2015/12/22

أمين الزّاوي بين شرنقة الفرنسيّة والوهم المعرفي.. ! بقلم: عبد الله لالي



أمين الزّاوي بين شرنقة الفرنسيّة
والوهم المعرفي.. !
بقلم: عبد الله لالي
غَمْزٌ في العَربيةِ في يومِها العَالمِي:
ما يزال الأديب الرّوائي أمين الزّاوي يغرّد خارج السّرب، ويعزف نغماته النشاز في أمّة ابتليت بعقوق بعض أبنائها ، فغرسوا سفافيد متلظية في قلبها الواهن، وهي ما تزال في بداية نهوضها من بين الرّكام، الذي رزحت تحته خلال قرن وأكثر من ربع قرن من الاحتلال الرّهيب..
في الحوار الذي أجرته قناة النّهار مع الروائي أمين الزّاوي حول واقع اللغة العربيّة في الجزائر ؛ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربيّة، عبّر فيه عن جملة آراء سطحيّة وساذجة تمثل مستوى الطرح العلمي الأكاديمي الذي يبشّر به ( الدّكتور الأديب أمين الزّاوي ! المنفتح على عديد من اللغات الأجنبيّة) ، نوردها فيما يأتي ونحاول مناقشتها بنَفَسٍ ساخن، يقف حول حمى الأكاديميّة ( التي يدعو إليها ويشتغل عليها !! ) ولا يعانقها بحرارة.. لأنّ أنفاسها صارت باردة مثل تماثيل المرمر.. لمعانٌ زائفٌ ولا شيء بعد ذلك سوى البرودة والجمود:

1 - عقدة النّقص لدى مثقفي العربيّة:
وهي فكرة شائعة ومنتشرة في الوسط الثقافي المفرنس وشبه المعرّب ( مثل أمين الزّاوي )، طرحتها عليه الصّحفيّة وأقرّها عليها.. وهذا الكلام ليس دقيقا علميّا ولا واقعيّا، فالآن ملايين من أبناء المدرسة الجزائريّة يتكلّمون العربيّة ببراعة، وكثيرون من أبناء هذه المدرسة يفتكّون أشهر الجوائز العربيّة في شتى فنون الأدب، شعرا وقصّة ورواية، ويمكن أن نذكر القائمة الطويلة التي ملأت صفحات الجرائد والمجّلات العربيّة في السّنوات الأخيرة .. ويكفي أنّ جلّ الشعب الجزائري صار يقرأ جرائده بالعربيّة، ويسمع قنواته الفضائيّة بالعربيّة، وانكمشت الجرائد الفرنسيّة وانزوت في بؤر ضيّقة، لا تكاد تجد لها تأثيرا في واقعنا الاجتماعي لولا ( النخبة الممتازة صاحبة بشارة التنوير !! ) المتنفّذة في مفاصل السّلطة..
وعزا أمين الزّاوي ( عقدة النّقص تلك ) المزعومة إلى أدلجة التعريب في بدايات الاستقلال، وصرّح بذلك بشكل مباشر بحيث قال أنّ عبد النّاصر هو من أرسل في أواسط الستينيات ( وزلّ لسانه وكاد يقول في السبعينيّات )[1] الإخوان المسلمين للتدريس في الجزائر تخلّصا منهم، وهم من أدلج اللغة العربيّة في الجزائر. ونسي أمين الزّاوي أنّ أول من رفع راية التعريب واللغة العربيّة في الجزائر هي جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين، بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والإبراهيمي شيخ العربيّة في الجزائر، فهل كانا من الإخوان المسلمين..؟   وابن باديس هو رافع الشعار الثلاثي الشهير والمقدّس عند الجزائريين ( الإسلام ديننا والعربيّة لغتنا والجزائر وطننا )، وهو شعار الهويّة بحقّ الذي يميز الخبيث من الطّيب، يميز الجزائر العربيّة المسلمة عن فرنسا المسحيّة الغربيّة، فإذا كانت تلك أيديولوجيا ( أكاديميًا ) فنعمت الأيديولجيا وبئست الأكاديميّة..
2 - صراع اللغات الثلاث في الجزائر:
النّقطة الثانية التي أشار إليها أمين الزّاوي ودندن حولها طويلا ، هي عدم تحديد موقفنا من البداية نحو اللغات الثلاث، العربيّة والأمازيغيّة والفرنسيّة،  وهي مغالطة بيّنة يبدو فيها التحسّر الخفي على أن الفرنسيّة لم ترسّم بقرار واضح وسيّادي في الجزائر، وإلا فهو يقول أنّ سياسة التعريب كانت مؤدلجة، أَوَليس هذا قرارا واضحا ( بغض النّظر عن سلبياته و إيجابياته ) من اعتبار العربيّة هي الأساس ولو على المستوى الشكلي، والفرنسيّة لغة أجنيّة، وليست غنيمة حرب تريد أن تَغْنَمنا قبل أن نغنمها ، كما يروّج الدّكتور أمين الزاوي ونخبته ( من نبلاء الثقافة ، مزدوجي اللغة ).. 
ثمّ قال الزاوي كلمة ( إدًّا ) : فقد زعم أنّ العربيّة أخذت موقعها في الجزائر على حساب الأمازيغيّة، ونسي أنّ جلّ الدّول التي انفصلت عن الخلافة الإسلاميّة في بداية القرن الثاني الهجري، كانت دولا أمازيغيّة خالصة في تركيبة الهيئات الحاكمة فيها ( الرستميّة ، الفاطميّة ، الحمّادية ..)، ورغم ذلك اختارت العربيّة بشكل طبيعي ولم تُطرح إشكالية الأمازيغيّة طول تلك القرون، إلا حين نجمت ناجمة الاستدمار الفرنسي واستحدث الأكاديميّة البربريّة بفرنسا، وظهرت لغة التيفيناغ التي لم يكن يعلم بها من قبل، ولا عرفها الأمازيغ، ورغم ذلك أيضا كتبت الأمازيغيّة ( حائط المبكى لدى الزاوي ونخبته، الذي يتعبّدون عند عتباته) باللغة الفرنسيّة التي تشفع لهم في حبّهم للغة فولتير ..
3 - النّقطة الثالثة ( تناقض بيّن ):
ووقع الزّاوي في تناقض بيّن لم يتفطن له إذ كانت الصّحافيّة تحاصره بأسئلتها الذّكيّة، فقال أنّ كثيرا من البلدان اتخذت لسانها الذي تتحدّث به غير اللسان الأصلي لها، وذكر أمثلة من ذلك ( الفنزوليين والمكسيكيين والأمريكيين ) فكلهم يتكلّمون اللغة الأنجليزيّة وليسوا أنجليزيين، ثمّ زعم ( متناقضا ) أنّ المشكلة الأساسيّة في الجزائر هو انتشار اللغة العربيّة على حساب الأمازيغيّة ( هو أراد أن يقول الفرنسيّة ولكن حبسه حابس الفيل!! )..
أن يتكلّم الإسبان والفنزوليون والأمريكان لغة غير لغتهم فلا حرج في ذلك، وهو أمر تحلّه فتوى الفهم العلمي والمعرفي ( !! ) أمّا أن يتكلّم الجزائريون اللغة العربيّة لغة دينهم التي اختاروها بملء إرادتهم ( رستميون وحماديون وموحدون ومرابطون )، إلى أن جاءت فرنسا العجوز الشمطاء المشؤومة، فلا .. ! في نظر الزاوي. وهو يعتبر تمدّدها غير طبيعي على حساب الأمازيغيّة اللغة الأمّ.. فيا لعجبي للمنطق المعرفي العلمي الأكاديمي الأعوج.. !!
4 - والنقطة الرّابعة: وهي الطّامة الكبرى والدّاهية الدهياء ، كما يقال أن يزعم الدّكتور الأمين الزاوي أنّ اللغة العربيّة لغة ( لائكيّة ) ، ولو سمع امرؤ القيس وزهير والنّابغة والشنفرى وأصحاب المعلّقات السبع أو العشر هذا الكلام، لقالوا لأمين الزاوي ( كيف تسفّه أحلامنا ولنا آلهتنا نعبدها نحن وآباؤنا من قبل..؟ ! ) ، لقد كان العرب مشركين يؤمنون بالله ومعه آلهة أخرى تقرّبهم إليه زلفى، فكيف تكون لغة شعرهم لغة لائكيّة .؟ هل درسوا في ( السربون ) أو معهد أكسفورد ؟ أم في الأكاديميّة البربريّة صنيعة الاستعمار ..؟
لا يا دكتور.. !! العربيّة لغة لائكيّة.. !!؟ هذه ( ثقيلة الوزن نوعا ما ) لا علاقة لها بالمنهج المعرفي ولا العلمي الأكاديمي .. !!
النقطة الخامسة:
وفي نقطة الختام تحسّر الدّكتور أمين الزّاوي الروائي والأكاديمي المعروف المشتغل على عدّة لغات أجنبيّة، على أنّ مالك حدّاد صاحب المقولة المشهورة ( الفرنسيّة  هي منفاي ) ، تحسّر على أنّه توقّف عن الكتابة بلغة باريس، لأنّه طمح إلى الكتابة بلغة باديس ولم يسعفه العمر في ذلك ، وكان هذا الموقف الذي اتخذه مالك حدّاد نصرة للغة العربيّة أعظم ( مؤَلّف ) كتبه في حياته.. تحيّة عسكريّة لمالك حدّاد رحمه الله.   

  



[1]  التعريب بدأ بشكل فعلي وقويّ في بداية السبعينيات، ولذلك أراد الزاوي أن يشير إليه، ولكنّه أراد في الوقت نفسه أن يربط الأمر بعبد النّاصر الذي كان قد توفي في ذلك الوقت، فقال أنّ ذلك حدث في أواسط الستينيات، ومعلوم أنّ المصريين الذين جاءوا للعمل في الجزائر أغلبهم أزهريون لا علاقة لهم بالإخوان وبعضهم مسيحيّون، ولكن هل يعقل أن يكافئ عبد النّاصر الإخوان على معارضتهم له بابتعاثهم إلى الخارج ...؟ ! ألم يقدّمهم إلى أعواد المشانق لتستأصل شأفتهم...؟  

ليست هناك تعليقات: