2018/10/29

المكتبة الخضراء بين الهدم والبناء بقلم: نهى حسن

المكتبة الخضراء بين الهدم والبناء
بقلم: نهى حسن
يعتبر الأدب نافذة الأجيال الناشئة على العالم منها يتعرفون على مفاهيم جديدة ويجدون بداية طريقهم في الحياة. والمكتبة الخضراء هي إحدى هذه النوافذ التي أتاحت لأجيال كثيرة الانفتاح على عالم رحب شيق غني بالأفكار والمعاني الإنسانية النبيلة فحظيت بمكانة مرموقة في نفوس هذه الأجيال والمهتمين بالأدب. لكن هل كانت نافذة المكتبة الخضراء دائما مفتوحة على مصراعيها أمام هذه الأجيال، أم كان بها في وقت من الأوقات قضبان حدت من انطلاقها نحو هذا العالم الرحب، وأسدلت عليها في أحيان أخرى ستائر جعلت رؤيتها مشوشة وأربكت عقولها التي لم تنضج بالقدر الكافي بعد؟ هذا هو ما سنناقشه في هذا المقال حيث يتناول هذا المقال تأثير بعض قصص المكتبة الخضراء وقصص أخرى سلبا أو إيجابا على تشكيل وعي الطفل وأفكاره فيما يتعلق بتوظيف المثالية والواقعية، وصورة المرأة، وفكرة العدالة.
أولا: توظيف المثالية والواقعية:
يرفض الكثيرون لفظ "المثالية" باعتباره مرادفا للسلبية وعدم الواقعية في التعامل مع الحياة اللتان تؤديان إلى الفشل. لكن، في وجهة نظري، فإن المثالية ليست بالضرورة شيء سلبي خاصة حين يتعلق الأمر بأدب الطفل والناشئة، والواقعية لا تكون إيجابية إذا وضعت في غير مكانها، فلكل منهما دوره ومكانه في أدب الطفل والناشئة وقد يحدث الخلل حين يأتي أحدهما في غير موضعه ودون وجود مبرر واضح لذلك. فالمثالية كثيرا ما تعوض أطفالنا عما شهدوه من حرمان وقسوة وظلم في واقعهم. أما الواقعية فهي ضرورية أيضا حيثيؤكد برونو بتلايمعالم النفس الأمريكى–وفقا لما ذكرته أستاذتنا غراء حسين مهنا- فى دراسته لحكايات الأطفال إن علينا أن نقدم لهم الخير والشر: نماذج طيبة ونماذج شريرة من البشر ولا نقدم فقط الجمال والحق والعدالة والمثل العليا لأن الحياة التى يعيشها الطفل فيها أيضا الألم والقسوة والقبح والموت إلخ...وبذلك نمهد لهم مواجهة الواقع. لكن المهم أن تأتي المثالية والواقعية في المكان المناسب لهما بحيث يحققان الهدف المَرجو منهما.
وتظهر الواقعية في غير محلها في بعض الأعمال الموجهة إلى الناشئة مثل قصتي الكاتب عادل الغضبان"عقلة الإصبع" و"الأخوات الثلاثة" وهما من قصص المكتبة الخضراء حيث أظهرت القصتان نموذجا مشوها للآباء دون مبرر واضح لذلك، ففي الأولى "تواطأ" الوالدان الفقيران على التخلص من أولادهما ورأى الأب أنه من الأفضل أن "تأكلهم الذئاب" وهما (أي الوالدين) بعيدان "منهمخيرٌ من أن يفترسهم الجوع على مرأى [منهما]ومسمع" وعندما رزقهما الله بالمال لم يعودا للبحث عن أطفالهما في الغابة وجلسا "في المنزل يتحدثان ويأكلان طعاما شهيا". وهكذا قدمت القصة نموذجا بشعا للآباء وفشلت جميع المحاولات في القصةلتبرير موقفهما. وظهر نموذج مشابه في القصة الثانية حيث ظهر أبوان يحبان ابنتيهما الكبرى والوسطى "لأنهما كانتا مثلهما سوء طباع وشراسة خلق" ويضطهدان الصغرى لأنها "على جانب عظيم من الجمال والذكاء وكرم الأخلاق"! وعلى الرغم من أننا قد نرى نماذج كهذه في الواقع إلا إنها تعتبر شاذة وتأتي عادة مصحوبة بعبارات مثل "أبوان تجردا من إنسانيتهما" ولا أرى الفائدة التي تعود على الأجيال الناشئة من خلال عرض هذه الحالات "الواقعية" المشوهة، إذا كان الغرض هو تعليم الأجيال عدم رد الإساءة للأبوين كما فعل عقلة الأصبع فهناك احتمال قوي أن يأتي هذا الأمر بنتيجة عكسية لأن المبالغة بهذا الشكل قد تجعل التسامح مع هاذين الأبوين أمرا غير منطقي بالنسبة للقراء من الناشئة وسيشعرون بانعدام العدل في الحياة والارتباك عندما يرون الملك يكافيء الأب القاسي بمنحه "مبلغا كبيرا من المال" ويعينه "مديرا لحدائق القصر" خاصة وإن الناشئة لا يتعلمون من هذه الأعمال كيف يكونوا أبناءا فقط ولكنهم يتعلمون أيضا كيف يكونوا أباءا وليس جيدا أن يصلهم أن هذا النموذج من الآباء هو الذي يُكرم في الحياة. وعلى الجانبالآخر، تمت معاقبة الأبوين في العمل الثاني "الأخوات الثلاثة" بأن مسخا "حمارين"، ومن يضمن لنا أن الأجيال الناشئة لن تتولى معاقبة أمثال هؤلاء الآباء بنفسها في المستقبل فيقعوا في إثم العقوق، ومن يضمن أن عقولهم التي لم تبلغ النُّضج بعد لن تقع في خطأ التعميم فتؤثر هذه النماذج على علاقة الأبناء بآبائهم وثقتهم بحب آبائهم لهم.هذه ليست دعوة لعدم مناقشة قضايا الواقع الشائكة لكنه بيان لخطورة تجسيد الواقع دون توخي الحذر مما قد ينتج عن ذلك ودون تحديد الهدف من تجسيده، وهناك دائما بدائل تجنبنا التعرض لمثل هذا الخطر، فقد تطرقت قصة "المرآة السحرية" للكاتب عبد الله الكبير لعلاقة الآباء بالأبناء بواقعية ليس بها مبالغات ودون تقديم نماذج شاذة مشوهة حيث هرب الابن من غضب أبيه الغير مبرر عليه لكن في نهاية القصة وجد أن "تفكيره في أبيه، وفيما هو عليه، ينغص عليه سعادته" فعاد لأبيه ليشرح موقفه "وطلب منه أن يستعد للسفر معه، ليعيش معه ومع زوجته الأميرة"وبذلك قدمت القصةنموذجا واقعيا للآباء دون مبالغات وأرشدت قراءها من الناشئة لكيفية التعامل معهم بأسلوب راق لا يخلو من الاحترام والبر.
والعكس صحيح، نجد بعض الأعمال التي تضع المثالية في غير محلها فعلى سبيل المثال إخبار القراء من الناشئة أن باستطاعتهم النجاح في حياتهم بالعمل الجاد وحده هي مثالية قد تؤدى لصدمتهم حين يواجهون الواقع لأن الحياة أكبر من ذلك. ومثال آخر على ذلك ما حدث في قصة "الشعرة الذهبية" لغراء حسين مهنا حيث رأينا البطلة ينقذها عصفوروالطبيعة تقدم لها كل شيء دون مجهود منها مما قد يعزز لدى الناشئة مفهوم التواكل وانتظار المعجزات للخروج من مآزق الحياة. وكذلك قصة "سر اللحية البيضاء" للكاتب يعقوب الشاروني حيث تزوجت وردة الزيجة الأفضل وحصلت على المكافأة الأكبر لأنها "تثق في كل الناس" واعتبرت القصة هذه الخصلة فضيلة تتميز بها وردة بينما تعتبر هذه الصفة في الواقع سذاجة قد توقع صاحبها في الكثير من المشاكل لأن سوء الظن منبوذ لكن أيضا الحرص واجب في التعامل مع الناس.
 لكن الأمر ليس بهذا السوء دائما، حيث أجادت أعمال عديدة استخدام المثالية والواقعية. ففي قصة"القصر المهجور"لغراء حسين مهنا ظهرت دعوة للتخلي عن عدم الواقعية في مواجهة الحياة والاعتماد على حدوث المعجزات فبدلا من العثور على كنز من الذهب والفضة في القصر المهجور عثرت نسمة على الكنز الحقيقي الذي سيضمن لها السعادة وهو "العمل..العلم..الإيمان". وفي قصة"الرفيق المجهول" للكاتب عبد الله الكبير أنقذ البطل أحد الأشخاص المتوفين من التمثيل بجثته فظهر هذا الشخص المتوفي فيما بعد في حياة منقذه وساعده في تحقيق حلمه دون أن يعلم الأخير أن هذا الشخص هو المتوفي الذي أنقذه من قبل حتى يكشف له المتوفي حقيقته في نهاية القصة، وبذلك ترسخ المثالية هنا لدى القراء من الناشئة أن فعل الخير يعود على صاحبه بالخير حتى لو كان هذا الخير موجها لشخص متوفي.
