2016/06/12

حمام كليوباترا الصَّباحي.. قصة بقلم: خيري عبدالعزيز


حمام كليوباترا الصَّباحي
خيري عبدالعزيز
   ... الصََّباح طفل وديع ...
   في غلالتها الرَّقيقة تتهادى بجوار أنطونيو إلى التَّجويف الصَّخري على مشارف البحر, النَّسيم في لهوه الماجن يثير حفيظة العاشق المتوجس دوماً, حائر هو أنطونيو بين الكنوز التي تتراءى بالمجان, وبين هذا الماجن يشاكس حبيبته! عند أعتاب كوة الولوج الشَّرقية بالحمام الملكي يَعِدُها بالانتظار أمد الدَّهر, وأنَّه لن يختلس النَّظرات, كما فعل سابقاً! ويكرر مراراً, مخضب الوجنتين من أثر الكذب مفضوح النَّبرات!
    على شفتيها المغويتين, انطبعت ابتسامة من لا يُصدق, كما أن ارتخاء جفنيها على عينيها النَّاعستين المحرضتين أفصحتا أنها لا تعبأ!
    غيبتها الصَّخرة الجوفاء, وتسمر أنطونيو "ديدبان" يراقب الكون ألا يغافله, ويشاركه إثمه الأبدي؛ اختلاس النَّظرات!
    لم ينتبه أنطونيو أن الشَّمس تتربص, وأنَّها في انتظارها الصَّباحي لموعد الحموم دائماً ما تتحين الفرصة! والغيمَّة وشيكة الوضع, على غير موعد تجيء, تَسُد الأفق على الآمال الملتهبة, من حقدها الدفين غيمت الدُّنيا!
   وقفت الفاتنة الحسناء تتوجس من العتمَّة الرَّابضة كما حية رقطاء في جوف صخرة الحموم! العتمَّة تُمني نفسها, ترغب الفتاة المشعة بالضوء, تنهش ما تَعرى من لحمها البض بعينيها المخيفتين! يراود كليوباترا هاتف العودة؛ للخاطر يرتعد البحر, تغتاظ الشَّمس, يخاطبا بتضرع ذليل الرِّيح المتكورة على نفسها في الطَّرف الآخر من الكون! تنتفض الرِّيح للنداء المحموم, تبذل قصار جهدها, فيما تلهب الشَّمس رحم الغيمَّة العامر بأشعتها الجهنَّمية؛ تُجهضها مطراً, تنثرها فتاتاً.. أخيراً تقشعها الريح, والبحر يلعق ما تناثر!
    ومن الشُّقوق النَّحيلة بأجناب الصَّخرة تستحيل الشَّمس من قرص كامل الاستدارة إلى خيوط ذئبية الرَّغبة! وبضوء مربد بالشَّهوة, يفيض الحمام الملكي!!
    البحر أسفل قدميها, يتسحب من الكوة الشَّمالية ثعبان متوحش! والرِّيح أبت أن تعود, مكثت تتابع بالقريب!
   ورويداً, أسفل السَّاقين العاجيتين, يلتئم البحر, يُكبل جميلة الجميلات المستسلمة عن طيب خاطر؛ يُغريه سُكونها لأهازيجه البربرية, وتَفْتُح مسامها بالنَّشوة؛ فيتطاول إلى الأبواب الموصدة تنفتح طواعية! وانبرت حزمة ضوء, أغراها الخدر يجمد الأطراف؛ تلثم بشبق محموم الغمازتين على الخدين في تفتحوهما المتأني!
   لقح الضَّوء الماء بالدِّفء, تملصت الرِّيح لفحة عابثة؛ تُحرر كيلوباترا من قيد الغلالة فاكهة تامة النَّضج, تندلق أُنثى شهية, يتلقفها البحر في ممرها الأثير فتى عربيداً! ثمة نعومة مغوية وصخب ماجن فيما يُعربدون: كليوباترا, والبحر, والشَّمس, والرِّيح!
    الموج أرعن كعادته, لا يحتمل, يهتاج! وعند الكوة الشَّمالية يزمجر مشبوباً بالعاطفة, هادراً بالرَّغبة, يتلاطم دفعات, يتكسر رزازاً!
    ينتبه أنطونيو كم هو غافل مغفل, يُهاجم بسيفه ورمحه, ينتزعها باستماتة محب, كما أنقذها في صباحات سابقة, عارية كوليد!!