2017/03/26

د.دليلة مكسح: لطيفة حرباوي حين تُفَصِّلُ العالم بمقاس الشعر



لطيفة حرباوي حين تُفَصِّلُ العالم بمقاس الشعر
 د.دليلة مكسح
لا العالم يستطيع أن يكون جميلا بغير الشعر، ولا الشعر يمكنه أن يتجمل بغير أوار الذات، هكذا يمكن أن نتذوق شعر المبدعة المميزة، والشاعرة الجزائرية المتألقة لطيفة حرباوي في ديوانها "شمس على مقاسي"([1])، حيث تركض الشموس والأقمار، وتتوالى النهارات والليالي وفق مقاس خاص، هو مقاس الشاعرة، التي تتطلع إلى العالم بمنظورها، ولا ترضى له بديلا، تغوص في ثنايا الوجود متسلحة برائحة الذات المعبقة بالتميز، والإرادة الحرة، والجرأة المتوثبة، بحثا عن الذات من جهة، وبحثا عن العالم من جهة، والشعر يقف بينهما كإبرة ميزان، مهمته تثبيت الاتزان، وربط خيوط الوصل بين الذات وعالمها.
ولكن هل يمكننا حقا معايشة السلام في داخلنا، إذا ما نظرنا إلى العالم بمنظار ذواتنا؟ هل يمكننا مواجهة اليتم الوجودي برؤانا لا برؤى الآخرين؟ وما دور الآخرين في صناعة وجودنا؟ وهل العالم لا حراك له من غير ذواتنا؟
كي نجيب نحتاج للغوص العميق في تفاصيل الحروف، التي ترقص بين الشمس والشعر بمقاس الذات الشاعرة.
1/هذه سيدة تحفر حياتها بيديها:
هذه سيدة تحفر حياتها بيديها، فهل لنا نحن أيضا إلى ذلك سبيل ؟..
الشعر في جوهره مقاومة، وليست المقاومة هنا قرينة عدو خارجي فحسب، بل إن العدو الحقيقي لنا هو ذواتنا، التي تمثل العائق الأكبر، والحائل دون بلوغ الذات إلى مراقيها التي ترغب في الوصول إليها، والاغتسال فيها، والتعطر بعبقها، لذلك يجيء الشعر وسيلة خلاقة لمقاومة أشكال الاستسلام، والخذلان، واليأس، والفوضى؛ لأن "الكلمة تفعل أكثر من فعل النار، وتستطيع أن تخترق حصارها." ([2])
 ولتُنتشل الذاتُ من مستنقعات السقوط لا بد من فكرة وثابة، ورؤية ثاقبة، ولا أظن من قادر على ذلك الغوص العميق في ثنايا الذات البشرية غير الشعر، الذي تشهره الذات لتقطع به كل مظاهر الخذلان في داخلها، وإذا كان لابد من وجود الآخر الذي يتربص دوما بالذات في سكونها وحركتها، فإن مقاومته لا تتحقق بنتائجها المرجوة، قبل الإمساك بتلابيب الذات، ومقاومة عناصر الهدم فيها.
ويبدو جليا أن الشاعرة لطيفة حرباوي قد فهمت هذا المبدأ جيدا، وشكلت مقاومتها العنيدة ضد كل مظاهر الهدم في ذاتها، حتى وصلت إلى مرحلة خاصة، هي مرحلة الذات المكتفية بذاتها، القادرة على استنبات أدوات مقاومتها من داخلها، الماسكة بزمام الكلمة، والرؤية، وهي تتغلغل في ثنايا العالم، ذات ترى كل شيء بمقاسها؛ لأن حياتها الحقيقية هي التي تنبع من داخلها، فلا إحساس بالسلام خارجيا إن لم يكن شمعة تضيء داخل الإنسان، فهبْ أن الواقع سعيد ومستقر، فهل تستطيع تذوق ذلك إذا كانت ذاتك مقيدة في حزنها وفوضاها؟ وهل تستطيع الغوص في عالمك مهما كانت صفة ذلك العالم، إن لم تكن قادرا على الغوص في ذاتك ومعرفة تفاصيلها؟
تقول الشاعرة مفتتحة مجموعتها:
على متن قامتي
أمتطي عنق الريح..
أقطف الغيم
أستحم في منقوع الضوء
نعيما أيتها الشمس
فقد صرت على مقاسي... (شمس على مقاسي ص 07)
إن اكتشاف الضوء وملامسته في الحياة، هو رهن حركة الذات في عالميها الداخلي والخارجي، بفاعليتها ومواقفها ورؤيتها تجاه نفسها وتجاه واقعها، حيث لا تأتي الكلمة إلا لتشهر جبروتها وضوءها على كل زاوية مظلمة، وتجيء كلمات لطيفة حرباوي كاشفة سكونية الذات وحركتها، حضورها وغيابها، زيف الواقع، ومظاهر استسلامه، وتفاصيل أزماته، ذلك الكشف الذي يجعل الشمس على مقاس الشاعرة، ويجعل كلماتها شمسا مُظهرة لكل حقيقة تقبع في العتمة، تقول في خضم هذا الكشف:
تصطك الأرصفة
تترك جماجمها لهفوات الريح
لتنتظر الشمس بفارغ الوهم...(شمس على مقاسي ص 08)
هذا الوهم المتغلغل في تفاصيل اليوميات، لم يكن ليوجد لولا انفلات الذوات من ذواتها، واستسلامها لحركة الواقع، دون إبداء أي حركة لمقاومة مظاهر الاستلاب والانسلاخ، ولكن الذات حين تدرك ما يحيط بها، وتعرف أهمية وجودها، فإنها تستمر في مواجهة أشكال استلابها، عن طريق التشبث بما يبعث فيها الحياة، والذات المنتصرة هي التي تبعث الضوء من داخلها، ولو كان محيطها مظلما:
مدينتي موصدة المشاعر
أنتشل قلبي إربا إربا
لأقطع مسافات الحضور
كانت أمي هنا تصطاد لي شوارع زلقة
أسقط على مهلي
لأجلها كنت أكسر رجلي وأنا أسرق باب الجيران
(....)
بعد كل هذا الوهم
ما زلت أنتظرك محملة بعمرك المحظور (شمس على مقاسي ص 13)
ولأن "القصيدة هي الوجه الناطق من ذات الشاعر، والذات الناطقة جزء من هذا الكل الذي نسميه مجتمعا"([3]) فإن ذات الشاعرة وهي تتفتق داخل واقع مرير ومظلم، لا ترضى فيه إلا بحضور مستميت وحافل، ومن هنا يصير الحضور الشعري بمثابة مواجهة عابرة للحدود، ضد كل أشكال الموت، وحين تكون أهداف الذات واضحة، يكون لفعلها الشعري وقعه الخاص؛ لأنه ليس مجرد توقيع في حركة الحياة، بل هو الحياة في حد ذاتها، وأي حياة يمكن أن نحققها بعيدا عن ذواتنا في أمالها وآلامها:
على سلامتك أيها الموت
كن حذرا قبل
أن تتملكني غفوة الحياة
قد أستفيق لأسلم عليك. (شمس على مقاسي ص 20)
ومهما كان شكل الحياة، ومهما كانت مواصفات الذات، إلا أن الجرأة في قول الحقيقة، هي ما يصنع للحياة معنى، حين يصير الأمل فيها مبدأ وجودٍ، والألم حكمةَ حضورٍ:
لا تيأس أيها الوقت
تعلمت منك
ألا أنتظر أحدا على قيد الحياة (شمس على مقاسي ص 61)
ولأن الكاتبة تحفل كثيرا بفعلها في حفر حياتها بيديها، فإن روحها التواقة لكل ما هو جميل، تقودها إلى رسم معالم الطريق لقارئها، حتى يتمكن هو أيضا من خط سبيله في الحياة، وأي قيمة للشعر إن لم يكن ترياقا للآخرين؟
2/إذا كنت تريد الحصول على شمس وفق مقاسك اتبعني:
الكتابة الحقيقية هي التي لا تنسلخ عن واقع كاتبها، ولا عن تفاصيل وجوده ومواقفه، ولكنها أيضا هي تلك الكتابة التي تمنح حق الحياة للآخرين، التائهين في صراعات الواقع، وأن تكون لك مقاساتك الخاصة التي تقاوم بها، يجب أن تمتلك الجرأة والعناد والثقة بالنفس التي تقودك إلى قول الحقيقة كما هي، أو على الأقل كما تراها أنت.
وترشدنا لطيفة حرباوي إلى أشكال كثيرة من أساليب المقاومة، بمواجهة الزيف بكشفه، والسخرية منه، وتسميته بمسمياته، ومحاصرته أينما كان، وتجاوز وضعيات التباكي منه، أو التباكي عليه، وتجيء ومضاتها ساطعة بأنواع عديدة من أشكال المقاومة، النابعة من حسها النقدي البناء، ذلك أن الشعر الحقيقي هو فعل نقدي، وأهمية هذا الفعل أنه يترك الباب "مفتوحا أمام شهوة الحياة"([4])؛ لأن الشعر "وجد كي يعيش ويتأصل في الحياة، ويتحول إلى رغيف خبز بين الناس"([5]).
تقول الشاعرة في إحدى ومضاتها معلنة عن مبدأ الاستمرارية، وحمل مشعل المواجهة دون تزييف:
ازرع ريشك على كتفي قبل الرحيل
لينبت لي جناح منك
واحد يكفي لأحلق من جديد (شمس على مقاسي ص 52)
إلا أن حمل المشعل لا يتحقق للذات التي لا تعرف موقعها من الوجود، ولا تدرك حقيقتها، أو تغفل عن معرفتها، أو تخفي ذلك عنوة، وأهمية المعرفة هنا أنها تمثل المنفذ الأولي الذي لابد للذات من الإقرار به، حتى تتمكن من تأسيس وعيها المقاوِم، تقول الشاعرة مبدية هذا الحس بحقيقة وضع الإنسان، وحقيقة وجوده في واقعه:
من بين أصابع الحضيض
أفر بجلد الورد
أحب أن أكون عطر اللون
والكون..
منذ متى كنت ميسور الحلم؟
وأنا أحمل جيف ما كان
قلت لا رحيق لما هو آت... (شمس على مقاسي ص 44)
إن الاعتراف جميل، وأهميته تكمن في بيان حقيقة الذات ووضعيتها، ومن خلاله يمكن تأسيس الفعل البناء الذي يعيد للحياة جمالها، فأن تكون قادرا على مواجهة ذاتك في تعرجاتها، هذا يعني أنك ستكون قادرا على مواجهة تعرجات الحياة، وقيمة الشعر هنا أنه لا يقودك إلى معرفة الحقيقة فقط، بل إنه يقيم لك حقائق جديدة نابعة مما كشفته، وواجهته، لأن "مهمة الشاعر إعادة تشكيل الواقع وفق منظور شعري مخيالي"([6]) والمخيال هنا لا يعني عبثيته تجاه الواقع الحقيقي، بل إنه مكمل له، منغرس في تمفصلاته، محرك لرواكده، ومن هنا يكون الشعر فعل خالق للحياة لا للموت، فعل يقول لك لا داعي لأن تخاف من الواقع.
3/ لا تخف من الواقع بل قاومه، ولا تخف من ذاتك بل أركض بها:
إن المقاومة هي مسألة صراع بين طرفين، أو عدة أطراف، صراع يحمل ملامح الهزيمة والانتصار، السكون والحركة ، الألم والأمل، ومن عمق هذا الصراع تجيء ومضات الشاعرة ممتلئة بالمشاهد الدرامية، التي هي انعكاس لمأساة الإنسان، وهو يكابد جراحه، وآلامه، وغربته ليقيم في داخله ترياق الخلود، عن طريق مقاومة أشكال الموت، تقول الشاعرة في إحدى ومضاتها:
نتأبط صغارنا
إلى آخر الموت
هناك حيث الحياة ما زالت قريبة (شمس على مقاسي ص 48)
وتقول أيضا:
لو كنت مارا من هنا
ورأيتهم يحملون نعشي
صدق أنك الميت وأنا حي أرزق (شمس على مقاسي ص 49)
وليست المأساة وليدة علاقة الإنسان بواقعه، وعالمه الخارجي، بل مأساته تكمن في علاقته بعالمه الداخلي، حين لا يستطيع التحرر من نفسه بخاصة من ذكرياته، لذلك تأتي المقاومة في عمقها مقاومة ضد حركة الزمن، وضد تفاصيل المكان، وهي مقاومة ليست بالضرورة مُلغِية، ولكنها مُتجاوِزة بانغراسها في  أفق أرحب، هو أفق التشبث بالمبدأ الحي القابل للتجدد باستمرار؛ لأن الرفض الذي يقيمه الشعر شعارا له، لابد أن لا يكون مجرد فعل تعبوي (من التعبئة)، بل لابد أن يحمل في داخله مبادئ وميكانيزمات "التأسيس لمرحلة أخرى، وهذا التأسيس لا يتحقق إلا بالإبداع، العنصر الذي يشترط قبل كل شيء الوعي بالفعل" ([7])
ولأن أشكال الحياة متعددة، فإننا نلتقي في مجموعة الكاتبة (شمس على مقاسي) بألف وجه، وبآلاف الملامح، ليس لأن الكاتبة حربائية، بل لأن المعاناة لها ألف صورة، صورة للضياع، صورة للرحيل، صورة للغربة، صورة للحزن، صورة للذكرى المبتورة، صورة للألم، صورة للعذاب،...وتتعدد الوجوه ولا تنتهي، حتى أننا مع كل ومضة نحس أننا ندخل عالما غير الذي مررنا به من قبل مع بقية الومضات، لكن يظل الخيط الرابط بينها هو وجع الإنسان، مهما تعددت صور ذلك الوجع في حضوره، ووجوده جسدا وفكرا وعاطفة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
تقول الشاعرة:
يطاردني الطريق
يدحرجني بعيدا عن خطاي
وعند منتصف الضياع
أسترجع ذاكرة الدروب...(شمس على مقاسي ص 32)
وتقول أيضا:
في مقتبل النهاية تخضر أكفاننا
أزهر في الغيب
أخطط للاحتمال
ربما أكلل بالبداية... (شمس على مقاسي ص 33)
ورغم هذه المشهدية المؤلمة، إلا أن إدراك الذات لأهمية وجودها ودورها في الحياة، يقودها إلى استغلال مراحل الموت والانهيار، لتخلق منها مراحل للحياة، كأنها تقيم بوجودها دورة الحياة في تقلباتها الفصلية، ففي لحظة النهاية، تسترجع تفاصيلها الغائبة لتقيم منها طوق نجاة، وفي لحظة الموت تزغرد لتعلن أنها ما زالت حية، وهي بذلك تقيم فلسفتها الخاصة في الوجود، فلسفة تأبى العزلة، وفي الآن ذاته تأبى السكون، وهذه الفلسفة وإن كانت مادتها مجتثة من جراحات كثيرة، فهي فعل تثويري عميق غايته " تقوية لعزيمة الذات على مواصلة الحياة" ([8])
4/ تعالوا لنقطف:
من الموت تأتي الحياة، وفي قلب الغياب يتأسس الحضور، ومن مرارة المشاهد وسوادها تأتي ومضات الشاعرة لطيفة حرباوي متدلية كقطوف دانية، ففي كل ومضة يمكن للقارئ قطف ثمار يانعة، قد يكون قطفها موجعا وطعمها مُرًّا، ولكنها كالدواء الذي يمنحك إكسير الحياة رغم مرارته، تشدك بلغتها النابضة حتى أنك تستلذ الوجع الموجود فيها؛ لأنك لا تحس بأنك وحيد، وأنت تتجول بين أسطرها، وإن بدت الكاتبة تكتب على مقاسها، ووفقا لرؤيتها، ولكنها في الحقيقة تمنحك فسحة لترى مقاسك، وتكتشف موقعك من ذاتك، ومن واقعك، لكأنها قائدة أوركسترا تمنحك سجل المعزوفة حتى لا تتوه، ثم تفسح لك المجال بعد تعلم معزوفتها، كي تعزف لذاتك ما يليق بها..إنها تدعوك ألا تسير مغمض العينين، لكنك قد تقع في ذلك إذا اكتفيت بالنظر إلى الحزن الظاهر في المجموعة، ولم تتعمق في ملامح المقاومة وأصدائها، لذلك كن يقظا لتقطف، وتستمتع بالقطوف، فإدراك الشعر في قيمته وخصائصه يتطلب "قبولا روحيا وليس جهدا عقليا" ([9]).
إن الكاتبة لطيفة حرباوي في الحقيقة لا تكشف لك قبحك، وقبح واقعك فقط، بل تقودك لتواجه ذلك القبح، ولتطرح الأسئلة، ولا تدعك تمر دون أن تمحص مقاساتها، وليس بالضرورة أن توافق على مواقفها، ولكنها على الأقل تريك موقفها واضحا لا شائبة فيه، ما يجعلك تسأل نفسك عديد المرات: هل علي أيضا أن أبعث مقاسي الخاص؟ وأحفر حياتي بيدي؟ والشاعرة تقول لك صراحة، لا تكتف بمقاساتي إنها لا تليق بك صراحة، ابحث عن مقاساتك الخاصة التي تلائمك وتلائم واقعك:
حزنك
ربيع طاعن في الكذب
لو كان صادقا كنت ستحزن أكثر
طاب حزنك
وإلى حزن
آخر    (شمس على مقاسي ص 54)    


[1] ) لطيفة حرباوي: شمس على مقاسي، (ومضات شعرية)، دار علي بن زيد للطباعة والنشر، بسكرة، الجزائر، ط1، 2013.
[2]) غسان كنفاني: أدب المقاومة في فلسطين (1948، 1966)، دار منشورات الرمال، قبرص، ط 2014، 2015، ص 19.
[3] ) عبد السلام المساوي: الشعر العربي المعاصر (أزمة التداول وإشكالية التلقي)، مجلة ذوات، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط، المغرب، العدد 29، 2016، ص 12.
[4] ) إبراهيم أحمد ملحم: منزلات الرؤيا (الشاعر العربي المعاصر وعالمه)، عالم الكتب الحديث، عمان، الأردن، 2010، ص 10.
[5] ) إبراهيم أحمد ملحم: منزلات الرؤيا (الشاعر العربي المعاصر وعالمه)، ص 13.
[6] ) إبراهيم أبو عواد: مدخل إلى علم اجتماع القصيدة، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 2009، ص07.
[7] ) عبد السلام شرماط: الشعر والواقع العربيين أية علاقة؟، مجلة ذوات، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط، المغرب، العدد 29، 2016، ص 65.
[8] ) إبراهيم أحمد ملحم: منزلات الرؤيا (الشاعر العربي المعاصر وعالمه)، ص 174.
[9] ) قيس مجيد المولى: مخيلة النص اشتغال آخر للمعنى، دار الينابيع، سوريا، ط1، 2009، ص 65.

( رحلة بلا قطار) .. بين أروقة دار الابداع للطباعة والنشر

( رحلة بلا قطار) .. بين أروقة دار الابداع للطباعة والنشر 
د. باسل مولود يوسف

ضمن توجهات دار الابداع للطباعة والنشر في تسليط الضوء على اصدارات كتابها ومبدعيها ؛ أقيمت على قاعة الاجتماعات فيها ؛ يوم السبت المصادف 25 / 3 / 2017؛ ندوة نقاشية لتقييم رواية الأديب المصري (أشرف مصطفى توفيق ) ، والحائزة على جائزة المركز الثاني لمسابقة صالون نجيب الثقافي الثانية 2016 . افتتح الندوة الدكتور( أسامة محمد صادق ) مدير الدار بالتعريف بشخصية الروائي ( أشرف التوفيق ) ومن ثم قام باستحضار مكنونات روايته عن طريق ايجازها باضاءة بانورامية متميزة . تلاه القاص ( مهند التكريتي ) للتحدث عن أهم عناصرها السردية ، وقد تم استعراض أهم الجوانب المطروحة فيها ، تلاه القاص ( جمال نوري ) والذي تحدث بدوره عن سيميائية العنوان ، أو الطريقة التي تم من خلالها استغلال الواقع الجذاذاتي الافتراضي المرسوم لبطلها الافتراضي ( صبحي عبد السلام ) في رسم باقي جوانب نصه المطروح للتشريح على طاولة النقد ، تلتهالباحثةاللغوية د. سفانة الصافي ، والتي قامت بتقديم عرضا بلاغيا حول ما تضمنته الـ( 109 ) صفحة منها وملاحظاتها حول الاهتمام بعلامات الترقيم ؛ أو تقديم المؤكد على المؤكد منه . ومن بعدها تم فتح باب المداخلات ، والتي استهلت بمقدمة رائعة للشاعر والروائي ( علي الغوار ) ، تلاه القاص ( ناصر الفضل )، بملاحظته حول بعض الجوانب الخفية ؛ والتي لم يتم التركيز عليها من قبل من سبقه ، ومن ثم جاء دور الناقد ( كفاح الآلوسي ) ليضع جملة من الأسئلة النقدية المهمة حول ما هية الرؤية الافتراضية لروايات وأعمال ما بعد الحداثة ، تلاه الروائي والقاص ( عامر الفرحان ) والذي عدّه عملا جريئا ومناسبا لايصال رسالة لجميع الاخفاقات التي اصابت مفاصل العدالة والقضاء المصريين ، وخصوصا بعد انهاك مؤسساتها بتبعات ما بعد ثوراتهم المتلاحقة . وفي نهاية الجلسة ؛ تم التنويه إلى نشاط الدار اللاحق ، وحسبما مثبت في جدول المنهاج الشهري لها . ومن الجدير بالذكر أن الرواية صادرة عن دار الابداع للطباعة والنشر ؛ ضمن بروتوكول ( عراقي - عربي ) للتواصل مع مبدعي الوطن العربي وادامة لحمة التواصل الابداعي معهم ، وتقع في ( 109 ) صفحة من القطع المتوسط .

الثلاثاء: مناقشة كتاب "ثرثرة فوق نهر التايمز" للكاتبة منى النموري بدار العين

مناقشة كتاب "ثرثرة فوق نهر التايمز" للكاتبة منى النموري بدار العين

تقيم دار العين للنشر أمسية لمناقشة كتاب "ثرثرة فوق نهر التايمز" للكاتبة منى النموري ويناقش الكتاب د سمير مندي ويدير الحوار د. فاطمة البودي، في السابعة مساء الثلاثاء الموافق 28/ 3/ 2017 بمقر دار العين للنشر 4 ممر بهلر قصر النيل - وسط البلد - الدور الثالث.

2017/03/25

الحمل الكاذب مسرحية من فصل واحد بقلم: د.عمر صوفي محمد



الحمل الكاذب
مسرحية من فصل واحد

 بقلم: د.عمر صوفي محمد
الشخصيات
 الزوج  : شاب فى الرابعة والثلاثين.-  
 الزوجة : شابة ، رشيقة ،  فى السابعة والعشرين.-
- الأم     :  أم الزوجة.
 الطبيب : فى الخامسة والأربعين.-
- الممرضة.
- عدد من الأصدقاء.
 ( المشهد الأول )
( صالة شقة  لأسرة من الطبقة الوسطى ، تجلس الزوجة ، تبدو مجهدة ، يدخل الزوج ، يلاحظها ، يجلس بجوارها)
الزوج  : حبيبتى .. أرى أنك هذه الأيام لست بصحة طيبة.
الزوجة : (منزعجة) لماذا  ؟!
الزوج  : لأن وجهك دائما أصفر شاحب.
الزوجة : (غاضبة) شاحب؟ ...وما رأيك فى شعرى ؟
الزوج  : ( ينظر لشعرها) أراه هائشا هشا متقصفا .. ويتساقط منه الكثير على المخدة.
الزوجة :  وماذا أيضا؟
الزوج  : ( يتفحصها بتمعن ) كما أرى أيضا ..
الزوجة : (تقاطعه بحدة ) كفاك..شرحتنى وحطمتنى. ألهذا الحد  لم  أعد أروق لك؟! ..منظرى أصبح منفرا إلى هذه الدرجة؟
الزوج  : ( مدافعا عن نفسه) حبيبتى..أنا لا أقصد شيئا.. بل أخشى عليك لأنى أحبك. وأخاف أن تكونى مريضة..أو منهكة من العمل ، أو ..
الزوجة : ( تحملق فيه ) أو ماذا؟
الزوج  :  لا أدرى ..لعلك تحتاجين إلى طبيب.
الزوجة :  وأنا أرى أنك تحتاج إلى زوجة جديدة ، فأنا أصبحت شاحبة هائشة الشعر ..قبيحة الخلقة.
الزوج  : لا ..لا ..ثم أنى لم أقل قبيحة الخلقة.
الزوجة : وماذا تنتظر؟  قلها بالمرة.
الزوج  : أنت أجمل النساء..لكننى أخشى عليك. تعالى..انظرى فى المرآة ( يحاول جذبها للمرأة المثبتة فى أحد الأركان، فتقاوم وتنزع يدها منه ، تهم وتبتعد عنه)
الزوجة : أعرف شكلى جيدا ..لا أحتاج إلى مرآتك.( تشعر بألم وهى تبتعد عنه، تنتابها أعراض قيىء ..تضع يدها على فمها ..تجرى فى اتجاه الحمام. يتابع الزوج مذهولا من خارج الباب .. نسمع صوت تألم وأنين الزوجة..تعود فى حالة إعياء تمسك بطنها)
الزوج  : هل صدقيتننى الآن؟ ألم أقل لك إنك مريضة. وهذه  أعراض المرض.
الزوجة : ( بصعوبة ) لكنى لا أحس بمرض معين..(ثم بتحفز ) أنت من أثار غضبى وإحباطى. أنت السبب.
الزوج  : أنا ؟!
الزوجة : ( لا ترد..تجلس مجهدة..يتابعها الزوج لفترة  صامتا..تعن له فكرة ..فترتسم ابتسامة على وجهه .يقترب منها)
الزوج  : حبيبتى..حبيبتى..لعلك لست مريضة .
الزوجة : ( تنظر إليه مستفهمة).
الزوج  : لعلها..لعلها  أعراض حمل .
الزوجة : ( تفاجأ ،  فتنسى ألمها) ماذا ؟!
الزوج  : لعلها أعراض حمل ..أليس هذا محتملا؟
الزوجة : ( تروقها الفكرة ) ربما ..من المحتمل..لكن لا أظن ..لا أظن..لعلها نزلة برد.
الزوج  : لماذا ؟ ألا تحبيننى ؟ ألا تودين أن يكون لنا أبناء ؟
الزوجة : بلى .. أود فى كل لحظة.
الزوج  : ( يبتعد غاضبا ) لعلك تتعاطين حبوب منع الحمل.
الزوجة : بالتأكيد ..لا.
الزوج  : أو أية وسيلة أخرى؟
الزوجة : لو كان الأمر كذلك ما ذهبت معك للأطباء، لنعرف سبب تأخر الحمل لمدة ثلاث سنوات منذ زواجنا.
الزوج  : إذن لنفترض أنها ..أنها أعراض حمل.
الزوجة : (تسلم برأيه بدلال ) لنفترض.
الزوج  : ( سعيدا ) إذن سأكون أبا.
الزوجة : هكذا مرة واحدة !
الزوج  : هكذا مرة واحدة ؟! وكيف أكون أبا إذن ؟! بالتقسيط المريح.. بخطة خمسية أم عشرية؟. حفرنا تفريعة قناة السويس  فى سنة ، وتستكثرين على أن تحملى منى بعد ثلاث سنوات .. أى ثلاث تفريعات .
الزوجة : إذن تظن أنها أعراض حمل ؟
الزوج  : أعتقد ذلك.
الزوجة : إذن سأكون أما .
الزوج  : تكونين أما ؟! هكذا مرة واحدة !
الزوجة : لا .. بعد تسعة شهور ، أو ربما أقل ، فلعله مرّ على الحمل شهر أو أكثر.
الزوج  : لا بد أن نذهب للطبيب.
الزوجة : نعم أظن ذلك .
( يتعانقان فى هيام )                        ( إظلام  )
( المشهد الثانى )
( غرفة عيادة طبيب نساء وتوليد ، يجلس الطبيب خلف المكتب متطلعا، طرقات على الباب تدخل الممرضة)
الممرضة : هل أٌدخل حالة  كشف جديدة يا دكتور؟ .
الطبيب  : نعم ..أجلى الإعادة لآخر اليوم.
الممرضة : وهل لليوم آخر.. النساء تمطر أطفالآ ليلا ونهارا كسماء الشتاء. ( تفتح باب الغرفة ، يدخل الزوج والزوجة ).
الزوج  : مساء الخير يا دكتور.
الطبيب  : ( مرحبا ) أهلا وسهلا.. أهلا بكما. كيف الحال؟
الزوج  : نرجو أن تطمئننا يا دكتور.
الطبيب  : أتمنى أن تكون المنشطات والنظام المتبع قد أتيا بنتيجة.
الزوج  : ( متهللا ) نظن ذلك.
الطبيب  : حقا ؟ ( ينظر للزوجة ، فتبدو سعيدة خجلة ) تهانئى مقدما..دعونا نتأكد من ذلك ( وهو يشير للزوجة باتجاه سرير الكشف ) تفضلى ( تنهض وتختفى خلف الستارة وكذلك الطبيب . نسمع صوت الطبيب ) يا الله...ما هذا ؟ .. لا أصدق.( يبدو الزوج مفزوعا من تعليقات الطبيب ، يظهر الطبيب) رائع يا سبع السباع ..تهانئى ...مبارك يا أسد... المدام حامل. ( تعود الزوجة من خلف الستارة وهى تعدل هندامها ) مبارك يا مدام.
الزوجة : شكرا يا دكتور ، البركة فى حضرتك.
الزوج  : حقا يا دكتور ؟ هل تأكدت تماما من ذلك ؟
الطبيب  : (بغضب )أتشك فى قدراتى ؟ هل تحب أن أريك الجنين على شاشة السونار ؟
الزوج  :  لا ..لا ..ما دمت متأكدا..أنا لا أفهم فى هذه الأشياء.
الطبيب  : هذا أفضل ، فصورة الجنين فى بداية الحمل تكون هلامية كطبق جلى، أما أنا ( بفخر)  فخبير فى هذه الأشياء،  ولعل نتيجة اليوم أكدت لكما ذلك.
الزوج  : طبعا ..فأنت خبير مشهور..خبير عالمى (يتجه للزوجة) مبارك حبيبتى ..ألف مبارك لنا .
الزوجة  : (بخجل وفرح ) مبارك لنا.
الطبيب  : يجب أن تهتم بها  يا بطل  فى الشهور القادمة..تحتاج إلى رعايتك النفسية أكثر مما تحتاج إلى...(يقهقه ) أظنك فهمت يا نمس.
الزوج  : ( يبتسم بمكر ) نعم فهمت .. شكرا يا دكتور.
الزوجة : شكرا يا دكتور.
الزوج  : سأكتب لك روشتة تسيرين عليها فى الأيام القادمة .. وهذه مطوية بها إرشادات ونصائح لصحتك وغذائك خلال الحمل. ( يناولها المطوية ) يكتب الروشتة ( يناولها للزوج )
الزوج والزوجة : شكرا يا دكتور
( يخرجان )
إظلام
المشهد الثالث
( صالة شقة الزوج والزوجة ، وقد ازدانت بالزينات ، كما توجد مائدة مكتظة بالأطعمة ، ينهمك الزوج فى تعليق المزيد من الزينة، تدخل الزوجة من باب الشقة فى يدها بعض الأكياس ، وقد انتفخ بطنها وتكور)
الزوجة  : ( تتأمل الزينات  بدهشة) ما هذا ؟ ماذا تفعل ؟
الزوج : ( مسرورا ) كما ترين ؟.. أعلق الزينات.
الزوجة  : لماذا ؟!
الزوج : لماذا ؟! لدينا الليلة حفلة.
الزوجة  : بمناسبة ماذا ؟ ليس هذا موعد عيد ميلادى أو ميلادك.
الزوج : لدينا أهم عيد ميلاد منتظر، سيكون أهم عيد ميلاد فى الوجود ، فى التاريخ.
الزوجة : فى التاريخ ؟ عيد ميلاد من هذا ؟
الزوج  : ( يقترب منها فى حنان، يضع يده على بطنها فى رفق)عيد ميلاد ابننا المحبوب.
الزوجة : عيد ميلاد ابننا المحبوب ! أمامى شهور قبل الوضع، وتحتفل بعيد ميلاده؟!.
الزوج  : وما المشكلة ؟ سنقيم حفلة كل ثلاثة شهور..لا ..بل كل شهر..لا.. بل كل يوم . نحن ننتظر هذه المناسبة منذ سنوات ، ستكون حياتنا كلها حفلة ممتدة.. فرح دائم.
الزوجة : والميزانية؟
الزوج  : الميزانية ؟ عليها اللعنة .. لسنا عبيدا للميزانية..كل شىء يهون من أجل هذه المناسبة.
الزوجة : ( تضع يدها على بطنها متألمة ) لا أدرى لماذا يزداد الألم كل يوم ..أحس بألم متزايد فى بطنى.
الزوج  : ( فرحا ) هذا طبيعى يا حبيبتى .
الزوجة : ( بدلال ) لكنى لا أحس بحركة طفلنا .
الزوج  : سوف يتحرك.
الزوجة : صحيح !
الزوج  : بل سيرفس.
الزوجة : صحيح ! ( تمسك بطنها بدلال )  أحس بحركة  هنا ..تعالى ..تعالى بسرعة ، (تمسك يده وتضعها على بطنها ) ضع يدك هنا ، ألا تحس بحركة ؟.
الزوج  : (بحماس ) بلى.. أحس أنه يضربنى بقدمه ..إنه يرفس ..اضرب يا أسد .
الزوجة : لعلها بنت ..اضربى حبيبتى .. لكن رفقا بأمك المسكينة.
( يرن جرس الباب ، تتجه الزوجة وتفتح، تدخل أمها ، تحتضنها) أهلا ماما .
الأم  : لماذا تفتحين الباب بنفسك ؟ أين زوجك ؟ ( تراه أمامها مبتسما ) لماذا تتركها تفتح الباب؟ ما فائدتك أنت فى البيت ؟ لماذا تجهدها؟ ألا تعلم أنها حامل تحتاج إلى راحة ؟( يحاول الزوج ان يتكلم ، فتواصل ) ولعلك تتعبها فى أعمال البيت ؟ ( ثم لابنتها ) من يطبخ لكما؟ ومن يكنس ؟
الزوجة : أنا طبعا يا ماما.
الأم   : ( للزوج بانفعال ) كيف تدعها تطبخ وتكنس ، ولعلها تغسل وتجمع الملابس منحنية على المنشر.. يا كبدى يا ابنتى ..  أليس فى قلوب الرجال رحمة ؟ المسكينة شاحبة ضعيفة ..تحتاج تغذية وراحة.
الزوج  : ( يحاول الدفاع عن نفسه ) الحكاية يا حماتى ..أننى ..
الأم  :) تقاطعه) الحكاية إنك عديم الرحمة..تريد إجهاضها..قتلها.
الزوج  : إطلاقا ..بل أتمنى لها كل خير..انظرى ( يشير للزينات) لقد علقت كل هذه الزينات احتفالا بحملها.
الأم   : (ساخرة ) شاطر.
الزوجة : وسنقيم الليلة حفلة كبيرة سيحضرها عدد كبير من الأصدقاء.
الأم  : وطبعا المسكينة ابنتى هى التى ستعمل خادمة لكل هؤلاء.
الزوج  : لا ..لا.. كل شىء جاهز.. توصيل الطلبات للمنازل لم يعد يتعب أحدا.
  (يرن جرس الباب، يفتح الزوج ، يدخل بعض الأصدقاء ، يرحب بهم الزوجان، يغلق الباب  )
الزوج  : أهلا بكم ومرحبا وشكرا لتشريفكم ، لدينا الليلة  وليمة وحفلة ساهرة بمناسبة المولود المنتظر .. تفضلوا ( يشير إلى مائدة الطعام ويتجه نحوها فيتبعه الجميع.. صوت أغنية صاخبة )
(إظلام)
المشهد الرابع
( غرفة الطبيب. الطبيب خلف المكتب ، تفتح الممرضة الباب ، تدخل الزوجة تستند على زوجها  )
الزوجة : (تتألم ) الحقنى يا دكتور.. الحقنى ..ألم رهيب
الزوج  : الظاهر إنها أعراض ولادة يا دكتور.
الطبيب  :  ( يهب من مقعده) لا تقلقى .. استبشرا خيرا.
الزوجة : (تتلوى وتتأوه) سأموت يا دكتور انقذنى.
الطبيب  :اهدئى ..العصبية الزائدة خطر عليك وعلى المولود.تعالى واسترخى هنا ( يصطحبها على سرير الولادة  يكشف بجهاز السونار وهى تصرخ ) إنها أعراض ولادة فعلا.. ومنذ عدة ساعات. لماذا تأخرتما؟.
الزوج : ( مفزوعا مرتبكا ) الشوارع مزدحمة يا دكتور. أنصار الفائزين فى انتخابات مجلس النواب يحتفلون ويسدون الشوارع. هل أنتظر بالخارج يا دكتور؟.
الطبيب  : كما تحب . يمكنك أن تبقى بجوارها، خاصة أن أمها غير موجودة.
الزوج : ( مترددا ) لا أدرى ، لم أمر بهذه المواقف من قبل .
الطبيب  : ( وهو يحضر للولادة ) الأمر بسيط..يمر به جميع البشر منذ بدء الخليقة. لا تخف ،( ثم للزوجة المتألمة ) هيا ساعدينى يا عزيزتى..ساعدى نفسك ووليدك ..ادفعى لأسفل ..بإرادة وتصميم..هيا دقائق ويزول الألم وتصبحين أما سعيدة    ( تتألم الزوجة وتصرخ ، تأخذ نفسا عميقا ..تدفع بشدة ..ثم تهدأ كأنها أغمى عليها )
الزوج : إلحق يا دكتور ، زوجتى ماتت.
الطبيب  : ( مهللا ) رائع .. أحسنت يا عزيزتى.
الزوج : رائع؟! ..زوجتى ماتت وتقول لها أحسنت.
الطبيب  : لم تمت، بل وضعت بسلام( يتلقى ما يظنه المولود.. يفزع الطبيب .. يصاب برعب وذهول ، يتراجع ، يضع نتاج الرحم على مفرش أبيض يحمله، يبدو كمشيمة ملطخة بالدماء، لا يوجد صوت بكاء لطفل  )
الزوج : ( مرعوبا ) أين المولود ؟؟ أين طفلى ؟!
الطبيب  : ( يعجز عن الإجابة، يتسمر فى مكانه حاملا المفرش الملطخ بالدماء..يهز كتفيه بما يفيد أنه لا يعرف، تبدو الزوجة فى غيبوبة)
الزوج : ( صارخا فى الطبيب ) أين المولود ؟ أين الطفل ؟ أين ابنى؟
الطبيب  : لا أدرى.لا أفهم ماذا حدث..شىء غريب..حالة نادرة.
الزوج : هل مات المولود ؟
الطبيب  : الحقيقة.. أنه لا يوجد مولود.
الزوج : ماذا ؟
الطبيب  : لا يوجد مولود.
الزوج : وماذا كان فى بطن زوجتى ؟
الطبيب  : لا أدرى .
الزوج : وماذا كنت تشاهد فى السونار ؟
الطبيب : إنها حالة عجيبة ..حالة نادرة.أحيانا تخطئ الأجهزة..أول مرة أعاين حالة ولادة  ، لكن دون مولود.
الزوج  : ولا حتى ميت ؟!
الطبيب: ( شاردا ) لا يوجد مولود..هذه هى الحقيقة !.
الزوج  : ولاحتى مشوه .
الطبيب : لا يوجد مولود..هذه هى الحقيقة !.
الزوج  : وماذا كان فى الرحم طوال تلك المدة ؟! ماذا كان يتشكل بداخلها يكبر؟
الطبيب : لا أدرى ..لعله ورم .. ورم ليفى ، لعله تضخم ، لكن لا يوجد مولود. هذه هى الحقيقة !.
الزوج  : ورم؟ .. تضخم؟ . إذن زوجتى تموت ..أو لعلها ماتت.
الطبيب  : أو لعلها تخلصت وشفيت من هذا الورم اللعين.
الزوج  : هل أنت مجنون ؟
الطبيب  : لا يوجد مولود..هذه هى الحقيقة !.
الزوج  : لعله ما يزال داخل الرحم .
الطبيب  : الرحم خاو تماما .
الزوج  : ( كالمجنون ) لعله سقط أسفل السرير. ( ينحنى ويبحث، يصيح فى الطبيب ) ابحث معى . ( ينحيان ويبحثان ، ينهضان . يضرب الزوج كفا بكف ) غير موجود. لا يوجد مولود. ..هذه هى الحقيقة !. (للطبيب كأنه يتشبث بأمل آخير ) أين طفلى ؟
الطبيب  : لا أدرى.
الزوج  : لعله مات فى الرحم وذبل.
الطبيب  : لا يوجد مولود حتى يموت.
الزوج  : هل ولد مسخا مشوها ؟
الطبيب  : لا أدرى ..لعله. لكن أيضا لا يوجد مولود.
الزوج  : ( إذن ) أنت كاذب. . دجال ..كنت تكذب علينا طوال الفترة الماضية وتبتزنا ، جعلتنا نبنى تلالا من الأحلام ، ثم تركتنا نهوى فى الفراغ السحيق ( يبكى ) أنت كاذب ..كاذب ومجنون.
الطبيب  : لا أدرى ..ربما.
الزوج  : ( يتشبث بالأمل) لكنك قلت توجد حالة ولادة.أليس كذلك؟.
الطبيب  : بلى ..لكن لا يوجد مولود .
الزوج  : ( فرحا قليلا ) إذن هناك حالة ولادة . اعترف .
الطبيب  : أعترف ..هناك حالة ولادة .. لكن لا ...
الزوج  : ( يقاطعه ) وما هذا الموجود فى المفرش ؟
الطبيب  : مشيمة.
الزوج  :  وماذا كان داخل المشيمة ؟
الطبيب  : المفروض أن يكون بداخلها طفل .
الزوج  : ( يهذى) لا يهم .. لعله طفل من نوع خاص .. حالة خاصة . كائن مختلف عما عرفته البشرية .
الطبيب  : لعله .
الزوج  : إذن لدينا مشيمة ..
الطبيب  : بالتأكيد.
الزوج  : ولدينا حالة ولادة .
الطبيب  : بالتأكيد.
الزوج  : رائع.
الطبيب  : رائع ؟! ليس لدينا مولود.
الزوج  : لا يهم .. المهم أن لدينا حالة ولادة .
الطبيب : ( فرحا ) فعلا .. لدينا حالة ولادة.
الزوج  : ( يتجه لزوجته الغافية الغائبة عما يدور حولها ) افرحى حبيبتى .. لدينا حالة ولادة. لدينا حالة ولادة (تتحرك الزوجة قليلا) هيا افيقى .. ( كالمحموم ) لدينا حالة ولادة .
(إظلام )
 ( المشهد الأخير)
 ( صالة شقة الزوج والزوجة ، الشقة مزدانة بالزينات ، والمائدة مكتظة بالطعام، الزوج منهمك فى تعليق الزينات ، تدخل الزوجة من إحدى الحجرات وقد عادت لرشاقتها )
الزوجة : ( تتساءل بأسى ) هل أنت متأكد يا حبيبى أن لدينا حالة ولادة ؟
الزوج  : هل لديك شك فى ذلك ؟! ماذا كنا نفعل إذن عند الدكتور ؟! ثم انظرى إلى بطنك، أين الجنين ؟ عدت رشيقة يا عصفورتى.
الزوجة : (متحسرة ) نعم يا حبيبى ..أين الجنين ؟
الزوج  : بطنك عاد طبيعيا ..الجنين غير موجود فى بطنك ..هذه حقيقة .
الزوجة : وأين ذهب إذن  ؟
الزوج  : ليس مهما أين ذهب؟ السؤال هو: هل لدينا حالة ولادة؟ لدينا حالة ولادة ..هذا مؤكد .
الزوجة :  ( فرحة ) نعم ..لدينا حالة ولادة . وماذا سنفعل الآن ؟
الزوج  : ماذا سنفعل الآن ؟! حفلة كبيرة طبعا ..وليمة ..عقيقة ..سنذبح خروفا ..لا بل سنذبح عجلا.
الزوجة : لِمَ كل هذا؟ ومن أين لنا؟ لقد بعت ذهبى واقترضت من أمى .
الزوج  : ليس مهما .. كل شىء يعوض .. المهم أن لدينا حالة ولادة .
الزوجة : وإلى متى ستستمر هذه الاحتفالات ؟
الزوج  : إلى الأبد ..أنه حدث تاريخى .. قد لا يتكرر مرة أخرى .
الزوجة : (باشتياق ) هل يمكن أن نرزق بمولود جديد ؟
الزوج  : مولود جديد ؟ ربما .
الزوجة : أتمنى أن يختلف عن هذه المرة.
الزوج  : (مأخوذا ) ماذا تقصدين ؟ ( يحدق كل منهما فى عينى الآخر فى صمت ، كأنه يخشى أن يبوح للآخر بالحقيقة ، يهرب الزوج من المواجهة)  دعينا نعيش اللحظة الحالية ، لماذا نفكر فى الغد البعيد ، المهم الآن أن لدينا ولادة .
الزوجة :  ( متحسرة )  نعم لدينا ولادة ..(بحزن عميق ) لكن أين المولود ؟
الزوج  : ( منفعلا ) لماذا نشغل أنفسنا الآن بهذه الآسئلة الهامشية .. الجميع يعلم أن لدينا ولادة... تريدين مولودا؟        ( يتناول دمية على شكل طفل ) ها هو ذا يا سيدتى .. ليست هذه هى القضية .
الزوجة : ( تحتضن الدمية فى حنان ) يا الله إنه رائع...هل سيحضر الأصدقاء فعلا؟
الزوج  : كل هذه الوليمة ولا يأتون ؟ ! حتى الطبيب سيأتى .
الزوجة : حبيبى .. ماذا سنسمى المولود؟
الزوج  : لقد أسميته بالفعل ؟
الزوجة : أسميته ؟ ماذا أسميته ؟
الزوج  : "محروس".
الزوجة : "محروس " ؟!
الزوج  : ماذا ؟ ألا يعجبك الاسم ؟
الزوجة : نعم .. لا يعجبنى . ثم لعله بنت ،  لماذا لم تسمها محروسة .. (بفرح ) نعم ..محروسة ( تهدهد الدمية ) اسم رائع.
الزوج  : لم يعد أحد يسمى هذه الأسماء للبنات. اسم قديم جدا ..اسم تاريخى .
( يدق جرس الباب، يفتح الزوج، تدخل حماته محملة بالهدايا )
الزوجة : (تحتضنها ) أهلا ماما .
الأم    :أهلا حبيبتى .. كيف حالك ؟
الزوجة : انظرى ماما ..هذا هو المولود ..زوجى يريد أن يسميه  " محروس " وأنا أود أن أسميها " محروسة "
الأم    : (لا تنظر للمولود ) محروس أم محروسة ؟! المولود ولد أم بنت ؟!
الزوج  : لا يهم نوع المولود .. المهم ماذا نسميه .."محروس" أم "محروسة" ؟
الأم    : الأفضل أن تسموه "عزيز " أو " عزيزة" ؟
الزوج : يا لها من أسماء قديمة منذ عصر الاحتلال البريطانى.
الأم    : ( بغضب ) قديمة؟ ألا تعجبك أسمائى؟..إذن لا تسألونى.
       ( يدق جرس الباب، يفتح الزوج ، يدخل الطبيب )
الزوج  : أهلا بطبيبنا المغوار .. مرحبا بالعلامة الكبير فى بيتنا المتواضع . جئت فى الوقت المناسب .
الطبيب  : شكرا لكم .
الزوج  : ما رأيك يا دكتور .. نسمى المولود " محروس " أم " محروسة "؟
الطبيب  : ( مفكرا ) أظن الولادة كانت توأما .
الزوج والزوجة :حقا ؟ هل هذا مؤكد ؟
الطبيب  : أظن ذلك.
الزوج  : لا يكفى الظن ..لا بد من اليقين .
الطبيب  : اليقين ؟! إذن أنا متأكد.
الزوج  : إذن حالة الولادة كانت  توأما .. لدينا توأم .. سنسميهما " محروس " و " محروسة " .
الزوجة : لعل محروسة ولدت أولا.. ( للطبيب ) لكن لا يوجد إدرار للبن فى صدرى . لماذا يا دكتور .
الطبيب  : ( بلا مبالاة ) لا يهم .. ليس شرطا.
الزوج  : (يتدخل ) نعم حبيبتى ..ليس شرطا ، هل كل ولادة لا بد أن يترتب عليها إدرار للّبن ؟ لا .. وإلا لماذا اخترعوا اللبن الصناعى ..معظم أطفال العالم يعيشون على اللبن الصناعى. لا تشغلى نفسك بهذه المسألة الفرعية .. المهم أن لدينا ولادة .
    ( يرن جرس الباب ، يفتح الزوج ، تدخل مجموعة الأصدقاء ، ترتفع موسيقى صاخبة ، يغنى الجميع)
الجميع :
لدينا حالة ولادة
حلاوتها سكر زيادة
شربات يا ناس فوق العادة
توأم ملائكة غنوا يا سادة
لدينا حالة ولادة
توأم جعل حياتنا سعادة

(ستار النهاية )
  الفيوم
20 /10 /2015