2015/11/17

"صلصال النار" مونودراما بقلم: أحمد طوسون



صلصال النار

مونودراما


أحمد طوسون



"وليس هناك إلا الروح، لو هبت على الصلصال لاستطاعت أن تخلق الإنسان"

انطوان دي سانت اكسوبري

صلصال النار



( بقعة ضوء شاحب تشق العتمة وتتجول في جنبات وفضاء المسرح ببطء مع موسيقى تعبيرية مناسبة، حيث يوجد سياج حديدي يشبه زنزانة في أحد الأجناب، وفي الجانب الآخر كرسي أمامه مكتب عليه دفتر أو أكثر إلى جواره مشجب خشبي، وفي خلفية المسرح عُلقت ألعاب ودمى من الصلصال يتوسطها لوح مسماري من الطين عليه رسومات أثرية، ثم تدريجيا تسير بقعة الضوء بحركة أسرع حتى تثبت على صندوق كبير يتوسط المسرح يشبه التابوت ويكفي لاحتواء جسد الممثل.

يبدأ الممثل _الذي يرتدي زيا أبيض يلتصق بالجسد، يجعله أشبه برجل من الصلصال_ في دفع سقف الصندوق ببطء، لتظهر كفه بقفازها الأبيض تهتز وهو يحاول تركيبها، قبل أن تثبت مكانها..

-         يااااه.. ما أصعب أن تتشكل الأشياء، أن تصير الكف كفا، وتأخذ مكانها لتمارس حياتها وصنعتها.. ( تغوص الكف داخل الصندوق وتخرج ممسكة بالكف الأخرى، تقوم بتثبيتها)، نعم.. اليد البطالة نجسة، الكف مع الكف قوة،  تصبح مهمتهما أسهل.. ( تغوصان في الصندوق وتخرجان ممسكتين بالرأس) أيتها الرأس المتحجرة، هل نسيت نفسك، أم تحتاجين بعض كواء النار لتعودين طيعة أكثر، ( تهتز الرأس وتثبت بسرعة)، أها.. هكذا.. حتى الصلصال بات يخاف النار.. أيتها المسكينة يا سبب نعمتي وشقائي.. هل نسيتِ قولهم أن النار لا تحرق مؤمنا.. ( وهو يدفع بكفيه رأسه خارج الصندوق، حتى ينتهي من ظهور نصفه الأعلى للجمهور)، ( يستطرد ضاحكا) ههههه، ولا تحرق صلصالا ( يفرد ذراعيه عن آخرهما ويتنفس بعمق) هل سمعتم عن صلصال حرقته النار؟.. هذا ما يجعلني لا أعبأ بما يؤول إليه مصيري!.. حتى إن أمروا بحرقي ( يميل وحين ينتهي من البحث عن قدمه يخرج بقدم واحدة) فأنا أعتدت الحرق، أنتقل من محرقة إلى أخرى ( يحاول السير فيكاد يسقط، فيتذكر).. قدمي اليسرى.. كدت أنساها.. أنا أعاني وأنا أسير على قدمين، فما بالك إن فقدت إحداهما ( يميل بجانبه ناحية الصندوق ويثبت القدم الثانية ويعود إلى الجمهور). في كل محرقة جديدة أصير أكثر ليونة ( يتوقف للحظة مراجعا نفسه ومخاطبا الجمهور).. لا.. أقصد تضعف مقاومتي وأصبح أكثر استجابة للمسات الحانية.. ( يراجع نفسه ويهز رأسه اعتراضا) لا .. لا تطلقوا لأفكاركم الخبيثة العنان! ( يتحرك ببطء على المسرح) أنا أتحدث عن عجينتي، عجينة الصلصال التي تصبح طوعا في يد صانعها.. في زمن الصلصال الأول قبل أن تتشكل الأشياء، كان جدي الصلصال أكثر مقاومة، لم يكن اكتسب القدرة على الانصياع بسهولة للأزميل ودقاته الحادة الموجعة التي تنكأ القلب والروح، كان كتاب قانون وحضارة من قبلكم، وقف شاهدا في وجه الزمن على تاريخنا العظيم، لم يحترف الانحناء للريح وللنار وللماء وللسلطان!.. كان من تراب هذه الأرض، تراب خالص، يحمل عنفوانها وقسوتها، ويورق بخضرة القصائد كما أرض هذا الوطن الطيب حين تداعب شفتيه زخات المطر.. ( يولي ظهره للجمهور محدثا جده) يا لبؤس أحفادك يا جدي، صاروا ألعابا تشكلها أصابع الأطفال في حصص الأنشطة!.. ( يجلس القرفصاء واضعا رأسه بين كفيه) نعم يا جدي، هذا المصير صار إليه أوفرنا حظا، أولئك الذين صاروا أحصنة ( يقلد وضعية الحصان ويصهل) يمتطيها الأولاد بسيوفهم الخشبية، ودمى ملونة ( تتلون بقعة الضوء بألوان قوس قزح) بين أصابع الصبية والبنات.. أعرف أحد أحفادك صار بيتا ودببا وأشجارا تطرح البرتقال، وآخر صار قلعة حصينة وجنودا مغاوير يصدون الأعداء في حواديت الأطفال قبل النوم.. ( يصمت برهة) ماذا.. ( ملتفتا ناحية اللوح الأثري في خلفية المسرح) ماذا تقول يا جدي: ما أجمل أن ندخل السعادة على قلوب أطفالنا!.. حقا.. حقا.. ( يتوقف) لكنني شاهدت أحد أحفادك صار بندقية تطلق رصاصها الغادر في قلب أخيه، أجنحة طائرة ذبحت بياض سحابة وأمطرت الدم بسخاء، وقنبلة أسكنت الخوف في عيون الشوارع الذابلة، صار أحفادك ألعابا للقتل بعد أن كنا أرضا للإنسانية!.. هل تريد أن تعرف كيف صرنا بهذه الليونة التي تجعل مس أصبع يشكلنا كيف يشاء؟ لم نعد من تراب هذه الأرض.. صرنا عجينة غريبة صنعها الغرباء في مصانعهم بعيدا عن أرضنا.. نعم الكيماويات والألوان الصناعية بدلت سمرتنا، ولونتنا بألوان مائعة، والدولارات أنستنا تاريخنا، جعلتنا لا نأبه لتعاليم الأجداد.. أهٍ يا جدي لوتعلم!.. ( يتعلق بأستار الخلفية، ثم يتجه بوجه ناحية الجمهور) لم نعد بحاجة إلى الحرق أو الطرق لنتشكل، صرنا نتشكل في اليوم الواحد ألف شكل وشكل.. صرنا بلا شكل!

( إطفاء ثم إضاءة)

***

( يفتح الصندوق ويخرج قبعة من القش يضعها فوق رأسه وقميصا يرتديه) كانت صنعتي الأولى فزاع حقل، ( يتخذ شكل الفزاعة) أيتها الطيور المغردة لا تقتربي من قمحي، فالأولاد بالبيت ينتظرون موسم الحصاد لتشتعل القدور بالخبز والفرح.. أيتها الريح ابتعدي عن زرعي حتى يشتد ويقوى، من أغضبك، ( يهتز ويتمايل من شدة الريح) لا تكوني قاسية علي كالنصل، كوني حنونة كرياحين الربيع، ولا تتركيني فريسة للصقيع والوحدة.. اقتربي أيتها العصافير، لماذا قدر على فزاع الحقل أن يظل وحيدا مثل حطام.. هل تتذكرين حين مر عاشقان صغيران من هنا ( يحكي بفرح) كانا ولدا وبنتا يتفتحان على الحب، عانقا جسدي ورقصنا معا ( يرقص) فرقص العالم من حولنا، تمنيت ساعتها لو كنتُ شجرة وارفة الظلال تحتضن حبهما وتغني، مالت العصافير نحونا، وغنت، سمعته يقول لها( يقلد الولد):

          -غدا نحصد قمحنا، نصنع الخبز، نبني عشنا ونفرشه بالأزهار.

ابتسمت البنت بعينيها الصافيتين خجلة وقالت ( يقلد البنت):

          -غدا أزرع لكَ حدائق لم تتذوق طعمها من قبل..

            وافتح لك باب الجنات.

تعانق المحبوبان بالقرب من سمائي، ( ينتشي) ما أجمل أن تشعر بدفء امرأة جميلة إلى جوارك، أن تلمس بيدها الحانية وجهك ( يتحسس وجهه) فتذيب الصقيع الذي يسكنك.. كانت مشاعر غريبة تنبت داخلي عن غير قصد، جعلت أعضائي تنتشي ويرتعش جسدي وودت لو نبت لي جنحان لأحلق مثلهما.. إلى وقت قريب يا جدي لم أكن أعرف أن لي مشاعر، حتى لامست تلك البنت بكفها وجهي وبنت في رأسي مدنا للأحلام، وفرشت من حولي هالة من النور والصفاء.. ( يتجه نحو الجمهور) هل سمعتم عن صلصال له أحلام؟.. ( يعود أدراجه) صدقني يا جدي نبتت في رأسي الأحلام!.. ليست أحلاما كبيرة كالتي تدور في رؤوس الناس، لكنها أحلام!.. ماذا لو دب في أعضائي الإحساس، ( يبدو وكأنه يتعلم الخطو)، أخطو نحو الكون الواسع وأشم عبير الأزهار وأحلق كعصفور بجناحي في الآفاق.. ( يحاول أن يوقظ نفسه من شروده) أحلام.. أحلام.. أحلام. من أين اكتسب الحب القدرة على تغيير العالم، من أين اكتسب القدرة على بث الروح والأحلام في الأشياء؟!

لكن في أرضي لا تعيش الأحلام.. ( يستعيد وضعية فزاع الحقل) هربت كل العصافير ونعقت بوم!.. ( يتلفت يمينا ويسارا) وهجمت على أرضي جحافل من تتار ( مع وقع أصوات جحافل التتار يتمايل بكل اتجاه حتى يسقط) قاومت.. وقاومت حتى سقطت.

من قال أن فزاع الحقل يخيف الغربان؟!

( يحاول النهوض) حين أفقت لم أجدني، لم أجد الحقل ولم أجد الحنطة في سنابلها، ذهبت إلى المخفر وقدمت بلاغا.. ( يتجه ناحية المكتب، يبدو مرتبكا أمام الشرطي)

       -سيدي الضابط.. سيدي الضابط

( يجلس على الكرسي، ويتقمص دور الشرطي)

       -من أنت؟

       -أنا.. أنا صلصال.. فزاع الحقل من الصلصال

       - هل معك إثبات هوية؟

       - أنا فزاع الحقل.. هويتي كما تريدوني.. أنا صنيعتكم.. فزاع الحقل.. كنت أحمى الزرع والقمح!

      - هل يعرفه أحد؟ ( يتصنع الاستماع)

        أرأيت، لا أحد يعرفك!

     -ومتى عَرِفَّ أحدٌ البسطاءَ؟ الزراع والصناع وجامعي قمامتكم.. أنا واحد من هؤلاء.. اسأل عني الفلاحين والأطفال وطيور الأشجار!

     - صدعت رؤوسنا.. ماذا تريد؟!

     - أحدهم سرق الحقل.. سرق فزاع الحقل..

       لا لم يكن واحدا أو اثنين..

       لو كانوا بضع أنفار لتصدى لهم فزاع الحقل!

       كانوا جحافل من همج وتتار.

( يخرج من تقمصه ويخطو نحو الجمهور) لكن الشرطي غاص بعينيه في الأوراق ولم يسمع كلمه مما قلت أو يهتم. ( يعود ويذهب ليحدث الشرطي ويترجاه) :

          -سيدي الضابط، بالحقل خبز الجدة والأم والأولاد

          بالحقل قلبٌ لولد وبنت..

          وعش صغير لم تفرشه بعد الأزهار.

( يندفع متوجعا راكعا كأن أحدهم دفعه على المكتب أمام الضابط وتسقط قبعة القش عن رأسه)

       - آآآآآه

       - ومالك أنت؟!

( يعاود النهوض بصعوبة)

      -سيدي الضابط.. سرقوا الوطن.. سرقوا البيت والحقل والمدرسة، وحلم عاشقين في غد أفضل!

غضب الشرطي وقام من مقعده وقال: لم يبق إلا فزاع الحقل ليتكلم في السياسة،( بسخرية) فزاع حقل من الصلصال!.


 وأنا لم أتكلم يوما في السياسة ولا أعرفها، هل سمعتم عن صلصال تكلم في السياسة من قبل؟.. صارت تتلقفني يد ( يُخلع عنه قميصه ويحاول المقاومة)، شعرت ساعتها أن كارثة ستحل على رأسي، تدفعني يد، لكني لم أهتم، ماذا سيضير الرأس الأجوف، لن ينزف حتى بعض الدم، تسلمني ليد، ( يحمي مؤخرته بكفيه ويحاول الهروب) تهتك عرضي يد، كنت أصرخ في داخلي، لكن لم يسقط من عيني الدمع، وا... ( يصرخ ويسقط).. لا.. لا.. لاااااااااااااا.

( ينهض ويتقمص شخصية الضابط وهو يضحك).. ههههههه.. افتحوا له محضرا وقيدوه ضد مجهول!.. لا.. لا تطلقوا سراحه، فيخرج يثرثر في الإعلام.. تقيد جنحة ضد فزاع الحقل بالاشتراك مع العصافير، وتقرر حبس المتهم الأول وجاري ضبط وإحضار باقي المتهمين.

( إطفاء ثم إضاءة)

***

( يقف خلف زنزانته ممسكا بسياجها الحديدي) وكما كان السجان، كان المسجون، كلاهما وجهان لشخص واحد، الظالم والمظلوم أقسى من حجر الجلمود، حين ألقوني في قاع العتمة لم أر إلا الظلام الرابض يأسر كل الأفكار، لم أشعر إلا برائحة البول ولزوجة دم ينزف، أفقت على صوت رفيق الظلمة يسألني:

        - من أنت؟

        - غريب، عابرسبيل، جمعنا القهر

        - ما اسمك

        - صلصال.. فزاع الحقل من الصلصال

        - ما تهمتك؟

        - لا أعرف، هل عرف مظلوم يوما ما تهمته؟!

       - ما دينك؟

( يخرج من الزنزانة ويواجه الجمهور) أقول الحق لم أعرف بماذا أجيب، هل تعرفون يا سادة دين الصلصال؟، هل يتعبد في معبد أو كنيس أو جامع، شيعي أم سني؟ معبدي يا سادة كان الحقل!

     - كافر..

     - لا.. هل يكفر من يعمر هذي الأرض ويحرس زرع الفلاحين!

       من يرسم ضحكة على شفاه الأطفال..

       ويريد الروح في يد خالقها لا في يد أزلام الشيطان.

             - كافر

            - لا

            - كافر.. زنديق.. ملحد.. يا ويلك من ناكر ونكير، وعذاب القبر والثعبان الأقرع إن لم تؤمن.. الويل والثبور وعظائم الأمور.. و..

كانت كلماته تتطاول كناطحة سحاب، تتماوج كدخان غاضب يخنقني، وأنا أرشف دخانه ولا أجرؤ أن أسعل مخافة معصية الله!.

( يتضرع أمام رفيق السجن)

        -سيدي لم أقصد، أقسم لك.

       ربما كنت أعصى الله عن جهل، عن ضعف أو نقصان

       هذا حال أبناء الصلصال

        ليس بمشيئتنا كنا ولا إرادتنا، بمشيئة من يصنعنا، بمشيئة من علمنا

      - إذن تب، وتخلص من آثامك وكفر عنها بعمل صالح.

      - تبتُ إلى الله.

      - فلتكن عيناك معصوبتين بالولاء والطاعة من أجل الله!

من أجل الله؟ ( يتساءل بسخرية) هههه.. من أجل الله.. أم من أجل وكلاء الله على الأرض، من حملوا عنه صكوك الجنة والنار، الذين سكنوا رأسي الفارغ ودخلوه بأحذيتهم المتسخة بالكراهية والدم.. يا لسذاجتي.. يا لسذاجة كل صلصال يتشكل حسب الأهواء، فلتكن عيناك معصوبتين بالولاء والطاعة من أجل الله!.. كنتُ.. وبدلا من أن أصبح صومعة للرب، نورا يهدي الضالين الحيرى في صحراء التيه.. صرت بندقية. ( أصوات متتالية لطلقات رصاص).

( إطفاء ثم إضاءة)

***

( الممثل يرقد على الأرض على هيئة بندقية، يقوم بطيئا) صحوت ذات يوم وجدت نفسي بندقية، تخترق أسوار الزنازين ( يبدو كمن يحطم حائطا ويخرج من زنزانته).. تترك سلاحليك السجان إلى ساحات وغبار المعارك.. ( ينصت كأنه يستمع لأحد) تسأل يا جدي عن أي معركة سأخوض، وهل سأل صلصال يوما عن معركته؟!.. تسأل عن أي عدو سأحارب؟.. )يفكر ثم يجيب) أي عدو.. الأعداء ما أكثرهم بالبيت وبالشارع وبحدود الأوطان، لم يعد هناك أمان، صارت ملامحهم تتشابه، لا تعرفهم ما بين الأهل والأخوة والأبناء. صار الراعي لا يعرف فرقا ما بين الذئب وما بين الخرفان!

البندقية كانت مثلي ضريرة بلا عينين، بلا قلب يهديها في هذا التيه، كانت مثلي تنتظر النار وتنتظر طرق الحدادين فوق ماسورتها لتتشكل، تنتظر من يمسك مقبضها لتلقي رأسها بين كفي من يضغط فوق زناد الموت لتطلق طلقتها/ فرحتها.. كل ما تعرفه من قاموس اللغة أن الطلقة في صدر الأعداء دفاعا عن شرف الأوطان.. البندقية في أبجديتها الأولى كانت شرفا وافتخارا، فمن حملها كل هذا العار؟!

( متجها ناحية الجمهور) البندقية يا سادة لا تخون صاحبها، لا تفقأ وحدها العيون، أو تحرم الأطفال من آبائهم وأمهاتهم في ساعة مجون.. ( يهمس للجمهور) صاحبها من خان، من بدل الأعداء بالأصحاب وضغط على الزناد.

والتهمة جاهزة دوما.. والقتل الذي حرمه الله، أباحه فقهاء الشيطان _ باسم الرب_ في كل مكان!

ما أتعسهم فقهاء الشيطان!.. خوارج هذا العصر.. ديدنهم بغضٌ أعمى بصيرتهم وأشاع الفتنة في كل مكان.

صحوت ذات يوم فوجدتني قنبلة وانفجارا.. لم تلقَّ على من اغتصب أرضنا وشرد العجائز والصغار، وإنما باتت فخا في تزاحم الأسواق، تسرق بهجة الأولاد وهم عائدين من المدارس وضحكة البيوت والأنهار والأشجار، وتسرق بهجة الأعياد، باتت انتحارا!.. ( يتجه ناحية اللوح المعلق في الخلفية).. أهِ ياجدي.. ما أقسى أن تصبح قاتلا دون اختيار، أن تصير سلاحا في يد عصبة تكره النهار.. ( يتألم دون أن تسقط دموع).. من يدثر وجعي بغطاء من الحب والأمان، من يتفهم وجع بندقية.. كلما خرجت طلقة من فوهتي أنحني حزنا كناي مشروخ، ترتجف أوصالي كرعشة عاجز مع رائحة البارود.

( يسأل الجدَ هامسا) لماذا يا جدي خُلقنا بلا إرادة، نتشكل وفق أهواء السادة من السلاطين أو الشياطين أو تجار الدين.. ( ثائرا فجأة).. كفرت بالصلصال وبكل أشكال الصلصال، كفرت بمن يسمح لنفسه أن يصبح صلصالا يشكله الناس وفق هواهم دون أن يتضرر!.. يقابل كل هذه المآسي بالتجاهل.. ( يهدأ) أشعر يا جدي أن الروح دبت فيّ، هل يمكن أن تدب الروح في الصلصال، أن يفرح بلقاء عاشقين، أن يحزن، أن يشقى ويتعس كالعامة من البسطاء، أن يفهم ما يجري ويرى الدم يلوث كفيه.. تمنيت ساعتها أن أضرب رأسي بحائط مثنى وثلاث ورباع حتى أتناثر في أصقاع الأرض فتاتا ولا أصبح عجينة طيعة في يد أحد. ( يتقدم بطيئا ناحية الجمهور) حينها شعرت بأحد يتتبعني.. ( يحاول الهروب منه بالاتجاه ناحية خلفية المسرح حتى تنجح يد في الإمساك به فيتقمص ما دار بينهما من حوار).

-         ما هذا!.. تتحاور مع أصنام؟

-         أصنام!!!.. هذا جدي.. الصلصال الأكبر.. من وثق على جسده تاريخ حضارتكم.. إنسانيتكم!

-         هُراء.. هذا هبل واللات، مناة يغوث.. هذا كفرٌ محض.. كفر جاهليتنا الأولى.. رمز الجبروت والطاغوت.

-         وحضارتنا؟!.. كل ما شيده الأجداد من عراقة.. كل ما بنوه من مجد.. كل ما دونوه من علوم وأديان وثقافة أنارت للعالم دربه.. إنسانيتنا.. إنسانيتكم.. كيف سيرانا العالم، وكيف سنرى أنفسنا؟! من سيحمل عنا وزر خطايانا؟!

-         حطمه.. حطمه لتتخلص من آثامك.. ( يهرع ناحية الصندوق ويُخرج مطرقة، وهو يمسكها بيده التي ترتعش وكأن يداً أخرى تقاومه).. ( ساخرا) حطمه لتتخلص من أوثانك التاريخية، وتتطهر من أصنام عبوديتك. ( يتجه بالمطرقة ناحية اللوح الطيني ويبدأ في تحطيمه وتحطيم دمى الصلصال).

-         ( يصرخ) جدي!.. تاريخي!.. آثاري.. إنساااانيتي.. ( بينما المطرقة تواصل التحطيم).. لاااااااااااااا.

( إطفاء ثم إضاءة)

***

(يجلس القرفصاء في منتصف المسرح، رأسه بين كفيه، يحدث نفسه، بينما تتلون بقعة الضوء باللون الأحمر) أشعر بأني مثل بيت قديم آيل للسقوط، بعد أن ضربه إعصار من الحزن.. ( ينهض بطيئا) الحزن.. ذلك الضيف الثقيل الذي يدخل القلب دون استئذان ويسكن في ملامحنا، ويقودنا إلى موت بطيء.. بين عشية وضحاها بدل مآذننا العالية إلى خرائب موت.. سكن النوافذ والشرفات واحتل عتبات البيوت، يسامر الجدات ويحكي عمن فقدوهن دون ذنب، في انفجار هنا أو انفجار هناك، وأنا في كل الحالات أطأطئ رأسي وأسير كي تستمر الحياة، في انتظار انتهاء أبديتي.. الموت راحة.. أين سمعت تلك الجملة (يحاول التذكر) لا يهم.. الموت انعتاق من جحيم التشكل، دورة بعد دورة.. أي ملامح سيصير إليها وجهي بعد كل ذلك القتل، هل ستنجح النار في غسل الدماء عن جسدي.. عن كفي، ومن يستطيع أن يغسل الروح، من يستطيع تفهم عذابات صلصال هو الضحية والجاني في آن واحد.. القاتل والمقتول.. كل هذه الدمى التي تسير في الشوارع عارية من ملامحها تنشر البشاعة والذعر دون إرادة.. ليتني أذوى كشموع المعابد كي أتلافى هذا المصير.. ( يتصنع الانصات).. هل تسمعون نواح الأشجار على أوراقها التي سقطت، نعيق البوم؟.. هل أشبعتكم وروت عطشكم أنهار الدم.. الشوارع حين صارت قبرا، وكل منا يكفر الآخر ويتهمه بالعمالة.. ياااااااا لعقم الحكاية التي ما يلبث جيل أن يعلمها لجيل آخر دون أن نمل من التكرار.. لم يبق إلا الموت والخراب يعشش في مدننا.. ( يرتبك بعد أن يلحظ نظرات الجمهور إليه).. لا.. لِمَ تطل من أعينكم نظرات الإدانة؟ ( يحاول الاختباء من نظراتهم خلف الصندوق).. لِمَ ترتدون أقنعة البراءة وبداخل كل منكم قاتل.. سفاح.. لمجرد أن يختلف أحدكم مع الآخر.. أو يخالفه في حزبه أو دينه أو مذهبه!.. هل ستتركوني وحدي يغشاني العذاب وتفرون بصكوك البراءة.. ( يخرج من خلف الصندوق غير مبال).. افعلوا ما شئتم.. سيروا إلى الدرب الذي تختاروه، كفروا عن آثامكم كيف شئتم.. فلن أتبعكم كقط مغمض العينين.. سئمت كل شيء، سئمت تكميم فمي والانصياع الأعمى لمذاهبكم العقيمة.. مذاهب الفرقة والقتل.. سئمت لمسات أصابعكم التي اعتادت أن تشكلني وفق شياطينكم الآثمة.. آه كم وددت أن أبقى لعبة تدخل البهجة إلى قلب صغير.. لعبة قطار توزع الهدايا والفرح بالمحطات ( ينهر نفسه) لا.. لا.. لا لم أعد مؤهلا لتشكيل آخر!.

( يسمع صوت قهقهة عالية، فيتلفت حوله في كل اتجاه بحثا عن صاحب الضحكات)

-         ههههههههههههههه!

-         من.. من أنت؟.. أين أنت؟ لماذا لا تظهر وتواجهني.. تواجه خطاياك التي لا تغفر.. ( يمسك رأسه متألما) أرجوك كف عن الضحك.. كُف عن الضحك بينما يتألم العالم ويحصد ثمار ما زرعته من كراهية.. تلك الضحكات تكاد تفجر رأسي الأجوف.. ( يطارد الشخص الذي لا يراه).. من أنت أيها المتخفي وراء ضحاياك؟ اظهر .. اظهر ولا تكن جبانا.. اظهر أو لا تظهر فقد عرفتك.. أنت أيضا مثلي من صلصال.. صلصال من حمإ مسنون.. ( يستكمل حوارا لا نسمع طرفه الآخر)

-         .......

-         إنسان!.. لا.. أنت واهم.. لست إنسانا.. الحيوانات أيضا من روح ودم.. لم تكن الروح وحدها فقط الفارق بيني وبينك.. حين حطمت تاريخك صرت مثلي بلا ذاكرة.. حين أشعت الدمار والقتل صرت مجرد أداة بلا قلب.. فقدت الإنسان وصرت مثلي صلصالا يتشكل حسب الأهواء.. اخرس.. لم أعد أستطيع سماع كلمة واحدة ( يصم أذنيه، ويزحف باتجاه الصندوق) لن أصبح عجينة طرية في يد أحد بعد الآن.. لن أترك رأسي وأذنيّ لوسوسة الشياطين.. لن أصبح أداة للقتل للتجار باسم الدين أو باسم السلطان أو باسم الشيطان.. إذا لم تدب الروح في أوصالي وأصبح إنسانا.. صلصالا من إنسانية عاقلة.. إذا لم أمتلك القدرة على أن اختار فالأولى أن أفنى.. لن أخضع ثانية لآلهة من صلصال دبت فيها الروح لأحمل عنها صليب آثامها.. ( يتجه نحو الصندوق ويدخله، بينما يتخلص من قدميه ويلقي بأحدهما أقصى اليمين) سأفرق جسدي في أصقاع الأرض.. ( يلقي بالقدم الأخرى أقصى اليسار) سأعود كما جدي ترابا.. ( يلقي إحدى يديه خارج الصندوق) ينتظر أن يأتي المطر.. (يلقي اليد الأخرى) ليطهرنا.. (يلقي بالرأس في مواجهة الجمهور) وينشر في مدننا الخضار.

إعتام

أيها السادة والسيدات.. إذا يوما أردتم استعادة أرواح الذين رحلوا.. أعيدوا التسامح والحب بينكم.. استعيدوا إنسانيتكم.

ستار النهاية



 *نشرت بجريدة مسرحنا العدد 431- 16 نوفمبر 2015


ليست هناك تعليقات: