2015/06/09

الشعب الأمريكي و الخديعة الكبرى سامر عبد الكريم منصور



الشعب الأمريكي و الخديعة الكبرى

سامر عبد الكريم منصور


يتوقف المحلل السياسي فجأة عن دفق حديثه, لحظات من الصمت، ثم يقول: " أنا هنا لا أتحدث عن الشعب, بل عن حكومة هذا الشعب!". يعود إلى تحليله بحماسة بالغة, بعد أن قال اللازمة "الضرورية", لكل نقد يتناول دورا سلبيا لدولة ما تجاه دولة أخرى!. لكن هذه العبارة تطرح أمامنا تساؤلات عديدة. هل يمكن دائما إجراء عملية الفصل تلك؟
تأخذ هذه الجملة ألقها "الحضاري" حين نتحدث عن بلاد "الحلم الجميل" الولايات المتحدة الأمريكية. فهناك شعب في واد و إدارة في واد آخر. هكذا نحب أن تكون الأمور!. أو هكذا توحي تلك النظرية: التمييز بين الشعب ومؤسساته التمثيلية. حتى ونحن نرى العرق, يتصبب من كل المنافذ المتاحة  في جسد المرشحين لحكم ذلك الشعب, وهو يحاول بكل الوسائل أن ينال أصواتهم, فإننا نصرّ على تبرئة الشعب ""المخدوع" من سياسات حكامه.
إن أكثر الأشياء التي يفتخر بها هذا الشعب المخدوع: الديمقراطية. ليس فقط في اسلوب عيشهم بل أيضا في طريقة حكمهم. لصوتهم قيمة في صناديق الانتخابات. المعلومات في زمن "القرية الصغيرة" باتت متاحة للجميع. لسنا بحاجة للتنقيب كثيرا في التاريخ , حتى نصل إلى مخزون وفير من جرائم الحكومات الأمريكية المتعاقبة بحق أغلب شعوب الأرض.  لو قمنا بعملية جمع رياضية بسيطة : الديمقراطية مع  توفر المعلومات, سيكون الناتج بأنهم يتحملون المسؤولية الكاملة عن قراراتهم, وبالمحصلة ستعكس مسؤوليتهم عما تفعله حكومتهم وخاصة بما يتعلق بمصائر شعوب أخرى.
يعتبر كتاب " المتلاعبون بالعقول" لأستاذ مادة وسائل الاتصال في جامعة كاليفورنيا "هربرت شيلر" , وسيلة محببة لبعض المدافعين عن "الشعب المخدوع". فالكتاب صدر بعد متابعة علمية رصينة لوسائل الإعلام الأمريكية, ويسرد بطريقة منهجية وموضوعية أساليب التضليل, وتوجيه العقول في اتجاهات محددة, وصناعة الرأي العام, وعمليات إدارة و توجيه المعلومات.  الأمريكيون خاضعون لعملية تضليل منهجية, ويكفي أن نرى الكم الهائل من ساعات البث المليئة ببرامج مبلدة للعقول, إضافة إلى الوسائل الخبيثة لتشكيل الوعي بطريقة مضللة , إغراق المتلقي بموضوعات كثيرة لا رابط بينها, تقطيع المقالات ونقل معظم النص إلى صفحات داخلية ، وكذلك الدور السلبي للإعلانات خلال البرامج التلفزيونية التي تقطع التركيز وتحول المادة المتناولة إلى مادة مبتذلة. كل هذا يساهم في  سلب الوعي النقدي للمتلقي وكذلك تركيز فكرة فصل المشكلات إلى بؤر محددة دون الربط بينها عبر رؤية عامة. السلبية هي الهدف النهائي لسياسة توجيه العقول بما يكرس الوضع الراهن .هذه هي خلاصة "المتلاعبون بالعقول".
قبل الرد على التبرير السابق, لنقرأ تأريخاً مكثفاً عن إحدى أكبر عمليات التضليل  والتزييف والكذب في التاريخ أو "الجريمة غير الكاملة":
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ابتكرت الولايات المتحدة مصطلحات "الحرب على الارهاب" و " الحرب الإستباقية" و " محور الشر", وذلك لتبرير تدخلها العسكري المباشر بحجة حماية أمنها القومي.
رغم ثقة الرئيس الأمريكي بوش, بأن الأمريكيين لن يقبلوا بوجود اي تهديد آخر لبلدهم, وهم مهيئون لخوض حربه ضد "الارهاب", كان يحتاج إلى "حجة قوية" أمام الرأي العام تبرر حربه ضد العراق, لذلك طلب من موظفي مجلس الأمن القومي "ترتيب هذا الأمر جيداً!". وبالفعل فقد تم ترتيب الأمر, فتم اتهام النظام العراقي بالتعاون مع القاعدة, وبأنه يمتلك أسلحة الدمار الشامل. وممن ساهم في عملية الترتيب كان "توني بلير" رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت, الذي أعلن بقلق بالغ, أن العراق قادر على شن هجوم بأسلحة الدمار الشامل على بريطانيا خلال 45 دقيقة فقط!
انهمكت المؤسسات السياسية في امريكا بالاضافة إلى الإعلام الأمريكي, في حملة دعائية كبيرة لتبرير تلك الحرب. قليل من الحقائق مع كمية كبيرة جدا من الفبركة والتزوير والتزييف والكذب والخداع. هذه الحملة لم تقنع مجلس الأمن بالموافقة على هذه الحرب, لكنها خلقت رأياً عاماً أمريكياً وعالمياً مسانداً لها ضد "التهديد العراقي". لقد كانت تلك الآلة الإعلامية الجهنمية سلاح الإدارة الأمريكية لتضليل الرأي العام العالمي والأمريكي خاصة.
يوم الخامس من شباط 2003, جلس وزير الخارجية الأميركي "كولن باول",  على كرسيه المخصص في مجلس الأمن الدولي, ليلقي خطابه الذي "تمّ ترتيبه جيداً!" عن الأزمة العراقية، وعرض فيه ما تعتبره الولايات المتحدة «أدلة» على امتلاك العراق اسلحة دمار شامل, وايوائه لعناصر من تنظيم القاعدة. أصغى المجلس على عدة مكالمات هاتفية, وبضعة صور فضائية , ثم توجهت العيون إلى علبة زجاجية صغيرة يمسكها "باول" بأطراف أصابعه, وهو يقول بقلق بالغ: العالم مهدد بخطر الجمرة الخبيثة العراقية!.      بعد ستة أسابيع على هذا الخطاب ، وتحديداً في العشرين من آذار 2003 بدأ الغزو الأمريكي مع "ائتلاف الراغبين!" ( بعد الفشل الأمريكي في نيل موافقة مجلس الأمن) للعراق , وفي التاسع من نيسان 2003 سقطت بغداد. الإعلان الرسمي عن نهاية الحرب كان في الخامس عشر من كانون الأول 2011 !!.
في آب 2003، وبعد أربعة أشهر من سقوط بغداد، أعلنت وكالة الاستخبارات المركزية، أنه لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل!!. عين الرئيس بوش لجنة مستقلة للتحقيق حول هذه المسألة. وخلصت اللجنة إلى أن أجهزة الاستخبارات قد فشلت فشلاً ذريعاً في الرصد والتحليل والنتائج!!.
في أيار 2012 يعود "كولن باول" إلى مسرح الجريمة عبر كتابه )لقد نجحت معي: في الحياة والقيادة),  وتحديداً في الفصل الذي يحمل عنوان " 5 شباط 2003"  (تاريخ خطابه المرتب جيدا), ليعترف بشكل واضح بأنه قام "بتضليل فادح" عن اسلحة الدمار الشامل في العراق, وبأن الرئيس جورج بوش كان بحاجة إلى تقديم قرائن وأدلة مقنعة للحرب على العراق عند مخاطبة الشعب الأمريكي والمجتمع الدولي. ثم يعترف بالحقيقة التي بات العالم كله يعرفها : " وكما يعلم الجميع، لم يعثر قط على أسلحة الدمار الشامل, ولم تكن هناك خطورة تذكر." قبل أن يتسائل بحيادية مثيرة للسخرية :" كيف يمكن أن تصبح هذه الصور المزيفة دليل إدانة ؟ كيف يمكن أن نقيم عدالة قضيتنا على هذا الكذب المدمر؟". وينهي كلامه بالدرس المستفاد بعد عشرة سنوات من تضليله : "حاول دائماً أن تتجاوز الكبوة بسرعة. تعلم منها. وأمعن النظر في كيفية اسهامك فيها. وإذا كنت مسؤولاً عنها، اعترف بذلك, وأبحث عن طريق جديد في الحياة".
في بداية فصل "5 شباط 2003" من كتابه، يورد" كولن باول" سؤال (باربرا والتزر) وهي أشهر مقدمة للبرامج الحوارية في أمريكا, حتى أن مجلة فوربز أختارتها من بين أهم 100 امرأة مؤثرة في العالم في عام 2004. تسأله المقدمة على محطة "أي بي سي" الأمريكية : "هل كان ( خطابه أمام مجلس الأمن) وصمة عار في سجلك الوظيفي وسيرتك الذاتية؟" . فيجيب: "نعم.. ما تم قد تم، وليس في مقدوري منعه الآن أو الحؤول دون منعه في الماضي، فقد أنتهى الأمر، وعلي أن أتعايش معه!."
الآن وبعد قراءة وقائع الجريمة الأمريكية في العراق, والتي بات العالم بأسره يعرفها, وبالتأكيد الشعب الأمريكي يعرفها جيداً. الاعترافات التي تمّ سردها من قبل مرتكبي الجريمة, على مختلف وسائل الاعلام الامريكية. هذه الحقائق الواضحة, تجعل من خضوع الشعب الأمريكي, للتضليل من قبل حكومته, رغم معرفته بحقائق التاريخ القريب جدا, وحتى البعيد نسبيا ,كالحرب في الفيتنام مثلا, فكرة غير منطقية ولا تحترم العقل!. فالحقائق التي تمّ كشفها كافية لجعل الشعب الأمريكي , يقف ضد خيارات حكومته الكارثية تجاه شعوب العالم الأخرى, وليس "التعايش معها" كما قرر "كولن باول" أن يفعل . مآسي الشعوب ليست مجرد "كبوة" أو "وصمة عار في سيرة ذاتية" عليك أن تتعلم منها قبل أن "تبحث عن طريق جديد في الحياة" بعد أن أشعلت حرائق الفوضى الهدامة.
و أخيراً دعونا نتوقف عن ترديد العبارة الساذجة: " لا اتحدث عن الشعب الأمريكي, بل عن الحكومة الأمريكية" التي ترفع عنهم مسؤولية تاريخهم المجيد!

المصادر:
1.        المتلاعبون بالعقول | المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت| ترجمة عبد السلام رضوان.
2.         Colin Powell on Iraq, Race, and Hurricane Relief | Sept. 8, 2005  
3.        The Mind Managers | Herbert I. Schiller.

هناك تعليق واحد:

Samer Mansour يقول...

شكرا للأستاذ أحمد طوسون لنشره المقال..

كل التحية لكم

www.shurofat.blogspot.com