ثانيا: صورة المرأة:
كما ذكرنا في البداية يعتبر الأدب نافذة على العالم ولكن الأمر الهام هو ما يشاهده القاريء من هذه النافذة هل سيرى القاريء عالم الماضي بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات ومن جمال وقبح، أم سيرى عالم المستقبل الذي يحمل جمال الماضي لكنه يرفض قبحه؟ ويأخذنا هذا الكلام إلى صورة المرأة في أدب الناشئة لنرى ما إذا كان دوره قد اقتصر على تقديم الأنماط القديمة التي تقلل من شأن المرأة ومكانتها التي وصلت إليها في العصر الحديث،أم قدم صورة جديدة تنشيء جيلا جديدا ينظر إلى المرأة بشكل مختلف كفرد في المجتمع مساو للرجل في الحقوق والواجبات.
وسنبدأ في هذا المقال بتناول الشكل فمن المنطقي أن تصف القصة شكل البطل أو البطلة لكن اللافت هنا أن ذلك الأمر أحيانا يتم بإيجاز بعض الشيء إذا كان البطل رجلا ولكن إذا تم وصف شكل البطلة فإن الوصف يكون أكثر تفصيلا، وهذا في حد ذاته تمييز لأن الإنسان، سواء كان رجلا أو مرأة، ليس مسؤولا عن شكله والاستفاضة في التعليق على شكل المرأة يعطي إيحاءا بأن هذا الأمر هاما بالنسبة لها أكثر من الرجل. ولكن الأهم من ذلك هو ما ينتج عن وصف المرأة بالقبح أو الجمال حيث يتم أحيانا الربط بين دمامة الشكل وسوء الخلق وبين جمال الشكل وحسن الخلق كما حدث في قصة "الليمون العجيب"  للكاتب عادل الغضبان حيث كانت الجارية الشريرة "قبيحة المنظر" مثل "قرد" و"غراب شنيع" أما الجنية الطيبة فهي "رائعة الجمال..بشرتها البيضاء، وخديها المشرقين بلون الورد، وشعرها الذهبي....إلخ"مما يرسخ لدى القراء من الناشئة مبدأ الحكم على المرأة بناءا على شكلها على الرغم من أننا إذا تأملنا في هذه القصة نجد أن الشر بداخل الجارية هو نتيجة للمعاملة القاسية من قبل سيدتها والمجتمع الذي يهينها ويصفها بأنها تشبه القرد ورأينا ذلك في قولها "لست بقرد كما يقولون لي دائما"، وهي ذكية حيث حاولت استغلال مبدأ المجتمع غير المنصف بتقييم المرأة بناءا على شكلها لصالحها على الرغم من أننا لا نتفق معها في أنها قامت بإيذاء الجنية للوصول إلى هدفها، وهي تعمل كجارية فهي امرأة مستقلة قادرة على القيام بعمل ما، وعلى الجانب الآخر نرى الجنية -خاصة في بداية القصة- شخصية اعتمادية وقعت في فخ الجارية بسهولة ولا تجيد القيام بعمل ما وكان أول ما قالته للأمير في أول ظهور لها"اسقني" فسارع الأمير في تنفيذ طلبها حتى لا تختفي كسابقاتها، وقد حزن الأمير وبكى عندما رأى الجارية مكان الجنية ووجد أنه ترك "حمامة وديعة انقلبت إلى غراب شنيع" دون أن يكون لذلك علاقة بمعرفة عميقة لشخصية أي منهما ودون الالتفات لمزايا الجارية التي سبق ذكرها. ولكن الحال لم يكن كذلك دائما في قصص المكتبة الخضراء فهناك قصصاستطاعت الخروج من هذه القوالب مثل"دنانير لبلبة" للكاتب يعقوب الشاروني حيث رأينا البطلة لبلبة هي الأقل جمالا ولكنها الأفضل من حيث السلوك والشخصية حيث ظهرت متسمة "بضآلة حجم ونحافة وشحوب". كما ظهرت الساحرة الشريرة في قصة "المغامر الجريء" للكاتب عادل الغضبان كامرأة "شقراء".
وقد تناولت قصص المكتبة الخضراء وقصص أخرى فكرة زواج المرأة فظهرت المرأة مسلوبة الإرادة في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى اعتبر الزواج منها مكافأة لها بدلا من منحها عملا يناسب مزاياها الشخصية وأحيانا كان الزواج وسيلتها للدفاع عن قضيتها. وتحولت المرأة في عدة قصص إلى جائزة وهدية معدومة الإرادة تمنح للفائز ووضع مصيرها رهن نتيجة مسابقة من خلال فكرة الزواج. ففي قصة "قصير الذيل" للكاتب عادل الغضبان "أذاع [الملك] أنه يمنح يد ابنته ونصف مملكته لمن ىتغلب على الشجرة" ويقطعها"ويقوى على الصوان فيفجر منه الماء" ورغم محاولة استدراك هذا الخطأ انتهى الحال بزواج الفتاة على غير رغبتها بسبب وعد قطعه أبوها في موضوع يتعلق بمصيرها ولم يشترط فيه موافقتها وكانت هذه نهاية سعيدة وفقا للقصة. وفي قصة "الراعي الشجاع" للكاتب محمد عطية الإبراشي تم مكافأة "المنقذ المزيف" بأن وعده الملك بأن يزوجه ابنته الأميرة ووقعت الأميرة في مأزق بسبب ذلك وبدت عاجزة عن إنقاذ نفسها في ظل غياب المنقذ الحقيقي.وكذلك الحال في قصة "طيور الأحلام"للكاتب يعقوب الشاروني حيث جعلت القصة زواج الأميرة مرهونا بنتيجة مسابقة بعد أن ظهرت الأميرة في بداية القصة كامرأة مستقلة تقرر مصيرها بنفسها فكان ذلك تراجعا في التعبير عن قيمة المرأة في القصة. وفي قصة "سر اللحية البيضاء" للكاتب يعقوب الشاروني رأينا نهاية مخيبة للآمال لفتاتين تعيشان مع أمهما حياة مستقلة في مكان منعزل بعض الشيء بالقرب من الغابة ولا تخشيان التنزه فيها وتقوم الفتاتان بعدة مغامرات تثبت ما يتمتعان به من قدرات عقلية ومزايا شخصية لتكون مكافأتهما في نهاية القصة هي الزواج من ولي العهد وشقيقه. وتأخذ فكرة الزواج بعدا جديدا في هذه القصة حيث تأتي الزيجات متفاوتة في أهميتها فتزوجت وردة من ولي العهد وتزوجت زهرة من شقيقه الذي لن يحظى بنفس السلطة في المستقبل على أساس أن وردة أفضل من زهرة لأن الأولى "تثق في كل الناس" والأخيرة "لا تتحمس لاندفاع أختها في مساعدة كل من يطلب المساعدة". وبذلك كانت مكافأة الفتاتين هي الزواج بدلا من منصب أو عمل يليق بمزاياهما. وعلى الجانب الآخر أظهرت فكرة الزواج في قصة "طيور الأحلام" ما تعانيه المرأة من ظلم المجتمع الذي يتربص بها في كل ما يتعلق بسمعتها ويسارع في اتهامها لأتفه الأسباب ويعتبر في ذلك نهايتها من خلال كلمات البطل "بدر باسم" لمربية الأميرة "لابد أن يعرف الناس حقيقة دوافعها لرفض الزواج، وإلا انتشرت حولها إشاعات تؤذي سمعتها كثيرا، وتؤثر على حقها في تولي الحكم يوما وهي الوريثة الوحيدة لعرش المملكة!".وفي قصة "شهرزاد بنت الوزير" للكاتب كامل الكيلاني كان الزواج هو وسيلة شهرزاد للدفاع عن بنات جنسها لأنها القادرة على إنقاذهن وإعادة الحاكم إلى صوابه فخدم الزواج قضية كبرى.
وننتقل من خلال الحديث عن شهرزاد وإنقاذها لبنات جنسها إلى فكرة أخرى وهي دور المرأة في المجتمع وتناول الأعمال الأدبية لهذه الفكرة. ففي قصة "المغامر الجريء" للكاتب عادل الغضبان رأينا المرأة هي البطلة الحقيقية للقصة حيث تقود كريمة الأحداث من محبسها عن طريق توجيه البطل إلى ما يجب عليه فعله، كما تمتعت بحضور معنوي حتى وإن غابت في العالم المادي واتضح ذلك حين قال العملاق لأنور بطل القصة "إنك ولا شك قد رأيت كريمة..." حين رأى أن أنور قد تغلب على حيلته لتستمر بعد ذلك أعمال كريمة البطولية حتى نهاية القصة. وفي قصة "أطفال الغابة" منحت الحوريات الخاتم الذي سيحفظ الأطفال إلى الفتاة الصغيرة ليصدق حدس الحوريات بعد ذلك وتصبح الفتاة هي منقذة أخويها في النهاية بعد أن ظهرت كشخصية اعتمادية لا تتحمل المسؤولية في بداية القصة. وكذلك في قصة "البنت والأسد" حيث حدث عكس للأدوار وسعت الزوجة لإنقاذ زوجها الأمير. وفي قصة "قصير الذيل" للكاتب عادل الغضبان رأينا مباراة عقلية بين رجل وامرأة ورأينا اهتماما بعقل المرأة في قصة "طيور الأحلام" للكاتب يعقوب الشاروني وإن شهدت القصة تراجعا لقيمة المرأة مع الاقتراب من نهاية القصة على الرغم من أن الأميرة تفهم بوضوح ما لا يفهمه أبوها. وكذلك قصة "الصياد المسكين والمارد اللعين" للكاتب يعقوب الشاروني حيث تطرح الابنة على الأب فكرة لم تخطر بباله فيما يتعلق بالتعامل مع المارد.وفي قصة "القصر المهجور" لغراء حسين مهنا رأينا انتصارا للمرأة حيث اختارت القصة فتاة لتتحدث من خلال رحلتها عن الحياة والتعامل معها بواقعية لا يكون فيها مجالا للاعتماد على حدوث المعجزات.وفي قصة "سر العلبة الذهبية" للكاتب عبد الله الكبير أكدت القصة على أهمية عمل المرأة لكنها حصرت هذا الدور في الصناعات الصغيرة والعمل من المنزل. وفي قصة "الشعرة الذهبية" لغراء حسين مهنا رأينا تأكيدا على حق المرأة في التمتع بالحرية لكن بدت البطلة سلبية بعض الشيء حيث لم تسع لنيل حريتها بنفسها واعتمدت على مساعدة العصفور لها. كما رأينا نموذجا سلبيا لدور المرأة في المجتمع في قصة "دنانير لبلبة" للكاتب يعقوب الشاروني تمت مكافأة لبلبة بجعلها تترك العمل لتعود إلى المنزل ترعى جدتها وتعتمد في دخلها على دينار ذهبي تمنحه لها الحوريات كل صباح ومكافأة نهاية الخدمة بعد أن أصبحت "في غير حاجة إلى العمل" مما يعيدنا إلى الاستخدام الخاطيء للمثالية.
ثالثا: العدالة:
حين تُذكر العدالة يُذكر عدوها اللدود؛ التنميط. وقد ذكرنا أكثر من مثال للتنميط في قصص الناشئة في الجزء المتعلق بصورة المرأة. كما ظهر التنميط في قصة "سر اللحية البيضاء" للكاتب يعقوب الشاروني حيث قالت زهرة "أن كثيرا من الأقزام يقومون بأعمال شريرة" وفي نهاية القصة يظهر صدق كلامها!وفي قصة "العبد مرجان" لغراء حسين مهنا لم يصل العبد مرجان إلى مبتغاه إلا عندما تغير شكله بتحول بشرته السوداء إلى بيضاء فكان هذا انتصارا للفكرة النمطية عن الوسامة. ولكن التنميط ليس الوحيد الذي يقف في وجه العدالة في هذه القصص فقد ظهر أكثر من مثال لجزاء ليس من جنس العمل. ففي قصة "الليمون العجيب" للكاتب عادل الغضبان وصف الابن بالعاق وقدمت القصة أكثر من دليل على ذلك حيث تجاهل البطل تطلعات أبيه حين لم يكن راغبا في الزواج وحين رغب فيه ويفاجأ القاريء بعد ذلك أنه قد تمت مكافأته حيث لم تتذكر القصة عقوقه في النهاية. وفي قصة "القداحة العجيبة" للكاتب عبد الله الكبير سرق البطل قداحة العجوز التي تركتها جدتها مستغلا ضعفها وعدم قدرتها على اللحاق به وبدلا من معاقبته تمت مكافأته على ذلك وأظهرت القصة تحيزا غير مبرر ضد العجوز حيث وصفتها بالقبح وشبهتها "قرد عجوز" وهي لم تفعل شيئا سوى الدفاع عن حقها. وفي قصة "سلطان ليوم واحد" للكاتب يعقوب الشاروني رأينا نموذجا لتغليب المصلحة الخاصة على العامة فتمت المخاطرة بمصلحة العامة وتعريضهم للظلم والإهانة كي يتم إعادة فرد واحد إلى صوابه وتم تبرير هذا الخطأ باعتباره "دعابة"! وفي قصة "العبارات الثلاثة" لغراء حسين مهنا ظهرت العدالة هزيلة بعض الشيء أمام حنكة الظالم فلم يظهر محام أو قاض تغلب حنكته حنكة الظالم على غرار ما حدث في مسرحية "تاجر البندقية" فتُركت العدالة وحيدة في مواجهة الظالم حتى اضطر المظلوم للهرب بحثا عن العدالة في مكان آخر ولم يواسينا أنه وجد العدالة في ذلك المكان البعيد لأن الظالم ظل حرا دون عقاب ليظلم آخرين والمظلوم لم يأخذ حقه منه. كما ظهرت بعض التعبيرات المبهمة التي تعتبر ضد فكرة العدالة مثل تعبير "تمادى في استخدام حقه" في قصة "سلطان ليوم واحد" للكاتب يعقوب الشاروني لأن الحق ليس به تمادي. وتعبير "العدالة أو الشيطان" في قصة "المغامر الجريء" للكاتب عادل الغضبان حيث اعتبر هذا التعبير العدالة والشيطان بديلان لبعضهما.
ولكن لم تُظلم العدالة دائما في قصص المكتبة الخضراء وقصص الناشئة الأخرى. ولن نستطيع الحديث عن العدالة دون ذكر قصة "مرآة الخير" لغراء حسين مهنا حيث كان للعدالة حضور طاغي في هذه القصة. فلقد شهد عمران شهادة حق متغلبا على خوفه من التهديدات التي يمكن أن تواجهه. والأهم من ذلك أن القصة جعلت العدالة شرطا أساسيا لتحقيق الذات وإثبات الوجود فعمران لم يرى  في المرآة عينيه إلا عندما شهد أمام القاضي "ما شاهدت عيناه"، ولم يرى فمه إلا عندما "نطق بكلمة الحق"، ولم يرى"وجهه كاملا" إلا عندما قرر كفالة اليتيم فمنحه بذلك فرصة للحصول على مستقبل أفضل وحقق بذلك نوعا من العدالة الاجتماعية. وفي قصة "دمنة وشتربة" للكاتب كامل الكيلاني أشارت القصة إلى مبدأ أساسي من مباديء تحقيق العدالة وهو القصاص أساس العدل فقد قال شتربة ردا على ندم دمنة المذنب "لا فائدة من الندم على ما فات..الندم لا يرد الحياة إلى من مات". وفي قصة "قصير الذيل" للكاتب عادل الغضبان رأينا الملك يحكم على قصير الذيل من خلال شكله  فيدافع الأخير عن حقه في دخول المنافسة. وقد ظهرت تعبيرات مناصرة للعدالة مثل تعبير "أي نبيل أو فلاح" في قصة "قصير الذيل".
وبالطبع فإن هذا المقال وحده لن يستطيع حصر جميع الإيجابيات والسلبيات في قصص المكتبة الخضراء وغيرها وسنظل دائما بحاجة إلى المزيد من البحث في أدب الطفل والناشئة خاصة مع ظهور أعمال جديدة. وأرجو ألا يكون هذا المقال مقصرا في تقدير جميع الأعمال الأدبية التي ذُكرت هنا وتقدير ما بذله مؤلفوها من وقت وجهد في سبيل تنشئة عقول أجيالنا، فالهدف من هذا المقال هو إثارة نقاش تنتج منه أعمالا أخرى تحمل إيجابيات الماضي وتتحاشى سلبياته حتى نستغل قدرات مبدعينا وطاقتهم الاستغلال الأمثل.
وفي النهاية أتوجه بالشكر لأستاذتنا الفاضلة غراء حسين مهنا لقيامها بتصحيح بعض المفاهيم مما عاد على هذا المقال بالنفع.

ليست هناك تعليقات: