2016/03/21

الطاحونة الخضراء: حلبة الشعر في شيكاغو بقلم: عبد الرحيم الخصار



الطاحونة الخضراء: حلبة الشعر في شيكاغو
عبد الرحيم الخصار

       الجسور الحديدية والعمارات الشاهقة المدرعة لا توحي على الإطلاق بأن شيكاغو مدينة فن، ولا تترك الكثير من الأمل في قلب من يبحث عن الشعر داخل هذه المدينة العملاقة. لكن خمسة عشر دقيقة عبر السيارة من الداون تاون إلى النورد برودواي ستقودك إلى عالم صغير يحتفي رواده بالشعر على طريقتهم الخاصة. الطاحونة الخضراء The green millهي حلبة الشعر في شيكاغو، ولا غرابة في أن يسمى المكان حلبة، فثمة منصة للتباري وللتشابك والصراع أيضا، ليس بالأيدي والأقدام، وإنما عبر سلاح اللغة.
    ربما جاء الاسم والفكرة من "الطاحونة الحمراء" في باريس، ثمة أشياء مشتركة على ما يبدو، هي الطعام والشرب والموسيقى، لكن طاحونة شيكاغو تترك بهرجة الطاحونة الحمراء وأضواءها  وراقصاتها الفاتنات ولهيب أسعارها، و تميل إلى شيئين اثنين فحسب: الجاز و الشعر.
     الطاحونة الخضراء هادئة طوال النهار، يمكن للوافد أن يتحرك بين الكراسي والطاولات بكامل المرونة، فالمكان يبدو شبه فارغ، ثمة موسيقى خفيفة تنبعث من خلف الكونتوار، المنصة غير مضاءة، لكن اسم green mill يتوسطها بنيون أخضر، الخشب البني في كل مكان، وعلى طول الجدار الذي يقود من الباب إلى المنصة تتالى لوحات قديمة مضاءة بألوان خافتة تعمق هدوء المكان، لكن هذا الهدوء ينقلب إلى صخب كبير بمجرد أن يصل مارك سميث.
     كل مساء على الساعة التاسعة تبدأ حفلات الجاز، لكن مساء الأحد يختلف عن كل أماسي الأسبوع، فمارك سميث سيستولي على المايكروفون ليبدأ لعبته الأثيرة: Poetry Slam، إنه هنا منذ الثمانينات يخلق جوا من الصخب المبهج حيث يدير بطريقته الخاصة مسابقة بين الشعراء الوافدين من كل جهات البلاد إلى الطاحونة الخضراء. "slam" تعني الصراع القوي، وهي مستوحاة من عالم المصارعة، بعد كلمة مطولة عن الشعر وعن أمجاده يقدم الشعراء المتبارين، أما لجنة التحكيم فيتم اختيارها من الجمهور الحاضر، كل زبون في هذا المكان يمكن أن يصبح في ليلة من الليالي واحدا من أعضاء هذه اللجنة التي لها وحدها الحسم في اختيار "الشاعر البطل"، ولا يتطلب التحكيم هنا حيازة شهادة أكاديمية أو التخصص في كتابة الشعر أو نقده، كل ما يحتاجه الحكم هو أذن صاغية وذوق فني وروح تحب الشعر.
    الشعراء الأوائل الذين كانوا يتوافدون على حلبة الشعر بالطاحونة الخضراء منذ الثمانينات هم: مايك باريت، روب فان تايل، دجون هاورد، أنا براون،  كارين نيستروم، دايف كوبر ودجون شيهان. أما مارك سميث فقد صار يعتبر "وسيلة دفاع كبيرة من أجل إنقاذ الشعر من مركزه المتواضع في الحياة الثقافية في البلاد" كما أوردت مجلة سميثسونيان في تقرير لها عام 1992.
      نشأت فكرة سميث على نبذ التعامل الرسمي مع الشعر، كان يستهزئ مع رفاقه من ذلك التأنق المبالغ فيه، وتلك البرودة في إلقاء القصائد و تلقيها، على الشعر في تصوره أن يحتفي بالحياة، وأن تحتفي هي الأخرى به، أن يكون قريبا من الناس، وألا يبدو كما لو أن  بينهم وبينه حاجزا من زجاج. كان ينتقد الشعراء المتعجرفين و العاجزين عن التواصل مع الناس و شدّهم إلى هذا الفن بدل جعلهم ينأون عنه  ويأنفون بالتالي الحضور للأمسيات. هؤلاء في نظره هم السبب في تراجع محبي الشعر وقرائه، على الشعر كما بدا لسميث أن يكون حيا عبر التفاعل مع الجمهور سيما حين يكون الإلقاء في جو من البهجة والحماسة.
       يتقدم المتبارون إلى المنصة، و يتم تحديد الموضوع الذي سيتبارون فيه، يتم أيضا الاتفاق على المدة الزمنية للإلقاء التي يجب استغلالها بالتساوي، الارتجال هو مبدأ المسابقة في الغالب، المؤثرات الخارجية ممنوعة كالموسيقى و الملابس و الأكسسوارات، يجب أن يركز الحضور على الشعر لا غير، ثمة مواضيع كثيرة يمكن أن تدور حولها المسابقة، لكن التيمة الأثيرة لدى المتبارين هي الهجاء. يعيَّن الحكام ويكون عددهم خمسة، وكل واحد منهم يمنح للمتباري بعد الأداء نقطة عددية من صفر إلى عشرة، صاحب أسوإ نقطة يتم إقصاؤه، ويترشح الآخرون للجولة اللاحقة، وهكذا إلى أن يتبقى شاعر وحيد سيكون بمثابة البطل تلك الليلة.
      في بداية التسعينات أراد سميث أن يوسع نطاق مسابقته فنظمها في سان فرانسيكو وشارك فيها شعراء من ثلاث مدن: سان فرانسيكو، نيويورك، وشيكاغو طبعا، بعد ذلك ستصبح "البويتري سلام" حاضرة في أكثر من 500  مدينة و بلدة داخل الولايات المتحدة وخارجها أيضا. و مع شهرة هذه المباراة الحماسية ستسعى شركات الإشهار وبرامج الواقع في التلفزيون الأمريكي إلى محاولة تبنيها، لكن مارك سميث كان دائم الرفض، بحجة أن ما هو تجاري سيقضي على عفوية الشعر وبساطته وروحه الحية.

عبد الرحيم الخصار
شيكاغو

ليست هناك تعليقات: