2015/05/12

البركة قصة بقلم: محمد نجيب مطر



البركة
محمد نجيب مطر
أدار سيارته بسرعة وانطلق بسرعة فأحدثت العجلات صريراً شديداً أزعج كل من سمعها؛ لقد ضاق بالحياة ومن فيها، الكل يبحث عن مصلحته فقط، لا أحد يتحمل هم الآخرين سواه.
كل من عرفوه يستغلونه لحساباتهم ولا يلقي له أحد بالاً، حتى زوجته وأولاده لا يرحمونه من مشاكلهم التي لا تنتهي، يفرضون عليه رغباتهم وعليه أن يحقق لهم جميعاً ما يتمنون، حتى تلك السويعات التي يغيب فيها عنهم في نوادي الأدب يستكثرونها عليه.
زملائه في المكتب الهندسي يتصيدون له الأخطاء لمجرد أنه يجتهد و لا يرضى بالحلول التقليدية المعلبة والجاهزة والمسبقة الصنع والتجهيز.
يبدو أن خلق للشقاء وعليه أن يتحمل ما لا يطيق إلى أن يفقد حياته فيبحثون عن غيره لينهي لهم مطالبهم، ويحقق لهم أمانيهم.
قرر أن يصل إلى أبعد نقطة في مصر فهداه تفكيره إلى السفر إلى السلوم، مكان هادئ على البحر، لا مسئوليات و لا تبعات، رن تليفونه المحمول فأغلقه، وسار في طريقه إلى نهاية العالم بالنسبة إليه.
اتخذ الطريق الصحراوي وأطلق تنهيدة طويلة وهو يعبر بوابة الطريق، فتح نوافذ السيارة جميعها، أغلق التكييف، ضغط على دواسة البنزين للانطلاق بالسرعة القصوى، لا أحد ينهاه أو يحذره، تلك هي الحرية التي حرموه منها.
عند مخرج العلمين اتجه يميناً ثم استوى على الطريق، وهو لا يسمع سوى صرير عجلات السيارات على الطريق، ونسائم الليل تهب عليه من كل اتجاه في رفق تلامس وجنتاه بحنان ينقلب أحياناً إلى قسوة مع سرعة السيارة.
قبل العلمين شاهد حادثة مفزعة أيقظته من تفكيره العميق وألزمته بكبح جماح السيارة، ضاق من الانتظار في هذا الطابور الطويل، فعرج إلى الصحراء حتي يعبر هذا الازدحام المروري بسبب الحادثة.
واجه مبنى فدار من خلفه، وهناك وجد طريقاً مرصوفاً فتنهد بارتياح واستكمل المسير لعله يتجاوز تلك المنطقة ويعود إلى الطريق الرئيسي مرة أخرى.
المشكلة أن هذا الطريق لا توجد به حركة سيارات على الاطلاق و لا إشارات تدل السائرين على الطريق ولكن توجد بعض المباني التي تدل على ثراء من يقطنها.
بدأ المطر الخفيف المنعش يهطل على شكل زخات خفيفة فخفض سرعته خوفاً من الانزلاق، لكن السيارة دارت حول نفسها ثم توقفت مصحوبة بصوت ارتطام عالي، وتوقف معها كل شئ.
بغد فترة أوقف سيارته بجوار الرصيف واتجه صوب الفيلا الرائعة التي أمامه، ليطلب المساعدة، اقترب من زر الباب فانفتح الباب بغتة ووجد من يقول له :
------ أهلاً وسهلاً ... اتفضل ... نورتنا
------ أنا كنت عايز ....
قاطعه الصوت في عجلة
------ ادخل الأول خد واجب الضيافة وبعدين نتكلم.
دخل إلى حديقة لم مثل جمالها، أزهارها في أوج نضجها، ورائحتها تزكم الأنوف، ثمارها يانعة سهلة المنال، كأنها تنادي على من يراها أن يقطفها، حتى نخيلها قصير يمكن أن تطاله بسهولة، استقبله رجل بهي الطلعة، بجانب زوجته الجميلة وابنته الرائعة وولده الضاحك، وكأنهم كانوا في انتظاره.
سلم عليهم فردوا السلام في حب وود وصدق، الوجوه بشوشة، البسمة على الشفاة تبدو صادقة، طاولة الطعام مرتبة ومغطاة، استسمحوه أن ينتظر فلعل ضيف آخر يأتي فيأكلوا معاً، وبالفعل سمعوا صوت سيارة تقف، وقفوا فوقف معهم يستقبل الضيف مبتسماً ماداً يده وكأنه من أصحاب البيت.
رُفع الغطاء عن الطعام ففوجئ بالدخان يتصاعد منه، لم يذق في حياته أطيب منه، فيه مذاق غريب لذيذ، تشعر وكأنك تأكل بكل جوارك، تأكل بعيونك عندما ترى الطعام وبأنفك من رائحته المشهية، تتمنى أن يظل الطعام في فمك.
بعد الانتهاء قام أحد الخدم بقطف الثمار من أشجار الحديقة مباشرة وغسلها وتنشيفها، كانت الثمار من أنواع مختلفة من الفاكهة الصيفية والشتوية يصعب اجتماعها معاً، في درجة النضوج المثلى للفاكهة، تحس وكأنها تقفز إلى فمك وتذوب حباً في آكلها.
بعد الانتهاء من الطعام مباشرة أدخلوه ورفيقه إلى غرفة نوم صغيرة وأنيقة في مبنى ملحق بالبيت يبدوا أنه معد للضيوف لكي لا يشعروا بحرج ويتحركوا بحريتهم في الحديقة ووحريتهم في الرحيل في أي وقت شاءوا، وبداخل الشقة ثلاحة بها من الطعام ما يكفي لأسبوع، وزاد من الشاي والسكر والقهوة والنسكافيه.
استقظ قبل الفجر بقليل، اغتسل وأدى فرضه ثم خرج فوجد السيارة بها المفتاح - يبدوا أنه نساه أثناء تناول الطعام- نظيفة ومغسوله وممونة بالوقود حتى آخرها، سمى الله ثم انطلق بالسيارة.
وصلا إلى مدينة أو قرية كبيرة ليس لها اسم، دخلا إلى أحد محلاتها الكبرى فوجدا رجلاً وجهه أبيض مشوب بحمرة يشبه إلى حد كبير صاحب الفيلا التى نام فيها، ابتدره الكلام .
----- : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
-----: معذرة يا أخي ... السلام عليكم ..
-----: أؤمر من ما الذي تطلبه؟
-----: سأرى ما أريد أشكرك.
-----: أريد أن أوفر الوقت عليك.
-----: دعني أرى أولاً ثم أطلب ما أريد ..
ابتسم الرجل في وداعة وقال له : كما تحب.
أخذ المهندس جولة في السوبر ماركت، وجمع كل ما يحتاجه، اشترى كرتونة من علب العصير، وكرتونة من المياه المعدنية وبعض الأرغفة والجبن الذي يلزمه لاستكمال سفره، وذهب يبحث عمن يحاسبه عما اشتراه من بضاعة فلم يجد أحداً.
رأى الرجل الذي استقبله من قبل عند الباب يبتسم له في ود فاتجه إليه فبادره الرجل بالكلمات.
----- : يبدو أنك غريب.
----- : نعم.
-----: أين الحساب؟
-----: لا حساب .. هنا تأخذ على قدر حاجتك وتسير على بركة الله.
-----: وثمن البضاعة؟
-----: مدفوع وواصل مقدماً.
-----: ومن دفع؟
-----: الدولة.
-----: الدولة؟
-----: نعم، إنه خير الدولة ويعود على أبناء الدولة.
-----: ولكني غريب؟
-----: أنت الإنسان ... أعظم ما خلق الله بيده ... وفضله على كثير مما خلق، الأرض وطننا جميعاً، ولن يهنأ احد عليها بسلام دون ضمان السلام لكل من فيها، لن يشعر أحد بالأمان طالما ظل واحد فيها لا يأمن على نفسه.
------: ومن أين تأتي الدولة بالموارد؟
------: من التصنيع وبيع بعض المنتجات للدول الأخرى.
------: وتلك الدول التي توزع خيراتها على أهلها كيف تدفع دون أن تقبض أموالاً؟
------: بالمقايضة؛ تعطينا جزءاً من منتجاتها مقابل جزء من منتجاتنا، وكل الدول تفعل ذلك؟
------: هل معنى ذلك أنه لا توجد نقود؟
------: توجد النقود فقط كوسيلة بين الدول لدفع قيمة المنتجات بدل المقايضة المباشرة.
------: والمواطن؟
------: لا يحتاج إلى النقود طالما الدولة توفر له التعليم والعلاج والملبس والمأكل والمواصلات ووسائل الترفيه مجاناً .
------: يأكل ويشرب وينتقل ويتنزه ويسيح بالمجان؟
------: نعم.
------: في مقابل ماذا؟
------: العمل.
------: وماذا يعمل لو لم يجد عملاً.
------: الكل هنا لابد أن يعمل على قدر طاقته ويأخذ على قدر حاجته.
------: وكيف يختار العمل؟
------: لا شئ هنا بالإجبار إلا العمل في حد ذاته.
------: العمل في الوظيفة التي يرغبها والعمل الذي يجيده.
------: العمل هنا وسيلة الترقي والعلو بين الناس.
------: ومن لا يعمل.
------: إذا كان يستطيع العمل ولم يقم باختيار عمل توفر له الدولة العمل لأن العمل في حد ذاته غاية تؤكد قيمة الإنسان لذاته.
------: وإذا تكاسل عن العمل أو رفضه.
------: يودع في المستشفيات لكي يتم علاجه لأنه بالتأكيد يعاني من حالة مرضية.
------: ورؤسائكم ووزرائكم كيف تختارونهم؟
------: ليست هنا سياسة، تلك وظائف رسمية يأخذها الموظفون بجهدهم، هناك دستور وقانون والجميع يسير عليه وينفذه.
------: والممتلكات الخاصة؟
------: تنتقل بالميراث.
------: الدولة تضمن حداً جيداً ومقبولاً لجميع مواطنيها، ولكن من يريد ترفيهاً أكثر فعليه العمل ساعات أكثر لقاء أجر إضافي يتم توزيعه على العاملين.
------: أنتم تحققون الشيوعية أو الاشتراكية.
------: ليس لدينا ما تزعمه، نحن نحقق الحد الأدى لمعيشة الإنسان، و لا نتدخل في معتقداته ونعدل بين الناس و لا نفرض وصاية على أحد، ونحقق العدل بين الجميع ونحصل من الإنسان على أجمل ما فيه بالحرية في اختيار التعليم واختيار الوظيفة بشرط أن يكون كفؤاً للقيام بها، ومن رغب في الحصول على ترفيه أكبر فليعمل أكثر، وليختار عمله الحر دون أن يضايقه أحد، ندعه يعمل، وندعه يمر.
------: والمشاكل؟
------: تحلها الدولة بالقانون من حق الجميع أن يمتلك، ومن لا يمتلك تكفل له الدولة الحياة الكريمة من المهد إلى اللحد بشرط العمل.
خرج المهندس مبهوراً من المناقشة، بعد أن أعاد بعض البضاعة، لأنه يمكنه أخذها بالمجان دون نقود، فليأخذها طازجة إذن.
خرج إلى الشارع يتجول، لم يرَ أحد يستجدي، ولم ترى عينيه سوى النظافة وحتى العاملين في النظافة كانت ملابسهم الخاصة لامعة و نظيفة.
لم ير شاباً يسير كسولاً، كلهم يسيرون منتصبي القامة، تبدوا عليهم آثار النعمة، حتى الكبار يرتدون ملابس الرياضة ويسيرون في جماعات بعضهم يمارس رياضة العدو.
لم ير حافلة واحدة مزدحمة، كل شئ منظم ونظيف، تظهر السعادة على محيا الناس، ويتشكل الفرح على شفاههم، الوجوه صافية يتدفق الدم فيها، قوامهم ممشوق كأنهم تماثيل تتحرك لأبطال رياضة.
الطرق تسير وهي تحمل السيارات والأفراد، فإذا كان الفرد متعجلاً قاد سيارته على تلك الطرق من سيور تسير بسرعة 200 كيلومتر في الساعة فتتضاعف سرعته، الطرق الرئيسية هي التي تزود بتلك السرعات العالية، أما الطرق الفرعية التي تربط بين القرى والمدن الصغيرة  فلا تتجاوز سرعتها 120 كيلو متر في الساعة.
عند الخروج من الطريق الرئيسي إلى طرق فرعية يمكن للسيارة أن تركن في جانب الانتظار وعندما تحين الفتحة التي يرغب في الخروج منها فقط يضغط على الزر فتنزلق السيارة بسهولة إلى الطريق الفرعي المجاور.
أما إذا أراد ركوب الطريق بلا سيارة فعليه الانتظار في محطة الركوب وبمجرد ضغط زر الدخول ينزلق بسهولة وأمان إلى الطريق المتحرك، ويمكنه الجلوس على المقاعد المنتشرة أو أن يتمشى على الطريق.
طرق تسير وسيارات تجري عليها وأفراد يركبون الطرق ويصلون إلى أماكنهم في أقل وقت وبأسهل وسيلة، وطرق فوق بعضها البعض عند التقاطعات تشكل أشكالاً مثيرة وترسم لوحة بديعة.
أفاق المهندس فوجد نفسه في المستشفى، والروبوتات التي ترتدي ملابس معقمة تنتقل من مكان إلى آخر في خدمة المرضى، تقوم بقياس ضغط هذا وعدد دقات قلب آخر، وتضمد الجروح وتقوم بعمل التحاليل والأشعة للمرضي، ومنها ما يطير فوق رؤوس الجميع تحمل ملفات المرضى.
جاءه الطبيب وهنأه على سلامته، أخبره أن هذا اليوم هو الخامس بالنسبة إليه وأنه على ما يرام ويمكنه الخروج في الغد صباحاً لأنهم أعطوه من قبل أدوية تحمله على النوم وعدم الحركة حتى لا تؤثر على كسوره التي أصيب بها.
عاد إلى منزله يحدث نفسه عن تنفيذ ما رآه في الحلم عن تلك المدينة الغريبة التي عاينها أيام مرضه، تلك المدينة التي يعيش الناس فيها بسعادة بالغة لا ينغصها سوى الموت وفراق الأحباب.






هناك تعليق واحد:

هدى محمد يقول...

عندما تكون احلامنا خاصة بنا وحدنا فيسهل تحقيقها مهما كانت العقبات
اما عندما نحلك لنا ولغيرنا فتصعب مهما كانت التسهيلات
لا اشتراكيه ولا راسماليه
بل هي قدرتنا على التعاون مع الاخرين و تحملهم كما يفعلون معنا لنصل معا الى الاخرة

قصة جميلة استمتعت بها