2016/03/01

أحمد طوسون يكتب: عجائبية الفقد والحب.. قراءة في مجموعة "سيد النخيل" لإبراهيم حسين



عجائبية الفقد والحب.. قراءة في مجموعة "سيد النخيل" لإبراهيم حسين
بقلم: أحمد طوسون
إبراهيم حسين أحد الأصوات القصصية الشابة، الذين وقعوا في أسر سحر القصة القصيرة الغامض، غير مستسلمين لسطوة وجبروت مقولة "زمن الرواية" التي أحاطت بأسوارها كثير من كتاب القصة والشعر!
 يكتب عن نفسه، وعن قريته بني صالح، وعن مستشفى التأمين الصحي التي يعمل بها وعن إيمان، بعفوية وبكارة البدايات_ وما أجملها.


يؤمن أبطال وشخوص إبراهيم حسين في مجموعته "سيد النخيل"[1]بمقولة الفلاح المصري القديم حقا نخت: (كل من بدار كأولادي، ونصف حياة خير من الموت العاجل)[2]، والتي صدر بها الكاتب مجموعته.. أشخاص تتعايش مع معاناتها من فقر ومرض وإهمال، بين حضور وغياب وفقد أحبه من خلال أسطورتها الشعبية الخاصة التي يجيد السارد خلقها وبخاصة في النصوص التي يكون شخوصها وأحداثها بالقرية/عالمه الأثير.
يسرد الكاتب نصوصه على طرائق الصياغات الشفوية التي تمتد جذورها في وجدان الموروث الشعبي، ويعمل على توظيف المعتقدات الشعبية التي يختلط بها العجائبي، بالواقعي المعاش، المرئي باللامرئي ويمتزجا معا ليشكل عوالم المجموعة التي تتسم بالغرابة طورا، وبالبراءة التي تصل حد السذاجة طورا آخر، فلكل نص أسطورته الخاصة وعجائبيته المدهشة التي يستقيها من موروث السرد العربي تلك العجائبية التي تتولد أمام الجهل بقواعد محددة لحضور وغياب الأحبة في المجموعة، ولعل ما ذكره أهل اللغة، يقدم إضاءة لنا، فالتعجب: (حيرة تعرض للإنسان عن سبب جهل الشيء، وليس هو سببا له في ذاته، بل هو حالة بسبب الإضافة إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، ولهذا قال قوم: كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب)[3]. فالجهل بمصائر الشخوص وأسباب عذاباتها أو القدسية التي يصنع هالتها السارد على مفردات صغيرة لشخوص نصوص تساهم في هذه العجائبية التي يقول عنها تودروف: (التردد الذي يحس به كائن لا يعرف غير قوانين الطبيعة فيما يواجه حدثاً غير طبيعي حسب الظاهر)[4]
ففي قصته "سيد النخيل"[5] التي حملت المجموعة عنوانها نقف أمام شعبان الطلاع الذي ورث عن أبيه رمضان الطلاع مهنة تلقيح النخل.. النخلة التي ترمز في الذهنية العربية ابنة الصحراء إلى الحياة، شعبان الذي يقوم بتزويج النخيل/أبرز ما يميز قرانا عامة، (قلم ولقح كل نخيل البلدة تقريبا والبلاد المجاورة)[6] ويهبها الحياة تحرمه الحياة من تحقيق حلمه أن يورث ابنه مهنة الحياة التي ورثها عن أبيه.. (عندما يجلس مع أحد المخلصين يقول: مش لو الولد رمضان سليم وعاش كان شال عني شوية)[7].. فالحياة كانت قاسية دون سبب معلوم لرمضان حين وهبته طفلا معاقا غير قادر على إرث مهنة الأجداد، ورغم استسلامه للقضاء وفرحه بابنه رغم إعاقته إلا أن الحياة تمعن في القسوة عليه دون مبرر مفهوم بفقده لصغيره، (فرح به عندما رآه واسماه رمضان رغم أنه لم يولد في رمضان حبا لأبيه ولكنه رآه يموت مرتين.. مرة عندما حاول الوقوف مقلدا الآخرين، ولم يقف، والأخرى عندما قضى الجرار الأحمر الضخم على باقي الحياة فيه)[8]، تلك القدرية التي تجعل فقد الأحبة أمرا محتوما في أغلب نصوص المجموعة، سواء كانت عن طريق جرار زراعي يدهس ابن شعبان الطلاع في سيد النخيل، أو الجاموسة التي تجر الولد الذي يربط حبلها على وسطه عند هياجها في قصة "قمحة"[9]، أو السقوط بالموتسيكل في الهدار كما في قصة "درب أم حسن"[10].
عجائبية تتولد من فقد موجع بلا مقدمات! أو كما يسميه العامة موت الغفلة الذي يكاد يداهم شخوص المجموعة جميعا ويترك لهم ألما خالصا لا ينتهي.. شعبان الطلاع الذي يتطلع إلى الحياة وإلى من يرث عنه مهنة أبيه يرسم لنا السارد علاقته بزوجته كعلاقة باهتة.. (أم رمضان تظل اللغز الذي يستعصي على فهم عم شعبان، لا يعرف كيف احتملها كل هذه السنين، إنهم لا يتكلمون معا إلا قليلا.. تبدو أكبر منه سنا، أختارها له أبوه.. لا يناديها باسمها مجردا فهي كما يعرفها الجيران جميعا أم رمضان)[11].. وبعد فقد الولد زادت هذه العلاقة فتورا خاصة بعد شائعة عن نيته بالزواج لإنجاب الولد.
وإذا كانت عجائبية الفقد واضحة الملامح، فإن عجائبية أخرى تتضح في السرد بعد أن ضرب شعبان الطلاع بفأسه الحبل الذي يثبته في النخلة بدلا من ضرب الجريد فيسقط وينغرس الفأس في ظهره ويموت، لكن حياته بالقرية لا تنتهي بموته ويستمر ظهوره للناس.. (ولكن حكاية شعبان الطلاع لا تنتهي عند هذا الحد حيث أنك ربما وأنت تمر بجوار نخلة رمضان الطلاع _ هكذا صار اسمها وهكذا صار الناس يتشاءمون منها_ لتجد أبو رمضان يمرق بجوارك على حمارته التي تعادل المهرة قوة وجمالا وقد حملها بالكثير من الجريد و"السلام عليكم يا أبو فلان" وعندما ترد أو تحاول تدرك ما أنت فيه من ورطة، تلتفت وراءك لتجد أن حمارته قد خطت في اللا مكان)[12].
فهنا يتجاوز الكاتب العالم الواقعي إلى موروث الحكايات العجائبية وما يسكن مخيلة العامة من معتقدات عن ظهور أشباح لمن يموتون قتلى.. لكن التمازج ما بين ما هو واقعي وعجائبي يبلغ ذروته بتدخل أم رمضان لمنع زوجها من الظهور للناس بعد وفاته لما يسببه لهم من فزع في إطار سرد عجائبي مدهش في نهاية النص.. (أما زوجته التي أغضبها الأمر فقد أخذت الماء الذي قراءته ما تيسر من القرآن ووضعته على السطح ليتلقى ندى الفجر، أخذته ومشت إلى الحقل قبيل الشروق ورشت الماء وأمرته أن يرقد ويستريح فلم يحك أحد أنه رآه بعد ذلك أبدا)[13].
"إيمان" وعجائبية الحب في مجموعة "سيد النخيل"
تطل "إيمان" على قارئ مجموعة سيد النخيل من بين سطور نصوصها، فلا يكاد يخلو نص من نصوص المجموعة الستة عشر من ذكر اسمها، بخلاف قصة حملت اسمها كعنوان "إيمان"[14]
يؤمن إبراهيم حسين بمقولة وليم شكسبير: (تكلم هامسا عندما تتكلم عن الحب).. لا يستطرد كثيرا عن علاقته بها، لكنها حاضرة دوما في كل النصوص، حتى القصة التي حمل عنوانها اسم "إيمان" وهي واحدة من أجمل قصص المجموعة تحضر إيمان وتغيب وفق سلطتها.. في قصة إيمان تتعدد الثنائيات ما بين البورتريه الضخم للسيد الرئيس يتصدر مدخل المستشفى، وما بين جدارية لفراعنة يطببون مريضا، يبدون ضخاما ومهيبون بقوة العلم، وليس بقوة السلطة كما هو الحال في صورة الرئيس، ثنائية السارد الذي لا تكتمل له علاقة حب وعلى صاحبه الذي ينجح في علاقاته الكثيرة مع البنات، ثنائية السارد ومعلم التاريخ الذي يجده في قسم النفسية ويرفض الاعتراف بوجود صلاح الدين المنقذ(القسم الذي يعمل فيه علي) بالمستشفى عند ذهابه لزيارة مريض. فكرة الرفض للحاكم الفرد، والمنقذ الفرد والتي يؤمن بها السارد في نهاية النص فتزج به لنفس مصير المعلم في قسم النفسية بالمستشفى، ثنائية المرض داخل المستشفى، وبالمجتمع وكيف تواجهه السلطة بعنف.. تتعدد المحاور والمعادلات داخل النص، لكن بين ما هو سياسي واجتماعي وتاريخي دون مقولات كبيرة بسرد أشبه بالهمس لأنه في النهاية محكوم بحضور لا يغيب لإيمان، فعندما يفاجأ بصاحبه الذي يجمعهما تاريخ قديم من صراع بضعفه أمام قوة المرض، وضغط المسئوليات الاجتماعية، تهن أمامهما قوة العضلات التي كان يتمتع بها علي، لا يجد السارد ملجئا أمام لحظة ضعفه الإنساني إلا إيمان..(سكت قليلا ثم أكمل دون أن ينظر إلى: "أتمنى أن أصنع مستقبلا لي ولأبنتي قبل أن أصاب بفيرس c وأدور في تلك الدورة التي تعرفها" بدا لي في هذه اللحظة إنسانا أكثر من أي وقت مضى، حاولت أخذه إلى عوالم أخرى" أتذكر أيمان؟" أيام المدرسة وطالبات التمريض، لم أعرف أبدا كيف أعيش قصة مكتملة.. كل قصصي بترت في المنتصف.. حتى مع "إيمان" التي حاولت كثيرا..)[15].. وعندما تتعرى الحقيقة في الشارع وتقهر السلطة المتظاهرين، أو تتعرى الحوائط فيظهر ما يخفيه الطلاء من قبح يلوذ بذكرى إيمان.. (الطلاء يتساقط باستمرار والحوائط يوما بعد يوم تصير عارية يظهر ما تحتها من قبح وينمحي شيئا فشيئا تاريخنا المرسوم.. قلبين يخترقهم سهم "تذكرت إيمان" أو حرفين متعانقين " إيمان" كتلك الرائحة التي لا تنمحي فقط تجلس القرفصاء في ركن الذاكرة)[16]
وحينما تداهمه الأصفاد والأغلال والعطش في كابوسية الشارع أو الحلم، تصبح إيمان هي المنقذ.. (أحاول استدعاء إيمان ستكون جميلة جدا بلبس العملي)[17]
إيمان التي يحتفظ لها السارد بصورة أقرب للحب العذري كما عرفه شعراء الجاهلية، تأبى الحضور حالة الهياج والتعري في قسم النفسية أو للمتظاهرين، ويحرص السارد هنا إلى نسب الرفض إليها، فهي من بين أحرف السطور صاحبة السطوة في الحضور والغياب وفق منطق سردي خاص بإيمان ينجح الكاتب أن نتوافق معه وإن خالف منطق الحكي التقليدي كما نعرفه.. (أيمان تأبى الحضور حتى اسمها الذي كانت تكتبه على شكل حرف "دو" الموسيقي)[18]
لكن حضور إيمان دائما أكبر من أن تمنعه حواجز أو أسوار أو أغلال في المعادل الموضوعي للوطن/المستشفى، السجن/قسم النفسية.. (أيمان تجلس منزوية تحت الحائط المقابل.. ايمان.. أنا لست كما يعتقدون، لا ترد)[19]
يقدم لنا إبراهيم حسين واحدة من المجموعات القصصية الجيدة التي تؤكد ما توسمنا فيه من موهبة وإن سقط الكاتب والناشر في خروج المجموعة للقراء دون مراجعة الأخطاء الإملائية واللغوية التي تحتشد بها نصوص العمل.



[1] سيد النخيل- دار العماد للنشر والتوزيع – إبراهيم حسين الطبعة الأولى 2015، والمجموعة هي الثانية للكاتب بعد مجموعته الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي"هنا يموتون مرات عديدة"
[2] الحياة أيام الفراعنة- ت.ج.جيميز
[3] تاج العروس، حققه علي شيري، دار الفكر، بيروت 1994 ج2 ص207.
[4] مدخل إلى الأدب العجائبي ، ص44
[5] مجموعة سيد النخيل ص29
[6] المصدر السابق ص29
[7] المصدر السابق ص30
[8] المصدر السابق ص 30
[9] المصدر السابق ص 35
[10] المصدر السابق ص7
[11] المصدر السابق ص31
[12] المصدر السابق ص33 و 34
[13] المصدر السابق ص34
[14] المصدر السابق ص15
[15] المصدر السابق ص 21
[16] المصدر السابق ص22و23
[17] المصدر السابق ص24
[18] المصدر السابق ص26
[19] المصدر السابق ص28