‏إظهار الرسائل ذات التسميات فن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فن. إظهار كافة الرسائل

2017/01/09

رنا حتاملة.. بين جنونين بقلم وعدسة: زياد جيوسي

 رنا حتاملة.. بين جنونين
بقلم وعدسة: زياد جيوسي
   حين زرت محترف الفنانة رنا حتاملة أول مرة، وشاهدت حجم الفوضى التي تسود المحترف، قلت للفنانة: يظهر أن الفوضى جزء من عالمك الفني، فلوحاتك متناثرة بالأرجاء بشكل فوضوي إلا بعضها تتسلق على الجدران! فقالت: "إنها اللحظة التي أراها جميعاً من حولي، لوحة ولوحة ولوحة ولوحات كلها تطوّق فراشي الوحيد الذي أنا عليه، نسرد القصص المرعبة بثقافتنا المجنونة معاً، نجتمع لأن نتفق أن أصواتنا مهزومة أمام اللحن الذي اختاره لهن كل مساء، أشعر بفخر إنجابي وحسن تربيتي لهن، في الصباح أجد لوحة مستلقية على أخرى، ولوحة استيقظت لتسقي نبتتنا بجانب النافذة، وأخريات يقمن الصلاة بطقوس الحب...!!).
   التجوال في أفاق لوحات رنا ليس بالمسألة السهلة، فالفنانة لها طريقة مختلفة في أساليب الرسم، وكل لوحة لها بالكاد يتكرر أسلوبها مرة أخرى، فشعرت أني أجول في عالم مجنون وأنا أقف متأملاً لوحاتها، ولكن شعرت كم أن الفنانة تجول في ريشتها بين جنونين بشكل خاص؛ سريالية سلفادور دالي، "وتميزت بالتركيز على كل ما هو غريب ومتناقض ولا شعوري، وكانت السريالية تهدف إلى البعد عن الحقيقة، وإطلاق الأفكار المكبوتة والتصورات الخيالية وسيطرة الأحلام"، وتكعيبية بيكاسو، "ذلك الاتجاه الفني الذي اتخذ من الأشكال الهندسية أساساً لبناء العمل الفني، إذ قامت هذه المدرسة على الاعتقاد بنظرية التبلور التعدينية التي تعتبر الهندسة أصولاً للأجسام، حيث اعتمدت التكعيبية الخط الهندسي أساساً لكل شكل". فحجم التأثر بهذين الفنانين كبير، وإن تولّد لها جنونها الخاص والغريب في لوحاتها، لذا وجدت نفسي لأول مرة أجول في فضاءات لوحات أشعر أنها مجنونة، وليس من السهل أن تبوح بأسرارها لي، وما بين جولة وجولة، بدأت أشعر أن لوحات الفنانة بدأت تطمئن لي وتهمس بعضاً من أسرارها.
   رنا حتاملة، وعبر مسيرتها الفنية، احتفظت بكل أعمالها تقريباً، وهذه الأعمال تروي مسيرة موهبة امتدت سنوات عدة في إطار الفن، لتتواصل مع المجال الأكاديمي من خلال الدراسة الجامعية. هذه الموهبة التي رافقتها منذ الطفولة مع التمرد والخروج عن أساليب التعليم الفنية في المدرسة، وشهد بذلك أمامي مدرّستها للفن في المدرسة الفنانة هيلين مرجي التي درستها عشرة سنوات متتالية، والتقت بها بعد أن كبرت. ومن يتجول في أعمال الفنانة يجد درجة الحساسية الكبيرة والشعور الإنساني العالي، وفي تجوالي الطويل والمتكرر أكثر من مرة بإبداعات رنا حتاملة وجنونها الفني، وجدت أن أعمالها تضم مجموعة من أساليب الفن ومدارسة، فهي تجول بين مدارس وأساليب فنية: السريالية، والتكعيبية، والانطباعية، والكلاسيكية، وتعرج في بعض أعمالها على التراث، ولديها مجموعة خاصة ومتميزة تعتمد فيها على رسم الحيتان البحرية.
 وحين نجول في لوحاتها السريالية والتكعيبية بشكل خاص، نكتشف أن الفن الذي تؤمن به الفنانة رنا، هو أن الفن عبارة عن لغة رمزية تتحدث من خلالها بالريشة واللون والرمز لإيصال الفكرة، وهذا ما نلمسه بمعظم لوحاتها، ففي لوحة سريالية من لوحاتها نجد أنها تأثرت بمشهد صيادين بأحد الدول العربية وهم يكومون نتاج صيدهم من الغزلان، حتى أنها بكت من المشهد، ولم تهدأ روحها قليلاً إلا حين أفرغت حزنها عبر ريشتها بلوحة تعكس مشاعرها في لوحة سريالية غريبة الشكل، فنجد اللوحة تظهر مجموعة من الغزلان عددها ستة غزلان تحلق في السماء كأنها ملائكة، ولكن رؤوسها إلى الأسفل وهي بدون قرون، لونها يتمازج بين البني الترابي والأبيض، تنظر إلى رأس غزال كبير كأنه يهبط من السماء إلى الأرض، ويمتلك قرنين كبيرين، ويحمل على القرنين إكليل من الزهور كأنه ملاك الغزلان هبط من السماء ليشارك قطعان الغزلان الأرض ألمها ومعاناتها من البشر، وفي يمين اللوحة عين زرقاء تنظر بألم، وأسفل منها عين أخرى تنظر كأنها تخترق جداراً أو صندوقاً، ومباشرة تحتها ساقين بشريتين، ومن زاوية الصندوق السفلية تخرج مجموعة من الأيادي وأنها أفاعي تمتد باتجاه شكل قد يكون رمزاً لغزال مقتول، ورمزاً لكمّ الأطفال الذين يقتلون في منطقتنا بسبب الكوارث التي سميت زوراً بالربيع العربي.
   ومن لوحاتها التكعيبية الكثيرة، اخترت لوحة رسمتها في العام 2003، وقد اعتمدت الفنانة في هذه اللوحة الخطوط الهندسية وأشكالها من مثلثات ومكعبات ومربعات، فجردت المكان بهذه الأشكال المختلفة، ومازجتها بعدد كبير من الأهلة القمرية في ممازجة رمزية بين المدرسة الانطباعية والتكعيبية، كما جردت الوجوه وحولتها إلى إشارات مبتسمة بداخل المربعات، مستخدمة الرمز من خلال الأهلة لتقريب الفكرة للواقع الشرقي وتقاليده، ورمزية الهلال في منطقتنا العربية وتقاليدها الإسلامية، من حيث رمزية الهلال وإشاراته إلى رمضان والأعياد الدينية، ومتابعة أحوال المناخ والطقس لدى الفلاحين، ونجد الفنانة جعلت جزءاً من الأشكال في الزاوية اليمنى من اللوحة بالنسبة للمشاهد، بينما جعلت غالبية الأشكال في الجزء الأسفل الذي أخذ ثلثي اللوحة، وجعلت السماء بين القسمين، وكأن الحلم المنتظر ما زال حلماً في السماء. وقد لجأت الفنانة للألوان الفرحة في غالبية اللوحة من الأبيض إلى الأزرق بتدرجاته، والأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر الأرجواني، فجعلت اللوحة كأنها عيد فرح، بخاصة أنها استخدمت الأهلة أيضاً للتعبير عن الوجوه حيناً وعن بوابات الأمكنة مرة أخرى، فكانت لوحة متميزة برمزيتها ومعانيها، وتجريد المكان من خلال الأشكال الهندسية كما المدرسة التكعيبية التي تصدرها بيكاسو.
   في لوحاتها الانطباعية، تنقّلت الفنانة رنا حتاملة بين عدد كبير من اللوحات، نقلت من خلال انطباعاتها الكثير من المشاهد؛ من قن الدجاج وصولاً إلى أوراق الخريف المتساقطة، مروراً بالأطفال الغرقى، والكثير من المشاهد التي تركت في روحها أثراً ما، فحولت هذا الأثر والانطباعات إلى إبداعات فنية، وهناك لوحتان صوّرتا أوراق الشجر، حيث تحولت الأرض من خلال الأوراق إلى سجادة منقوشة بالألوان وأشكال أوراق الشجر، بأشكال مختلفة وإن غلب عليها أسلوب بيكاسو بالمنحنيات والأشكال الهندسية برغم أن اللوحة انطباعية، وهذا ما نلمسه بلوحات الفنانة بغض النظر عن المدارس والأساليب التي استخدمتها، وعن تقسيمي إياها إلى ستّ مجموعات من أساليب الفن، فالفنانة، وكما أشرت في البدايات، متأثرة جداً بمدرستَي بيكاسو ودالي التكعيبية والسريالية، وبالكاد تخلو لوحة لها برغم تصنيفها من خلال مدارس أخرى من هذا التأثر، وفي هذه اللوحة كان هناك إبداع انطباعي حول أوراق الشجر وبقايا الأوراق إلى لوحة منقوشة بألوان مختلفة حملت ألوان الخريف، ولكن حولتها إلى زخرفة لونية باهرة الجمال تداخل بها الذهبي بالأصفر بالأخضر والأصفر الداكن، فكانت اللوحة فعلاً ذهب أيلول.
   لوحاتها التراثية  كانت محدودة، وهي تقليدية، فرسمت أدوات تراثية استُخدمت أو ما زالت رهن الاستخدام، مثل المكحلة التي استخدمتها الجدات وأواني تراثية، وعقد بيت تراثي يحيط بمئذنة بعيدة، وجرة وبساط تراثيين، وفنجاني القهوة العربية التي تقدم بالفرح والترح في الأردن، وإن خرجت برسم الفناجين إلى ممازجة جوانب سريالية في اللوحة، فظهرت عين من بخار القهوة، إضافة إلى كتابات باللغة الإنجليزية في زاوية اللوحة السفلية، وظهور رموز وأرقام في زاوية اللوحة اليسرى العليا وسهمين بشكلين مختلفين فوق الفنجان الفارغ والملقى على جانبه، وكأنها تشير إلى التغيرات التي اخترقت التقاليد الموروثة وغيرت فيها الكثير، بينما في لوحاتها الكلاسيكية نجدها اعتمدت اتجاهات المدرسة الكلاسيكية نفسها في القرنين الماضيين من لوحات الفاكهة والنوافذ والأزهار وغيرها.
   يتبقى مجموعة الحيتان، وهي تتكون من سبع لوحات كان الحوت الأبيض يشكل عماد اللوحات فيها، وإن أخذ أحياناً أحجاماً صغيرة كما الأسماك، إلا أن دهشتي زالت من هذا الاهتمام المتميز برسم الحيتان حين اكتشفت أن الفنانة من برج الحوت، وهي عكست أحاسيس تأثرها بهذا البرج من خلال مجموعة اللوحات السبعة. ولعل طيبة الفنانة انعكست بشكل غير مقصود في أن اللون الأبيض هو اللون الذي استخدمته للحيتان، ويلاحظ أن الفنانة لم تتمكن من أن تخرج من إطار تأثرها بالسريالية في لوحتين من هذه اللوحات، حيث ظهرت الحيتان تلعب بالطائرات الورقية كما الأطفال وتطلقها بالجو وتمسك بين أسنانها بالخيطان، وبشكل خاص لفتت نظري لوحة، وهي أول لوحة شاهدتها للفنانة في معرض تواصل في بيت نجم الدين في إربد، حيث الحوت الأبيض ينتقل بقوة من السطح إلى قاع المحيط، تاركاً السماء بلون أحمر داكن كأنها نيران مشتعلة، وسطح البحر داكن اللون ومضطرب، وكأنها إشارات رمزية إلى ما هو فوق الماء من مشكلات العالم واشتعالها حتى قرف منها الحوت، وانطلق نحو الأعماق عائداً إلى حيث راحته وسلامه، مقطعاً حبلاً كان يلتف حوله، فهل رمزت الفنانة لنفسها بهذه اللوحة ورغبتها بالتمرد على كل ما تراه غير جميل في مجتمع تعيش فيه؟ أظن ذلك لمعرفتي بحجم التمرد في روح الفنانة وطبيعتها.
   في النهاية، فالفنانة رنا من مواليد إربد ( 14 آذار للعام 1983) وخريجة جامعة اليرموك، كلية الفنون الجميلة/ قسم الفن التشكيلي- تخصص فنون الجرافيك  في العام 2005، ومنتمية إلى درجة الجنون لبلدتها الحصن بمحافظة إربد. وكما أشرت في البداية إلى أنها تحلّق بين جنونين، وخلقت لنفسها جنونها الخاص، وعاشت وتعيش فيه، معبرة من خلال الريشة واللون والخطوط عن تمردها وثورتها ورغباتها التي تضطرب بداخلها، تعيش في عالمها الخاص بين لوحاتها، ولا تتخلى عن أية لوحة منها، فهي ترى أن "الفن حالة منفردة بهذا العالم، الكل يحتاجه، الكل يبحث عن دهشة تجدد طاقاته، لا بد أن تتلامس الأرواح بالأجساد، حينها نكون قد ولدنا كل مرة...".
(رام الله 20/12/2016)

2016/12/10

قبلة في باطن الكف.. نص ولوحة : لبنى ياسين

قبلة في باطن الكف

لبنى ياسين

قبلةٌ في باطن الكف
ممرٌ مخفي نحو القلب
من كان يعرف
أن السرداب السريّ للعشق
مغروس في باطن الكف؟!

درويشٌ هادئّ
يدور على كفي باتزان
يتساقط من استدارة ثوبه
رطب الفرح
ألتقطه بقلبي
أجمعه حبة حبة
زوادة شتاءات باردة

الدرويشُ لا يرتدي ثوباً أبيض
لماذا أيها العاشق؟
لأن البياض لا يليق إلا بقلبك
تفوح من قلبي رائحة الياسمين
الدرويشُ منحني ضوءه

على الرصيف البارد
لمدينة تحتفي بالشتاء
وتتنكر لدفء السماء
يستلقي الصوفي
يوزع نظراته التائهة
على المنعطفات والأزقة
يبحث عني
كنت عندها أحتفي
بقبلة في باطن الكف
ولم ألقِ بالاً
إلى درويشٍ
أدخلته متاهات كفي
في شهوة الذبول
فاعترته الدهشة
على أرصفة المنفى

إنه الدرويشُ يا سيدي
وحده يزرع لهفتي ياقوتاً
على جبين شوقه

2016/01/15

جذور تتألق بريشة الفنان التشكيلي رائد القطناني بقلم: زياد جيوسي



جذور تتألق بريشة الفنان التشكيلي رائد القطناني
بقلم: زياد جيوسي

كنت في الطريق إلى بيروت للمشاركة بمؤتمر الأيام العربية الخامس متوجهاً من مدينة رام الله، واخترت أن أبقى بعض من الأيام في عمّان للراحة بعد جولات مشيت بها مسافات طويلة سيراً على الأقدام في ربوع الوطن حتى أصبت بالإرهاق، لأوثق بوح الأمكنة في الوطن بالقلم والعدسة، فرأيت في عمان واحة أرتاح فيها قليلاً بعيداً عن التجوال والمناسبات والأمسيات الثقافية والفنية، لكن وفي اليوم الثاني لوصولي كانت دعوة قد وصلتني لحضور معرض للفن التشكيلي للفنان الشاب رائد القطناني يحمل اسم (جذور)، فلم أتمالك  نفسي، ولم تتمكن الرغبة بالراحة من منعي من التوجه للمعرض في جاليري راس العين للفن التشكيلي.
من لحظة دخولي للمعرض الذي امتد على مساحة واسعة وعدد كبير من اللوحات تجاوز ستون لوحة، شعرت أني أقرأ في كتاب، كل صفحة تحمل شيئاً جديداً، ولكن مجمل اللوحات تروي حكاية، حكاية شعب تجسدت من خلال الفن المتألق، فالفنان لجأ لاستخدام الألوان الشمعية (PASTEL)، وهذه المدرسة الفنية أصبحت فناً مستقلاً منذ القرن الثامن عشر، والرسم بالشمع وبخاصة التفاصيل الدقيقة يعتبر من أساليب الفن والرسم الصعبة، ويختلف عن الرسم بالألوان المائية والزيتية حيث لا تدخل أية مادة مذيبة للألوان، لذا كان لهذا الأسلوب الفني طابعه الخاص، ولا يمتلك ناصيته إلا فنان مبدع يمتلك القدرة على مزج الألوان الجافة ورسم التفاصيل الدقيقة والصعبة، فالألوان الشمعية من ثلاثة أصناف: ناعمة وصلبة ومتوسطة، وهي حساسة جداً خلال العمل كونها شمعية، وأية لمسة غير مقصودة يمكن أن تخرب من رسم اللوحة، فكيف حين تكون عملية الرسم لأدق التفاصيل بالجسد البشري.
في معرض الفنان رائد القطناني كانت هناك قدرة كبيرة على تطويع الألوان الشمعية في بناء لوحاته، وكل لوحة له حملت فكرة مرتبطة باللوحات الأخرى، وباستثناء لوحتين اختلفتا عن باقي اللوحات كانت لوحاته تروي الحكاية، فلوحة للملك عبد الله ملك الأردن في بداية المعرض من فن رسم الشخصيات (البورتريه)، والذي ينظر إليه أنه فن صعب ومعقد كونه يعطي ملامح الشخصيات التي يتم رسمها من خلال ملامح الوجوه، ولوحة أخرى في نهاية المعرض كانت تمثل أسلوباً مختلفاً تماماً.
من يجول معرض القطناني متأملاً لوحاته يعيش تجربة جميلة وفريدة، فهو ينقل المتأمل إلى حياة الريف الفلسطيني من حصاد وقطاف زيتون وزراعة الأرض، يعيد المتأمل لحقيقة أن القدس مزروعة في الأذهان ولا تنسى أبداً، وأن الأرض لا بد أن تعود لعشاقها، تجعلنا لوحاته نتنسم عبق القهوة وسماع صوت الجاروشة الحجرية تطحن الحبوب، وتزرع الأمل فينا أن السواعد الشابة ستكمل المسيرة حتى تحقق الحلم بالحرية، وأن حياة الشعب الفلسطيني لا تتوقف فهي تورث القضية من جيل إلى جيل، وأن حلم الحرية والتحرر والسلام يبقى أملاً وحلماً لا يموت.
في جولتي بالمعرض وجدت أن اللوحات يمكن أن تقسم إلى ثلاث مجموعات ترتبط معاً بالفكرة بشكل كبير، المجموعة الأولى اهتمت برسم الأصابع والأكف، والثانية بالتراث، والثالثة مجموعة من اللوحات التشكيلية التعبيرية التي حملت فكرة وأرادت أن توصلها للمشاهد، وسأتناول كل مجموعة على حدة بشكل مجمل، فحقيقة كل لوحة من اللوحات تحتاج لقراءة كاملة.
لوحات الأكف والأصابع: وهي مكونة من عشرين لوحة تعتمد كل لوحة على رسم أصابع اليد البشرية بشكل تشريحي دقيق، علماً أنني أرى أن تبيان أدق التفاصيل باليد البشرية يحتاج إلى مقدرة عالية وهدوء روح وصبر طويل، وفي هذه اللوحات كان الفنان يتحدث عن حكايات كثيرة تلامس الوطن وإن كانت الأصابع تشكل المحور الأساس فيها، ففي لوحتين نجد أصابع رجل كبير في السن تلتف حول العصا التي يتوكأ عليها، في إشارة واضحة للكهل وبخاصة أن أحد العصيّ هي ليست صناعية وإنما من أغصان الشجر، والتي نسميها باللهجة المحلية (الباكورة) بتضخيم الكاف، وهذا ربط مباشر بين فنية رسم الأصابع والفلاح الفلسطيني، بينما نجد ثلاثة لوحات لنساء كبيرات بالسن يرتدين الثوب الفلسطيني المطرز والمتميز بالإشارات الكنعانية التراثية واحتساء القهوة العامل المشترك بينها، وهنا إضافة إلى دقة رسم الأصابع نجد الإشارة للتراث الفلسطيني من خلال الثوب المطرز وعادة احتساء القهوة في جلسات النساء. وأذكر في طفولتي المبكرة حين كانت تجتمع نسوة الحي مع المرحومة والدتي ويحتسين القهوة، بينما في سبعة لوحات أخرى كانت الأصابع والأكف تصور حياة المرأة الفلسطينية، وهي ترتدي زيها التقليدي وتمارس التطريز الفلسطيني والزراعة وصناعة القش وقطاف الزيتون ونسيج الصوف، وهكذا نرى أن الكف والأصابع التي شكلت عموداً فقرياً في لوحات الفنان كانت تحمل فكرة الوطن من خلال الحياة بأشكالها المختلفة، ولم يبتعد الفنان أيضاً عن فكرة الحياة واستمراريتها من خلال رسم الأكف والأصابع في خمس لوحات، منها ثلاث لوحات تصور التقاء كف كبيرة مع كف طفل في إشارة لاستمرارية الحياة جيلاً إثر جيل، بينما لوحة واحدة كانت الأكف الكبيرة تحتضن قدم طفل صغير وأخرى تحمل فرخي طير بين الكفين، فتواصلت فكرة الأكف والأصابع بدقتها التشريحية مع دورها في الحياة اليومية حتى فكرة الحياة وتولدها واستمراريتها، حتى يوصلنا الفنان إلى كف المرأة بزيها التقليدي وهي تحمل المفتاح رمز العودة، لينقلنا بعدها إلى اليد المقاومة الشابة التي تحمل الحجر ويلتف حولها غص الزيتون وكأنه ينبت منها، في رمزية واضحة لربط المقاومة بفلسطين من خلال الزيتون من جهة، وأن المقاومة تهدف إلى الحرية وحياة ينيرها السلام بعدها وليس المقاومة العبثية، ويكمل الفكرة بالكفين الكهلين يحملان المسبحة بصمت وهدوء.
المجموعة الثانية تتحدث في ثمانية لوحات عن بعض من صور التراث في القرى والبلدات الفلسطينية، فنراه يأخذنا مع الطفل الذي يرعى الأغنام وهو مشهد كان من المشاهد المألوفة في الريف الفلسطيني، مروراً بالعجوز التي تشعل الشموع في محراب الكنيسة، فالسيدة المضيافة مع ابتسامة عريضة فرحة مرتدية كما كل اللوحات زيها التقليدي، وهي تقدم قطوف العنب على صينية القش وتحمل أحدها بيدها، وهذه اللوحة مزجت بين فن رسم الشخصيات (البورتريه) والتعبير عن التراث وعادات الضيافة والكرم، إلى المرأة التي تطحن الحبوب على الجاروشة الحجرية، والفلاحة التي تحمل المنجل بيدها وتضع الحصاد في حِجر ثوبها، وصولاً إلى المرأة التي تحمل سلة القش على كتفها عائدة من قطاف الفاكهة والحمضيات، وبدون إغفال المرأة التي تجلس بجوار طفلها وتمارس التطريز اليدوي التقليدي، فيجعلنا الفنان نجول ببعض من أدوار وعادات وتراث مارسته المرأة الفلسطينية بدون أن تبتعد عن زيها التقليدي والانتماء للأرض إلى درجة العشق.
المجموعة الثالثة هي لوحات تعبيرية تشكيلية وتتكون من أكثر من ثلاثين لوحة، وهي تشكل وحدها معرضاً تشكيلياً متكاملاً، وقد مزج الفنان فيها بين المدرستين التعبيرية التي تهتم بالتعبير عن العواطف والحالات الذهنية والعواطف من خلال الألوان وتغيير وتشويه الأشكال، وبين المدرسة الواقعية التي ترسم الواقع كما هو بدون تشويه للشكل، مع تركيز الفنان على أفكار وجوانب يريد أن يوصلها للمشاهد دون نفور أو غرائبية بالأشكال المرسومة، فرائد القطناني أخذ التعابير بدون تشويه للشكل وجعل في كل لوحة رسالة يريد أن يوصلها للمشاهد، فماذا أراد الفنان أن يوصل للجمهور والمشاهد من رسائل وأفكار؟ هذا سنجده حين تأمل اللوحات جميعها، فنجد المجموعة الأولى منها تتكون من ثلاث لوحات تروي حكاية الشعب ومسيرته، فالأولى للمرأة الفلسطينية تحمل جرة على كتفها ومعها طفلتها في أرض جرداء مشققة من العطش وشجرة متيبسة والمرأة يحمل وجهها كل الألم وهي كما الطفلة حافيتيّ الأقدام، واللوحة الثانية تمثل الأيدي المكبلة بالسلاسل وهي تضغط لتحطيمها، بينما الثالثة تمثل الإصرار على الحق في وجه الكهل الفلسطيني وهو يحمل مفاتيح العودة وشهادات إثبات ملكية الأرض في فترة حكومة فلسطين قبل النكبة والتهجير القسري، بينما المجموعة الثانية تتكون من إحدى عشرة لوحة كانت القدس العامل المشترك بينها، وإن كانت الإشارة إلى القدس تختلف من لوحة لأخرى، فمن اللوحات المتميزة مشهد المسنة الفلسطينية وهي تحمل القدس على طبق القش التراثي، وتستند إلى جذع زيتونة يورق من جديد رغم تعرضه للتقطيع، والنور يشرق من محيط المرأة التي تنظر بقوة وتصميم وكأنها تقول: لن تكون القدس إلا فلسطينية التاريخ والغد، ولوحة أخرى تميزت المرأة فيها بارتدائها لباس من منطقة الشمال الفلسطيني، حيث ثوب المرأة يخلو من التطريز الكنعاني ويتميز بالألوان الزاهية، مع شاشة بيضاء تغطي الرأس، وهي ترفع مفاتيح بيتها الذي أجبرت على تركه والقدس خلفها، ولوحة لعجوز يتوكأ على عصاه ويدخل الأقصى، ولوحة مميزة أخرى تظهر فيها يد فتاة شابة تلبس الأساور الفضية المتميزة من تراث فلسطين وخاتم فضي، وهي ترفع حافة ثوبها المطرز فتظهر القدس في إشارة رمزية أن القدس فينا فهي الجسد وهي الروح، وفي لوحتين نجد جذور الشجر تتحول في لوحة إلى يد ترفع إشارة النصر أمام القدس، وفي الثانية تتحول الجذور إالى جواد شامخ ينبعث من قلب القدس وكأنه إشارة إلى الغضب الساطع الآتي، بينما في لوحتين نجد في إحداهما القدس تتمازج مع رجل فلسطيني يرتدي الكوفية واللباس التقليدي وهو يمسك عصاه ويبتسم وكأنه يحلم بالقدس، بينا اللوحة الأخرى لشيخ باللباس التقليدي (القمباز) يتوكأ على عصاه والحلم يتألق في عينيه وهو القدس التي تمثل خلفية اللوحة، بينما في لوحة وقفت الحمامة بهدوء تنظر للقدس في ليل ماطر وعاصف، وكأنها ترى فجر الحرية والسلام آت بعد العاصفة، ولوحة نرى فيها ورود الفرح تلتف حول تراث الأبنية القديمة التي ترمز للقدس، بينما كانت اللوحة الأخيرة هي الأقوى في تعابيرها كما رأيت، فهي تمثل عجوز فلسطينية تغطي وجهها بكفيها المتعرقين بعوامل الزمن والقدس خلفها وكأنها تخفي وجهها ألماً مما تتعرض له القدس وخجلاً من موقف العرب والمسلمين تجاه القدس وزهرة المدائن.
في المجموعة الرابعة من اللوحات التشكيلية نجد أربعة من الأجيال من الصغير حتى الكبير تحلم بالحرية والسلام، فالحمائم العامل المشترك في اللوحات الأربعة باستثناء واحدة كان هناك العصفور يقف على الكف، بينما باقي اللوحات وهي المجموعة الخامسة فحملت في ثناياها ملامح مشتركة من الحلم والفرح والأسطورة والأمل.
   الفنان كان يستخدم أسلوب المدرسة الواقعية متمازجاً بالتعبيرية في غالبية لوحاته، وإن لجأ في بعضها إلى اللوحات الرمزية التي تجعل المشاهد يبحث فيما وراء الألوان عن الفكرة، وفي العديد من اللوحات وبخاصة لوحات الأكف والأصابع لجأ إلى الأسلوب الحلزوني في الرسم، فكانت الأكف مركز اللوحة وبؤرتها لتتوسع باتجاه المحيط على شكل دوامة تجعل المشاهد يتخيل المحيط الغير موجود، ولكن بدون مجاملة تمكن الفنان من إيصال الفكرة للمشاهد بشكل جيد، وتمكن من استخدام الألوان الشمعية بطريقة متميزة ومختلفة عما شاهدت سابقاً من لوحات مرسومة بالألوان نفسها، حتى أني كدت أشك أن ما أراه شيئاً مختلفاً عما عرفت، وتبقى ملاحظة وحيدة همستها للفنان مواجهة رغم أني لم ألتق به سابقاً وهي: لو كان المعرض معرضين لكان أفضل، فهذا العدد الكبير من اللوحات يتعب المشاهد المتأمل، ولا يسمح له أن يستوعب كل الافكار والجماليات في المعرض من زيارة واحدة، فأنا اضطررت لثلاث زيارات تأملية لجماليات اللوحات والاستماع لهمساتها التي همستها بأذني وروحي كي أنقل لكم هذه الهمسات ولا أبقيها حبيسة صدري.
(عمّان 1/1/2016)


2014/12/17

الفارس فاسيلي كاندينسكي أحد عمالقة الأتجاه الثوري في الفن التشكيلي رؤية للدكتورة: سوسن أمين


الفارس فاسيلي كاندينسكي أحد عمالقة الأتجاه الثوري في الفن التشكيلي
 رؤية للدكتورة: سوسن أمين 
 الفنان الروسي المولد فاسيلي كاندينسكي (16 ديسمبر 1866 - 13 ديسمبر 1944) هو أحد أشهر فناني القرن العشرين في مجال الفن التجريدي والذي كان له الدور الأكبر في التمهيد لظهور المذهب التعبيري – التجريدي وأحد أهم الرواد الأوائل للمبدأ اللاتصويري أو اللاتمثيلي، وبعبارة أخرى، مبدأ "التجريدية الصافية ". فالتجريد هو عملية اختزال وتهذيب في الشكل للوصول إلى الجوهر ،ومغايرة المدركات الحسية والمادية للعالم الخارجي وبالتالي عدم النقل الحرفي لحيثيات هذا العالم المرئي بحزافره . ولا تهتم المدرسة التجريدية بالأشكال الساكنة فقط، ولكن أيضاً بالأشكال المتحركة حيث تظهر الظلال كمساحات متكررة داكنة تحصر بينها فراغات ضوئية باهتة . ، كل شيء يبدأ من نقطة صغيرة كما قال كاندينسكي . أحب كاندينسكي الجمال المثالي في صورة أمه فائقة الجمال والأناقة وفي مدينته موسكو القيصرية التي عاد إليها والده قبل مولده بخمس سنوات بعد نفي دام له ولأسرته لعقود طويله في سيبيريا بعد مرسوم العفو الإمبراطوري الذي أصدره القيصر الروسي ألكسندر الثاني سنه 1861 . شكلت موسكو في وجدانه مصدر الوحي والالهام ،وقلب الأم العطوف الكبير الحاضن لكل الأحلام والأمال ، والبيت الكبير مصدر الدفئ والأمان .. ولكنه اضطر إلى الانتقال للعيش في أوديسا سنة 1871 بعيدا عن مدينته الحبيبة وعن حبه الكبير مع والده الذي بدأ يشتد عليه المرض والذي عمل بها كمديرا لأحد مصانع الشاي ،ولكنه ظل محتفظا ببعض من ذكريات الطفولة المبكرة فيها. تربى كاندينسكي في كنف خالته بعد أنفصال والديه بعد زواج لم يدم طويلا وهي التي علمته اللغة الألمانية بجانب اللغة الروسية من خلال سرد القصص والأساطير المثيرة للأحلام ، المحفزة للخيال التي حركت في وجدانه حب الفن وخيال الفنان والتي حفظها في ذاكرته عن شخوص مجردة من التفاصيل الدقيقة لتعبر عن ذاتها الأسطورية المبهرة لمن هم في مثل عمره. في حوالي الثلاثين من عمره قرر كاندينسكي الأتجاه إلى دراسة الفنون التشكيلية وأن يكون رساما بالرغم من إنتهائه من دراسة الحقوق والتقائه بآنية تشمياكين، التي كانت تدرس في نفس الجامعة، وزواجه منها وحصوله على وظيفة باحدى الشركات الكبرى وذلك بعد تأثره البالغ بإحدى لوحات الفنان كلود مونيه من كبار مؤسسي المدرسة التعبيرية "كومة القش"، ولإستماعه إلى أعمال الموسيقي الألماني الكبير فاجنر التي قال عنها "إن موسيقى فاغنر اجتاحتني اجتياحا عفويا، كان من العمق بحيث استطعت من خلالها أن أرى كل الألوان المحببة إلى قلبي بعيون روحي الهائمة في أرجاء المكان، وأن أبصر خطوطها المتوحشة التي أوصلتني إلى حافة الجنون، من خلال حركتها وقدرتها على رسم عدد من اللوحات أمام ناظري .،ذلك مما رسخ في وجدانه إيمانا عميقا بالعلاقة الحميمة ما بين نغمات الموسيقى والتشكيل اللوني .، فهو القائل " الالوان هي لوحة المفاتيح والعيون ما هي الا نغمات , والروح هي البيانو الخاص بنا ، أما الفنان فهي اليد التي تلمس المفتاح لتسبب الاهتزاز في اعماق الروح" ،و" الألوان هي القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير مباشرة على الروح". فاللوحة التجريدية في أعمال كاندنسكي تمثل تجريديا غنائيا تقوم على أساس من تكوين جمالي ذي بناء داخلي يتسم بتماسك أجزائه بوحدة نسيجية لا تنفصل عن دلالاتها النفسية والروحية فتقترب بهذا من الإيقاعات الموسيقية فتكون بذلك أقرب إلى عالم الموسيقى منها إلى عالم الفن التشكيلي وتمتاز هذه بأرتفاع العاطفه والروحانية الجياشة في جنباتها المرئية للمتلقي . هاجر كاندينسكي إلى ألمانيا سنة 1896 ليستقر في ميونخ التي درس بها في مدرسة مالينكس للفنون وكان من تلامذيه في ذلك الوقت، غابرييل مونتز والذي أصبح رفيق درب له في الفن سنوات طويلة ، ثم عاد إلى محبوبته موسكو بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914 . وفي ميونخ بدأ كاندينسكي على تبسيط الأشياء فرسم بواسطة "طباعة الخشب" الكثير من الأعمال الغرافيكية مثل لوحة "المغنية" 1903 ذات الخطوط الطولية العمودية التي تشابهت وأسطر النوتة الموسيقية في توازيها وأستقامتها ،وذلك على الرغم من المدرسة الكلاسيكية التي كانت تهيمن على المسار الفني في ذلك الوقت .. فكان المتقدم بافكاره والجريء باعماله الثائر بفنه ووجدانه على كل ما هو رتيب وتقليدي. حدد كاندينسكي مفهومه عن الفن الحديث بقوله "إن أعظم تزوير للحقيقة هو الاعتقاد بأن الفنون التشكيلية تقليد دقيق لما تحتويه الطبيعة". ،و بدأ رحلة فنية إلى إيطاليا، هولندا، شمال أفريقيا، ثم عاد إلى روسيا في زيارة قصيرة وبعدها اقام معرضا لاعماله في " صالون الخريف " بفرنسا عام 1904 . وﻛﺎن ( ﻛﺎﻧدﻧﺳﻛﻲ ) راﺋدا ﻓﻲ ﻫذا اﻟﻣﺟﺎﻝ إذ ﻣﻧﺢ اﻟﻠون ﻣزﻳدا ﻣن اﻟﺣرﻳـﺔ واﻟدﻻﻟـﺔ . ﻓﻠـم ﻳﻌـــد اﻟﻣﻌﻧـــﻰ ﻟـــﺻﻳﻘﺎ ﺑﺎﻟـــﺻﺑﻐﺔ اﻟﻠوﻧﻳـــﺔ ﺑـــﻝ ﺑـــﺷﻌرﻳﺔ اﺳـــﺗﺧداﻣﻪ داﺧـــﻝ اﻟﻠوﺣـــﺔ ، ﻣﺛﻳـــراﻣﺗﻌــﺔ ﺗﺧــﺿﻊ إي ﻣﻌﺎﻟﺟــﺎت ﻟوﻧﻳــﺔ ﻣﺗﻔــردة ،لحالة شعرية بصرية، وأﺻﺑﺢ اﻟﻠون ﻓﻲ ﻟوﺣﺎت ( ﻛﺎﻧدﻧـﺳﻛﻲ ) وﺳـﻳﻠﺔ ﻟﺧﻠـق اﻧزﻳﺎﺣـﺎت ﻓﻛرﻳـﺔ ﻗﺑـﻝ أن ﺗﻛـون ﺟﻣﺎﻟﻳـﺔ وذﻟك مع تجانسه ﻣـﻊ ﻣدﻟوﻟـﻪ اﻟﻣـﺎدي أو اﻻرﺗﺑـﺎطﻲ وزﺟـﻪ ﻓـﻲ ﺗﺟﻧـﻳس ﻓﻧـﻲ ﺟدﻳـد ﺷــﻌري اﻟطـﺎﺑﻊ واﻟدﻻﻟــﺔ. وعلى هذا فإن ﺷــﻌرﻳﺔ اﻟﻠــون ﻓــﻲ ﻟوﺣــﺎت ﻛﺎﻧدﻧﺳﻛﻲ ﻻ ﺗﻧﺗﻣﻲ إﻟﻰ ﻋﺎﻟم اﻟﻠـون ﻓﺣـﺳب واﻧﻣـﺎ إﻟـﻰ ﻣﺟﻣوﻋـﺔ ﻣﻔـﺎﻫﻳم تحليلية وﻣﻌرﻓﻳـﺔ تدعم ﺑﺎﻻرﺗﻛــﺎزعلى ﻧــوع ﻣــن اﻻﺳــﺗﻌﺎرة واﻟﻣﺟــﺎزات ذات اﻟدﻻﻟــة. بعد ذلك انتخب كاندينسكي في 1909 رئيسا لمجموعة ميونيخ الحديثة التي عملت على التغير والتطور في طبيعة الرسم . ،وأسس كاندينسكي في 1911 وصديقه فرانتس مارك حركة تشكيلية جديدة بأسم جماعة "الفارس الأزرق " لاستخدامهما اللون الأزرق في أعمالهما، إضافة إلى حب مارك لرسم الخيول وحب كاندينسكي لرسم الفرسان ولهذا اطلق عليه اصحابه لقب "الفارس" كما أطلقوا عليه لقب "أمير الروح" لأنه نجح في بث الروح في مربعاته ومستطيلاته ودوائره وخطوطه المستقيمة أو المنحنية، بإعطائها لوناً معيناً وترتيبها وفق نظام معين ويبدو هذا واضحاً في لوحته "تكوين" التي رسمها عام 1914 . فهو القائل "على الفنان أن يدرب روحه أيضا وليس عيناه فقط" أستطاع كاندينسكي التفريق بين ثلاثة مصادر أساسية للإلهام الفني وهي أولا : الإنطباع المباشر بالطبيعة الخارجية ويسمى هذا باسم ( انطباع). ثانيا: اللاشعور أو التعبير الغريزي أو العالم اللامادي ويسمى ( ارتجال). ثالثا: التعبير عن مشاعر ذاتية بطيئة وشكلية و يسمى ( التكوين ). وقال كاندينسكي نحن نهتم بالدعوة إلى شكل معين أو نظام محدد، وهدفنا أن نيسر، من خلال استعراض الأشكال المتنوعة، التعبير عن الرغبات الباطنة التي يستشعرها كل فنان بالطريقة التي ترضيه، سواء كانت هذه الطريقة تعبيرية أو تكعيبية أو محاولات تجريدية . فالتجريدية في نظر كاندينسكي هي صوفية الفن .. يسعى إلى البحث عن جوهر الأشياء والتعبير عنها في أشكال موجزة تحمل في داخلها الخبرات الفنية، التي أثارت وجدان الفنان .. تلك التي تهدف الى ما وراء الطبيعة عن طريق الرمز للوصول الى المطلق .. لذا كان التجريد يتطلب تعرية الطبيعة من كل مفرداتها الحيوية كي تكشف عن اسرارها الكامنة فيما وراء الطبيعة .. وسواء كان تجريدا كاملا او نصفيا فإنه يوحي بمضمون الفكرة التي يقوم عليها العمل الفني . فالفن التجريدي اشكال ترى ولا تمثل الطبيعة ، ولكن تنظيم هذه الاشكال هو الذي يوحي بالمعاني والاحاسيس الكثيرة. وكان الشعور يلعب دورا هاما عند كادينسكي أكثر من التجميع والتكوين في اللوحة، لكنه بعد عام 1921 لم يعد يؤمن بوجود صلة حتمية بين العمل الفني والشعور واصبح الرسم عنده في المرحلة الأخيرة عبارةعن لغة معبرة عالمية كالرياضيات يعبر بها الإنسان بمقدار ما يملك من إمكانيات تقنية . هكذا اتسمت أعمال كاندينسكي بالتجريد الذي أصبح الصيغة المثلى للتعبير عن علاقة الفنان بالمحيط الذي يعيش فيه، فأنطلقت هذه الفورة الثورية الجامحة لتشكل لوحاته ولتعبر بصورة جلية عن علاقة الإنسان بالطبيعة المحيطة به من كل الزوايا . انضم كاندينسكي عام 1921 في ألمانيا إلى مدرسة باوهاوس الفنية والمعمارية لحين إغلاقها من قبل النازيين عام 1933، فانتقل بعدها إلى فرنسا ليعيش فيها بقية حياته بعد أن أصبح مواطنا فرنسيا في 1939 وتوفي بها عام 1944 .

2014/11/20

"زار الخبيث عودي" لوحة زجلية بقلم وريشة: د.سوسن أمين



زار الخبيث عودي
د.سوسن أمين

زار الخبيث عودي ..قلت يا عين جودي 
   كان رده لوجودي .. بكرة الفراق يا زين

دمعت أنا عيني .. خليته ليه يجيني
يقلب موازيني .. يادي الزيارة الشين

قال العبد لو يصبر .. وعلى الحزن كان يحجر
كان غصنه يتخضر .. بالدمع على الخدين

قلت بهمي بأتفزع ..خلي اللي جاي أسرع
مقهور وبيدمع  .. ما سمعت منه أنين

قال الدمع بإية ينفع .. كان غيرة قدر يشفع
كل عمر وله مصرع .. يومها ينتبه النايمين

قلت الوهن ساري .. ياليت ما كان جالي
حتي الرقاد غالي .. داري الدموع يا عين

قال مري كالحلوى  .. كل بير وله مروى
نسيت أنا السلوى .. وسيفه على الوتين

قلت هى موته ولا أكتر .. سيف الوداع أبتر
في القبر يتستر .. كل اللى عنده عنين