2015/03/27

"أوقفوا المزاد !" قصة قصيرة بقلم: زينة السعيد بورويسة



 القصة الفائزة بجائزة نازك الملائكة للابداع الادبي النسوي.
الدورة السابعة أكتوبر 2014.
زينة السعيد بورويسة
 
تعوّدت أن أحضّر الكسكسي[1] كل يوم جمعة. ربما لأنني أحبه ! و ربما لأنه جزء من الماضي، و أنا أحب الماضي بكل ما فيه !
و ربما اعتذاراً من الوطن !!!
دنوت برأسي من القصعة و ملأت رئتيّ برائحة الكسكسي الشهية التي دغدغت ذاكرتي و عادت بي إلى مئات السنين من عمر أرضي التي كنت أعشق قراءة صفحات تاريخها الطويل.
أرضي التي أعطتني الكثير الكثير...
الكثير من الحب. الكثير من الدفء. الكثير من كل الأشياء الجميلة.
و لم أستطع أنا أن أقدم لها أكثر من اسمي الذي أضافته مرغمة إلى قائمتها الحزينة: الأدمغة المهاجرة.
                      *      *      *      *      *
أعطتني تلك الأرض كل شيء، و مكنتني من جميع أحلامي حتى غدوت ذات يوم من أشهر الباحثين. كنت أعيش على تلك الأرض بأمان و طمأنينة مؤمنة أن الأم لا تؤذي أولادها، و أن الأم تدفع أنفس ما تملك و ما لا تملك لتحفظ كرامة أولادها.
لكنني لم أكن أدرك أن الأولاد قد يؤذون الأم و قد يفرطون بأنفس ما يملكون و ما لا يملكون ليدوسوا على كرامة أمهم !
و أنا واحدة من هؤلاء الأبناء !!
قد لا أكون مجرمة حكم عليها بالسجن بتهمة القتل أو السرقة أو... و قد لا أكون سياسية أو مسؤولة تنسب إليها تهم الفساد أو التزوير أو التلاعب بقوانين الدولة أو...
و لكنني مجرمة. مجرمة باعت الوطن و باعت الهوية و باعت الماضي و ما فيه و تنازلت عن المستقبل و ما فيه ... مقابل دراهم معدودات !!!
أنا واحدة من هؤلاء الأبناء.
أنا واحدة من هؤلاء الذين هجروا هذه الأرض و باعوا ودّها عندما ضاقت بها الأيام، و تخلوا عنها عندما كانت بأمس الحاجة إليهم.
كان ذلك قبل عشرين سنة، عندما ابتسمت لي الحياة و غرني علمي و صحتي و شبابي ، فحزمت حقائبي و سافرت بعيدا مؤمنة أن الحياة جميلة وراء البحار.
سافرت تاركة ورائي أرضي و أهلي و تاريخي و أيامي الجميلة.
سافرت متناسية ضفائر شعري و صلاتي و ألوان حديقتي و حكايات الليل الطويلة.
سافرت ... و لم أكن أدرك حين سافرت أن من يبيع هويته فسيقضي كل أيام العمر في اللهث وراء  شراء بطاقات هوية... ليست هويته !!
                     *      *      *      *      *
تدخل ابنتي و تقطع عليّ شريط الماضي مبتسمة:
-       الجمعة و الكسكسي أمران متلازمان عندك يا أمي !  أعجب لفرنسا التي أخذت منك كل شيء و خفقت في أخذ عادة الكسكسي !
-       أخذت مني كل شيء؟ ! ( كأن كلامها كان سهما يخترق كل أفكاري و يعّريني أما نفسي التي ظللت أخدعها بأنها جزائرية).
-       ماذا تقصدين؟ فرنسا لم تأخذ مني شيئا.
-       رجاء لا تخدعي نفسك يا أمي. عندما سافرنا إلى الجزائر العام الماضي و مكثنا عند جدتي أياء العيد لاحظت الفرق الكبير الذي أحدثته فيك فرنسا، و أحسست بالهوة الكبيرة التي تفصلك عن أمك و أخواتك و صديقاتك و باقي نساء الوطن.
     ابنتي لم تتعدّ الثامنة عشر من عمرها. و رغم ذلك استطاعت أن تتحسس  المسخ الذي مسّ هويّتي. بل استطاعت أن تفضحني أمام نفسي، و تضعها أمام حقيقة تعمّدت إخفاءها و التظاهر بعكسها.
    نعم ظللت طوال سنوات غربتي أهرب من حقيقتي و أخدع عائلتي الصغيرة: نحن جزائريون... جزائريو الأصل و الهوية و المعتقد و الثقافة... و الدليل على ذلك محافظتنا على عادة الكسكسي الذي نحضّره كل يوم جمعة !!!
هل الكسكسي ...هوية !!!
سخرت من نفسي و أحسستها ضئيلة جدا حتى أمام نفسها.
و لأول مرة أتذوق الكسكسي بطعم الخيانة !
هل أنا خائنة؟
ظل هذا السؤال يؤرقني تلك الليلة، و لم أعرف للنوم طعما.
مضت الليلة الأولى، و الثانية، و...
و ها هي ليلة الجمعة تعود من جديد، و لم أجد إجابة لسؤالي بعد !
دخلت غرفة ابنتي الغارقة كعادتها بين كتب التاريخ و الأدب:
-       أنا هجرت وطني رغما عني.
-       ( أغلقت كتابها و نظرت إلي نظرة ازدراء كأنها كانت تقول لي: و ماذا بعد هذه الكذبة؟).
-       كانت الأوضاع سيئة في الجزائر،... ثم... ثم إنني كنت طموحة إلى مزيد من الدراسة و الخبرة المهنية... كنت بحاجة إلى وظيفة أستثمر فيها طاقاتي !! ... !!
في الحقيقة لم أجد حجة قوية أدافع بها عن نفسي أمام أبنتي.
كل حجج الكذب ضعيفة.
خرجت من نقاشي معها و مع نفسي و قد وجدت الإجابة عن سؤالي: نعم، أنا خائنة.
و لأول مرة لم أحضّر الكسكسي ليوم الجمعة.
*      *      *  *     *    
    أحسست تلك الأيام بضيق شديد يمزّق داخلي، خاصة بعد رحيل أقرب صديقاتي إليّ و عودتها إلى الجزائر عندما اقترب موعد ولادتها قائلة: لا أريد لنسيم أن يخترق رئتي ولدي قبل نسيم وطني.
كنت أشعر بالوحدة و الضياع.
كنت أحاول ايجاد مبررات للعيش في فرنسا لكنني لم أجدها؟
كنت أنظر إلى ابنتي و هي تسير على خطى أبيها الذي تعمّد اشباهها به.
نعم إنها تشبهه تماما. مدمنة على قراءة كتب التاريخ و الأدب، مواظبة على جميع الصلوات، ممتازة في دراستها، منظمة في كل الأعمال التي تقوم بها، صارمة في كل نقاشاتها و قراراتها.
وحده ابني كان يشبهني !
    كان متأثرا بالحرية التي تمنحها مدن فرنسا لساكنيها. كان مدمنا على أحدث تسريحات الشعر و اكسسوارات الرجال، و كانت أتعس أيامه تلك العطل القصيرة التي نقضيها بالجزائر. كان ولدي فاقد الهوية متأثرا أيما تأثر بحضارة الغرب، بل كنت أراه في كثير من الأحيان يستحي من أصوله الجزائرية، و يدعي أمام أصدقائه أنه فرنسي لولا اسمه الذي يخونه في أغلب كذباته.
و أصبحت أستشعر كثيرا تلك الهوة الحضارية التي تنام بيني أنا و زوجي، و تقف بيني و بين ابنتي في كل جلساتنا، و لكن ذلك لم يكن يزعجني بحجم انزعاجي من هوية ابني التي ضاعت بين شوارع باريس.
                           *      *      *      *     *    
    مضت أيام قليلة، و احتفلنا بالمولد النبوي الذي قادني إلى التفكير بجدية في اقتراح زوجي بالعودة إلى الجزائر.
    أشعلنا الشموع و أطفأنا الأضواء، و جلسنا على أرض الصالة مفترشين سجادا واسعا، اجتمعت العائلة الصغيرة، و على غير العادة حضر الاجتماع – مرغما- ابننا أحمد الذي عادة ما يستصغر مثل هذه الأشياء التي يراها عادات تعيدنا إلى بدويتنا الجزائرية.
أكلنا بعض التمر و الحلويات و ارتشفنا بعض الشاي... تماما كما كنا نفعل في الجزائر.
و كعادة زوجي و ابنتي تبادلا على مسمع منا أبياتا شعرية جميلة، و تبادلا الحديث عن بعض المواقف التاريخية و سير الأنبياء و الصحابة... أما أنا فوجدتني قد نسيت الكثير منها و اختلط ما تبقى منها في ذاكرتي.
    غاص زوجي و ابنتي في حديث طويل و تشعبا في التواريخ و الأمكنة و الحضارات... و عدت أنا لوحدي بذاكرتي إلى تلك السنوات التي كنت امتلك فيها أرضا و هوية و وطن !
لم يكن وطني ينتظر الأعياد ليعيش الفرح.
    في وطني كانت كل أيامنا أعياد. و السعادة كانت الصفة التي تميزنا في كل الأوقات. قد تتشاجر نسوة الحي من أجل لا شيء لكنهن سرعان ما يعدن في لحظة استسلام للعشرة التي تجمعهن. كانت الفرحة تغمرنا جميعا إذا أنجبت فلانة، أو تزوج فلان،  فتجدنا جميعا نرقص و نزغرد كأن الفرح فرحنا.
     كنت أجتمع مع الفتيات الحي بمناسبة أو بغيرها، ويأخذنا الحديث إلى ساعات متأخرة من الليل، كنا نتحدث عن كل شيء... عن الطبخ و الخياطة، عن أخبار الجيران و المقتنيات.
عن ظفائرنا الطويلة و أحلامنا الكبيرة.
عن حبنا المكتوم و همساتنا المسموعة.
عن فارس الأحلام و جواده الأبيض.
عن خصاماتنا العابرة و قلوبنا الدافئة.
.......................................
لم يكن للواحد فينا بيت بسقف و جدران و باب يحكمها مفتاح! كل البيوت تأوينا في الليل و ترعانا في النهار. كل البيوت بيت واحد.
كان لنا في الوطن أرض نتوسد أديمها، و سماء نحتمي منها بها.
ما أجمل الماضي !
    كل شيء كان جميلا في ذاكرتي التي عشت معها لحظات قبل أن يخرجني منها كلام ابنتي و هي تسأل أباها: إذا كانت الحياة جميلة في الجزائر فلما غادرتموها إلى فرنسا؟
إنه السؤال نفسه الذي يسأله الآلاف من مثلنا.
هل يوجد داع حقيقي لهذه القطيعة؟
ما الذي يدفع الانسان إلى ترك وطنه، و التضحية بهوية أبنائه؟
*      *      *  *     *    
استيقظت على صوت هاتفي و هو يرن:
-        مبارك لك، لقد فاز اختراعك بالجائزة الأولى.
أخبرت عائلتي الصغيرة بالفوز، و دعوتهم لحضور حفل التكريم معي.
و على عكس ما توقعت، لم يفرح أحد بنجاحي و لا تحمّس لفكرة الحضور، ما عدا ولدي الذي حضّر نفسه باقتناء بذلة و حذاء آخر موضة. كان فرحا جدا، لقد حصل أخيرا على فرصة للتفاخر بين أقرانه.
كانت الجائزة مكسبا مهما للشركة.
و حدثا أسال الكثير من الحبر في الجرائد.
و بالنسبة لي كانت خلاصة سنوات طويلة من البحث و التعب.
و كانت بالنسبة لابني بصمة تثبّت أقدامه في فرنسا و تبتعد بانتمائه إليها إلى أبعد الحدود.
أما بالنسبة لزوجي و ابنتي، فلم تكن الجائزة سوى خيانة أخرى للوطن، و ضغطا على جرحه الذي ينزف ألما لخيانة الأبناء.
كانت العودة إلى البيت صعبة أمام تجمهر الصحفيين و تتبع عدسات الكاميرات... تعبت كثيرا و اختلطت على المشاعر بين الفرح و الوجع؟
    دخلت غرفتي و استلقيت متعبة من هذا اليوم الطويل المختصر، السعيد الحزين، و ماهي إلا لحظات حتى دقت ابنتي الغرفة و دخلت: أنت في الحقيقة أمّ مثالية، بل و مفخرة لنا جميعا و قدوتنا الأولى في الطموح و الاجتهاد... لكن ! ... سيكون طعم هذا الفوز ألذ بأف مرة لو...( تتنهد)... لو قدّمت هذا الاختراع لمن يستحقه !
الجزائر أرض ربّت و تعبت و أعطت و أحبّت و أنفقت و وفّرت كل الوسائل من أجل أن تتعلمي. ثم عندما تعلمت و أثمر علمك تقدمين الثمار لغير زارعها؟
    ما قيمة هذا النجاح و لم يره معلموك ليفخروا بك ! و لم يره أصدقاؤك ليصفقوا لك ! و لم تره أرضك فتنتفع به، أرضك التي أمضت سنوات طويلة في تعليمك و انتظرت هذا اليوم بكل ما أوتيت من صبر، و شخصت عيناها و توقفت أنفاسها و هي تنظر إليك بفرح نظرة الأم إلى صغيرها يمد أولى خطواته.
أمي هذا النجاح للوطن، فأعيدي الأمانة إلى أهلها.
ثم خرجت.
   ما بال هذه الفتاة. كل كلامها يوقظ فيّ شهوة الحزن و يدفعني إلى بالوعة من الأسئلة التي لا أجد منفذا للهروب منها؟
هل الحفاظ على الهوية يقتضي تحضير الكسكسي؟
فرنسا أخذت منك كل شيء !
لم غادرت الجزائر و قد كانت الحياة فيها جميلة؟
أعيدي للوطن حقه في الفرح !
                          *       *       *      *      *    
    اجتازت ابنتي امتحان البكالوريا و فازت فيه بجدارة. الاجتهاد في الدراسة هو الصفة الوحيدة التي ورثتها عني، أو بالأحرى الصفة الوحيدة التي ارتضت لنفسها أن ترثها عني.
و قبل أن نحتفل بنجاحها نقلت إلينا قرارها الذي نزل عليّ كالصاعقة:
-       أنا سأعود إلى الجزائر، و سأدرس في إحدى جامعاتها.
-       تعودين إلى الجزائر؟ و أين ستسكنين؟
-       تحدثت مسبقا مع عمتي و قبلت أن أسكن عندها.
والدها كان يعرف كل شيء و ساعدها في التخطيط. أخوها كان غارقا في ملذّات باريس. و أنا كنت حطاما يصعب ترميمه.
....................................................
مرّت أيام. حضّرت ابنتي كل وثائقها، و حزمت كل حقائبها و غادرتني إلى أرضها.
بقدر ما كنت حزينة على فراق ابنتي، كنت فخورة بها و بقراراتها.
كنت حزينة لأنني لم أستطع أن ألملم الشتات الفكري في هذه العائلة الصغيرة.
كنت حزينة لأنني لم أستطع أن أقدم لوطني قرار العودة إليه مثلما فعلت هذه الفتاة الصغيرة.
كنت حزينة لأنني كنت كبيرة في أعين الجميع، صغيرة في أعين الأحب إلى قلبي: وطني، و ابنتي.
كنت حزينة لأنني بعت هويتي في مزاد فرنسي، و اشتريت هوية غريبة عني.   و بالمقابل كنت سعيدة و مطمئنة. سعيدة لأنني أهديت وطني هذه الفتاة المليئة بالوطنية. و مطمئنة لأنني أدرك بعمق أن ابنتي واعية و أنها اختارت الطريق الأصحّ.
              *       *       *    *      *    
   مرت سنتان على سفر ابنتي إلى الجزائر، استحالت خلالها حياتي إلى جحيم، فليس من الهيّن أن تعيش المرأة بين رجلين، أحدهما زوج وطني ناقم لاختياراتها، و الآخر ابن غبي يرقص على كل الأنغام التي يسوقها الريح إلى مسامعه و يلهث وراء حضارة ليست حضارته.
   تحوّل البيت إلى مجرد فندق عائلي، و تحوّل عملي في الشركة إلى مجرد أتعاب تتراكم على كاهلي اليوم تلو الآخر.
   لست متعبة الجسد فحسب، بل متعبة الضمير أيضا. ظلت كلمات ابنتي ترن في أذني طوال السنتين، كان آخرها ما قالته لي في المطار قبل سفرها عندما حاولت إغواءها بفرص الدراسة و العمل المتوفرة هنا حتى تتنازل عن قرار سفرها:
-       أنا جزائرية. أنا عربية. و لن أبيع هويتي، و لن أعرضها للمساومة في أي مزاد كان.
-       نحن جزائريون نعم. و لكننا فرنسيون أيضا. و بطاقات الهوية تثبت ذلك.
-       من عاش بهويتين مات دون هوية.
كلامها ثقيل جدّا. و بعيد جدّا. و صادق جدّا.
في الأمس القريب فقدت ابنتي.
    و الآن أنا أنظر إلى ولدي و قد أخذته مني فرنسا كما سبق و أخذت كل شيء، أصبح ولدي يدين بغير ديننا، و يعيش حياة غير حياتنا، و يعشق أرضا غير أرضنا.
    استأجر بيتا لنفسه متحججا بمنحنا الحرية في ممارسة طقوسنا الدينية، و منح نفسه الحرية في ممارسة طقوس حياته الجديدة. لا أذكر أنني زرته يوما و وجدته يبيت الليلة وحده، في كل مرة أجد معه صديقته الشقراء أو جملة غير محترمة من أشباه الرجال يحتسون سموم الخمر التي يبيحها لهم دينهم.
    عادة ما يبرر الشباب الهجرة إلى فرنسا بحجة البحث عن العمل و الحضارة و الثقافة. لكن الحقيقة واضحة للجميع و لا يمكن للشمس أن تختفي وراء الغربال. في فرنسا يجد شبابنا الطائش شقراوات بالمجان تمشين في الشارع شبه عاريات و تقبلن العيش في بيت شاب أعزب بعد يومين من التعرف إليه. في فرنسا لا أحد يسألك لماذا تفعل هذا أو ذاك؟ كل المطلوب منك هو الحفاظ على النظام العام.
باريس مدينة غبية. و كلنا نحب العيش على ضفاف الأغبياء.
هل يعقل أن أفقد زوجي أيضا؟
    استفقت من حزني على قراره بالعودة إلى الوطن و إقامة شركة صغيرة كالتي يملكها هنا. إنه يريد العودة إلى الوطن، إلى الأرض التي عاش بعيدا عنها دون أن تغيب عن فكره لحظة.
... في لحظة صغيرة.
قررت الاستسلام. قررت العودة إلى وطني لأريح هذا الضمير الذي أعياه الكذب.
رفض صاحب الشركة استقالتي و ترجاني البقاء عارضا علي مضاعفة الأجر، و مجموعة طويلة عريضة من الامتيازات.
لكنني قررت هذه المرة و لن أتنازل.
    بعد أقل من أربع و عشرين ساعة من استقالتي وصلني عرض مغر من الشركة المنافسة في السوق.
لكنني قررت هذه المرة و لن أتنازل.
كل امتيازاتك يا باريس مؤلمة. و كل جوائزك مسمومة... فأوقفي المزاد.
صباحاتك باردة. و أمسياتك يتيمة. و كل ما فيك يقلب الروح على جروح لا تشفى.
    ركبت الطائرة رفقة زوجي الذي ظل واضعا يده في يدي ( و هو الذي لم يفعل ذلك منذ سنوات) ساردا على مسمعي أجمل ذكرياته في هذه الأرض الطيبة.
كان سعيدا جدا. و كانت ابنتي أسعد منه و ظلت ساعات بانتظارنا في المطار.
ياه... ما أغرب الحياة. أيعقل أن أسافر كل تلك المسافة قاطعة البحار و الجبال باحثة عن السعادة و هي التي تسكن هنا بين شجر الزيتون و العنب و النخيل ...
هنا حيث لا تختلط الفصول بمزاج المجانين. الشتاء شتاء بأمطاره و ثلوجه و الصيف صيف ببحره و سمرته.
هنا حيث المآذن الشامخة ترفع صوتها دون خوف.  
هنا حيث لا يجهر العشاق بقبلهم الوسخة. هنا حيث الحياء صفة النساء و الشهامة صفة الرجال.
هنا حيث البيوت الآمنة و الأزواج المخلصون و الأبناء المطيعون.
هنا حيث تباع الطماطم و البصل و رائحة التراب لازالت تلتصق بها.
هنا حيث يقابلك الفلاح النحيف بوجه مسمر بشوش يعرض عليك سلعه العفيفة من التهجين و المواد الكيماوية.
هنا حيث تملأ رائحة الكسرة ( خبز معد في البيت) و الكسكسي أرجاء المدن و القرى على السواء.
ما أخذني إليك يا باريس؟
 هناك لا الأرض أرضي و لا السماء سمائي.
حطّت الطائرة...
    نزلنا مسرعين متلهفين، أخذنا سيارة أجرة إلى بيت أهلي بحكم أنه الأقرب إلى المطار: بالأحضان استقبلتني أمي، و لأول مرة منذ سنوات أحسّ بدفء الحضن و دفء الأرض و دفء الشمس.
   و لأول مرة منذ سنوات أغفيت طويلا مطمئنة مؤمنة أن لا أجمل من النوم في أحضان الأرض الأم.
  




[1] - الكسكسي: أكلة شعبية جزائرية، تحضّر من طحين القمح الذي يفتل من طرف النساء على شكل حبيبات صغيرة الحجم، تفوّر بتعريضها للبخار مرتين حتى تصبح لينة ثم تسقى بالمرق المعد باللحم و الحمص و الخضر.
 & الصورة للقاصة الجزائرية زينة السعيد و على اليمين القاصة المصرية غادة العبسي بقاعة قرطبة بالعراق.

ليست هناك تعليقات: