وسادة من القطن في جلباب رمادي بلا أكمام.. يكشف عن عظام جسده الهزيل.
يتقاسمان الشحوب والصمت والتطلع بعينين جاحظتين إلى القادم ليشاركهما نفس المصير.. في انتظار استشفاء، قد يجيء، أو لا يجيء.
إلى جوار كل سرير كومدينو صغير.
إلى أحد الجدران تستند خزانة ملابس واحدة.. بالجدار المقابل لمح شاشة عرض سينمائي مستطيلة وصغيرة ، تشبه تلك التي رآها هناك.
تدافع إلى أذنيه صوت (المحقق )، ظل يحاول أبعاده عن رأسه، أطبق بكفيه على أذنيه وهرب بنظراته بعيدا.
على امتداد جانب واحد من جدران العنبر نوافذ زجاجية بدا الضوء منها أكثر سطوعا.. لم يتمالك نفسه ، هرع إلى النوافذ، يطل من خلف زجاجها على الطريق.
الإسفلت الرمادي بلونه الثقيل وخطوطه البيضاء الناصعة.. ظل يسير مع الخطوط البيضاء إلى أخر ما استطاعت عيناه أن تريا.
لم يكن هناك شمس.. لم ير لها شعاعات..هل حجبتها الغيوم والسحابات.. أم حجبتها البنايات الشاهقة المقبضة وأبقت له الظلال؟.
لم تصل عيناه إلى السماء.
شعر ببغض أمام المبنى المقابل الذي حجب عنه كل شيء، راوده خاطر أن يكون دخل هذا المبنى من قبل.
لن يكون إلا أكثر سوءا إن كان يُخبىء بين جدرانه أيامه المغيبة.
انصرف ببصره بعيدا.
ارتدت خطواته تتلمس طريقها إلى السرير الوحيد الخالي من صاحبه وهوى بجسده الذي شعر به ثقيلا إلى السرير تاركا لأعضائه حرية الاسترخاء بعد عناء طويل.
تداعت أمام عينيه الصور، أحيانا بطئية تجتر آلامها ووخزاتها ومرات متلاهثة.. منذ أول صورة- لحظة إفاقته الأولى- وحتى المشهد الأخير برفقة سلوى.
ارتعشت شفتاه.
أحس بهما باردتين متشققتين غير قادر على ضميهما.. وفى داخله دوت صرخات مجلجلة.. صرخات مفعمة بالأسى والعذاب، لم يدر إن كانت من وقع ذكرى أم توجس من آت.
اعتدل يحيى في جلسته.
هبط بساقيه النحيلتين وزحف بخطوات بطيئة ناحية عايد، جلس عند حافة السرير.. كانت عيناه تتطلعان إلى ناحية النوافذ الزجاجية، قال بصوت بطيء:
ـ الق بكل ما مضى خلف ظهرك
..................................
أهم شيء هو انك معنا هنا.
أما محمود فاعتدل في رقدته.
نام على ظهره متأملا السقف المقشور الذي لم يكن بعيدا.
عندما استيقظ داخله انطباع بأنه نائم منذ دهر.. بأن زمنا طويلا مر.. أطول مما يخطر على بال.. زمن لا يعرفه إلا من عاش خلف هذه الجدران وبين عنابرها.
كل لحظة فيه تساوى عمرا كاملا خارج تلك البنايات المقبضة، ولا تعدو لسكانها أكثر من تكرار لعقارب ساعة أبديه يلفها الجمود.
انتهاء لحظة وبداية أخرى لا تعدو أن تكون فيها إلا كمثل قطرة ماء حركتها ريح في بحر ميت لا توجد له منابع ولا ينتهي إلى مصب.
قطرة حركتها ريح وأعادتها ريح إلى ذات النقطة المتجمدة.
لحظة يتساوى فيها الضوء بالظلام
الشروق بالغروب
الحياة بالموت
أحيانا يشعر أن مفردة الحياة كلمة لم تخلق لقاموس تلك البنايات، لا يعرفها المرضى أو الممرضون.
لا يوجد فارق بين أحواض الفورمالين التي تسبح فيها الجثث بالمشرحة وبين الجدران التي تتدافع فيها الأجساد بين العنابر.
كلاهما لهما نفس الرائحة النفاذة.. نفس الصمت الأخرس.. نفس الشحوب الذي يسكن الملامح ويلف الوجوه.
كان الوحيد الذي استرعى انتباهه ما أذاعته مكبرات الصوت!
حين خرجا من العنبر، لمح محمود وهو يسبقهما إلى الممر.
تطلع إلى التمرجيات وهن يحتللن الممرات بالجرادل والمناشف، يدفعن التروليات محملة بأكياس سوداء كبيرة تتجمع فيها القساطر وأكياس البول والشاش المغمور بالمطهرات والدماء المتخثرة.
الوجوه الشاحبة تغادر العنابر في طريقها إلى الكافتيريا كعادة أيام الجمع.
رمقه يحيى بنصف نظرة وهمس كأنه لا يخاطب أحدا:
- رائحة الفورمالين الملعون!
عايد عبر درفتين ثقيلتين لباب معلق إلى داخل الكافتيريا.. سار بخطوات بطيئة واختار أحد المقاعد المرتفعة بالقرب من النافذة وجلس، اتكأ بمرفقيه على الطاولة المعدنية وتطلع من وراء الزجاج إلى الإسفلت الرمادي البعيد.
منذ أصبح من نزلاء العنابر بدا لمن حوله لا مباليا بشيء.
لا ينشغل بمكبرات الصوت التي تحدد النظام اليومي للمرضى.. ساعات مغادرة العنابر ..السماح بدخول المراحيض وضوابط استخدام الحمامات.. مواعيد توزيع الطعام والدواء.. مواعيد تشغيل شاشات العرض ..تنبيهات إغلاق النوافذ والأبواب.. مواعيد توجه المرضى إلى المغسلة لتنظيف وكي الملابس والأغطية…الخ
قائمة طويلة من الأوامر والنواهي لا نهاية لها تدوي بها مكبرات الصوت كل يوم، ثم تعود وتفرض خروقات لها أو تضيف التزامات عليها دون ضابط.
هل سيتغير العالم إن تغيرت عادات الجمع ولم يغادروا عنابرهم إلى الكافيتريات؟
اعتاد ألا يهتم بشيء مما يحدث حوله ولا ينشغل بأحد من أطقم الشغالة، بداية من عمال وعاملات النظافة والمصاعد ونهاية بالممرضين والممرضات أو العاملين بأمن المستشفى.
لم يلحظ عليه أحد أنه بادل أحدهم ولو حديث عابر.
كان ما يربطه بهم طاعة عمياء لا تفرق بين كبير أو صغير، طاعة مصحوبة بصمت مقهور، حتى إن حاول أحدهم إغداق بعض الود عليه، لم يكن ذلك كافيا ليستحلب شهية الكلام عنده.
البعض برر حالته بحال كثير من المستجدين الذين يدخلون إلى العنابر لأول مرة أو يعودون إليها بعد غياب، وعادة ما ينصهروا مع النزلاء والعاملين وعاداتهم الرتيبة بمرور الأيام.
الأيام وحدها كفيلة بمنحنا القدرة على التكيف مع أقسى الأشياء..كفيلة بإزاحة ذلك الستار الذي يحجب عنا ملامسة الأشياء ويجعل منها كائنات شبحية مرعبة لا قدرة لنا على مصاحبتها والتعايش معها.
مع إزالة الستار عنها نألف ملامحها الشائهة وتسقط عنها أسمالها الباردة ..تبدو قريبة الشبه من جراحنا.
تبدو قريبة الشبه من كائناتنا التي ترتعد داخل نفوسنا وتخاف من كل شيء.. المرض.. الألم.. الأسى.. الموت.
مع مرور أشهر تلو أخرى لم يستطع أحد كبح جماح صمت عايد وبات واضحا تجاهله لكل ما حوله.
فلا تربطه علاقة بالأشخاص ولا بالأشياء.
لم يعد أحد قادرا على تحديد ما إذا كان يشعر بوخز الإبر وألم القساطر والمناظير ومرارة الأدوية مثل باقي المرضى أم أن جسده أصبح يستعذب الألم ويحن إليه.
الأمسيات القليلة التي يسمح بقضائها بالكافتيريا ويتجمع فيها النزلاء من كافة أقسام الباطنة والمستوطنة والجراحة والمسالك والنساء ، غالبا ما كان يعارض صحبة يحيى ومحمود إليها.
حين يرضخ تحت الحاحهما، ينساق وراءهما دون رغبة حقيقية في مخالطة الآخرين .
ينتحي جانبا ويحملق من خلال خصاص النوافذ إلى العتمة اللامتناهية.
يبدو وكأن خوف ما يرج كيانه.
خوف لا سبيل إلى مواجهته إلا بهذا الهدوء والصمت.
وحدها ريم كان بمقدورها أن تقرأ ما في عينيه من أسى، تقرأ السؤال الرابض هناك دون إجابة.
لا توجد إجابات بين جدراننا العالية.
لا توجد أسئلة إلا داخل النفوس المختبئة داخل كهوفها.
إن ألح سؤال وسقط من صاحبه لن يجد إلا إجابة واحدة ..هل تعرفها يا عايد؟.
نعم..
إنها الغرفة .
إنها الإجابة الوحيدة التي يجيدونها..
إذا أحببت، إذا حلمت، إذا عرفت، إذا سألت، إذا تكلمت، إذا كرهت.
لن يكون لك إلا مصير واحد..كأنه قدر على كل النزلاء أن يلقوه.
أما نزلاء العنابر فكانوا يفكرون به على انه لا يحتاج إلى شيء من أحد ، كأنه خلف كل شيء وراءه واستراح .
لكنهم أخيرا لحظوا شيئا جديدا .
كان الوحيد بينهم الذي استرعى انتباهه ما أذاعته مكبرات الصوت .
شاهدوا أملا جديدا يرتسم فوق ملامحه ، لحظوا أن شيئا ما حرك الساكن داخله وأوقد تلك الومضة بوجهه .
تلك الكلمات التي رددتها مكبرات الصوت عن السماح بدخول الصحف إلى المستشفى .
دون أن ينظر إلى احد ، سأل بصوت بطيء جدا وخفيض جدا :
ـ ومتى يمكننا أن نحصل على الصحف ؟ ! لكن حتى إن سمعه أحد فلم يكن يملك الإجابة .

2008/06/07

برنامج النشاط الثقافي لنادي الأدب ببيت ثقافة سنورس في الفترة من 12/6/2008 إلى 4/9/2008


فرع ثقافة الفيوم
بيت ثقافة سنورس
نادي الأدب


برنامج النشاط الثقافي لنادي الأدب ببيت ثقافة سنورس في الفترة من 12/6/2008 إلى 4/9/2008

برنامج شهر يونيو 2008

الخميس الموافق 12/6/2008 الساعة 8:30 م
أمسية شعرية لشعراء سنورس
تقديم الشاعر / عبدالرحمن الأبلج
***
الخميس الموافق 19/6/2008 الساعة 8:30 م
قراءة نقدية في مسرحية ( الجدران ) للكاتب أحمد الأبلج
المشاركون
أ.عمر صوفي- أ.حازم حسين – أ.محمود حويحي
تقديم الشاعر / أحمد عبدالباقي

***
الخميس الموافق 26/6/2008 الساعة 8:30 م
قراءات قصصية لأدباء الفيوم
عصام الزهيري- هالة قرني- عويس معوض- أشرف نصر- إبراهيم حسين- رنا طارق
إدارة القاص / أحمد طوسون

برنامج شهر يوليو 2008

الخميس الموافق 3/7/2008 الساعة 8:30 م
الأدب ما بعد الحداثة
محاضرة للناقد د.محمد مصطفى
تقديم الشاعر / أحمد قرني
***
الخميس الموافق 10/7/2008 الساعة 8:30 م
أمسية شعرية لأدباء الفيوم وسنورس وأطسا
إدارة الناقد/ د. محمد السيد
***
الخميس الموافق 17/7/2008 الساعة 8:30 م
قراءة نقدية في ديوان (جسد بارد بلا تفاصيل) للشاعر أحمد قرني
المشاركون
أ. عبدالرحمن الأبلج- أ.هالة قرني- أ. أحمد عبدالباقي
تقديم الشاعر / د.محمد مصطفى
***
الخميس الموافق 24/7/2008 الساعة 8:30 م
أمسية شعرية لشعراء سنورس
تقديم الكاتب / أحمد الأبلج
***
الخميس الموافق 31/7/2008 الساعة 8:30 م
قراءة في مخطوط رواية ( حي السقاري) للقاصة هاله قرني
المشاركون
أ.أحمد طوسون- أ.أحمد قرني- أ.أشرف نصر
تقديم الشاعر / حازم حسين

برنامج شهر أغسطس 2008

الخميس الموافق 7/8/2008 الساعة 8:30 م
أمسية شعرية
تقديم الشاعر / عبدالرحمن الأبلج
***
الخميس الموافق 14/8/2008 الساعة 8:30 م
قراءة نقدية في مخطوط مسرحية ( الطباشير الأسود ) للكاتب المسرحي عمر صوفي
المشاركون
أ. أحمد الأبلج – أ. محمود حويحي – د.محمد مصطفى
إدارة القاص / أحمد طوسون
***
الخميس الموافق 21/8/2008 الساعة 8:30 م
قراءة نقدية في ديوان(المكان جواك محاصر) للشاعر محمد حسني
المشاركون
أ.أحمد قرني- أ.أحمد طوسون- أ.أحمد عبد الباقي
تقديم الكاتب/ عمر صوفي

***
الخميس الموافق 28/8/2008 الساعة 8:30 م
أمسية شعرية
تقديم الكاتب / عماد عبدالحكيم
***

الخميس الموافق 4 /9/2008 الساعة 8:30 م
قراءة نقدية في ديوان ( صباح يوم بيتكرر كتير ) للشاعر مصطفى عبدالباقي
المشاركون
أ. أحمد عبدالباقي – د. مهدي صلاح – أ. أحمد طوسون
إدارة الشاعر / أحمد قرني

***

مع تحيات نادي الأدب ببيت الثقافة بسنورس

مدير فرع الثقافة
منتصر ثابت
مدير بيت الثقافة
محسن محمد حسن
نادي الأدب
أحمد طوسون أحمد قرني

2008/06/04

فصـــــــــل 2/1

فصـــــــــل 2/1
أحمد طوسون
حضرة الناظرة دخلت فصلنا ، كل مرة تأخذ واحدا منا وتخرج، ثم تعود بمفردها لتأخذ آخر.
أبلة بشات مدرسة الحساب تركت الكتاب والطباشير وقالت:
- قيام
حضرة الناظرة لم تكن معها ابتسامتها الطيبة حين قالت:
- جلوس
بدت شاحبة وهزيلة على غير عادتها، تتكلم مع أبلة بشات وتتساقط قطع المرارة المكتنزة بعينيها قطرات صغيرة على الأرض.
البنت ميرفت تنقل الدرس من السبورة إلي كراستها وحسام خطف سندوتش نجوى..
حضرة الناظرة نادت على أسمي فوقفت، وتوقفت ميرفت عن نقل الدرس، وترك حسام سندوتش نجوى.
حضرة الناظرة قالت للأولاد في الفصل:
- قولوا لزميلكم مع السلامة.
ميرفت لم تقل - مع باقي الفصل - مع السلامة ، أبلة بشات ضمتني إليها ونظرت إلي حضرة الناظرة ومسحت دمعة سحت من عينيها وقالت:
- كان أشطر ولد في الفصل!
***
كل صباح انتظرها عند آخر شارعنا ، تتشابك أصابعنا الصغيرة ونطوح بأيادينا عاليا حتى تلامس السماء.
في الميدان نلتقي وباقي الصحاب ننتشر ونتسابق كجرذان فزعة حتى باب المدرسة.
منذ فترة يحرص الآباء والأمهات على اصطحابنا إلى باب المدرسة، ننفلت من أياديهم الخشنة ونقفز إلى الساحة، أظل أبحث عنها بين الرؤوس السوداء الصغيرة حتى نلتقي في طابور الصباح وتقف بجواري.
على درجات السلم تفلت مني وتسبقني إلي احتلال مكانها بمقعدنا المشترك ولا نفترق إلا عند أول شارعنا آخر النهار.
اليوم عندما أخذتني حضرة الناظرة من الحصة الثانية، سألتني ميرفت:
ـ هترجع نروح سوا؟
لم أعرف بما أجيبها، ابتلعت صمتي وعبرت نظراتها ونظراتهم وسرت حتى نهاية الفصل وأنا أفكر في زملائي الذين خرجوا ولم يعودوا ثانية إلى الفصل.
عند الباب شعرت بانقباض وغصة في قلبي لم أعرف سببها ولمحت كائنات صغيرة ترتعب في وجوههم.
***
عندما نزلنا سلم المبني القديم إلى فناء المدرسة كان عم حسن يدق جرس الحصة الثانية.
بعد برهة سمعنا انفجارا مدويا وأحسسنا بارتجاج الأرض تحتنا.
حضرة الناظرة لقفتني إلى حضنها..لم يمر وقت و تلقفني أبى من حضرة الناظرة إلى حضنه ويديه الخاليتين من سندوتشات الجبن البيضاء ومربى التين وزمزمية الماء.
سلم أبى على حضرة الناظرة وصحبني معه.
عند باب المدرسة الحديدي لم أجد أثرا لفاترينة عم شعبان ولم يكن هناك أحد من باعة الحلوى.
كان أبي يربت على ظهري عندما تلاقت عينانا وقلت له:
- بابا باقي حصة على الفسحة..؟!!
لكنه لم ينظر إليّ ونحن نترك شارع المدرسة إلي الميدان ولم يتكلم.
***
بلون الرماد تكون نهارات ديسمبر وبطعم الشجن تتزين غماماته الكثيفة، كنت أشعر بالحمى تسري إلي جسدي وسخونة جلدي تلسعني كلما لامسني الهواء الندي وثمة شيء بداخلي يقارب على الانفجار.
الشوارع خالية وكئيبة.. حوائط كثيرة متهدمة تسد الطريق أمامنا.. عربات باللون الكاكي تربض من بعيد فأشعر بالاختناق.
لم أكن أستطيع التخلص من البلوفر الأزرق الذي صنعته أمي أو حقيبة كتبي المعلقة فوق ظهري ، وأشعر بأياد خفية تلتف حول عنقي وتحاول خنقي وأنا لا أستطيع أن ألقي بحقيبة الكتب إلي الأرض حتى لا يغضب أبى ولا أن أرتدي القميص الرمادي الذي اشتراه في عيد ميلادي وأترك البلوفر الأزرق منعا لمخالفة أوامر أمي بخصوص نزلات البرد والسعال الذي ينتابني.
***
عند البيت كانت تتشح بالسواد وحولها تلتف نساء جيراننا، حقائبنا الكبيرة التي سكنت سطوح دولابنا خرجت عند عتبة بابنا ووقفت منتفخة بصحبة حقائب جيراننا.
أناس كثيرون اختطفوني إلي أحضانهم ، ونساء كثيرات كن يقبلنني ويبكين.
منذ موت جدي لم أر أمي بهذه الحالة ولم أر كلَّ هؤلاء في شارعنا والفزع يتصيد وجوههم التعبة.
كانوا يتحدثون عن النوافذ الزرقاء والغارات الغاشمة والتهجير والمقاومة الشعبية والنوارس التي لم تعد تحلق في سماء القنال.
لم أسأل أمي عن سبب بكائها ولم أسأل أحدا من جيراننا.. لكنني كنت أبكي مثلهم دون أن أعرف السبب.
***
- إمتى الحرب تخلص؟؟!
كانت المرأة تسأل جارتها في العربة المكتظة بنا وأمي تبتلع دموعها في صمت موحش وتلتصق بجسدي الصغير وتحوط عنقي يداها الدافئتان.. لا أعرف لِم أحسست أنها تبحث عندي عن شيء افتقدته.
كانت الأجساد تنحشر وتتدافع في العربة وأبى يلوح لنا وعلى وجهه دموع ثقيلة وعربات كثيرة حولنا تتكدس بالحقائب الكبيرة ووجوه كثيرة أعرفها بدت وكأنها غريبة عني.
العربة تمرق بجوار بيوتنا المهجورة وصدى أنين بعيد يخطف قلبي.
أمي تعبث في شعري وأحس بدقات قلبها تقصف جوارحي وعيناها تلمعان رعبا من حركة شفتي.
- هو بابا مش هاييجي معانا؟
- لأ...
- ليه يا ماما؟..
أحنا رايحيين فين؟؟
- مش عارفة..
ساعتها كان صوتها يئن بشجن طائر ذبيح وسقطت دموعها الباردة على وجهي.
- ومش هروح المدرسة؟؟
- هتروح..
لا أعرف لِم لمْ أصدق أمي وغمرني أحساس بفقد ميرفت والمدرسة وبفقد أشياء كثيرة أحبها.
تدافعت الأسئلة إلى رأسي تسألني عن سبب تركنا لبيتنا ومدرستي وكل الذين أحبهم. لكنني حين نظرت إلي أمي ارتعدت من العتمة المكومة في عينيها فالتصقت بجسدها الشاحب وعبرت نظراتها الفزعة إلي الرمال المتدفقة حولنا أتابع ركضها المستمر خلفنا.
***
بباب حديدي كبير وسور عال وحديقة كبيرة وصالة فارعة تتسع لكل زملائي في الفصل وحجرات كثيرة وأخري خاصة بي - بها سرير نظيف ومكتب ودولاب يمتلأ بالملابس الجديدة واللعب الجميلة وراديو صغير- كان بيتنا.
ولا أعرف سببا لوجودنا هنا في هذه الحجرة الضيقة مع كل هؤلاء..
أحب أن أكون مع أبى في بيتنا وأكره هذه الحجرة الباردة، وهؤلاء الناس وأغطيتهم الخشنة وخبزهم الجاف ومعلباتهم المرة.
***
منذ جئنا إلي هنا لم نترك هذا المكان القذر..
ولم أر على وجه أمي ابتسامتها الطيبة..
بين الحين والحين كنا نسمع نساء جيراننا يتحدثن عن القادمين من السويس، وأخبار القتال وأفواج التهجير التي تتوالى.
اسأل أمي عن أبى الذي لم يعد حتى الآن ، لكنها تتركني ولا تجيب!.
اليوم قبلتني أمي وقالت:
- ألبسْ علشان نروح المدرسة.
بعيون مدهشة كنت أراقبها وهي تفك أزرار بيجامتي، واستسلمت لمشاعري وهى تنسج فرحتها على خيوطي.
عبثا كنت أحاول إبعاد صورة أبى وهو يحمل سندوتشات الجبن والمربى وينتظرني عند باب المدرسة.
ميرفت.. وعم حسن.. وحضرة الناظرة وأبلة بشات، عبثا كنت أحاول أبعادهم عن طريقي حتى أرتدي ملابسي.
بلعت فرحتي وتأهبت ليوم مبهج وأقسمت هذه المرة أن أسبق ميرفت إلي احتلال مقعدنا حتى تفاجأ بي.
انتهيت من ارتداء ملابسي وسألت أمي إن كان أبي سيحضر ويأخذنا إلى بيتنا أم سينتظرنا هناك بسندوتشات الجبن والمربى؟
أنَّتْ أمي ولم تنظر لي وهي تقول:
- لا..
أنت هتروح المدرسة الجديدة.
***
كان الراديو يهتز فوق المنضدة وأمي تنصت بلهفة لصوت المذيع بعد أن وضعت البطاريات الجديدة التي اشترتها من بقالة عم لطفي بأول الشارع ورفض عم لطفي أن يأخذ ثمنها وتدير المؤشر ليصبح أكثر وضوحا.
لا أعرف لِم تذكرت عمي عاصم..
حين دق بابنا ذات يوم أحدهم ومعه بعض المتعلقات التي تخص عمى عاصم وما قاله عن استشهاده في العمليات.
ارتدت أمي السواد وبكى أبى كطفل صغير ينهنه وابتلعت جدتي حسرتها وتحدثت عن أحلامه التي لم يحقق شيئا منها وعروسه التي لم تهنأ به.
أبي وما قاله عن وجوده الآن بصحبة الملائكة والصحابة.
وحين تمنيت أن أكون معه ومع الملائكة ضربت أمي صدرها بكفها وشدتني إلى حضنها وقالت:
- ألف بعد الشر يا حبيبي..
ربنا يحرقهم الكفرة.
أغلقت أمي الراديو ومسحت دمعة علقت على خدها وضمتني إليها.
كنت أحاول الإفلات من قبضة ذراعيها حين قلت:
- ماما هو بابا هيرجع امتى؟
- .....................
- ماما أنا مش عاوز أروح المدرسة الجديدة.
ضغطت أمي وضمتني إلى حنانها وارتكنت بي إلى حضن الجدار وظلت تحملق في صورة أبي المعلقة هناك طيلة النهار.
***
بعد يومين عادت أمي وقالت:
- إن كنت تحب بابا تعال نروح المدرسة.
- بابا وحشني قوي يا ماما..
هو هيرجع امتى؟!
- هيرجع يا حبيبي....
- ..............
- بأذن الله هيرجع .
وأنا كنت أحب أبي ولا أريده أن يغضب لعدم ذهابي إلى المدرسة، وكنت أريد أن أقول له إنه وحشني جدا وإنني لن أكلمه عندما يأتي لأنه تركني ولم يأخذني معه..
وفكرت أنه من المؤكد بالمدرسة الجديدة توجد حضرة الناظرة وأبلة بشات وميرفت أيضا..
فعدت ووافقت.
***
عند باب المدرسة استقبلنا آخر لا يشبه العم حسن، وحين أمسك بكفي جذبته منه وسألته:
- أنت اسمك عم حسن؟
ابتسم وقال:
- لا..
أنا اسمي عم منصور.
- وأنا أحمد
فناء المدرسة كبير وواسع وتغطيه نجيل صفراء قصيرة وبه الكثير من الأولاد والبنات.
وعندما سألت أمي عم منصور عن مكتب حضرة الناظرة ضحك وقال:
- مكتب حضرة الناظر..
الأستاذ سرحان.
لا أعرف لِم انتابني شعور غامض بالخوف والأسى، فلم أكن أتخيل أن هناك مدرسة بدون حضرة الناظرة.
***
عندما دخلت فصل 2/1 المدرسة التي كانت هناك قالت لي:
- لا يا شاطر أنت في 2/2.
أقسمت لها أنني في فصل 2/ا لكنها لم تصدقني ولم تلتفت لي وتركتنا وهي تقول لعم منصور بصرامة وحزم:
- خذه إلى 2 / 2.
أخذتني المدرسة التي كانت تشرح الدرس في فصل 2 / 2 واجلستني في أخر مقعد.. قلت لها:
- لا يا أبلة..
- أنا بقعد جنب ميرفت في أول تخته.
ميرفت وقفت وقالت:
- لا يا أبلة..
أنا بقعد هنا وحدي.
في أخر مقعد جلست، أمامي تتراص رؤوس سوداء صغيرة.
لا أعرف لم تذكرت أمي وهي تتشح بالسواد عند باب بيتنا القديم بجوار حقائبنا الكبيرة، والشوارع المهجورة، والغمام الكثيف، وحضرة الناظرة وأبلة بشات، وميرفت التي كانت تسبقني إلى مقعدنا المشترك، وأبي وهو يلوح لنا بحرارة وأسى، فغمرني شجن هائل وبكيت حتى دق جرس الفسحة.



2008/06/02

أمسية لأسامة الزيني بالمكتب الثقافي المصري بالرياض

يشارك الشاعر أسامة الزيني بأمسية شعرية ينظمها المكتب الثقافي في الرياض بعد غد الأربعاء مع الشاعرين سامي الجار الله من السعودية وميسون أبوبكر من فلسطين
وإليكم نص دعوة الأمسية
دعــــــوة
يتشرف المكتب الثقافي المصري بالرياض بدعوة سيادتكم لحضور الأمسية الشعرية التى يحييها نخبة من الشعراء الاعلاميين العرب أسامة الزيني من مصر، سامي الجارالله من السعودية، ميسون أبو بكر من فلسطين ويديرها الشاعر والإعلامي السيد الجزايرلي مع فقرات غنائية تراثية وعزف على العود يقدمها الفنان حسن شهاب والفنان محمد زويل وذلك فى تمام الساعة التاسعة من مساء يوم الاربعاء 30 جمادي الأولي 1429هـ الموافق 4 يونيو 2008 م بقاعة طيبة بالمكتب الثقافى بالرياض
والدعوة عامة،،،
القائم بعمل المستشار الثقافى أ. د. عاصم بركات

كلب ميت

كلب ميت
تأليف: أحمد طوسون

شارع تراب ..
صيف هجير ..
كوخ بجوار شريط السكة الحديد ..
كلب ينبح ..هاو هو .. هاو هو ..هاو هو .
تنخض البنات ، يجرين ، يلحقن بآخر عربة في القطار المسافر والكلب يسابقهن بنباحه .
شهر مر ..
سنة ..
سنتان .
مدارس كثيرة على السكة الجديدة .
طريق إسفلتي واسع . مستشفى كبير .
لمبات بيضاء وماء نظيف في صنبور مياه .
حانوت بأضواء ملونة ورايات صغيرة فيه كل شيء من إبرة الخياطة حتى الفول المدمس في علب صفيح .
لم يعد أحد يركب القطار ..
ولا عاد القطار يمر من أمام الكوخ .
ولا الكلب ينبح .
.... .... ....
شهر يمر ..
سنة ..
سنتان .
ولا عاد هناك كوخ .
لكن
صيف هجير
ورائحة نتنة لعظام كلب ميت .