2015/12/13

بنُورِ رَسُولِ الله أشْرَقَتِ الدُّنَا بقلم د / محمد مبارك البندارى



بنُورِ رَسُولِ الله أشْرَقَتِ الدُّنَا

بقلم د / محمد مبارك البندارى

عندما تدخل المسجد النبوى بالمدينةِ المنوّرة تجدُ أكثر  قصيدة البغدادىّ التى مطلعها :
بنور رسول الله أشرقت الدُّنا ... ففى نوره كلٌّ يجئُ ويذهب
منقوشة أمام الواجهة النبويّة الشّريفة على الجدارِ القبلى حول الشبّاك وحتّى جدار مُتَنَزَّل الوَحى ، كما نُقش جزء منها على ثلاثِ قبابٍ في الرَّوضة الشَّريفة ٍعلى مُشرّفها  أفضل الصَّلاة والسَّلام ،
بخطٍ رائعٍ يشعركَ بتميّز الحضَارة الإسلاميّة في فنونها ، ولا ريب فالخطّ هو لسان اليد ، وسلاح المعرفة ، ونَاقل الخبر ، وحَافظ الأثر .
وصَاحب هذه القصائِد الوترية في مَدح خير البريّة وعددها 29 – كما سنذكر - ، هو مَجد الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر بن الرَّشيد البغدادي الوتري ، شاعرٌ وفقيهٌ شافعيّ ، توفي في بغداد 622هـ وقيل  663هـ ، ودفن بجامع القبلانية ، وكان شافعيّا نظارًا فقيهًا واعظًا، قال عنه  أبو محمد عبدالله اليافعى ت 768هـــ  صاحب  كتاب : "  مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان "   :
" وقدم مصر والإسكندرية ووعظ بها وسمع منه جماعة منهم الإمام العلامة شرف الدين أبو العباس أحمد بن عثمان السّخاوي الشّافعي إمام الأزهر، والإمام العلامة قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة ، سمع منه قصائده الوتريات ، ورافقه في الحجّ ودخل أفريقية ، وجال في بلاد المغرب ، وكان ظاهر التَّدين والصَّلاح " .

وقد نظم البغدادى الوترى 29 قصيدة على عدد حروف المعجم أ . ب . ت . ث . ج . ح .... إلخ ، باعتبار “لا” حرف  ؛  بحيث تبتدئ جميع أبيات القصيدة بحرف من حروف المعجم ويكون هو القافية، وجعل عدد أبيات كل قصيدة 29، فكان عدد القصائد وترًا ،  وعدد أبيات كلّ قصيدة وترًا - أي فرديًّا وليس زوجيًّا- ، وقد أطلق عليها ناظمها اسم: " القصَائد الوتريّة في مدحِ خيرِ البريّة " ،  والبغدادى أو كما يعرف بــ الإمام الوتري، ويقال له صاحب الوترية ، له كتب في المدائح النبوية سمّاها "  الوتريات في مدح أفضل الكائنات  " ، وتسمى معدن الإفاضات في مدح أشرف الكائنات " ، وأتي فيها من ذكر ما يتعلق بالسّيرة النّبوية ،وجعل لكلّ حرفٍ من حروفِ الهجاء قصيدة منها في 21 بيتًا ، وقد طبعت في بيروت 1910 م وبهامشها القصيدة المسماة " الدّرّ النظيم بمدح النبي المصطفى الكريم للشّيخ عبد القادر الحسينىّ الأهميّ الطرابلسيّ " ،  وطبعت – أيضًا - موسومة بالقصيدة البغداديّة في مدح أشرفِ البرية في فاس 1323 هـ ،  وعدد صفحات الكتيب  31ص .
وقد حظيت هذه القصيدة : بنور رسول الله ....  بأن نُقش أكثرها أمام المواجهة النّبوية الشّريفة على الجدار القبلى حول الشّباك وحتى جدار متنزَّل الوَحى ، ويُقال لهذا المكان الذى نُقشت فيه  " شبّاك آل عمر " ، وهو مكان دار عبد الله بن عمر-  رضي الله عنهما- ، وهي الدّار التي أُعطيت للسّيدة حفصة بنت عمر  - رضي الله عنها -  بدلاً من دارها التي أخذها الوليد لتوسعة المسجد النَّبوى ، وتم فيما بعد سد بابها وصَار شباكًا في الجِدار الجنوبي للمسجِد ، ومكتوب على محيط الشّباك القصيدة الوترية التي يبدأ مطلعها:
بنُور رسول الله أشرقت الدُّنا .....ففي نوره كل يجيء ويذهب
والشّاعر هنا عبّر عن حبّه للنبى - صلى الله عليه وسلم – بوسيلة الشّعر ، من خلال قصائده التى اختار لها السّبك الجيد ، والكلام العَذب ، وحسن البلاغة ، وصدق العاطفة ، فنبينا - صلى الله عليه وسلم - أحبّه المسلمون ، وعبّروا عن حبهم له بشتى الوسائل ، وذلك باتّباع سنته من قول أو عمل أو تقرير ، واتخاذه قدوة حسنة في حياتهم .
ولا يخفى على أحدٍ  عناية الشّعراء منذ حسّان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير والآخرين من شعراء الصَّحابة - رضى الله عنهم - بالإشادة بالنّبى الكريم      - صلى الله عليه وسلم - ، وبيان شمائله وما حمله من نورٍ وهدايةٍ للبشريّةِ ، ولم يخل عَصر من العصُور إلى زمَاننا هذا من تدفّق البيان الشّعرىّ في تسجيلِ الحبّ والوفاءِ والتَّقديرِ له - صلّى الله عليه وسلم - ، ونجدُ في هذه القصائد الوترية بعض هذه الشّمائل المحمّديّة .         
والقصيدة التى نذكرها – هنا - قافيتها بائيّة ، أى تأتى بعد حرف الهمزة مباشرة في ترتيب القصائد الوترية ،   حسب الترتيب الألفبائى للحروف ؛ الذى رتّبه يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم في عهد الحجاج الثقفى ، وجاءت على بحر الطويل ، وجلّ الشعر العربى على هذا البحر كما نعلم ، وفي ضوء ما قرره النقاد من أن الإيقاع كـ ( الموديل ) أي المقاس المناسب الذي يناسب النّحيف والبدين ، مهما حدث من تغيرات ، فإن القصيدة – هنا – باعتمادها علي ( التوحد الموسيقي ) – علي بحر الطويل  – بالرّغم من تباين الأحاسيس والتّدرج في الأفكار ، وتنوّع القافية على الحروفِ الهجائيّة  ؛ فإنّها ساعدت الشّاعر عن التّعبير عن حبّه للنبىّ – صلى الله عليه وسلم - بالصّورة – كما يقولون - من الفكرة والانفعال .
فالإيقاع في الشعر يُماثل اللحن في الموسيقى ... فالبغدادى الوترى   فى هذه القصيدة لم يهمل الوزن ، فحافظ على الوزن الشعري ، لإيمانه العميق بأنّه لا يكون الشعر شعرًا إلا بالوزنِ ، كما أنّه لم يهمل القافية وإن تنوعت ، وهذه مهارة عالية ، فالبحر والإيقاع لهما نفس وظيفة القافية تأكيدًا للدورة الصّوتية التى هى جوهر الشعر.... ،  يقول البغدادى الوترى : 
بِنُورِ رسول الله أشْرَقَتْ الدُّنا....   فَفِي مدحه كُلُّ يَجِئ ويَذْهَبُ
بَراهُ جَلاَلُ الحقِّ للخَلْقِ رَحْمَةً....   فَكُلُّ الوَرَى في بِرِّه يَتَقَلَّبُ
بَدَا مَجْدُهُ مِنْ قَبْلِ نَشْأةِ آدَمٍ....   وَأسْمَاؤهُ فِي العَرْشِ مِنْ قَبْلُ تُكْتَبُ
بِمَبْعثه كُلُّ النَبِيِّينَ بَشَّرَتْ....        وَلاَ مُرْسَلٌ إلاَ لَهُ كَانَ يَخْطُبُ
بِتَوْرَاةِ مُوْسَى نَعْتُهُ وَصِفَاتُهُ......   وَإنْجِيلُ عِيسَى بِالمَدَائحِ يُطْنَبُ
بَشِيرٌ نَذِيرٌ مُشْفِقٌ مُتَعَطِّفٌ.....    رَؤوفٌ رَحِيمٌ مُحْسِنٌ مُتَأدِّبُ
بِأقْدَامِهِ في حَضْرَةِ القُدْسِ قَدْ سَعَى... رَسولٌ لَهُ فَوْقَ المَنَاصِبِ مَنْصِبُ
بِأعْلَى السَّمَا أمْسَى يُكَلِّمُ رَبَّهُ.... وَجِبْرِيلُ نَاءٍ وَالحَبِيبُ مُقَرَّبُ
بِعِزَّتِه سُدْنَا على كَلِّ أمَّةٍ....   وَمِلَّتُنَا فِيهَا النَّبِيُّونَ تَرْغَبُ
بِهِ مَكَّةٌ تُحْمَى بِهِ البَيْتُ قِبْلَةٌ....  بِهِ عَرَفَاتٌ نَحْوَهَا النُّجُبُ تُجْذَبُ
بِرَيَّاهُ طَابَت طَيْبَةٌ وَنسِيمُهَا....   فَمَا المِسْكُ مَا الكَافُورُ رَيَّاهُ أطْيَبُ
بَهِيٌّ جَمِيلُ الوَجْهِ بَدْرٌ مُتَمَّمٌ....  صَبَاحُ رَشَادٍ للضَّلالَةِ مُذْهِبُ
بِمَنْ أنْتَ يَا حَادِي النِّيَاقِ مُزَمْزِمٌ....  أرَى القَوْمَ سَكْرَى وَالغَيَاهِبَ تَلْهَبُ
بُدُورٌ بَدَتْ أمْ لاَحَ وَجْهُ محمدٍ...  وَصَهْبَاءُ دَارَتْ أمْ حَدِيثُكَ مُطْربُ
بِأرْوَاحِنَا رَاحَ الحجِيجُ وَكُلُّنَا...    نَشَاوَى كَأنَّ الرَّاحَ في الرَّكْبِ تُشْرَبُ
بِأوْصَافِهِ الحُسْنَى تَطِيبُ قُلُوبُنَا....   وَتَهْتَزُّ شَوْقاً وَالرَّكَائِبُ تَطْرَبُ
بِطَيْبَةَ حَطَّ الصَالِحُونَ رِحَالَهُم....  وأصْبَحْتُ عَنْ تِلْكَ الأماكِنِ أحْجَبُ
بِذَنْبِي بِأوْزَارِي حُجِبْتُ بِزَلَّتِي....  مَتَى يُطْلَقُ العَانِي وَطَيْبَةُ تَقْرُبُ
بِذُلِّي بِإفْلاَسِي بِفَقْري بِفَاقَتِي...  إلَيْكَ رَسُولَ الله أصْبَحْتُ أهْرُبُ
بِجَاهِكَ أدْرِكْنِي إذَا حُوسِبَ الوَرَى....  فَإنِّي عَلَيْكُم ذَلِكَ اليَوْمَ أحْسَبُ
بِمَدْحِكَ أرْجُو الله يَغْفِرُ زَلَّتِي....  وَلَوْ كُنْتُ عَبْداً طُولَ عُمْرِي أذْنِبُ










ليست هناك تعليقات: