2016/07/25

امرأتان تأكل إحداهما (الآيس كِرِيم).. قصة قصيرة بقلم:عمرو الرديني



امرأتان
تأكل إحداهما (الآيس كِرِيم)..
بقلم:عمرو الرديني 
   تنظرُ إليها بشغفٍ كبير، بفضولٍ، وانتظارٍ، وولعٍ أخشَى أنْ يصل بك للحُب!
تستيقظ باكرًا خصِّيصًا لأجلها، تقفُ في شرفتِك بالطابقِ الثاني صيفًا، وشتاء.. لا يفصلك عن لمسِها سوَى أمتار قليلة، ولا يمنعك عن رؤيتها إلا يوم الجمعة، يوم إجازتها!
   لا تجعل شيئًا -مَهما كان- يُثنيك عن مشاهدتها، ولا تتأخر هيَّ عن موعدها.. لا تستجب ساعتها لرنينِ هاتفٍ، أو عطشٍ، أو جُوع، وعلى استعدادٍ لأن تتغوَّط في سروالِك علىَ أنْ تفوتك «طلعتها البهيَّة»! 
   لا تشغل بالك أيضًا بصديقتها التي تلازمها كما حقيبة يدها السوداء، المُمزَّقة أطرافها.. لا تكاد تتذكَّر حتى ملامحها، أمَّا هي فتستطيع رسمك مِن الذاكرة، حاسدة صديقتها علىَ غرامِك بها!      
   في غضونِ الخامسة صباحُا تشرق الشمس، وفي السابعةِ والنصف -بدون تقديم أو تأخير- تسطع شمسك أنت، ويوم العطلة هو يوم مظلم باستمرار، لا شروق به وإنْ كان شهر (يونيو)! 
   كل ما ترجُوه ابتسامة مِن شفتيها، نظرة من عينيها، التفاتة لتلويحاتك الصبيانية، أو حتَّى انحناءة لالتقاطِ خطاباتك الغرامية، وعندما يطيح الافتنان بعقلك تحلم بلعقةٍ مِن (الآيس كِريم) الذي يصاحبها يوميًا، وكأنه إفطارها الأثير!
   هي وحدها دُون زميلتها تشتريه كلّ صباح، طوال العام، إلا في شهرِ (رمضان)، تكاد تجزم أنها تفعل بعد الغروب، لكن هل هذا ما جعلك تنساق إليها؟ رغم أنَّ زميلتها أجمل منها!    
   تثيرك لعقاتها الأنثوية لـ(الآيس كِريم)، عندما تشطح شهوتك تقسم بأنَّها تشتريه قاصدة إيثارتك، لكن هل تعنيها أنت بالأساس؟!
   إنَّك لا ترى إلى ما ظهر منها فقط، فمَا علمك بما بَطن..
إنها ترتدي غطاء الرأس هذا علىَ شعرٍ ضعيف، متآكلة أطرافه، يتساقط باستمرارٍ كأوراقِ شجرة خريفية، وذلك لعدم وجُود المال، والوقت اللازمان للاعتناءِ به.. علاوة علىَ تغطيته أكثر مِن نصفِ يومها!
   تلك النظَّارة الشمسية، والتي ارتدتها اليوم علىَ غيرِ العادة، وأبهرتك برفيعِ ذوقها.. ثمنها لا يتعدَّى العشرة جنيهات، وتحجب بها كدمة زرقاء حول عينها اليُسرى، نتيجة شجار عنيف دار ليلة أمس مع زوجها العاطل، لرغبته في اعتلاءها رغم حيضها!
   هل أُحدِّثك أيضًا عن أسنانها التي تراها لامعة تسرُّ الناظرين، بينما ينخُر السُوس بداخلها، ولا تملك علاجها، وتلك البلُوزة الحمراء التي لم تغيِّرها منذ ثلاثة أعوام، ولم تلحظ أنت ذلك، لأنَّك تهتم بما وراءها فقط.. ورائها قميص باهت مُتهدِّل، بحمَّالةٍ واحدة سليمة، وثقوبٍ كثيرة!  
   أمَّا حقيبتها التي طالما فكَّرت فيما تحويه مِن أدواتِ تجميلٍ وخلافه، فلا يُوجد بها سوَى فوطة صحية، ومنديلٍ مِن القماشِ، ومُفتاح الحجرة التي تقطنها ببيتِ عائلة الزوج، علاوة علىَ بضعةِ قروشٍ زهيدة!  
   يدها خاوية من أيِّ دبلةٍ، أو خاتم، ولا أُريد إخبارك بما يختبئ أسفل جونلِّتها السوداء.. بَيد أنِّي أحذرك مِن تلك الساق التي يكسُوها الشعر، لأنَّها لا تملك رفاهية إزالته، ناهيك عن حذاءها المُنتهي عمره افتراضيًا منذ عامين!
   رغم كُلّ ذلك تحرص علىَ تناول الـ(آيس كريم) كُلّ صباح، أثناء سيرها بصحبةِ زميلتها إلىَ عملها في مصنعِ الدُخَّان والمعسِّل الشهير بمدينتك.. رُبَّما لأنَّه الشيء الوحيد الباقي لها مِن زمنِ طفولتها، ورغم ذلك كله مازلت تقف في الأعلى..
   تُحدِّق في مُؤخِّرتِها الرِجْرَاجَة!.

هناك تعليق واحد:

السيدة فتيحة يقول...

ما هذا يا أخي ؟ ما هذا ؟
هذا وصف ظالم
الفقر ليس عيبا ولا أحد يختار مصيره..