2011/08/12

"أفـــيـــون..." قصة قصيرة لمحمد الكامل بن زيد

أفـــيـــون...
محمد الكامل بن زيد
صمت البحر ...ثم قال : إنني مجرد حلم حالم ..
أذنبت أنثى ..ثم تخيّل لها بعد الذي حدث ..أنها خط ثابت طويل ..وأنها كم تمنت لو كانت عمياء ..عرجاء .. لو أنها لم تكن أنثى ..
مات الشيخ الجليل الذي ظل يحمل في يده اليمنى ما تيسر من القرآن الكريم ..ولم يرثه أحد ..رحل كأن شيئا لم يكن ..وكأن الذي ظل يوصي به تحقق رغما عنه ..أنا إن مت ..فالسلام على الجميع ..
بلغ همسا بالأمس إلى مسامع الجميع أن شيخ المدينة وجد متلبسا في وضع حرج مع أنثى ما بلغت الحلم بعد ..لم تمر إلا هنيهات حتى ذهبت الفضيحة في خبر كان ..وذهب شيخ المدينة إلى أحلى مكان ...
سبحان الله أي شيء في هذا الوجود يرفض سبب وجوده بتعنت كبير ..يرفض المودة بين ذاته الأصيلة وبين ذاته التي يعشق أن يكون عليها .. أي شيء في هذا الفضاء يعاند بقايا الأمل المتغلغل في الأعماق ..ويصر على المكابرة ...
وهو لحد الساعة لم يعرف هل ذاته أصيلة ..أم هي بين البينين ..هل هو البحر ..أم هو الأنثى ...هل هو بين الشيخ الجليل و شيخ المدينة...
وحده يمشي بلا هوادة ..وحده يرقص طربا من غير قرع للطبول ..وحده يطيــر بلا أجنحة ..وحده يصلي بوضوء التيمم ..وحده يحدث الطيور المحلقة في الأفــــق البعيد بشعر لا قافية له ...وحده يداعب أطفال العائلات المصطفين على طــــــول الشاطئ و يناغيهم بقهقهات لا خاتمة لها ... وحده يغني في الملكوت ..أشتري الحـــــب فمن يبيع ..وحده يرسم للبحر الماثل أمامه بفضل أبهمه المثخن بالسواد بــوابة عملاقة ليغيب بداخلها لساعات و حسبه حال لسانه ..شيء أفضل من لاشيء .....
فعل ذلك ولم يلحظ أن سرايا المخلفين من الأعراب المنتشرين داخل الأحراش الممتدة على طول الشاطئ تراقب كل حركة مريبة .. فاجئهم تصرفه .. أذهلهم .. في البدء كذّبوا ما رأوا واتبعوا أهواءهم ..حيلة أخرى لم ينتبهوا لها ولم تخطر ببال بشر .. لا مركب نجاة ..لا شرطة الحدود ..لا سماسرة الموت...كيف لمثل هذا الـمـخلوق أن يأتي بما لم تأت به الأوائل .. مجرد حركة من إصبعه أعطت لشفرات الحلم لهيبا آخر في الفرار إلى الضفة الأخرى ...ويح أمه ..ويح أمهاتنا ..حركة أدخلته التاريخ ..هو لا يعرف مقامها هاهنا ..لكننا نحن نعرف..قال كبيرهم الذي علّمهم إمامة الفتوة رافضا .. إنما يستعجلكم هذا المريد بالهلاك.. فهذا الشيطان يوشك أن يوقع بينكم العداوة
والبغضاء ..فاجتنبوه .. ثم خرج على قومه بعد أن كشف عنه الحجاب ..وبعد أن أيقن أنهم مصرون على فعل كمثل فعله ..ليتوارى خلف الأحراش عساه يجد له قوما تبعا آخرين ...أما هم فامتدوا حلقات.. حلقات على صراط مستقيم ..يرسلون سراياهم ببطء شديد ..
- سنخادعه بمجرد أن تنفتح البوابة ..
عبارة واحدة اختزلت الخطة ..عبارة قالوها عساها تختصر الإنتظار الذي أرهقهم ..حتى أنهم إن يروا آية أخرى يقولون إنه سحر آخر من قبل كبيرهم الذي علمهم إمامة الفتوة حتى يعدلوا عن الأمر ويسترجعون جادة الصواب ..ظنوا بأنفسهم الظنون ..وبصاحب الحركة الظن الأكبر ..فهو لم يظهر لحد الساعة ..فأين اختفى ولماذا طال به الغياب ..هل غرق ؟؟..هل أمسك به من قبل شرطة الحدود أو تم اغتياله من قبل سما سرة الموت ..فهم لا يرحمون ..قد يظنون أن حركته أتت على مصدر رزقهم .. عصف التفكير بعقولهم وأخذهم كل مأخذ ..تنازعوا أمرهم بينهم وزادت حدة ألسنتهم و لم ينتبهوا إلى أن الأمر العظيم أوشك على الحدوث ..فلما حدث خسف بهم البحر إلى أدنى الأرض ....
فيما ظل وحده يسائل ذاته :
- أضاعوني وأي فتى أضاعوا
ووحده ظل يبحث في جنبات الأحراش الممتدة على طول البحر ردا عن سؤاله :
- أين ذهبت سرايا المخلفين من الأعراب .....؟
ولم ينتبه إلا على صوت كبيرهم الذي علمهم إمامة الفتوة يردد باستعطاف غريب :
- مولاي .. أتوسل إليك أن تأخذني معك ..خادما مطيعا
فابتسم بعد تجلت له و لأول مرة حقيقة هذا الرفض ...هذا التعنت

ليست هناك تعليقات: